2003, مقالات, نشرة رعيتي

ديانة الاستنساخ/ الأحد 19 كانون الثاني 2003 / العدد 3

ثلاثة اشخاص يعملون على الاستنساخ البشري منهم بريجيت بواسليه الفرنسية العضو في دين جديد هو دين الرائيليين الذي اسسه فرنسي سمى نفسه رائيل اي نور الله. زعم انه التقى كائنا بشريا جاء من خارج الأرض. وهذا كشف لرائيل ان البشر صُنِعوا خارج الأرض وأُرسلوا اليها من ضمن خمسة وعشرين الف سنة، وسمى هؤلاء إلوهيم وهي تعني الله في التوراة.

يجمع الرجل تبرعات لبناء سفارة قرب القدس، واذا لم تسمح له دولة اسرائيل بذلك يقيمها في الأراضي الفلسطينية. يقول عن نفسه انه «خاتمة الأنبياء» وأخ غير شقيق ليسوع. ولكنه اضاف في برنامج للمؤسسة اللبنانية للإرسال يوم الأحد في 5 كانون الثاني انه يؤمن ايضا بمحمد.

تَبيّن من استقصاء الصحافة الأجنبية ان الرجل ثمرة علاقة غير شرعية وامرأة تدعى ماري. تقول الصحافة الاجنبية انه ملحد. ولكن عنده طقوس احدها شبيه بالمعمودية.

رائيل وبواسليه التي انتمت الى الفرقة يقولان ان الاستنساخ مفتاح الحياة الأبدية (بنقل الدماغ إلى كائن آخر). طبعا مفهوم هذا الدين انها حياة دائمة في تناسخ الأجساد بعضها عن بعض علما ان الدماغ الآخر يتأثر بالبيئة الجديدة والتربية وان المطابقة الكاملة لا يمكن ان تصح في الكائنات الحية المتقلبة حكما.

يصرح دعاة هذا الدين انهم يجتهدون في خلق كائن حي اصطناعيا، 100% في المختبر.

ماذا جرى فعلا عندما اعلنت بواسليه ان الطفلة «حواء» ولدت في 26 كانون الاول الماضي؟ هل ولدت حقا؟ اين هي؟ العملية التي قيل انها تمت أنّ امرأة اميركية عاقرا انتُزع لها خلية من جلدها وبويضة منها، وبعد التقائهما بواسطة حركات كهربائية، وضع الجنين في حشا المرأة، وولدت الطفلة بعملية قيصرية. وسوف يتأكدون علميا من نسبة البنت إلى والدتها (لماذا لا نسميها اختها؟). ولكن تبين من آخر الأخبار ان شركة «كلون ايد» التي يملكها الرائيليون لن تُخضع الطفلة حواء لاختبار الحامض النووي D.N.A وذريعة ذلك الرفض خوف الأهل ان تُخطف منهما الطفلة.

اذا صدقت «الأسقف» بواسليه -كما تسمي نفسها- ستواجهنا اسئلة قانونية ودينية. وسوف اتكلم عن الجانب الديني الأسبوع القادم. ولكن هناك حملة من الرسميين في فرنسا وألمانيا والمجموعة الاوربية وعدة بلدان على هذه التقنية. الرئيس شيراك اعتبر هذه العملية جرما، وينتظر الناس تشريعات في كل مكان ضد الاستنساخ البشري.

في البرنامج التلفيزيوني الذي ذكرتُ وكنتُ فيه مع رائيل وبواسليه (هما تكلما من كندا)، وذكرتُ ان الانسان ذكر وانثى، ردّ عليّ رائيل ان ما عملاه موجود، كانت حجتي عليه ليس كل موجود مباحا. فاذا كان البحث العلمي امرا جيدا، فلا يعني ذلك أن إنتاج كل شيء مباح. ثم عَلّقتُ ان القنبلة الذرية موجودة ولكن استعمالها هو ضد الإنسانية.

هذه الديانة الجديدة التي يقال انها تَعدّ حوالى خمسين الفًا في العالم قد تندثر ولن يوجد كثيرون ليعتقدوا اننا جئنا من خارج هذه الأرض. غير ان الاستنساخ البشري امر خطير جدا بل هو الدمار عينه للإنسانية كما نعرفها.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد الذي بعد الظهور الإلهي/ الأحد 12 كانون الثاني 2003 / العدد 2

من العناصر التي نأخذها بعين الاعتبار لمعرفة أهمية عيد هو درجة اهتمام الكنيسة به طقوسيا. فالظهور الإلهي (الغطاس، شعبيا) تقرأ فصول مختلفة متعلقة به: السبت الذي قبله، الأحد الذي قبله، أناجيل 7 و 8 و 9 الشهر، السبت بعد الظهور، الأحد بعد الظهور المنشور اليوم. الغطاس محوري جدا. وبعد إعلان العطلة الرسمية لم يبق من عذر للغياب.

          الكلام اليوم يجري عن حدث بسيط في حياة السيد وهو تركه لمدينة الناصرة واتخاذه كفرناحوم القريبة منها مقرا له. في مدينته الناصرة لم يكن مرغوبا فيه كثيرا. ربما كانت كفرناحوم افضل لاستراتيجية البشارة بسبب من اختلاط شعوب فيها لكونها نقطة تجارية. ولكن لما صار  حدث الانتقال، قرأه متى على خلفية النبي اشعيا: أرض زبولون وارض نفتاليم (الى بقية ما استشهد به الإنجيلي من العهد القديم). والمعروف ان متى كان دائما يحاول ان يسند الحوادث التي جرت للسيد على الأنبياء لأن هاجسه التبشيري كان إقناع اليهود او دعم الإيمان عند من تنصَّر منهم.

          فهذه الأرض التي حول كفرناحوم، التي تنبأ اشعيا انها ستبصر نورًا عظيمًا، رأى متى في اقتباسه المقطع من النبي القديم انها بإطلالة يسوع الناصري عليها ومكثه فيها، انها الآن تبصر النور. وتاليا هذا النور الذي شوهد بظهور الثالوث في نهر الأردن انما هو لا يزال محمولا في شخص يسوع ولن ينطفئ وسيظهر على جبل ثابور ثم يظهر في ثنائي الصلب والقيامة بانتظار سطوعه في اليوم الأخير.

          غير أن خاتمة الفصل الذي نقرأه اليوم هو ان يسوع ابتدأ يكرز ويقول توبـوا فقد اقترب ملكـوت السمـوات، وكأن متى يقـول: هذا النـور الذي ظهر بالمسيح ان لم تقتبسوه انتم بالتوبة يكـون وكأنه لم يظهـر. في البدء يعطي المسيح النـور بالكـرازة. تاريخيا، يسوع مبشر جوال، يعطي ما عنده اي كلمة الله. ولكن انتم اذا سمعتموها وقبلتموها فهي تدفعكم الى التـوبـة. فكما جاء الله اليكم بالكلـمة تجيئـون انتم اليه بالتوبة. هذه ليست كلمة تقولونها. فالرب لا ينتظر منكم كلمات. ينتظر رجوعكم الفعلي اي تحول قلوبكم اليه.

          كيف كان يمكن الناس ان يتوبوا آنذاك؟ الجواب انه قد اقترب منهم ملكوت السموات، اي ان الملكوت قد جاء. والملكوت هو اولا الملك ثم يأتي الذين ينضمون الى الملك. فيسوع معكم وبقوة كلمته وشخصيته وحبه يمكنكم ان تلتصقوا به.

          ثم الدعوة التي أَطلقها المعلّم آنذاك يطلقها الآن الينا نحن ابناء الكنيسة لأننا نخونه احيانا. كل خطيئة خيانة لأنها خروج من ملوكية المسيح علينا. الفتور، ادعاء الناس انهم في احضان الله وهم لا يقرأون شيئا من انجيله ولا يحضرون الى كنيسته، كل هذا جنوح عنه وسقوط في الظلمة. غير ان يسوع حاضر ليعود هو اليهم ويضمهم اليه ويضعهم على صدره. ولا يطلب منهم الا ان يقبلوه ويقبلوا ما قال ليحييوا به.

          من استضاء لا يريد العتمات او ان يفقد بصره، فالضياء الإلهي في قلوبنا هو كل حياتنا وهو يعيد الينا البصر لو عمينا. الغطاس بعمقه دائم وهو ان تذكر معموديتك وتعمل بها وتتوجه الى وجه الله الذي يطلبك بحنانه ولطفه.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

في تغيير مجالس الرعايا/ الأحد 5 كانون الثاني 2003 / العدد 1

لما سنّ المجمع المقدس في السنة الـ1973 قانون مجالس الرعايا كانت الفكرة إشراك العلمانيين أكثر فأكثر في النشاط بحيث يتعاطون بإشراف الكاهن ليس فقط الأمور الوقفية ولكن المواضيع التثقيفية والشبابية. وكان من الطبيعي ألا يوضع الكاهن جانبا لأن من كان مسؤولا عن حياتك الروحية يكون أيضا مسؤولا عن الأمور الأخرى ولكن بالتعاون مع إخوته العلمانيين.

ورأى القانون ان يتغير ثلث المجلس كل سنتين لتمكين اكبر عدد ممكن من المشاركة على ان يكونوا من الملازمين للحياة الكنسية لأن النشاط لا يقتصر على الوقف ولكن يتناول كل حياتنا الرعائية. بعد هذا أسقطنا البند المتعلق بالثلث ولكن حددنا ان ولاية المجلس مدتها أربع سنوات. غير ان فكرة تغيير الأعضاء (لا كل الأعضاء بالضرورة) بقيت. والتغيير مؤسّس على ان المجال يجب ان يبقى مفتوحا للأجيال الصاعدة فلا نستهين بشباب احد، وبذلك تكلم بولس الرسول.

ولم يذكر القانون شيئا عن تمثيل عائلي لأن الكنيسة ليست مؤلفة من عائلات ولكن من أفراد -والعلاقة بين المؤمن وكنيسته تمر بمعموديته ولا تمر بعائلته-. ولم يفكر المجمع ببيئات يحتل فيها الشعور العائلي مكانة كبرى. غير أني في هذا الجبل راعيت التحسس العائلي لأنه موجود في القرى. ولكن هذا المعيار لا يطغى علينا ولكن يطغى معيار التقوى والممارسة الكنسية والنضج الشخصي.

ولكن الصعوبة التي اعترضتنا ان بعض الناس يريدون البقاء في أماكنهم لاعتقادهم انهم صالحون للخدمة وأنا في كثير من الأحوال لا أنكر ذلك. ولكن أحدا لا يستطيع وحده ان يعتقد باستمرار صلاحه للمنصب حتى الموت. غيره أيضا صالح. وواجبنا ان ندعو ناسا جددا عندهم كفاءة كثيرة وينبغي ان يحسّوا بأننا في حاجة إلى كفاءتهم هذه، كما ينبغي ان يشعروا ان المسؤولية في المجلس ليست وقفا على احد.

يأتي التعيين إذًا كل أربع سنوات، ومن الموافق لاحتضان كل الأجيال ان نستغني عن بعض القدماء أو ان نستغني عن المجلس كله حسبما يوافق محليا. وفي الحياة المسيحية ليس الشيخ أفضل من الفتى ولا الفتى أفضل من الشيخ. ولكن لا ينبغي ان نعطي شعورا ان هناك ناسا لا يمكن الاستغناء عنهم. فالروح القدس يرسل مواهبه على من يشاء، وما من شك ان كل المؤسسات في حاجة إلى تجديد القوى وإلى أفكار جديدة، ومن الواضح أيضا ان الحكمة ليست وقفا على احد ولا يمضي الا وقت قصير يتدرب فيه الأعضاء الجدد على مسؤولياتهم. عندنا شخص واحد يلازم مكانه هو الأسقف. اما الآخرون فيؤتى بهم عند الحاجة ويستغنى عنهم عند الحاجة إذ ليس لأحد امتياز ولا لأحد وجاهة في الأرض. وجاهتنا هي فقط في ملكوت الله.

يضاف إلى هذا ان مسؤولية الرعية مرتبطة بكل مؤمن أكان في المجلس أم لم يكن. فله ان يبدي رأيه وكثيرا ما يؤثّر رأيه أكان عضوا في المجلس أم لم يكن. لا يجوز ان نعطي الشعور ان مكان أي واحد مطوَّب له حتى يموت. أحيانًا كثيرة لا يشعر المؤمن النشيط والطاهر والفهيم أنه يُرحَّب به، ولا تشعر الرعية بالضرورة أن يُدعى هذا الانسان إلى تولي الأمور. فتداول المسؤولية رمز لأهمية الأجيال الصاعدة.

ان نغير الأعضاء أمر فيه صحة كثيرة وأمل. وينبغي ان نتدرب على فكرة ان أحدا ليس أبديا في مكان. لقد آن لكم ان تدركوا ان هذه المطرانية تتصرف بمحبة لكم جميعا ولو أخطأت في اختيار الأشخاص. وما يزيدكم إدراكا ان أمورنا لن تستقيم الا إذا حاولت المطرانية ان تستعين بأشخاص جدد ترى فيهم مواهب دون ان تنكر المواهب في المجالس القائمة.

نحن في حاجة ماسة إلى تغيير بسبب تقديرنا للأجيال الصاعدة وجعلها تحس أننا لا نهملها في تدبير الشؤون المحلية. وإذا كانت الثقة الكاملة هي التي تجمعنا فلا داعي إلى خضة أو إلى حزن. إذا كنتم موقنين ان التعسف لا مكانة له في هذه الأبرشية وان رائدنا هو المحبة وحدها تقبلون الأعضاء الجدد كما قبلتم القدامى. كل شيء هو للبنيان ولتقدم هذه الكنيسة نحو المسيح.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن ومكانه/ الأحد 29 كانون الأول 2002 / العدد 52

في المعتقد الأرثوذكسي ان رئيس الكهنة هو كاهن كل رعية وكل مذبح، وان من نسمّيه «الخوري» هو القس الذي ينتدبه الأسقف لرعاية جماعة محددة. والمألوف ان يلازم الخوري رعيته إذا كان رساليا ونشيطا وسليم البنية تمكنه من خدمة كاملة. فغايتنا الرعية وغذاؤها الروحي وتغطية حاجاتها. وعند هذا يسقط كل اعتبار آخر.

الأمر الثاني ان الفعلة قليلون وأننا نربي كهنة جددا يدعوهم الرب ان يملأوا الكنائس التي تستخدم كاهنا معيَّنا أصلا على رعية آخرى. فمن الطبيعي إذا ظهر كاهن جديد ان يملأ الشغور أولا لسبب قانوني معروف وهو ان الكاهن يقيم ذبيحة واحدة في اليوم الواحد، وثانيا لأن الرعاية الحقيقية تجعل عددا محددا من المؤمنين يقوم بخدمتهم كاهن واحد. في الأساس مئتا بيت أو أكثر بقليل هو العدد الأقصى من البيوت التي يمكن ان يعرفها رجل واحد ويدرس أحوالها وحاجاتها الروحية والتعليمية عملا بقول المخلّص: «اني أدعو خرافي بأسمائها». الصلة الحميمية بين الكاهن وأبنائه أساسية. فيأتي التنظيم مبدئيا هكذا: إما ان تقسَم الرعايا وتبنى لها كنائس، أو يجتمع أكثر من كاهن في كنيسة واحدة حسب نظام تقدم واحد على الآخرين.

الأمر الثالث ان التقدم في السن أو تأخر الصحة تضطرنا إلى ان يلازم الكاهنَ كاهنٌ أفتى ليتحمل مسؤوليات لم يبق الكاهن القديم قادرا على تحملها. وهنا يقتضي التعقل والإخلاص ان نفهم ان الشيخ ليس كالفتى من حيث النشاط العملي الشامل (افتقاد كثير، تعليم الشبيبة والطفولة، زيارة المرضى في المستشفيات). وربما كان الكاهن المسن أعظم قدرا من ناحية الحكمة وربما التقوى. ولكن الخدمة لا تقوم بمجرد الحكمة مع جسد معرض إلى الزوال.

طبعا هذا كله يتطلب تدبيرا خاصا من حيث إعالة الكهنة لأن أحدا لا يريد ان يحتاجوا، والكاهن غير العاجز لا يطيق ألاّ يلازم المذبح. غير ان هذا يفرض على الرعية أو على إدارة الأبرشية ان تؤمّن معيشة كل اكليريكي أيا كان حجم نشاطه.

الأمر الرابع أننا إذا ربينا كهنة جددا فلا بد لنا من تعيينهم في مكان ما. ولا نريد ان نخسر مواهبهم وألاّ نستغلّ علمهم. لا يمكن ان نترك رعية بلا علم وبلا سهرات إنجيلية. نحن مسؤولون عن إيصال البشارة إلى كل مخلوق، ولذا أوجدنا معهد لاهوت في البلمند ليعمّ الإنجيل كل الناس.

نحن في حاجة إلى تأسيس رعايا جديدة. فالأرثوذكسيون باتوا منتشرين في كل مكان. وهناك مناطق لا يرعاها احد. فنحن مضطرون إلى إنشاء كنائس جديدة، وتاليا إلى اقتطاع أحياء عن الكنائس الكثيف عدد أبنائها، أو إلى إكثار القداديس في الكنيسة الواحدة بكهنة جدد.

يضاف إلى هذا أننا قد نضطر أحيانا إلى نقل كهنة من مكانهم إلى مكان آخر، فقد يكون احدهم أكثر أهلية لخدمة رعية اخرى وذلك لأسباب نحن نقدّرها. والنقل ليس عقابا لأحد. الذي لا يؤتى به إلى مجلس تأديبيّ لمخالفة ارتكبها ليس معاقَبا. في عملية النقل يعود المطران إلى حكمته في تدبير الشؤون، ولاسيما ان الكاهن مندوبه ورئيس الكهنة يعرف إلى أي مكان يجب انتدابه. الأمر ليس محزنا، وخادم الرب لا يحزن. ومن الواضح ان المطرانية تأخذ بعين الاعتبار وضع الرجل وعائلته والبيئة التي يمكن ان ينسجم فيها.

ومن الواضح أننا لا نستطيع ان نستفتي جماعة بكاملها في هذا الموضوع. فلا يستطيع المطران ان يشرح لكل إنسان الأسباب التي دعته إلى نقل احد الكهنة. هذا يعطل العمل الرعائي كليا. ان النقل ليس فيه خفض لأهمية احد الاكليريكيين. جل ما في الأمر أننا في حاجة إلى كَرَم أكثر إذا أضيف كاهن ثان أو ثالث. وعلى هذا نتعاون.

السؤال هو هذا: إذا أردتم ان يكون لنا وجود أرثوذكسي فاعل فينبغي ان تبذلوا الكثير. أنا لا اتحمل وجود عدد من أبنائنا لا تصل إليهم كلمة المسيح والأسرار المقدسة. الآن نحن قادرون ان نملأ بعض الشواغر. بعد سنوات قليلة أرجو ان يوفقنا الرب لملء كل الشواغر. أرجو ان تفهموني وان تتعاونوا وان تثقوا ان كل تدبير جديد صادر فقط عن محبتي لكم أجمعين. لا أطيق ان اتحمل ان يبقى أولادنا جياعا وألاّ نستطيع ان نسدّ جوعهم.

Continue reading
2002, مقالات, نشرة رعيتي

احد النسبة/ الأحد 22 كانون الاول 2002 / العدد 51

القراء الذين أرادهم متى لإنجيله هم اليهود او المتنصرون من اليهود. لذلك كان هاجسه الأساسي في مطلع إنجيله ان يبين لهم ان يسوع الذي يدعو اليه هو المسيح الذي ارتجاه انبياؤهم وانه تاليا مصب التوراة وملخصها. اراد ان يقول ان انسانية السيد، منحدرة من مجموعة آباء اهمهم داود وإبراهيم وان الكتاب هكذا تكلم. ومن هنا انك لا تستطيع ان تسلخ المسيح عمن سبقه. يسوع وريث الشريعة والأنبياء ومنجز الكلمة الإلهية القديمة. وكان يجب ان يطلع في اسرائيل لأن النبوءة ظهرت فيه. اما اذا شوَّه اليهود من بعد مجيء المخلص الرسالة التي ورثوها، فهذه خطيئتهم، وهذا لا يلغي ارتباط المسيح بالأنبياء الذين تحدثوا عنه. فالعهد القديم كتابنا نحن، كتابنا حسب فهمنا نحن، فلا نكبه اذا قرأه الذين أرسل اليهم بخلاف مقاصد الله التي عرفناها في المسيح.

          عندنا هنا لائحة اجداد للسيد معظمها مأخوذ من العهد القديم، ولكن كتب العهد القديم انقطعت قبل المسيح بقرن ونصف قرن. الأسماء الأخرى مأخوذة من “شجرة العائلة” وكان كثير من اليهود يحتفظون بها.     ويفصل متى الأسماء على ثلاث مراحل تنتهي الأخيرة بيوسف. وكل مرحلة فيها 14 جيلا، وهذا الرقم – حسب علم الجمّل المعروف ايضا عند العرب – هو رمز لاسم داود الذي يكتب في العبرية هكذا: “دَود” وحرف الدال رمزه 6 كما ان حرف الواو رمزه 4 ومجموعها 14. ويكون أتى متى بهذا الرقم ليتحكم اسم داود بلائحة النسب.

          وهناك افتراض آخر ان الـ 42 جيلا هي 6 سبعات ليدل على ان الزمن الذي يليهما وهو سابع سبعة زمان الكمال عندهم وهو زمن المسيح.

          ثم كلمة ميلاد كما هي مترجمة هنا يجب ان نفهمها “نَسَب”. وهذا غالبا ما أراده متى اعتمادا منه على سفر التكوين في الترجمة السبعينية: “هذا كتاب اصل البشر”، فكأن الإنجيلي اراد ان المسيح غاية البشرية وخاتم النبوءة. اجل تنتهي اللائحة بيوسف لأن الإنسان يُنسب الى ابيه، او المظنون انه ابوه اي يوسف، ولا يمكن في شريعة اليهود الا ان يُنسب الى ابيه. غير ان مريم هي من قبيلة يوسف ومن بيته اذ لا يتزوج الرجل عندهم الا من اهل بيته. ويؤكد بولس الرسول على ان السيد “صار من نسل داود من جهة الجسد” (رومية 1: 3). وبسبب بتولية مريم يكون هذا تأكيدا على ان الرب يسوع منحدر من داود.

          من جهة اخرى وبخلاف العادة يذكر متى ثلاث نساء في النسب هي راحاب الزانية وراعوث التي كانت اجنبية وبيتشبع المسمّاة “التي كانت لأوريا” واتخذها داود زوجة له على حياة زوجها. فلا يأبى متى ذكر تلك النساء ليقول ان المسيح أتى من بشر عاديين فيهم خطأة فإنه هو المخلص.

          اما السؤال الذي يبدو شائكا فقوله عن يوسف انه “لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” فهو تأكيد على انه لم يعرفها قبل ولادتها يسوع، ولا يعني، لغويا، انه عرفها فيما بعد. ينفي الاتصال السابق للمولد ولا يؤكد شيئا بعده. فاذا سألتك مثلا: اين كنت حتى الساعة الثامنة مساء، وأجبتني كنت في بيتي، فلا يعني هذا انك غادرته بعد ذلك. تكون قد اجبت عن سؤالي وسكتَّ عما فعلت بعد ذلك. اهم المخطوطات لا يرد فيه لفظة البكر.

وحتى اذا كانت هذه اللفظة اصلية، فلا تحتم انه كان لمريم بعد يسوع اولاد آخرون. البكر كما ورد في العهد القديم تعني “فاتح الرحم” ولا تعني بالضرورة انه جاءه إخوة. هاجس متى ان يتحدث عن يسوع وينتهي عنده. اما عبارة “إخوة يسوع” الواردة في الإنجيل فلا تدل بالضرورة في اللغة العبرية على اشقاء ولكنها تشمل ايضا انسباء. ففي سفر التكوين 12: 5 نقرأ ان لوط هو ابن اخي ابراهيم، وفي 13: 8 يسمى لوط اخا ابراهيم. كلمة “اخ” اذًا اوسع مما عندنا بالعربية.

          اما دوام بتولية مريم فهي من التقليد الشريف. في كل عباداتنا سميت مريم الدائمة البتولية، وثبّت هذا المجمع المسكوني الخامس.

          على هذا ندخل في سر ميلاد المخلص.

Continue reading
2002, جريدة النهار, مقالات

المسيح العيد / السبت في 28 كانون الاول 2002

يتلاشى العيد بمسرة الاهل بأولادهم والاولاد بهداياهم. ونستضاء بزينة الكهرباء خوفا من ان تهدد وجودنا استنارة القلوب. ولذلك استعرنا العيد في شعبيته لاسكات تنهدات القيامة. غير اني اذا بلغت غلو تحسري اقع في الحزن الممنوع. وفي كل ذكرى للمولد كان يبدئني حزني لأن يسوع الناصري اليوم هو اياه اطفال العراق والافارقة الذين ينشأ المرض تلو المرض ليأكلهم والجياع والاميون العراة من الفكر والذين لم يستطيعوا ان يحققوا موداتهم وكل الموجعة اجسادهم او ملت نفوسهم هذا العيش المضني الذي انتزع عنه الفرح.

تهوى اناس الرموز لأنها تحب التوق. والمسيح يبقى شوقا الى الابد لأن الزمان يجري كما يجري اي مليئا بالظلم ومليئا بالجروح الى ان يحل سر المنتهى اي سر انتهاء الالم. ولعل هذا هو الصليب ان ذراعي السيد ممدودتان الى اقاصي الارض ليجمع الى جنبه المطعون بحربة كل جرحى الارض. وسر السر ان الناصري ولو انتصر في كيانه الشخصي انما لا يكتمل نصره الا فينا وبنا. المسيح في بشرته، فيما كان يمشي على ضفاف طبرية ولئن كان الفداء كامنا فيه الا انه ينتظر سلام النفوس الممزقة فنصير واياه معا المسيح الكوني.

مع هذا لا بد لي ان اشد نفسي الى بيت لحم وتكاد تصبح فينا مدينة عقلية بعدما اقتحمها جالدوها. كيف اشد نفسي الى الناصرة؟ كنت احسب نفسي مستقلا عن التراب الذي وطئته قدما يسوع اذ لم نبق “عارفين المسيح حسب الجسد” بعدما حدقت عيوننا بالعرش. وقبل الاحتلال كنت ارجئ زيارة الجليل لأن اجتماعاتنا كانت تعقد في القدس حتى لم اطق عيني محرومتين رؤية بحيرة طبرية فذهبت الى ابعد نقطة في شمال الاردن حيث يستطاع ان ترى طبرية من بعيد فأطمأننت الى ان عيني امتلأتا من رؤية التراب والماء اللذين عاينهما يسوع.

كيف اعود اليه اليوم. الى معنى حكايته؟ ما هو وراء شاعرية الوصف؟ ماذا يعني لي المذود والملائكة والرعاة والمجوس؟ ماذا قبل القصة؟ ما الكنه؟ كل منا حرّ ان يذوق المسيح كما يشاء ضمن الصميمية التي لا حياد عنها. يسوغ البوح في هذا المقام. لقد جذبني فيه قول بولس العظيم: “انه وهو غني قد افتقر من اجلكم، لتغتنوا انتم بفقره” (2كورنثوس 8: 9). لقد تجرد من كل شيء في هذا العراء الدائم الذي كان عليه طوال ثلاثين سنة ونيف ليقول للمحرومين خبزا وعافية وذكاء انهم احبته وانهم هم مملكة الله لأنهم يأتون اغنياء بحبه. هم كما هم في تهميشهم قد يعرفون ان الناصري هُمّش مثلهم واتباعه فيهم مؤمنون انه رافعهم الى صدره وانهم قادرون على ان يتكئوا عليه.

ما يذهلني في كلام التعييد عندنا ان لنا لغة ليست من هذه الدنيا اذ نقول مثلا ان البتول باتت عرشا وبات المذود محلا شريفا. دائما كانت صورة الله مرتبطة بالعلو ولا تزال كذلك في اللاهوت المسيحي الدقيق. غير اننا بعدما تسربل الكلمة هذا الجسد بقي هذا العلو فقط جانبا في ذات الله واتخذ الله وجها بشريا اي صار رفيقا لنا، جالسا هنا في كل ثنايا بشرتنا وضعفها وتعبها واننا غدونا نحن رفقاء الله. هذا وجه آخر لله غيّر وجه إله كان قائد الجيش لاسرائيل. لقد مات الاله المحارب موتا نهائيا وارتضى الله أن يحاربه الانسان وان يؤمن به او يكفر به لأنه صار الإله المشلوح بعدما ولد يسوع في مذود بهائم.

المرة الاولى في تاريخ الفكر الديني بطل الله ان يكون صورة عن الاقوياء. فانهارت الوثنية التي كانت الآلهة فيها صورة مكبرة عن الجمال والخمر والجنس وما اليها اي شهوات الناس. جاء التوحيد العبراني وقال تعبدون الهاً ليس فيه اثر لشهوة ولا يعكس شيئاً عنكم. غير ان الازمنة عبرت واستخدم اسرائيل هذا الاله وجعله قائد جيوشه.

للمرة الاولى والأخيرة في تاريخ الفكر الديني تمرد يسوع على قائد الجيش وقال انا لا اقول شيئاً. من قرأ الحب في قلبه يقوده حبه ومن عرف نفسه فقيراً يصبح بذا غنياً. ومن ذاق نفسه، صادقاً، آخر الناس يصير بذا ملكاً. وهذا كله طوع ايديكم اذا رأيتم الكبر في من وضعته امه في مذود بهائم. ولن تتم لك الرؤية اذا كنت لا تزال ترى عظمة في القوة وبهاء في المال واغراء في الحسن ورفعة في الثقافة. قد يبقى لك اله اخذته من هنا ومن هناك ولكن لن يبقى لك الهاً “ابو ربنا يسوع المسيح”.

لفتني في تلاواتنا الاخيرة حديث المعلم مع احد الناس الذي سأله: “اي صالح اعمل لانال حياة ابدية”. فقال له السيد: “ان تبغ دخول الحياة فاحفظ الوصايا” حتى بلغ يسوع قوله: “ان شئت ان تكون كاملاً، فاذهب، وبع ما تملك، وهبه لمساكين، يكن لك كنز في السماوات، ثم تعال واتبعني”.

لما كنت اتعلم هذا النص في المدرسة كانوا يقولون لنا: ان طلب الكمال هو في الرهبانية وهي ملازمة للفقر حتى ادركت ان يسوع يكلمنا جميعاً ويدعونا الى الكمال بالتجرد عن كل ملك وان النهاية لا تتم الا اذا انت تبعته اي اخضعت فكرك لفكره وتالياً سلوكك لسلوكه وهذا يتطلب منك حباً حتى الصليب لان هذا هو الاتباع.

ان تكون عيسوياً – كائناً ما كانت طريقتك الدينية – هو ان تزهد بكل شيء، بجسدك، بعينيك، بالتماع عقلك فتحب وتعطي بلا حساب ولا خشية فاقة او تراجع حسابك في المصرف. تعطي لانك في لحظة التهاب داخلي ضممت الآخر الى صدرك الذي يصبح، في الآن، صدر يسوع. وهذا من شأنه ان يقودك ويقود الآخر اليه.

يبقى السؤال: ماذا حدث في السماء عند ظهور المسيح. اللاهوت المدرسي يقول لم يحدث شيء لان الله هو هو. تساؤلي: اذا كان هذا حدثاً هبط من السماء على الارض فشيء يجب ان يحدث فوق. هنا يأتينا مرنم عظيم ويقول للمسيح: “ان مملكتك الابدية تجددت ازليتها”. كيف يتجدد الازل وهو عدم البداءة المطلق الذي لا علاقة له بالزمان؟ ان يكون الله بلا بدء فهذا تقرير لاهوتي واضح، بارد لا يروي غليلاً. ولكن ان تتحرك كل هذه الازلية بميلاد المخلص كأننا نقرع اليوم ابواب الازل لتتحول برودته حرارة وصمته موسيقى، لتجلجل السماوات والارض وينتشي الله في فرح مذهل فهذا هو الامر الذي لا يسوغ النطق به اذ قد زال المدى بين السماء والارض بمجيء هذا الطفل بل صار هو الملك والعرش معاً (من جهة الفوق النازلة) واجتمعت فيه كل الامداء وضمتها ذراعاه الممدودتان على الخشبة لتصير الارض في قلبه كما كان هو قلب السماء.

اذا اتجه اهل الارض الى يسوع هذا والى اصدقائه طهارة والتزاماً نكون قد اخذنا نتمتم العيد.

Continue reading

Popular posts

البلد / السبت 20 تموز 2013

أنت وليد البلد ولست فقط مولودًا فيه. أنت تجيء من تاريخ ومن حاضر. ان كنت من لبنان أو مشرقيًا أنت محمول في ثناياك ومشاعرك وتطلعاتك. أنت محدود بالبلد وحامله...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...