1997, مقالات, نشرة رعيتي

فضيلة الصبر/ الأحد في 27 تموز 1997 / العدد 30

هذه فضيلة ناتجة من اعتقادنا ان الله يترك الحرية للإنسان ويصبر عليه حتى يتوب. يدع له مجالا للخطيئة ولا يقهره على البر. ينتظره ليقبل النعمة النازلة عليه. الله يطلب محبة الإنسان له ولا يرغمه ان يحبه. الله توجعه خطايا الناس.

          على هذه الصورة نصبر على الآخرين حتى يعودوا الى رشدهم وهدوئهم. لا نغضب عليهم ولا نتأفف. ونبقى على وداعتنا والتواضع على الآخرين يتروضون على الوداعة والتواضع. ننتظرهم حتي آخر رمق فيهم او فينا. صَبْرُنا على الناس يأتي من صبر الله على الناس.

          عندما قال الرب: “لا تقاوموا الشر بالشر” كان يعرف ان صَدَّ الغضب بالغضب لا يشفي الغاضب ولا المغضوب عليه. لا يمكنك ان توقف الانفعال اذا وقعتَ انت في الانفعال. انت يُطلب اليك ان تشفيه، ولا شفاء للآخر الا اذا سكنك السلام. واذا استقر فيك السلام ينتهي انفعال الآخر.

           هذا لا يعني انك تهرب وانك تعتزل. الهروب لا يحل مشكلة والاعتزال لا يحل مشكلة. انت لا تتفرج على الخطيئة. تعالجها. لا يمكنك ان تحيا بمنأى عن الناس. تزج نفسك في مشاكلهم وانت حر من هذه المشاكل. تزج نفسك فيها بمداواة من كان مصابا بها. تداويه بالمحبة، بالتأني، بالحلم. الصبر فيه صلاة، انتقال الى الله. واذا انت ارتفعت ورحمت، تزيد حظ الآخرين بالارتفاع. اذا انت تغيرت، يقوى حظ الآخرين بالتغير. التغيير لا يكون بقتال الآخرين. تصير انت انسانا جديدا فيتجدد الآخرون.

          الصورة هي هذه انك تصعد الى الله وتنزل من الله الى الآخر بحيث يكون الآخر في علاقة ثالوثية وهي هذه: انت والله والآخر. هكذا يتم خلاصك بالله، ويتم خلاص الآخر بالله. هذه المسيرة تتطلب الرفق. اذا انت رفقت يحس الآخر انه محبوب. لا تلهيك معصية الآخر عن الآخر. تذهب اليه في معصيته. تضمه اليك ولا تضم معصيته. اذا احسّ انه محبوب يترك معصيته ويرى نفسه في حضرة الله، ويتحول، اذ ذاك، الى وجهه المبارك.

          بأي مقدار تصبر، الى اي حد؟ “انت تصبر على كل شيء” (2تيموثاوس 2: 10) لأن الناس، كل الناس قادرون على كل هفوة، على كل جرم. انت تتوقع كل خطيئة من كل انسان ولا تقاطع احدا. الخاطئ في ايامنا لا يحتمل اي غضب واي عزل. الكنيسة في ايامنا لا تمارس الحرم، وأظن انها لا تستطيع لأن الروح الدينية صارت ضعيفة والتماسك ضعيف. والحرم لا ينجح الا في كنيسة قوية، يعرف الخاطئ فيها انها تؤدبه لمنفعته ويخشى اذا حرمَتْه ان يفقد حقا رضاء المسيح عليه. الواقع ان كنيسة اليوم فيها مؤمنون ضعاف ومؤمنون اقوياء. ويحس من تحرمه انك غاضب عليه وانك لا تحبه. من هنا اننا بتنا اليوم في الكنيسة احوج الى الصبر على كل الناس مما كنا في الماضي. من تقصيه يفقد صبره، ولا يقبل احد ان تُخرجه عن الطائفة. يحس انك تعمل هذا اعتباطيا، كرها به. المحروم في الأزمنة الاولى كان يحس -اذا أقصيتهُ من الجماعة- انك تقصيه لكونك تريد تأديبه بالعزل، حتى اذا صار خارجا يشعر بضرورة العودة.

          ان في كنيستنا من يكره الكاهن والأسقف ويريد ان يتسلط عليه. لا يمكن الرئيس الروحي ان يزعل المؤمن لئلا يهج. يأخذه بالرأفة والتأني والأبوة ليرى ابوة الله.

          نحتاج الى امتحان كبير، الى ترويض كبير، الى آلام لنتعلم الصبر الذي يريده المسيح منا. واذا نشأ فينا هذا القدْر من الصبر ينقل لطف الله لى القلوب.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب/ الأحد في 20 تموز 1997/ العدد 29

أَحصيتُ 178 آية ضد الكذب في العهدين القديم والجديد هذا يدل اولا على انتشاره والكتاب ينطلق من ان الله لا يكذب وان الشيطان كذوب وابو الكذاب (يوحنا 8: 41)، وكأنه يقول ان صدق الله ينبغي ان ينعكس في صدق الإنسان، وان الذي يكذب ليس الله أبوه دائما يقيم الكتاب المقدس علاقة بين الكذاب والروح الشرير لذلك يقول: «ملأ الشيطان قلبك لتكذب» (اعمال 5: 3)

والكلمة الإلهية لا تكتفي بأن تعرِّف عن الكذب في انك تظهر عكس ما تضمر تذهب الى أعمق فتقول: «نكذب ولسنا نعمل الحق» (1يوحنا 1: 6) تتكلم عن طريق الكذب فهناك انسان ملتو، مغلوط في تصرفاته وليس فقط في كلامه هذا الإنسان لا يحب ان يقيم في حضرة الحق، في النور

الا ان العهد الجديد يتكلم عن الإلهام الروحي الذي ينزل علينا لنتسلح بالصدق فبعد ان يهدينا بولس على ان «نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق»، يمكنه ان يدعونا الى طرح الكذب عنا «لأننا بعضنا اعضاء البعض» (افسس 4: 32-52).

المسألة اذاً انك ان تجددت بالمسيح يمكنك ان تَصدُق وفي تجددك تعلم انك عضو في جسد المسيح الذي هو الكنيسة، والصدق يجعلك موحَّدا بإخوتك، وهؤلاء يشفونك من خطاياك اذا لم تُخفِ عنهم شيئا أنت لست أخا لمن تكذب عليه الأُخوَّة تعني التواصل والتكاشف والعلاقة المباشرة التي لا مواربة فيها ولا لبس.

مرة سألتُ ابنا روحيا اذا كان يكذب قال ولكني لا اؤذي احدا قلت له افرض ان هذا صحيح الا انك تؤذي بالأقل واحدا قال: من هو؟ قلت انت لأنك تقزّم نفسك القوة في ان تعترف والقوة في ان تجبه لأنك تصير قويا باعترافك وقويا بصدقك.

ما من علاقة ممكنة، سليمة الا اذا اتكل الآخر على ما تقول، وأقام معك اتصاله بناء على ما تقول، فإنه يقرر اموره استنادا على ما سمع منك.

قد تظن انك ترتب اشياءك اذا اخفيت بعض الحقائق قد تنجّي نفسك من الورطة مرة او مرتين، ولكن سرعان ما تفتضح فيحتقرك الناس ويعاملونك بحذر او يُبْطِلون التعامل واياك يكذب الكثيرون ولكنهم لا يحبون الكاذب الآخر تدخل اذاً في وحلة الخروج منها في كذبة جديدة.

انا أفهم ان ما يدفعك الى الالتواء قسوة الناس ولهذا لا علاج للكذب في الكنيسة الا اذا قبِلْنا بعضنا بعضا ورحمنا الخاطئ. فمَن عَرَفَ انه يبقى محبوبا مهما ارتكب يتجاسر على الصدق يتكل مسبقا على انه محضون المحب لا يحاسِب احدا على ضعفاته يُخَطِّئه في وقت مناسب في روح الوداعة ولكنه لا يراه اسوأ الناس.

اذا شاهدنا صورة الله في الخاطئ وأيقظناه ليراه،ا ورأيناه قاعدا في صبر الله عليه وصبرنا. لا بد له ان يتشجع ليبقى في نهار الحقيقة ونهار التعامل.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

الملكوت المسكوب/ الأحد 6 تشرين الاول 1996/ العدد 40

باب القلب مفتوح ليدخله الناس، كل الناس كما هم في تعبهم وتذمرهم (النق مرضنا) وشكواهم وطلب الخدمة. القلب المفتوح لا يخاف ولا يردّ احدا. لكل انسان الحق ان يقرع باب القلب وان يدفأ فيه ليحس انه مقبول مهذبا كان ام شرسا في البدء. واذا رأى نفسه محضونا يخسر شراسته. قد لا تستطيع ان تلبي كل حاجة تُطلب منك، ولكن الحاجة الاولى عند كل منا العاطفة من الإخوة الصادقين.

يأتيك من يبكي عندك. ابكِ مع الباكين وافرح مع الذي يفرح وعزّ المنكسري القلوب فإن الروح القدس هو الروح المعزي كما سمّاه يسوع في خطبة الوداع وكما نسميه فيما ندعوه عند افتتاح كل صلاة. أن تعزّي لا يعني ان تساير او ان تغنِّج. احيانا، يحتاج مكلِّمك الى كلام تقسوه فيه ولكنه يحس – ان كنت محبا – انك لا تجرحه ولا تهزأ به ولا تهمله. اذا كان عندك اليسير وطلبَ اليك العون فأعطه اليسير ويعرف انك صادق. ودائما يمكنك ان تعطيه حضورك. واذا كان لك مونة او كان لك سلطان وأَمكنك الوساطة فلا تبخل بشيء لأننا جميعا اخوة في هذا الذي احبنا حتى الموت.

لا تحاكم احدا على نياته. انت لا تعرف النية. خير لك ان تكون مغشوشا من ان تظلم احدا. “الله فاحص الكلى والقلوب”. انت غير قادر ان تفحص القلوب. لا تظن انك مفرط الذكاء ففي هذا كبرياء. استمع الى الحاجة وكن بريئا في الاستماع ولبِّ الحاجة ان استطعت لأنك تكون قد أَقرضت الله. والمسيح يتخذ وجه المحتاج فاذا خدمتَ صاحب الحاجة تكون خادما للمسيح.

هذا لا يعني ان السذاجة شرط من شروط البراءة. ولكن الإفراط في التفذلك ليس شرطا من شروط الذكاء. فتِّق المواهب عند الآخرين. هي في كثرة الأحوال محبوسة لأن احدا لم يحبهم. أحبب ترَ الناس يقترفون المعجزات. فالناس يموتون في عزلة رهيبة. كل انسان يعيش وحده. فقد يكون وحيدا وله زوجة لا تحبه. وكثيرا ما أحسَّت المرأة انها مهمَلة. الناس معظمهم مبعثَرون، مشتتون وليس من يصغي اليهم اذا ارادوا ان يبثوا شكواهم وان يصِفوا آلامهم.

هذا يتطلب منك ان تخرج من قوقعتك وان تلتقي وجه الآخر. ان لم يكن وجهك الى الوجوه فإنه منطفىء وهي بدوره منطفئة لأن واحد لم ينظر اليها.وقد يكون الناس في تهييص ومع ذلك هم وحداء ولا نقضي على عزلتنا بالهيصة. ويظن الناس انهم يلتقون الناس في عرس لأنه اصلا  موسم الفرح ولكنهم لا يتلاقون بالضرورة. ان كثرة الزينة التي يتزين بها المدعو الى العرس اشارة الى انه منعزل. الترف هو التعبير الأفصح عن العزلة. الإنفاق الفاحش دليل على عدم الفرح العميق لأن الفرح لا يحتاج الى شيء آخر ليكون. لا يزيد الإنسان شيئا على الفرح.

دعوَتُنا ان نتقاسم الفرح لا ان نتقاسم المسرّات السطحية. والفرح في ان تغفر ولا تعاتب لأن العتاب يعني انك كنت تنتظر شيئا وخُيِّبت آمالك. لك ان تنتظر صدمات ممّن كان الأعز لديك. اقرب الناس اليك قد يخونوك. هذا موجع لا ريب في ذلك. ولكن لا تترك الذين صدموك لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. قد يقصدون إيذاءك لأنهم تألموا من الحياة ويطرحون أذانهم في مرماك. تصبّر وادعُ لهم بالرؤية الصافية وبسلام قلوبهم. عاملهم بالحسنى حتى يفيقوا. هدفك عافيتهم الروحية وهاجسك انت ان يشاهدوا وجه الله لا وجهك. تريد وجوههم نيّرة. اجرتك انهم استناروا. انت تفرح لشفائهم. اذ  ذاك يردّون لك المحبة. واما ان قابلتهم بالسوء فتقع معهم في السوء ويبقون هم سجناءه.

شرَّع ابواب النفس لكل من جاءها حتى تسمو انت ويسموا. هذا هو الملكوت المسكوب عليكم جميعا.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

الأصنام/ الأحد 22 أيلول 1996/ العدد 38

آخر كلمة ليوحنا الحبيب في رسالته الاولى الجامعة: «يا أولادي احفظوا أنفسكم من الاصنام» (5: 21). لماذا يقول هذا وقد نجا مَن كَتَبَ اليهم يوحنا من عبادة الاوثان؟ قارئ الرسالة يفهم انه كانت هناك هرطقات ومنها ان المسيح لم يكن له جسد حقيقي وتاليا انه لم يتجسد وكأن الهرطقة العامة والدائمة ألا ّيحس المؤمن ان حقيقة المسيح بيننا وفينا.

هل السيد معنا وفينا اذا نحن استسلمنا لما يسلب حريتنا في المسيح وان تكون دوما عيوننا الى عينيه؟ ما من شكِ ان عبادة المال وعبادة المجد وعبادة الجسد هي من الاصنام الاءمة التي تسحر كل جيل وتراود الانسان عن نفسه ولكني متكلّم الآن عن اشياء اخرى.

منها عبادة العلم والتكنولوجيا وهي ديانة جديدة فالبعلم نشعر اننا نقتحم المجهول وكلما اقتحمناه نحس بأننا لا نخاف منه واننا اكثر فهما للواقع وإن شعرنا كثيرا اننا نقلق من هذا الذي ما كنا ننتظره. ولكن المعرفة مهما زادت لا تقلل من وطأة العصاب névrose ولا التوتر الداخلي ولا من مشاكل العائلة ولا من العزلة التي نعانيها في الكنيسة التي لا تمشي امورها كما كنا نترقب لمّا سعينا الى نهضتها. فالناس ناس وان سُمُّوا رجالا روحانيين. هذه مجرد تسمية في اكثر الأحيان ولكن بعضا منهم يفرح بالمال ويسكر بالمجد الباطل.

والعزلة نعانيها في مجتمع يقوم على التسلط وفيه الكثير من الكذب وكأن الانسان لا يؤمن بأنه يقوى بالصدق وانه يربح ماديا بالصدق واذا استطاع ان يصبر. والخوف من المستقبل لا يغادرنا، كذلك الخوف على صحتنا وهي مهددة بأمراض القلب والسرطان والضغط العالي والسيدا. واذا تلذذنا بالقصور والدُور الجميلة والأثاث الفاخر والسفر والنساء (وهن بالرجال) فلا شيء من هذا يمنع مرضا او يستبعد موتا وكأن اسباب الخوف هي اياها اية كانت وسائل الرقي والراحة. غير ان الانسان يحب ان يلهو وان يتزين لينسى همومه ويستقر الى حين وما من مستَقَرّ.

أنا لست ادعو الى ألا يتعلم الانسان ولكن ان يعرف ان العلم شيء نسبي في شمولية الحياة. ذلك ان الجاهل والعالم متساويان امام الموت وامام المرض، واذا كان الإيمان ضعيفا فميلنا ان نجعل من العلم بديلا. ليس من شيء خطِر في حد نفسه. فالمعرفة ليست خطرا ولكن الخطر ان تصبح هذه المعرفة بديلا عن القيم البسيطة التي تؤلف الوجود: المحبة في كل وجوه العطاء، المشاركة الإنسانية، العفة عن المبتذَل، العدل، الغفران وكل شيء ابدي انكشف لنا بالإنجيل.

اما التكنولوجيا فجيدة بحد نفسها لأنها تجعلنا نُكثر من الانتاج ونسيطر على المسافة ونختصرها ونتواصل مع كل جدث في العالم ونقضي حاجاتنا اليومية وبعامة نقلل مصاعب الوجود. ولكن لها ثمن ندفعه من اعصابنا ومن حياتنا الرحية ان لم نكن متيقظين جدا. هذا لا يعني ان نعود القهقرى والى الحضارة القديمة والصناعات اليدوية والى نمط البساطة. هذا حلم هروب لا يحقَّق ويقهر الشعوب الضعيفة. والأمم الكبيرة الصناعية تفرض عليك ذلك لأنها تقايضك بالآلة منتوجَ زراعتك.

يبقى لك اذا استطعت الإسهام في التكنولوجيا ألا تلجأ الى ما يؤذي الأخلاق ولا سيما في مجال الهندسة الوراثية التي تحاول اللعب بالجنات وتتحكم بالجنين وتولِد اجنة بالأنبوب وترميها بالمزبلة او تحرقها بعد ان تكون أعادت جنينا الى الأم التي تريده. نحن لسنا عبيدا للتكنولوجيا.

المهم ان تكون حرا من هذا الذي بين يديك كما كنت حرا من المال الذي تقبله والسلطة التي سُلَّمت اليك. الأشياء لا قدرة لها بحد نفسها ان تستعبدك. انت تجعلها اصناما اذا شئت. العبودية والحرية كلاهما في داخل نفسك.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة/ الأحد 2 حزيران 1996 /العدد 22

العنصرة هي الحياة الجديدة التي تنزل علينا كل يوم وتكشف لنا جمال وجه المسيح وتجعل توبتنا ثابتة. كل مؤمن يذوقها بمقدار ويرى بها رؤى فيحب بصورة مدهشة فيغفر بما لا يتصوره الناس ويرقّ ويلطف كما لا يتوقعون. العنصرة هي المسيح معطى لنا بالروح القدس فيجعلنا شهداء ونحن جبناء وقادرين على تحدي الظلم وان نستقل عن المعتبَرين أقوياء وان نتكلم بما يفوق قدرتنا كما تكلم الصيادون.

لا يكفي لهذا ان نتعلم أمور الإيمان فالكثيرون تعلّموا واجترّوا الكتب اجترارا ولم يوصلوا رسالة لأن الكلمات كانت ميتة على ألسنتهم بعد ان كانت قلوبهم منطفئة. العبادات وهي حية استقبلوها أشكالا وما أحيتهم فمروا ولم تمسسهم نار. يمكن ان يقرأ انسان كتبا كثيرة ويبقى باردا. وقد تجد انسانا حارا يعرف القليل ويقول القليل ويمكنك ان تعيش على دفئه. هذا هو سر الروح القدس.

مع ذلك اتخذ الله أدوات له في الكنيسة. أقامهم روحه اساقفة وكهنة ولكنه لم ينعش قلوبهم. انوجدوا هكذا وماتوا ولكنهم يقولون في الخدمة الإلهية كلمات الحياة تعبُر بهم عبورا ولا تدخُل اليهم. خذ انت الروح الذي تعطيه الكلمات واشكر الله. قد يوقظهم الروح يوما. صلّ من اجلهم كل حين ولازم الكنيسة لأنها محطّ الروح وجسر الروح اليك, ولا تهتم انت ان كانوا يعثرونك ويجرحون تقواك. هذه خطيئتهم. خطيئتك انت ان لم تحضر الى الكنيسة انك فوّتَّ على نفسك فرصة الاستماع الى  الكلمة واقتبال الروح الذي يأتيك بالكلمة.

لا ترتكب نميمة بأحد منهم لئلا تزعج نفسك وتمرمرها ولا تنفع بالنميمة احدا. لازم الصمت فإنه افصح دليل على ان الروح فيك, فبالصمت تطهر وتُذْهِبْ عن نفسك وعن سواك الأذى. لقد كانت طائفتنا مسرحا للثرثرة خلال بضع عشرات من السنين وربما طوال تاريخها، وراوح الفاترون مكانهم واستفحلوا في انعدام المحبة لآنهم تمرمروا وبغضوا فغضبوا.

ليكن همّك الوحيد ان تقتتني الروح القدس بطاعة المسيح. خذ المسيح من الإنجيل.اجلد نفسك به كل يوم ولا تَسْعَ الى إصلاح الكنيسة بالتجمعات الصاخبة ضد فلان او فلان ولتغيير الأنظمة وإزاحة الناس عن مقاماتهم. الصخب لا ينفع شيئا. ان لم تَطْهُرُ نفسُك طهرا كبيرا وما صفت فلا يصدر منها الا المرارة والحقد. ليجتمع الطاهر الى الطاهر بقراءة الكلمة والصلاة، وبمقدار  ما تتكثف الصلاة في الجماعة يُصلِح الناس المسؤولين منهم والعامة.الوداعة هي نفسها تعطيك الوضوح اذا اقترنَتْ بالحَزم، والحزم ينزل عليك من الروح نفسه وهو الذي يلطِّف الشدة فيك فلا يجعلها مطرقة ولكنه يجعلها دواء.

اذا صار كلامك يشفي فهذا دليل انك حامل الروح.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

النقد البناء/ الأحد 26 أيار 1996/ العدد 21

كل انسان في الكنيسة ليس فقط يحق له الكلام في كل شيء ولكن يحق له ان ينقد كل شيء. قلت “كل انسان في الكنيسة” ولم أقل في الطائفة. فقد يحسبونك أرثوذكسيا لكونك مولودا هكذا ولكنك قد لا تكون مصليا وليست على اتصال بمن يعمل ويعلّم وقد لا تكون قرأتَ ما يجب معرفته ليكون لك الحد الأدنى من المعلومات التي تخوّلك حق النقد. المؤمن الممارس, الحاضر, المطّلع على نشاط رعيته والأبرشية يعرف عمّا يتكلم وغيره لا يعرف.

الانتقادات المسلّية في الصالونات التي تتناول الأكليروس بخاصة وما قالوا وما فعلوا من شأنها ان تثبط الهمم وان تجعل الناس في حزن ويأس وكثيرا ما لا تكون مدعومة بالوقائع ولكنها مبنية على الوشاية والنميمة. فاذا كان لك شيء على الكاهن او المطران فاذهب اليه وسَلْهُ او عاتبه ونحن قائمون لسماعك وتقبل حجتك ان كان لك حجة.

لا تصدّق كل ما تسمع. تحقق الأمر وبعد هذا كلّم المسؤولين وليكن كلامك معنا من اجل البنيان حتى نصير افضل مما كنا عليه. هذا اذا كنتَ تتكلم في غيرة على كنيسة الرب. ادعُ ربك وكن الى الهدوء قبل اي مراجعة حتى يعطّر فمك بعطر  الروح. ليست الكنيسة “فشّة خلق” ولا يبنيها الزعلان والغاضب والذي يفتش عن المخانقة. “احملوا بعضكم اثقال بعض”. الى هذا دعانا بولس. كذلك قال الرسول نفسه” اذا سقط أحدكم في زلة فأَصلحوا انتم الروحانيين مثلَ هذا بروح الوداعة”. فلننتبه ألا نمزّق بعضّنا بعضا وألا يشهّر احدنا بالآخر لأن في التشهير يسكن الشيطان.

الوصية ان نستر ذنوب الإخوة. “طوبى لمن سُترت ذنوبه وغُفرت خطاياه”. ولكن الوصية تقول ايضا: “اعزلوا الخبيث من بينكم” بمعنى ان نشكو للرئاسة الروحية من ارتكب خطأ او من أساء الائتمان. فإن سكتَّ انت عمن يهدم  كنيسة المسيح تكون شريكا في هدمها. ليس من فضح لكاهن او مسؤول في الوقف امام الناس لئلا يتعثروا. ولكن الواجب يقضي ان نرفع الأمر الى الرئاسة الروحية لتُصلح الأمور وتؤدب من يجب تأديبه.

كل شيء للبنيان بعفة اللسان وكل انسان تحت الشكوى إن أخطأ لئلا نكون شركاء الظلم. “هل من اختلاط بين النور والظلمة؟”.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

الفضول/ الأحد 7 كانون الثاني 1996 / العدد 1

هو الحشرية عند العامة لأن الإنسان يحشر بها نفسه حيث لا يعنيه. وقد قبل الأخلاقيون الفضول العلمي أي السعي إلى معرفة ما في الكون وفي التاريخ والمعرفة بعامة لأن في معرفة هذا العالم ما يحررنا من جمود العقل. غير أن علماء الأخلاق لا يريدوننا أن نتدخل في خصوصيات الناس وما يهمهم وحدهم، ففي هذا هتك لحرمة الآخر. فهذا له أصدقاؤه وأبوه الروحي. أما أن نعرف نحن خطايا الناس، أن نفتش عنها بكل الوسائل فهذا يؤذينا ويؤذيهم فإذا تلهينا بهذا نكون قد أغفلنا مراقبة النفس لنعالجها. وغالبًا ما نتدخل بشؤون الغير لنفضحه وننم بحقه وهذا بدء الثرثرة.

فبدل أن تبقى خطيئته مكتومة ومغفورة عندنا سلفًا نشيعها فيُجرح الأخ بسببنا كثيرًا وييأس من نفسه ويستحيي. فالنميمة لا تقود الآخر إلى التوبة ولكنها قد ترسخه بمعصيته وتقيمه في الحزن وتقوده إلى استصغار نفسه وبغضنا. وقد جاء في الأدب النسكي: «ماذا تفعل إذا رأيت أباك الروحي يزني؟»، فقيل: «اني آخذ غطاء وأغطيه به». أنا لا أريد أن أرى ضعفه. أن نفتش عن نقائص الناس يجعلنا في كثرة من الأحوال نسقط في ما هم ارتكبوه. ولهذا أوصى آباؤنا ألا نذكر خطيئة فعلناها نحن لأن في الذكرى قوة جذب وقوة تكرار.

في الأدب النسكي أيضًا ان رهبانا شَكَوا أحدهم انه يستقبل امرأة في صومعته ولكن رئيس الدير لم يُعِر شكواهم أهمية مع انهم كرروا الشكوى. فداهم الرئيس الراهب مرة في صومعته ورأى هذه المرأة فأخذها ووضعها في صندوق الحاجيات ودعا الرهبان وقعد على الصندوق وقال لهم لما أطلوا: «أين هذه المرأة» فخجل الراهب من خطيئته وتاب، وتاب الرهبان عن الثرثرة.

عيوننا نحن إلى الناس نتقصى ما فعلوا. همنا أن نعرف إلى أين ذهب وأين مكث وفي أية ساعة دخل إلى هذا البيت ومن كان يرافقه في السيارة أو من كتب هذه الرسالة وما فيها. هاجسنا أن نعرف كيف يتعامل الناس في بيوتهم وأين سهروا ومتى عادوا من السهرة وماذا جرى فيها وماذا قال هذا لذاك.

ما الخطأ في هذا؟ انه أولا استلذاذ بالخطايا التي يقترفها الجيران أو الزملاء. لا أحد يفتش عن معصية عند الآخرين الا إذا كان منجذبًا اليها. ولكي يدفع التهمة عن نفسه يُسَرّ لمعرفة ما إذا كان الناس وقعوا فيها. ما من وصف لمعاصي الناس الا ويعرّضنا لهذه المعاصي نفسها.

ولعل الخطر الأهم ان نتلهى عن أنفسنا. ذلك ان إصلاحها يكلّف كثيرًا من العناء. التائب هو الإنسان الذي يسهر على نفسه ليقوّمها. خطايانا كثيرة، والتوبة عنها تستغرق وقتنا كله. والسهر على الذات يجعل فيها صمتًا وهدوءًا، وأما الفضول فيثير فينا اضطرابًا. والصمت خير إطار للعفة لأنه يجعلنا في مواجهة للنفس.

في صلاة البار افرام السرياني في الصوم: «… أعتِقني من روح البطالة والفضول». الفضول يأتي من البطالة. من لا يعمل شيئًا لا بد له من أن يتسلى بمراقبة الآخرين. من رأى نفسه تحت المراقبة يتألّم ويتقوقع ويمكنه أن يبغض. لا كثافة روحية في إنسان يتبدد ويُرق بلسانه العالم. وأما من لملم نفسه وعرَّضها للفحص الإلهي ينشغل بتوبتها. إذ ذاك، لا تنتبه الا إلى الحسنات تَحْسُن بها وجوه الناس ويَحْسُن بسبب رؤيتنا لجمالها وجه الله نفسه.

Continue reading
1995, مقالات, نشرة رعيتي

التابعون/ الأحد 17 كانون الأول 1995 / العدد 51

    عندنا كلمة بالعامية وهي الأزلام وفي الفصحى هي التابعون. هؤلاء نجد امثالهم في اوساطنا لا يملكون شجاعة الرأي ولا شك ان انسياقهم وراء زعيم ناتج من حاجتهم الى حماية عندما لا تحمي الدولة احدا. وهذا ورثناه من العصر العثماني في مرحلته الأخيرة عندما كان الأعيان والوجهاء يمثلون ملة الروم. كان لهذا مبرراته لأن الوجهاء يحملون آلام الشعب ويدافعون عنه ويدفعون بدل العسكرية اذا كان من الضروري ان يعفى المواطن منها.

     مع عصر الانتداب صار لنا وجهاء بلا مسؤولية. يتمتعون بالجاه الذي يأتيهم من القبائل ولا يقدمون للناس خدمة. لهم على الناس حقوق وليس عليهم واجبات نحو الفقير والضعيف. في العصر التركي قام نوع من التكافل بين الوجيه وابن الشعب، لكل منهما دوره، واما الآن فأنت تابع ولا تأتيك منفعة. وان كان من حماية فهي للزعران لأنهم يستطيعون ان يخالفوا القانون وما من معاقب.

    الوجيه الجديد يريدك ان تصمت وانت تصمت لتشتري عدم الاعتداء عليك. شرط بقائك في الحياة الذل. ويذلونك حتى يوهموك ان علاقتك بهم مبدأ. كنت اسمع في الماضي القريب: “انا مع فلان، هذا مبدئي”. وفي قراآتي المبدأ هو معتقد تبدأ منه وتبني عليه حياتك واذا جمعتك مع الزعيم عقيدة فهي مبدأك ومبدؤه. واما ان تكون معه بسبب من مبدأ فهذا ما لم أدركه بعد. من امثال هذه: كان والدي مع والده او نحن بيت واحد وما الى ذلك من عواطف مائعة فهمت منها بعد طول تأمل ان هذا الضعيف ليس له كيان في ذاته وانه لا يرى نفسه إلا محسوبا على فلان. ومعنى كلمة “محسوب” عندنا عميق اذ يعني انه يقام حساب لعائلتين او بعض العائلات في القرية او المنطقة وانها تتوزع الرعايا. وفي المجال المدني عندنا كان يقال: رعايا السلطان، لكونه يملك الأرض ومن عليها. والمستضعَفون يحتمون وهذا يوفر عليهم عناء تكوين شخصية وتفكير في امور المدينة او ما كان دونها، وينتج ناس بارزون وناس “مزمومون” لأن البروز فيه ضرورة الموقف وضرورة الدفاع عنه وان تقول احيانا لا. البروز يعني ان توافق اذا أمرك ضميرك بذلك وان تخالف اذا امرك ضميرك بذلك، ولكن الصمت لا خطر فيه ويسمح لك ان تتكئ في متكأ وثير وان تحتسي فنجان قهوة مع المَرْضيّ عنهم وان ينال ابنك وظيفة يستحقها او لا يستحقها. ألا نموت، ألا نجوع، أن نوجد ظاهريا في عيني الزعيم، ان نقتات من الفتات المتساقط من موائده قد يكون خير ما يصبو اليه الأكثرون في هذا البلد.

    كيف نوفق هذا مع وقوفنا في الكنيسة في حضرة الرب الذي نقول له احيانا نعم ونقول له لا؟ المسيح يترك التسعة والتسعين الخروف ويفتش عن الخروف الضال في الجبال ليرعاه، المسيح القائل لآخر انسان: انت حبيبي. كيف نفهم ان يكون كل منا شيئا عظيما في الكنيسة ويرضى ان يكون تافها في الدنيا؟ لا احد يثق بأنه موجود هو ولو مات كل زعماء الأرض.

Continue reading
1995, مقالات, نشرة رعيتي

المحبة لا تظن السوء/ الأحد 10 كانون الأول 1995 / العدد 50

    “المحبة لا تظن السوء” (1كورنثوس 13: 5). الانسان ظنون لأنه في حالة الخوف. لا يريد ان يرى عيوبه لئلا يضطر على التحرر منها. يظن الشر في غيره. هذا يريحه ويعذره. عيناه تخترقان قلب الآخر، هذا الذي لا يعرفه الا الله. الناس نحن نكوّن عنهم صورة فينا. اما الصورة الصحيحة فتقتضي منا رحمة، والانسان قلّما يرحم الانسان. والحركة التي يريدها الله في قلوبنا ان نثق اولاً بالآخرين. فالثقة ترفعهم وتزيدهم ثقة. كل امرئ يستحق الثقة. انها تقوّيه، تصلحه. نمتد بها اليه وهو يمتد الى الله.

    كذلك “المحبة تتأنى وتَرْفُق”. انها تفرض الصبر، والصبر يفترض ان نتعلم الإصغاء الى الآخرين، ان نفهمهم كما هم، ان نبصر الخير الذي فيهم ولو صرخوا او شتموا. لعلهم يصرخون لكونهم متألمين، لكونهم ظنوا السوء. هم ايضا يروننا على الصورة التي اصطنعوها عنا. لا احد يعرف احدا الا من خلال الصورة التي رسمها عنه، وفي هذا إجحاف في كثرة من الأحوال. ويقول الرسول ان المحبة تصبر على كل شيء، على كل أذى. فبعض الناس يريد ان يوجعنا ويريد ان يدوسنا وان يرانا تحت وطأة الدوس. مع ذلك نصبر لعلنا ننقذه من المرارة التي في نفسه. هو لا يعرف انه يظلم نفسه فيما هو يظلمنا. لا يعرف انه بذلك يكره نفسه. نعطيه حنانا هو وحده حظه في الخلاص. نرفق به لئلا يكسره قلبه. ولهذا لا نحتد، لا نثأر لأنفسنا. الآخر هو الموجود. ويزداد انوجاده إن نحن رفقنا به. بعد هذا يصير انسانا جديدا.

    الخوف من العزلة يجعلنا نمرمر الناس. نحسب اننا نتكون بهذه المرارة التي نذيقها للآخرين ولا نعرف ان العزلة لا نخرج منها الا اذا استدعينا الروح القدس ليسكن في النفس ويلطف بها. المنطلق الى كل ذلك ان الناس ضعفاء. والضعيف يحتاج الى قوي يعزيه فيدعمه. عند ذاك لا نسأله عما يفعل ضدنا او ضد نفسه. المهم ان يخرج من حزنه. لعل محبتنا تساعده ان يخرج من الأنا التي انغلق فيها. والمواجهة عسيرة، ولكن لا بد من ان يخلع عن ذاته الأطمار التي يظن انها تستره. وعيه هتك للستر الزائف. موجع ان يرى الانسان نفسه عاريا فقد يرى في نفسه عيوبا كثيرة ولكن هذا بدء البرء. أن يبرأ هذا هو همنا. ولكن لن نساعده بالقسوة، طراوتنا تجعله يدرك اننا نوشّحه بثوب من نور. يفرح اذا اكتشف انه قادر ان يتسربل حلة منيرة. نفرح نحن بدورنا بالحق الذي نزل عليه وغيّره.

    كل انسان قادر ان يصير عظيما في عيني الله. ولكنه لا يدرك هذه العظمة الا اذا جعله صبرنا والتأني ورفْقنا به يرى نفسه محبوبا، ليس من انسان محكوما الى الأبد ان يتسكع في الظلمة. ليس احد مضيئا ابدا او معتما ابدا. المضيء يجب ايضا تعزيته ودعمه لئلا يملّ فضيلته، لئلا يحس يوما ان فضيلته جفاف. والمظلم يجب ان نقول له انه يمكنه ان ينقذ نفسه من الغرق ان قَبِل خلاص الله له.

    هذه هي قصة العمر. الناس منقِذون للناس. الذين إلههم فيه وشعروا بحضرته قادرون ان يذيقوا الآخرين حلاوة الله واذ  بهم يطفرون كالأيائل ويتعجبون. الصبو الى الكمال ممكن والإصرار على الكمال مطلب للنفس التائقة الجمال. كل نفس جميلة في الأصل لأن الله الذي فيها جمالها وكل نفس قادرة أن تتحرك الى الرب لأنه هو محرّكها. ولكن هذا يقتضي ان تنفتح، ان تشتهي استقبال الخير والتلقّح بالنعمة. اذ ذاك، هي جديدة كالفجر.

Continue reading
1995, مقالات, نشرة رعيتي

الرداء والقميص/ الأحد 26 تشرين الثاني 1995/ العدد 48

    “من انتَزع منك رداءك فلا تمنعْه قميصك” (لوقا 6: 29). كلام السيد هنا قاله “في مكان منبسط”، في سهل، وله ما يقابله في العظة على الجبل كما أوردها متى. نقف عند لوقا لنعرف فكر المسيح في عمقه. جاء هذا الكلام بعد قول الرب: “احبوا اعداءكم، وأحسنوا الى مبغضِكم”. ومِن بغْض عدوِّك لك ان ينتزع منك رداءك. والرداء هو الثوب الفوقاني المستعمل غطاء في الليل كالجبة الشرقية او العباءة. وفيه قالت الشريعة الموسوية: “اذا استرهنت رداء قريبك، فعند مغيب الشمس رده اليه، لأنه ستره الوحيد وكساء جلده، ففيم ينام” (خروج 22: 25). ويؤكد هذا سفر تثنية الاشتراع القائل انك ان رددت الى الإنسان رداءه يباركك. مع هذا ينوجد ناس اشرار لا يردونه. ونعرف اهمية الرداء عند العرب الذين ليس عندهم إحرام صوف ولكنهم يغطون انفسهم بالعباءة.

    فاذا انتزع منك رداءك يبقى لك قميصك وهو الثوب الذي يُلبس على اللحم وبدونه انت عارٍ. مع ذلك يقول السيد: “من انتزع منك رداءك فلا تمنعه قميصك” فتكون مجردا من كل شيء. يتبع هذا قول المخلّص: “كل من سألك فأعطه”.

    ان تكون بلا سلاح امام الآخرين سوى سلاح حبك لهم. هم يستضعفونك فيجردونك ويظنون انهم جعلوك حقا بلا مأمن. انت تقول لهم: انا لست متمسكا بأي شيء يعتبره كل الناس اساسيا ورمزه في الحضارة التي عاش فيها يسوع العباءة. تقول: لا اريد شيئا انتم تعتبرونه حماية لي من برد الليل وهو عندي ليس بشيء. تقول: تريدون القميص الذي اذا انتزعتموه تجعلونني بلا حماية إطلاقا، في العراء الكامل، سخرية للناس. اسخروا ما شئتم لا يزد ذلك على قامتكم شبرا واحدا. هذا يضعف طاقتكم على الحب. انا الله قميصي اذ اقول له مع صاحب المزامير: “انت ستر لي”. يسخر عدوك من مبادئك اي من عقلك. هذا لا يزيده كبرا ولا يجعل قناعاته صحيحة. انت حر من الناس لأنك تسكن في قلب الله.

    في بلادنا كلمة تُسْكر جميع الناس وهي كلمة كرامة. انت تثأر لكرامتك لأنك تظن انها للنفس مثل القميص للجسد. إنْ احد انتزعها لا يبقى لك شيء. الحق انك لابس كرامة الله. عدوك يظن انه يطعن في كرامتك. في الحقيقة انه يطعن نفسه. إنْ وضع الله كرامته عليك لا يقدر احد ان يجردك منها. فليسبّ ما شاء وينم قدر ما يشاء. يجعل نفسه في الأذى. لا يطالك. لا يصيبك.

    ان انت ثأرت لما حسبته كرامة لك ماذا تفعل؟ تشتمه. تصرخ في وجهه. تحاول ان تقنعه بكرامتك. هذا دفاع عما تظنه حقا لك. الحقيقة انك عارٍ. أقلّه ان احدا لا يستطيع ان ينتزع منك هذا الغنى العظيم الذي هو عراؤك. انت في الحقيقة لبست ثوب المحبة. سَتَرَك الله بنوره. انت مُضاء. انت اذاً مضِيء.

Continue reading

Popular posts

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن...

عناد الله / السبت أول كانون الأول 2012

انت لم تخلق الناس ورماك الرب في أيديهم فانه ما نجاك من الوحوش وهي بطبيعتها كاسرة وانت في غابة ولو اشتهيت ان تعيش مع حملان. ولو شاء ربك ان...