2001, مقالات, نشرة رعيتي

وحدة الرعية/ أوّل نيسان 2001/ العدد 13

لعل الصعوبة الكبرى التي تعثرنا في الطريق إلى المسيح هي انقساماتنا الداخلية في كثير من القرى اعني بها انقسامات العائلات في ما بينها. ولست أريد الآن ان احلل العصبيات التي تحول دون ان نصير، حقيقةً، رعية واحدة ليسوع في القرية. فلقد قررنا إنشاء مجلس للرعية فأصبح هو المكان الذي يظهر فيه هذا التفسخ فنبطئ المسيرة أو نؤجل الأعمال ونتحاسد ونتباغض ونرتكب النميمة، ننتقد بعضنا بعضا، وذلك ليس للبنيان.

          ويعرقل هذا -حيثما وجد- عمل الكاهن. فإذا لم يكن كثير الحكمة، عظيم النضج فلا يقدر ان يعبر هذه الزواريب ويضطر ان يكتفي بإقامة الصلاة إذ يحس بأنه لا يستطيع ان يجمع الناس في هدوء.

    هل أتوقع الأعجوبة في هذا الصوم حتى نعود إلى الله ونترك كل توتر بيننا لنجعل حياتنا في الرعايا تقوم في جو إنساني طيب وهذا على الأقل وتكون في مناخ من التفاهم والإخاء؟ وليست الغاية فقط ان تتم المشاريع في وئام، وليس هذا الأهم بل الأهم ان تكون القلوب متلاحمة والنيات صافية عارفين ان كنيسة المسيح ملتقانا. وإذا عدت إلى ما نرتله اليوم في الكنيسة: «ليس ملكوت الله طعاما وشرابا، بل بِرّا ونسكا مع قداسة»، فهذا يفرض علينا ان نغير كل مسالكنا وان ننتهج نهج التواضع والوداعة لنصبح مرضيين عند الله. فما نفع الإعمار وإدارة الأموال إذا كانت القرارات لا تُتخذ باحترام الآخر واللطف به بحيث تأتي حجارة الكنائس في ترابطها صورة عن ترابط النفوس بعضها ببعض. ماذا تنفع كنيسة الحجر ان لم يكن عندنا كنيسة بشر؟

    الكنيسة هي انتم وكل منكم فردا فردا. وهي تريد كلا من أبنائها ان يساهم في تكوينها في رأيه ووجوده ومساهمته. وهي لا تستغني عن واحد.

    من أهمل أخا من الإخوة أو جافاه أو قاساه أو استكبر في تعامله وإياه فهذا لا يكون قد دخل إلى هذا الصوم ولا ينتظر العيد. كيف يقال عن أية رعية انها مسيحية ان لم تصغ إلى قول الرب: «بهذا يعرف الجميع انكم تلاميذي ان كنتم تحبون بعضكم بعضًا»؟ كل رعية مدعوة إلى ان تكون قطعة من السماء وتسلك هنا كما يسلك أهل السماء.

    نحن لا نسكن القرية، نحن نسكن الفردوس. بلا هذه الروح ليس عندنا فصح. بلا فصح في القلوب لسنا شيئا. ان نصنع البِرّ كما تدعونا صلاة السَحَر اليوم هو ان نكون في الضيعة كما نكون في القداس «فيمنحنا الرب عوض الأرضيات السماويات». والمقصود بهذا الكلام انه يجعلنا سماويين هنا أي كأننا عائشون في السماء.

    يا أحبائي هل تريدون ان نجعل كنيسة الجبل عروسا للمسيح لا عيب فيها، بهية، نضرة تتلألأ في كل واحد منكم؟ حاولوا جدّيين ان تصالحوا بعضكم بعضا، ان تغفروا وتستغفروا، ان تستمعوا إلى الآخرين بدون محاكمة مسبقة لنياتهم، مستعدين ان تتركوا آراءكم إذا اقتنعتم بصواب فكر آخر. من الغفران ان تنسوا، ان تسعوا إلى الأمام، إلى الأفضل والأفضل هو المسيح.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

بعض القواعد الأساسية/ 18 آذار 2001/العدد 11

يزيد عِلمُنا في هذا الصوم اننا جميعا خدام في كنيسة الرب. خدام للكلمة وخدام للمحبة وذلك في قبول كل منا للآخر في روح الوداعة وصبر لا ينتهي. في هذه المحبة التي تجمعنا قواعد موضوعة من الله وما أنا إلاّ مُذَكِّركم بها.

          أولا- في هذه الكنيسة علينا سادة وهم ليسوا الكاهن انه خادم. وليسوا هم الأعضاء في مجلس الرعية وكلهم خدام، وليس لأحد كرامة إلاّ تلك التي يتخذها من حضوره وتضحياته والسهر على الآخرين. يبقى ان هناك مؤمنين هم وحدهم سادة وهم الفقراء لأن السيد سمّاهم «اخوتي هؤلاء الصغار». كذلك سمّى المرضى والسجناء والعراة. والإخوة الصغار هم المُدَلَلون في العائلة. والأصغر بين الصغار هو المُدَلَل الأكبر.

          من هنا ألفتكم لفتا شديدا إلى ان القسم الكبير من أموال الرعية هو للعناية بهم أطبابة كان هذا أم إعانات مدرسية وما إلى ذلك. أنا لا أحب مجلسًا لا يولي هذا الجانب من الانتباه رعاية خاصة.

          ثانيا- قلتها غير مرة ان عندنا أوليات في العطاء. القاعدة في ترتيب الأوليات وهي إلهية ان البشر أَولى من الحجر. استنتجوا من هذا ان تعزيز الكاهن ماليا أهم من بناء كنيسة وان هذا التعزيز لا يؤجَل حتى تنتهي الكنائس. وان دعمنا للفقراء أهم من بناء كنيسة. هذا القول هو للقديس يوحنا الذهبي الفم. انا يُكَهرِبني ان اسمع: يا حضرة الكاهن انتظر حتى نبني أو يا فقير انتظر حتى ننهي القاعة.

          ثالثا- ليس الكاهن موظفا عند العلمانيين وليس علماني وَلِيَّ نعمة الكاهن ولا يستطيع مجلس الرعية ان يبخل بمال لا يملكه. هذا مال يتولاه وهو ملك الله. لذلك يُستعمل المال بروح الله. مقابل ذلك يسقط الكاهن سقوطا كبيرا إن احتقر أحدَ المؤمنين أو زجره زجرا شديدا أو خَشِيَ كبيرا في القوم أو راعى نافذا أو غنيا ضد القانون الكنسي.

          رابعا- ليست الكنيسة مزرعة عند أحد أو مطرحا لمُسَيطر أو «فشّة خلق» بين الناس. نحن في الكنيسة إخوة ولا يدخل عتبتَها صراعُ السياسات القَرَويَة أو العائلية. هناك إنسان واحد ترجع إليه الأمور وهو الذي وُلّي الرعاية بأمر إلهي.

          خامسا- ليست كارثة ان يُعَيَّن أي إنسان في مجلس رعية، وليست كارثة أن تُنهى ولاية آخر أو ألا تُجدَد المسؤولية لأي إنسان. كلٌّ يموت لذلك يمكن الاستغناء عن أي إنسان. قد لا تصل إليَّ معلومات دقيقة عن المؤمنين الذين أعيِّنهم في المسؤولية. هذه ليست فاجعة. المهم المراقبة من كلِّ جوانبها. افسحوا في المجال للآخرين كي يتعلّموا ويتروّضوا.

          وفي كل هذا اسلكوا بخوف الله ورضاه محتملين بعضكم بعضا بالغفران ومُنَقين نفوسكم بالصيام حتى تَلِجوا باب الرحمة. اذكروا ان المسيح شَرَّفكم جميعا بالمعمودية وان كل ترتيب دنيوي أقل أهمية من أن تَقبَلوا بعضكم بعضا بالحنان والرقة.

Continue reading
2001, مقالات, نشرة رعيتي

أحد استقامة الرأي/ الأحد 4 آذار 2001 / العدد 9

العبارة القديمة عندنا اذا تكلمنا عن الإيمان نقول انه الايمان الارثوذكسي، وفي العربية «المستقيم الرأي»، ومدلوله الآخَر المستقيم التمجيد بمعنى ان الفكر الصحيح يبعث إلى صلاة صحيحة. واذا أقمنا اليوم ذكرى رجوع الايقونات إلى الكنائس بعد أن حطّمها ملوك بيزنطية، نسمّي هذا اليوم احد استقامة الرأي لأن تكريم الايقونـة بعض من الايمان المستقيم الرأي. فالارثوذكسيـة تثبّتـت بانتصار الايقونة ورفعها في معابدنا الأحد الاول من الصوم السنـة الـ 843.

كانت الأيقونة مغيّبة لأن بعض أَباطرة الروم أَعلنوا عليها حربا وسجنوا المؤمنين بها آلافا. الايقونة لها شهداؤها، وبسببٍ مِن حُبّنا لها نشأ هذا الجدار القائم بين الهيكل وصحن الكنيسة الذي سُمّي «الايقونسطاس» اي حامل الايقونات. المؤمنون بسببٍ مِن إكرامهم للصور المقدسة أخذوا يضعونها على حاجز غير مرتفع كان يفصل الهيكل حيث الإكليروس عن صحن الكنيسة حيث العلمانيون. في القرن الخامس عشر اخذ الايقونسطاس شكله المرتفع جدا  في روسيا ثم في كريت والبلاد اليونانية ومنها جاء إلينا.

طبعا قبل حرب الايقونات كانت الفسيفساء (الموزاييك) تزين جدران الكنائس، ومنها صُنعت صور السيد ووالدة الإله والقديسين والأعياد السيدية. وبعد هذا جاء التصوير الجداري (fresques)، وكانت بلادنا مليئة بها في القرن الثاني عشر، وبعضها امّحى أو غطّاها الجهلاء من وكلاء الكنائس. الكنيسة الارثوذكسية دائما كانت مرسومة. كلها ايقونة واسعة مديدة، ولم نعرف يوما نحن الحجر العاري داخليا. كنيستنا ايقونات تدعمها الحجارة.

من معابدنا خرجت الايقونة إلى منازلنا لكوننا أَحسسنا أن البيت كنيسة صغيرة. في روسيا ليس من شخص ارثوذكسي الا وعنده ايقونة شفيعه في المنزل. والذي يتزوج يُهديه ذووه أو الأصدقاء دائما ايقونة تُمثّل احيانا شفيعه وشفيعة عروسته معا.

ما من شك ان الايقونة كانت من اهم العوامل التي شددت الإيمان عندنا في عصور الاضطهاد. كثيرا ما كانت الكنائس في اوربا الشرقية مغلقة بعد سنة 1917. ولكن الايقونة كانت الصلة بين العائلة والإيمان الارثوذكسي. ثم دائما يحملها الارثوذكسي في حقيبته اذا كان مسافرا ويضعها قرب سريره في الفندق. نحن نؤمن انها إطلالة المسيح علينا ونناجيه من خلالها ونعرف اذا قبّلناها اننا نعانقه. الشعوب الارثوذكسية يحسّون انها طريقة الإلفة مع السيد المبارك وأنها ظرف فرح.

إلى جانب الظرف التاريخي الذي حول الذكرى في الأحد الاول، يأتي فرح الايقونة مكلِّلا الأسبوع الاول الذي نمارس فيه تقشُّفا شديدا خاصا.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...