2003, جريدة النهار, مقالات

أجداد المسيح / السبت في 13 كانون الأول 2003

في الكنائس المسيحية ازمنة تهيئة لعيد الميلاد. من هذه الأزمنة -المراحل احد الأجداد الذي يحل في الكنيسة الارثوذكسية غدا- ويراد بالأجداد اولئك الذين سبقوا مجيء السيد منذ آدم أمن الشريعة الموسوية كانوا ام من حركة ابراهيم او كانوا من الوثنيين. فانحدار الناصري في بشريته من ابراهيم واضح عند متى ولوقا وتحدره من داود صريح عند بولس. اما تحدره من آدم فيوضحه لوقا ما يعني في قراءة فهيمة ان المسيح غاية الإنسانية منذ نشأتها وفي قراءة اعمق انه مرتبط بكل التراث البشري الذي سبقه وليس مرتبطا، حصرا، بالتراث العبري.

غير ان ما يهمنا في هذه الأسطر الوثنيون الذين لم تنظر اليهم المسيحية نظرة سلبية قطعية ولكنها رأت فيهم لمسات الكلمة الإلهية. فعند صباح العيد ننشد: «اذ نقيم تذكار الأجداد فلنسبح، بإيمان، المسيح المنقذ الذي عظمهم في جميع الأمم». ولفظة «أمم» مصطلح توراتي يراد به الأمم الوثنية. وتدعو الكنيسة الى تسبيحهم وهذا غير معقول ان لم يكونوا على شيء من معرفة الله.

وفي رؤية اكثر وضوحا قولنا في نشيد آخر: «لقد زكيتَ بالإيمان الآباء القدماء وبهم سبقت فخطبت البيعة التي من الأمم». جلي ان الآباء القدماء -ويعني بذلك اننا آتون منهم روحيا- هم آباء هذه الأمم الوثنية التي كانت بيعة (كنيسة) للمسيح على الرجاء اذ يستعمل كلمة خطبتَ ولم يقل تزوجت لأن الزواج قد تم على الصليب وبالبشارة.

في قطعة اخرى في صلاة السحر مدح لملكيصادق الذي لم يكن يسوع من صلبه وكان رجلا كنعانيا اي وثنيا صرفا حسب التصنيف الطبيعي للأديان. هذا جاء ذكره غير مرة في العهدين. غير ان المواضع الأهم لاهوتيا وردت في الرسالة الى العبرانيين حيث يقول الله لمسيحه: «انت كاهن للأبد على رتبة ملكيصادق» (5: 6و10 كذلك 6: 20). ثم يوضح الكاتب انه كاهن الله تعالى (على كونه من الأمم وهو الذي بارك إبراهيم «وله أدى ابراهيم العشر» ثم يقول: «وليس لأيامه بداية ولا لحياته نهاية، وهو على مثال ابن الله… ويبقى كاهنا أبد الدهور» (الإصحاح السابع).

فاللافت في هذا الكلام ان ملكيصادق ليس مثالا للمسيح ولكن المسيح مثال له بمعنى ان المسيح كان، بطريقة ما، في هذا الكهنوت الذي كان ملكيصادق يحمله، بصورة غريبة، في احد الشعوب التي كانت تعيش في فلسطين زمن ابراهيم.

#   #

#

استدلاننا حتى الآن ان رباط يسوع بالشعب العبري على وجوده ليس الرباط الوحيد فلوقا يمد الصلة الى ما قبل ابراهيم وكاتب الرسالة الى العبرانيين يهتم للنمطية الروحية القائمة بين المسيح وملكيصادق والكنيسة رأت لنا في الزمن الوثني آباء. النمطية توسع المسيح الى أبعد من جسده كذلك التسلسل الآدمي (وليس فقط الإبراهيمي) يجعل المسيح من البدء مصبا انسانيا وتاريخيا أشمل من اليهود. هذه الكونية تبطل اللاهوت الغربي المعاصر الذي يحصر المسيح في مركزية يهودية ويشدد على ذلك تشديدا عصبيا. وقد ظهر في هذه الحركة من يقول ان المسيحية فرقة من الفرق اليهودية في إصرار لتذويبنا في البوتقة اليهودية.

ازاء ذلك لا معنى لجعل المسيح آراميا. هذا يذهب ضد تأكيد العهد الجديد على ان يسوع متحدر من داود. لا ينبغي ان نشوش التاريخ بإسقاط صراعات حالية على الماضي. والأهم من ذلك ان الناصري واضح باستشهاده بالعهد القديم وفي تردده على مجامع اليهود (الكنس) في السبوت وتلاوته الأنبياء في مجمع الناصرة. معنى ذلك ان السيد كان يقرأ العبرية بسهولة وما كان يعرفها سوى الربانيين غير ان لسانه كان اللسان الآرامي وبه وعظ في مجمع الناصرة على نص من اشعياء. الى هذا ليس ما يشير الى انه كان يعرف اليونانية. فقط اليهود الذين عاشوا في الشتات اذا استوطنوا فلسطين كانوا عالمين باليونانية.

#   #

#

اما التواصل بين كتب العهد الجديد والثقافة اليونانية فأمر آخر. وهذه مناقشة كثيرة التعقيد وتتبدل فيها مواقف المفسرين. ربما امكننا ربط بعض الجمل القليلة لبولس بالفلسفة الإغريقية، بالرواقية مثلا. ولكن النَفَس العام في العهد الجديد ليس اغريقيا. هذا فكر شرقي، سامي. لذلك يحق القول اقله في زمن التأسيس ان المسيحية لا صلة لها باليونان.

غير ان المسيحين في القرنين الثاني والثالث قالوا ان اليونانيين كانت عندهم حقائق هيأتهم لاقتبال الإنجيل. وهذا ما سماه القديس الفيلسوف يوستينس الشهيد «الكلمات المزروعة» والكلمات جمع للفظة الكلمة (لوغوس) التي سمى بها الإنجيل الرابع المسيح. فالحقائق التي فيها خلاص كانت عنده حضورا للمسيح على طريق الاستباق وهي تاليا شبيهة بالنبؤة العبرية. غير ان اقليمس الاسكندري ذهب ابعد من ذلك وقال ان الفلسفة اليونانية عهد بين الله والأمة اليونانية اي انه استعمل اللفظة التي تطلق على التوراة والإنجيل. من هذا القبيل كان في الثقافة اليونانية ما هيأ لفكر المسيح بلا استمداد هذا من ذاك.

لا بد هنا من ان اؤكد ان يسوع الناصري لم يتأثر من اي باب بالفكر الهندوسي او الفكر البوذي. انه لخرافة القول ان السيد سافر الى الهند. الفكرة ظهرت فقط في القرن التاسع عشر عند كاتب انكليزي خالية من اي سند. الحجة الكبرى عندي انك لا تعثر على فكرة هندوقية واحدة في الأناجيل. هذا لا يمنع تلاقيا بشريا في الطاقة بين فكر وفكر. اما سؤال بعضهم اين كان المسيح قبل بلوغه الثلاثين فالجواب البسيط عنه انه كان يعمل نجارا في الناصرة ولا تسمح له التقاليد اليهودية بالتبشير قبل بلوغه هذه السن.

كل هذا الكلام سيق عن بشرية المسيح وهذه فيها تاريخ. وليس علينا حرج ان نقول ان يسوع الناصري يجيء في بشريته من فكر الأنبياء وقد يكون متصلا بالفكر العبري اللاحق لكتابة التوراة وهناك ما يدل على انه كان ملما بالمدارس التفسيرية القائمة في بلده مع ان شيئا لا يدل على انه كان مدينا لمذهب الرهبان الذين عاشوا في قمران. ولكنه كان يعرف المعمودية التي كان يجريها الفريسيون للدخلاء الوثنيين على الديانة اليهودية. يتخذ طقسا خارجيا ويملأه بمعنى جديد وهو موته وقيامته.

كل هذا لا يعطل كون المسيح بدءا مطلقا من حيث المعنى. وهنا أضيف البعد الإيماني في ما هو بدء فيه اذ يقول بولس: «ففيه خُلق كل شيء (بمعنى انه مكان روحي لبدء الخلق) كل شيء خلق به وله (بمعنى انه غاية الخليقة السائرة اليه في حركتها التاريخية). هو قبل كل شيء وبه قوام كل شيء (ذلك لأنه الكلمة المبدع). واذا أكمل بولس الرسول فكره ليتكلم على الخلاص يقول عنه: «هو البدء والبكر من بين الأموات لتكون له الاولية في كل شيء. فقد حسن لدى الله ان يحل به الكمال كله» (كولوسي 1: 16-19). وفي هذا يتخطى اجداده والآباء ويصير هو المنطلق لكل نبضة روحية في قلب العالم. ذلك انك لا تقدر ان تزيد شيئا على الحب. اجل هو أتى فكريا من الانبياء القدامى وفيه انصبت المعاني التي انبثقت في التراثات القديمة بما في ذلك حضارات الشرق القديم. غير ان طهّر كل ما سبقه واعطاه حياة صبت اليها البشرية التائقة الى الحقيقة ولكنها ما ادركتها الا به، ذلك ان البشرية كان يعوزها الحب الذي كشفه هو وحده كاملا مطلقا. وهذا الحب كان سر كل خير يتم وكل كلمة تخلص.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الحشمة امام الموت/ الأحد 7 كانون الاول 2003 / العدد 49

نحن نرافق المؤمن اذا مات ولسنا متفرجين عليه او متفرجين على انفسنا. فاذا انتقل احدنا، يوضع في غرفة، والذين حوله يتلو احدهم المزامير بصوت عالٍ او يرتل احدهم، ويستحسن ان يأتي الكاهن قبل الدفن اكثر من مرة ويقوم بصلاته او يتعاقب كهنة الجوار. هذه تقاليدنا.

         اما ان تتحلق النساء حول النعش لتبكي او تنظر الى المتوفى وتلامسه فهذا من بقايا البكاء على الإله تموز في فينيقية. الذي لا يريد ان يستمع الى الصلوات فليجلس في الصالة او حيث يشاء. النوح ليس من آدابنا. فلتجلس النساء مع الرجال ليتقبلن التعازي، ولكن لماذا التفجع وإظهار التفجع؟ هذا عندهن ليس صلة بالبيت. هو صلة بانفسهن. ونفوسهن في حاجة الى هدوء وسلام. هذا النوح دليل رفضهن الموت. والموت بعد ان قام المسيح منه ليس عندنا فاجعة. حكم عادل على الإنسان وعبوره الى الحياة الأبدية.

         في الموت اللياقة واجبة، لياقة احترامنا لسرّ الموت والحياة. المطلوب ان نتغلب على الألم بالرجاء وطريقته الصلاة. التعلق بالميت شعور ضد ايماننا بالقيامة. اللون الاسود، الحداد كل هذا ضد الإيمان بالقيامة. المسيحيون الاولون لإيمانهم الحقيقي بها كانوا يرتدون في حالة كهذه البياض. السواد يعني اننا دخلنا رمزيا بالموت نحن ايضا. وهذا كله زي افرنجي استوردناه ولا علاقة له بإيماننا. يجب ان تقوم امرأة شجاعة وتتحدى هذه الأزياء. جواب بعض النساء انا ارتدي الأسود لأن نفسي حزينة مردود بسؤالي: لماذا تريدين ان تعبّري عن الحزن؟ انه في اعتداله في القلب. اما ان نجمع الكآبة الى تشييع الميت الى الكنيسة فهذا تناقض.

         الى هذا فاذا مات شاب يأتي اهله بتابوت ابيض ويزينون الكنيسة بشريط ابيض ليزداد الحزن على فراق شاب. وهذا ليس عندهم علامة قيامة. يوغل هكذا الجمهور بالحزن. “لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم”.

         واذا اجتمع الرجال في البهو فإنهم يدخنون. هل في هذا حشمة؟ اما الطعام والشراب والماء والقهوة فهي من الحياة ولا مانع منها. انها استراحة من التفجع. غير ان ابتعاد الرجال عن الجثة فلا يعطيهم الحق في كل الأحاديث المعقولة وغير المعقولة. الصمت وحده حشمة كاملة ومعه التراتيل الكنسية بوجود مرتلين او مسجلة. هكذا تكون آداب الجنازة.

         ولا تنتهي المخالفات عند هذا الحد وبخاصة اذا كان المتوفى شابا. ما هذه الرقصة بالتابوت، وما معنى رفع التابوت على الأكف عاليا؟ هذا ايضا من باب التشدد بالحزن. وما هذا الطواف من مكان الى مكان، ومعروفة الطريق من البيت الى الكنيسة. وأقصر طريق يدل على الاحتشام وعلى الا نتظاهر.

         لقد وضعت الكنيسة اياما لإقامة الصلاة: الثالث والتاسع والأربعون والسنة، ويجوز غيرها حتى يرتاح المؤمنون بهذا الإيقاع من الوقت وتقل احزانهم وليستمطروا الرحمة على من يحبون فيرتفع مقامه في الملكوت ويُقبل المؤمنون عليها او على بعضها. اي انهم يدخلون في السلوك الذي تريده الكنيسة. أليس في هذا تناقض مع الذي يجري يوم الدفن؟

         لم يقل الرسول بولس: لا تحزنوا، ولكنه قال لا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم. أي هناك حزن معتدل مرتبط برجاء القيامة، والمطلوب تخفيف المظاهر التي كان يقيمها الوثنيون في بعض بلدانهم ولاسيما في الشرق القديم الذي لم يكن يعرف شيئا عن القيامة. هذا كله يحتاج الى تربية جديدة.

         اما في الكنيسة فأهل الميت وأصدقاؤه والناس مدعوون الى الانتباه الى كل كلمة لأنها كلمة الحياة. لا تذهب النساء عندنا الى القبر. لا مانع. ولكن اذا عدن الى البيت، فهذه العودة مصحوبة ايضا بالإيمان والانصراف الى الحياة الطبيعية. وبعض منهن يقاطعن القداس الإلهي فترة من الزمن، والقداس مكان التعزيات الكبرى. لا ينبغي للحي ان يموت مع الميت ليظهر تعلقه به. هذه اشياء مؤذية للنفس. بعد الدفن تنتقل انت الى شؤون بيتك وعملك والى الصلاة، وهي وحدها تنفع الأموات والأحياء.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

انجيل اليوم/ الأحد 30 تشرين الثاني 2003 / العدد 48

اندراوس الذي نعيد له اليوم مسمى المدعو أولا لأنه حسب هذا الفصل من إنجيل يوحنا هو اول من دعاه السيد لينضم اليه وكان من تلاميذ يوحنا المعمدان حسبما جاء في هذا النص. وكان يوحنا يرتضي بفرح ان يتركه تلاميذه ليتبعوا المعلم الجديد الذي جاء المعمدان ليهيئ لمجيئه بمعمودية التوبة. فبعد ان شهد ليسوع على انه حَمَل الله المعد للذبح، كان لا بد لاندراوس ورفيق له ان يتبعا الكامل. عند ذاك مكثا عند يسوع يوما كاملا. لا يقول الإنجيل المكان الذي يقيم فيه السيد. والمعنى الأبعد من إقامتهما عنده ان نقيم نحن مع يسوع بالإيمان. في القلب نحن نلتحق بيسوع وهذا آت من الإيمان.

         كان هذا عند الساعة العاشرة. هذه الساعة التي كان يقال لها في بلادنا الساعة العربية تعني حوالى الساعة الخامسة بعد الظهر اي عند اقتراب الغروب. في الظلام انت تسعى الى النور وقد قال يسوع: انا نور العالم. فاذا داهمك غروب الخطيئة لا ملجأ لك الا هذا الضياء العجيب الذي اذا انارك يُذهب عنك الخطايا.

         اندراوس لم يكتف بأن يسوع دعاه. اراد ان يجيء بتلاميذ آخرين الى المعلم. فأتى بأخيه سمعان اذ قال له وجدنا مسيّا الذي تفسيره المسيح. مسيا هي اللفظ اليوناني لكلمة مشيح العبرية (في اليونانية لا يوجد حرف الشين ولا حرف الحاء فتكتب مسيا). ولذلك اضطر يوحنا الإنجيلي ان يترجمها الى اليونانية خريستوس التي هي المسيح القريبة من العبرية. فعندما توجه يسوع الى سمعان وهو ابن يونا قال “انت تدعى صفا الذي تفسيره بطرس”. صفا العربية هنا هي كيفا بالآرامية التي كان يتكلم بها يهود فلسطين ونقلناها الى العربية صفا اي صخر، ولكون القارئ اليوناني لإنجيل يوحنا لا يعرف الآرامية فسّرها بطرس. وجاءت بالترجمة العربية الحرفية بطرس، والمعنى اني سميتك صفا اي صخر او صخري لأن ايمانك قوي كالصخر.

         طبعا هذه صدى لما ورد في انجيل متى: “وانا اقول لك ايضا انت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي” (16: 18). اسم بطرس (Petros) نحته يسوع من Petra التي تعني الصخرة. المعنى انك لكونك اعترفت بي على اني المسيح ابن الله صارت لك كرامة جديدة وقبلت الدعوة. فلا تبقى على اسمك القديم. انا اعطيك اسما جديدا يليق باعترافك بي، يرمز الى اعترافك. أنحت من الصخرة اسما. انت بقوة ايمانك مجانس للصخرة.

         بعد هذا دعا يسوع اليه فيلبس فقال له اتبعني. دعاه في الجليل وكان هو من بيت صيدا وهي مدينة صغيرة على الضفة الشرقية من الأردن حيث يصب النهر في بحيرة طبرية. فيلبس مذكور عدة مرات في الإنجيل الرابع. هنا ايضا يدعو غيره. يدعو نثنائيل. هذا كان من قانا الجليل الذي قد تكون خربة قانا او كفرقنا وكلتاهما في الجليل. يشهد هنا فيلبس ان يسوع كتب عنه موسى والأنبياء. سمي هنا “يسوع بن يوسف” حسب الاعتقاد الشعبي. يسوع عظم نثنائيل بقوله انه اسرائيلي حقا لا غش فيه واصِفًا اياه بعبارة من المزامير. اما قول السيد: “قبل ان يدعوك فيلبس وانت تحت التينة رأيتك” فهي عبارة معروفة عند اليهود على ان الجالس على مقعد تحت التينة هو دراس للتوراة، فكأن الرب اراد انك مهيأ بدراسة العهد القديم ان تعرفني.

         اما قوله “الحق اقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر” مأخوذة من حلم يعقوب ابن اسحق في بيت ايل: “ورأى حلما واذا سلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها وهوذا الرب واقف عليها” (تكوين 28: 12و13). الرب طبعا تعني الله. في انجيل يوحنا، الواقف على السلم هو ابن البشر اي يسوع. في هذا يكون يوحنا الإنجيلي اقتبس من سفر التكوين آيتين تدلان على الرب الإله، وهذا الرب الإله سماه هنا ابن البشر اي يسوع، فيكون يسوع هو نفسه الرب.

         في الآية 5. يتوجه يسوع الى نثنائيل بصيغة المفرد فيقول: “سوف ترى اعظم من هذا”، ثم ينتقل الى صيغة الجمع ليقول لنا جميعا سوف ترون السلم المنتصبة بين الأرض والسماء اي المجد الإلهي الذي يعطيكم اياه ابن البشر الذي هو نفسه ابن الله الجالس على السلّم لأنه جامع في شخصه السماء والأرض.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

خطر المال/ الأحد 23 تشرين الثاني 2003 / العدد 47

المثل الإنجيلي في هذا اليوم يتحدث عن انسان أخصبت ارضه فصار غنيا وفكّر في ان يهدم مخازن القمح التي عنده ليتوسع ملكه ويجمع في الأبنية الجديدة كل غلاته وخيراته.

         ليس في هذا شر. هذه قاعدة من قواعد الاقتصاد. كان يمكن لهذا الإنسان ان يشكر لله ما اعطاه ويبقى على تواضعه. غير انه قال: “يا نفس لك خيرات كثيرة والآن استريحي وكلي واشربي وافرحي”. اعتقد هذا الرجل ان الغنى الذي اكتسبه يعطيه فرحا. وكان عليه ان يفرح بالله. فنعته الله بالجاهل. والجهل انه ادخر لنفسه وما استغنى بالله.

         لم يقلق يسوع على هذا الإنسان لكونه صار غنيا ولكنه حزن ان غناه الجديد جعله يستغني عن الله. لم يلم السيد هذا الرجل لكونه وسّع اهراءه. لامه فقط لأن انفراجه الاقتصادي جعله يعتقد ان الإنسان يكفي الإنسان وان الحياة كلها ان ينكفئ على ماله ويعتبره سببا للفرح. الدنيا المحسوسة، الملموسة بالمال كانت أفق هذا الرجل. ما كان الرب مبتغاه وما شعر ان حياته الحقيقية، العميقة هي التي يجعلها الرب في نفسه بالفضيلة، وكأن المخلص اراد ان هذه هي المبتغاة حقا وان الطريق اليها تُُسَدّ اذا سلك الإنسان طريق السرور بالماديات.

         كان يمكن لهذا الغني الجديد ان يقول في نفسه: اني احمد الله ان ثروتي هذه الجديدة سوف اوزع منها على الفقراء الذين لا يملكون خبزا يقتاتون به. هذه هي القاعدة الروحية عندما تكسب مالا ألاّ تسر إطلاقا بالكسب الا لكونك تصبح قادرا على توزيعه. فأنت مؤتمن عليه. تأخذ منه كفايتك وما يفضل عنك يصبح بمنطق الائتمان الإلهي ملكا للمحتاجين. الشيء المسجل لنا في السماء ليس المال الذي نربحه ولكن المال الذي نعطيه لأن ما يفضل عنا يصبح حقا للفقراء علينا. فالله يتصدق على المساكين من مال وصل الى يديك. وانت لست فوق احد اذا اعطيته ولست افضل ممن تعطيه. هذه نعمة من ربك ان انت تحننت.

         هذه دعوة الى عدم البذخ وعدم التباهي بالمال وعدم الاستعلاء على الفقراء.

         المال يمكن ان يكبلك. فاذا اردت الا يستعبدك فتحرر منه بإعطائه. تفرح عند ذاك اكثر. والذي يستلمه منك يزداد فرحه ايضا حسب المقول: “مغبوط العطاء اكثر من الأخذ”. والفقير قد لا يحبك لو انت احسنت اليه وقد يحبك. ولكنه في كل حال يشكر الله ويرى ان في الناس من يحبه. ولما كان محتاجا ولا يلتفت احد اليه كان يحسب ان الله لا يوفقه او كان يحسب ان الله يعذبه بالفقر.

         ليس الله ضد الادخار في الآونة الصعبة ولكنه ضد الاحتفاظ بالمال كله والناس جياع. ليس عند الله مال يعطيه. انه كََلَّفَنا بعضنا ببعض. ما انت معطيه بتهليل انما هو عطاء الله للفقراء الحزانى. اشترِ فرحك بالمشاركة.

Continue reading
2003, مقالات, نشرة رعيتي

الصبر/ الأحد 16 تشرين الثاني 2003 / العدد 46

صبر أيوب وصبر المسيح والشهداء والقديسين الذين يشبهونهم ما معناه؟ ما هذه الفضيلة التي قال عنها السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلص»؟ هل تعني الانهزام أمام المصاعب وأن أستكين «ليعبر غضبُ الرب» أم تعني شيئا أعمق؟ ما من شك ان المعنى ليس ان نحتمل «يللي دمهم ثقيل» والذين يزعجوننا أو يؤذوننا خوفا من ان نواجههم. اذ ذاك يكون هذا هروبا واننا نفضّل الراحة على حل مشاكلنا مع الناس. أمام الوجود الموجع لا يطلب منا الرب مجرد هدوء الأعصاب أو لا مبالاة لأنك ان تركت الأشياء المزعجة تسير مسيرتها ولم تصلح الأوضاع التي أنت قادر على إصلاحها تكون قد اشتركت بالشر المتفشي حولك.

الصبر هو أولا ان تصلي من اجل الآخر لتحل عليه نعمة الله لكي يتوب وتتحسن حاله فيشفى من مصائبه. طبعا هناك إصلاح في كل منا يتطلب زمنا. الصابر هو من اعتبر ان الزمان موجود وأنّ تحسُّن الآخرين يتطلب نعمة من الله. ثم يعرف الصبور ان الهدوء الذي يواجه به الآخرين عنصر من عناصر الإصلاح، والهدوء فيه طلب لرحمة الآخر الذي صارت حياته صعبة. الصبر إذًا هو أولا موقف من الله الذي لا يغير نفوس الناس في اللحظة إذ ينتظر مشاركتهم في عطائه وارتضاءهم للفكر الإلهي، ولذلك قال صاحب المزامير (37: 7): «انتظرِ الرب واصبرْ له». أنت تعرف ان الله معينك في احتمال المشقات وانك في حاجة إليه لاحتمالها.

ان تصبر يعني انك لا تستعلي ولا تكره ولا تعبد ذاتك وأنت تتفهم الآخر في غضبه أو كبريائه. خذ هذا الآخر إلى قلبك عساه يدخل منه إلى قلب الله. كن شفوقا حتى النهاية واكسر قلبك بالتواضع. تواضع ليس فقط أمام الله ولكن أمام الناس. أبو الرأفات عند ذاك يرحمك، ويضمك يسوع إلى صدره ويربيك في الزمان الطويل الذي يمر عليك بانتظار رحمته للآخرين.

وإذا حسبت انه ينبغي ان تلوم أو ان توبخ فافعل هذا بلا صراخ ولا كبرياء ولا تحسب نفسك انك أعظم ممن اخطأ إليك. ولكن لا نحتاج إلى لوم أو توبيخ كل وقت. غير اننا في كل وقت نحتاج إلى الإشفاق على الذين عذبتهم الحياة. وإذا كنت وديعا فهذا خير سبيل إلى تصحيح الخطأ عند الآخرين. ولكنك لن تصبر ما لم تتحرر من الغرض، من الأنانية. تعلَّم الا تطلب شيئا لنفسك، الا تشترط شيئا على من أعطاك الله ان تعينه.

فأنت لن تصبر الا إذا كنت مستقلا وحررت نفسك من الذي تصبر عليه. إذا كان احد سيدا عليك فليس لك في الصبر نصيب. أنت ترى الذين لا يفهمون وترى من ليس عنده محبة. كذلك ترى المنافقين. كل هؤلاء اشملهم برحمة الله التي فيك. وإذا تعلمت ان كل إنسان جريح وملقى على طرق الحياة فبلسِمْ جراحه واعتنِ به ولا تطلب أجرا ولا شكورا. افرح بكل الناس في كل حين وعزِّهم عن شقائهم وابتسم لهم واحتضنهم وكن صادقا معهم باستمرار.

هذا كله مجموعا هو الصبر لكونه إرضاء لله تقوم به كل يوم ولو كنت متعبا من كثير من الناس، هؤلاء الذين مات المسيح من أجلهم.

Continue reading
2003, جريدة النهار, مقالات

الإنجيل برواية المسلمين / السبت في 15 تشرين الثاني 2003

هذا هو العنوان العربي للكتاب الذي وضعه طريف الخالدي اصلا بالانكليزية وصدر عن دار النهار معربا. ما هي صورة المسيح عند عدد من كبار العلماء المسلمين من بعد القرآن، هذا الهدف يضع الكتاب في لاهوت الأديان المقارن ومقاربة هذا العلم هنا مقاربة تناضح بين الإسلام والمسيحية من بعد التنزيل القرآني.

الدكتور الخالدي يأتي بـ300 حديث وحديثين منسوبة الى عيسى ذكرها مفسرون ومؤرخون ومتصوفة ويقدم لها ويشرحها بذكر مصادرها فيورد مثلا هذا الحديث عن عيسى. «ان الإحسان ليس ان تحسن الى من احسن اليك، انما تلك مكافأة بالمعروف. ولكن الإحسان ان تحسن الى من اساء اليك» وينسب هذه القولة الى احمد بن حنبل في كتاب الزهد والى ابن عساكر ويدل على الصفحة والأرقام وأخيرا يشهد ان هذا الخبر هو إعادة صياغة لما في انجيل متى 5: 46. احاديث جميلة معظمها مأخوذ من العهد الجديد مسكوبا بلغة الناقل. ما من شك ان هناك اقوالا اخرى لعيسى عند المسلمين ولكن عندنا هنا نماذج للروحية الإسلامية التي تعتمد القرآن قليلا في سرد سيرة عيسى واعتمدت الأناجيل القانونية كثيرا واحيانا قليلة نصوصا وردت في مصادر اخرى يحاول الخالدي ان يثبتها. ان اهتمام العلماء القدامى بالمسيح يسوع تفسيره بقول الإمام الغزالي عنه انه «نبي القلب».

من يقرأ كل هذه النصوص التي استخرجها المؤلف نماذج عن اهتمام المسلمين بالمسيح من ضمن تصورهم اللاهوتي يستدل على انهم كانوا في حاجة الى حب. ما طلع علينا به المؤرخ الصارم الخالدي باحثا هو أدب حب ليسوع الناصري وتبقى امينة للارثوذكسية القرآنية. جل ما يمكنني ان افعله في سطور قليلة كهذه ان اقول لك: إقرأ تلطف بما سوف تقرأ. اقرأ فيزداد ودك للناصري كائنا من كنت.

عندما تطلع على مراجع هذا المصنف أكانت إسلامية ام استشراقية ومبلغ التعب العلمي الذي بذله الكاتب لا يسعك الا ان تكبر الجهد. وكيف لا تكبّر اذا طالعت المقدمة التي وضعها الكاتب بتقنية علمية كبيرة وهي تكشف لك اننا امام بحث أكاديمي صرف لا يرتهن باية عقيدة ولكنه لا يخون عقيدة. يعترف بفضل من سبقه بما في ذلك المستشرقون. يعرض في «الخلفية التاريخية» من المقدمة ان أصول صورة المسيح القرآني هي من الأناجيل المنحولة او من الفرق المسيحية المنحرفة او من المسيحية المهودة. في قراءتي للكتاب لا يبدو ان الدكتور الخالدي يبت هذا الأمر وتفلت من المأزق بقوله ان الأهم هو «فهم افضل للنص (القرآني) من خلال نصه وسياقه» فيما يؤكد على «التنوع المسيحي» في ما يعرف اليوم بالعالم العربي.

ردة فعلي على هذا الرأي الأخير ان تعدد الكنائس لا يتضمن خلافا حول ألوهية المسيح وناسوتيته وصلبه وقيامته وان كانت العلاقة بين اللاهوت والناسوت فيه جاءت في غير قالب لفظي لم يؤثر على الإجماع المسيحي الدائم على اجتماع اللاهوتية والناسوتية في المسيح. السؤال الذي يطرح نفسه أكاديميا، تاريخيا على اساس النصوص هو هل ان السرد القرآني يلتقي مع الأدب الإنجيلي المنحول او هناك تطابق شبه نصي بين نصوص قرآنية والسرد المسيحي المنحول. على سبيل المثال نجد في متى المنحول ما يطابق في المعنى قول القرآن: «اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طير بإذن الله» (سورة آل عمران، الآية 49). هل تأثر القرآن بهذه الكتابات التي لم تقرها المسيحية ام لم يتأثر؟ العقل الغربي النقدي يقول انا اطبق قواعد الأدب المقارن ولا افهم موقفا الا مأخوذا عن موقف اذا كانا متطابقين. انت لك ان ترى ان القرآن موحى. الخالدي لا يتطرق الى ذلك ولست انا اتطرق الى ذلك. ولكن اقل ما يقال في الأمر ان القرآن نزل في بيئة كان المسيحيون فيها يطالعون -على رغم توصيات الكنيسة- هذا الأدب.

كذلك نجد شبها بين سورة اهل الكهف وأصول مسيحية قديمة بعضها هرطوقي كما نجد عظة ليعقوب السروجي في المخطوطتين 115 و117 من مكتبة الفاتيكان تحوي حكاية سبعة نائمين في افسس لجأوا الى كهف هربا من اعدائهم الوثنين وأفاقوا بعد 196 سنة. كيف نفسر هذا الشبه مع القرآن؟ ليس في منطق الاستاذ الخالدي ولا في منطقي ان نخوض هذا.

في المحطة الثانية للمقدمة يؤكد المؤلف ان القرآن ينفي صلب المسيح وينفي ان يكون هذا مأخوذا عن بدعة الرائية «وهي من الجذر اليوناني ذوكيو بمعنى يتراءى او يبدو وهذا عنده يقابل التعبير القرآني الدقيق «ولكن شبه لهم» ويرد الخالدي ان استمداد هذا الموقف من الذوكية مستحيل لأن مسيح القرآن «انسان من لحم ودم» وكان في مذهب الرائية مجرد خيال. انا اوافقه في ذلك. ولكن لا يذكر الدكتور الخالدي القديس إيريناوس الذي دحض بدعة تقول ان سمعان القيرواني هو الذي صلب جهلا وخطأ بعد ان تغيرت هيئته وصار شبيها بيسوع فيما تحول سمعان الى هيئة يسوع وأخذ يسخر من الرؤساء». ما من شك عندي ان تفسير كبار المفسرين المسلمين «شبه لهم» بأنها تعني بديلا عن المسيح في الصلب تستند الى الأدب المنحول. وفي اعمال يوحنا المنحول ورد: «لست انا ذاك هو الذي صُلب… لم أعانِ ايا من الآلام التي نسبوها الي». وشيء عند كيرنثس الغنوصي الذي يفصل بين يسوع والمسيح ان يسوع «قد تألم ومات وقام من بين الأموات. اما المسيح فهو كائن روحي غير قابل للآلام. لذلك ترك المسيحُ (بضم الحاء) يسوعَ (بفتح العين) وصعد الى السماء».

ولكن هل يجزم القرآن حقا بعدم صلب المسيح؟ الآيتان المتعلقتان بهذا هما الآيتان 157 و158 من سورة النساء: «وقولهم (اي اليهود في رد القرآن عليهم) انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لغي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما». ما معنى «شبه لهم»؟ اوّل المفسرون جملة «شبه لهم» على شبه المسيح ألقي على رجل آخر فصلب هذا الآخر. الصعوبة الأخلاقية في هذا ان الله عاقب انسانا آخر على ذنب لم يرتكبه. الصعوبة الثانية هي ان المسيحيين ظلوا طوال 600 سنة ونيف ضحية لخدعة الهية. اما الصعوبة الكبرى فكون انجيلين ثلاثة من اصل اربعة كانوا شهودا عيانا على مسيرة الصلب. انسان قبض الرومان عليه وقادوه من قضاة اليهود الى بيلاطس البنطي الوالي الذي حكم عليه بالصلب وسلمه الى الجند الذين كانوا حريصين على تنفيذ الحكم وقيادة الرجل الى خشبة الصليب. رواية الحل الاستبدالي غير مقنعة. وقد كتب بولس الرسول حوالي عشر سنين بعد الصلب عن الصلب في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس بعد تقصيه الخبر من الجماعة.

ثم تساءل الزمخشري في القرن السادس الهجري حول فكرة البدلية حول ما يشير اليه فعل «شبه» اذ يكتب: «فإن قلت (شبه) مسند الى ماذا، ان جعلته مسندا الى المسيح فالمسيح مشبه به وان أسندت الى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر. في القرن السابع الهجري طرح فخر الدين الرازي سؤالا يتعلق بما قد يحصل لو ألقي شبه رجل على رجل آخر. فقال: تنتج عن ذلك مشكلتان «اولاهما ان هذا يفتح باب السفسطة حتى يتعذر إثبات اي قاعدة اجتماعية كالزواج او الملكية مثلا. كما ان ذلك لا بد ان يؤدي الى القدح في شهادة التاريخ او التواتر».

ثم يفسر ابن قتبة على ان الجملة (مالهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا) على انها تعني لم يقتلوا ظنهم باليقين. ويفسر الطبري ان الهاء في قوله «وما قتلوه» عائدة على الظن اي انهم لم يقتوا ظنهم يقينا».

هذا يقودنا الى ان القرآن لا ينكر موت المسيح ولكنه يتحدى البشر الذين ضللوا انفسهم بجهالتهم حتى اعتقدوا انهم سينتصرون على كلمة المسيح. الى هذا عندنا «اني متوفيك ورافعك الي». لقد دارت مساجلات كثيرة في الإسلام حول معنى «متوفيك» فقيل انها لا تدل حتما على الموت وقيل ان التوفي لا يفيد بالضرورة انه سابق للرفع. ولكن المعنى المباشر البسيط هو ان الله توفى مسيحه ثم رفعه من الموت. فتكون آيتا الصلب على غموضهما تعنيان ان اليهود على خطأ لما اعتقدوا انهم يقضون على عيسى ورسالته بالقتل والصلب ولما استطاعوا ذلك. «شبه لهم» انهم قضوا عليه ولم يقدروا ان يفعلوا ذلك.

النقطة الأخرى عند الخالدي ان القرآن ينبذ معتقد الثالوث الأقدس واستشهد بالآية 116 من سورة المائدة: «واذ قال الله يا عيسى ابن مريم أانت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله» حتى آخر الآية. عندي ان هذه الآية لا تعني شيئا ضد الثالوث لكون المسيحية لم تؤله مريم لا في الكنيسة المستقيمة الرأي ولا في بدعة مسيحية. قد توجد آيات ظاهرها ضد الثالوث ولكنها منسوبة الى النصارى. من هم النصارى؟ هل هم المسيحيون اتباع الكنيسة ام انهم المسيحيون المتهودون الذين كانوا منتشرين في الجزيرة ومنهم ورقة بن نوفل؟ ما يظهر ضد الثالوث لا يقول به المسيحيون بل تقول به هذه الفئة من المبتدعين.

في محطة ثالثة يتطرق المؤلف الى المسيح في الإنجيل الإسلامي ليمهد لنصوص العلماء المنشورة في الجزء الثاني ولعل اهم ما فيها ان الإنجيل لم يكن معروفا بالعربية في عهد الرسول العربي واعتماده في ذلك ان ليس عندنا مخطوطة للإنجيل قبل القرن التاسع. طبعا هذا لا يعني شيئا لأن الأقدمين لم يكن عندهم تقديس للمخطوطات فتتلف او تحرق. فالعهد القديم ليس عندنا منه مخطوطة الا سبعة قرون بعد الميلاد. أيعني ذلك ان العبرانيين ما كانوا يقرأونه؟ الى هذا يشير هشام الكلبي الى راهب في اليمن كان يتلو الإنجيل واورد ذلك عرفان شهيد في كتابه (بيزنطية والعرب في القرن الخامس) ان وجود قبائل عربية وبعضها ذات حجم كبير كتغلب يدل ان القسس كانوا ولو تلوا الإنجيل بالسريانية يعظون العرب بالعربية وان الفحوى الأساسي للإنجيل كان متداولا. ولكن من الواضح جدا عندي ان النص القرآني ليس صدى للأناجيل القانونية. ولعل هذا يفسر عطش علماء المسلمين الى هذه الأناجيل كما اتضح من ايرادهم قصصها.

لم يبق من مجال لاختصار ما تبقى من المقدمة. انها تحاول ان تبين كيف تأسلم الإنجيل في اوساط المسلمين المتأخرين عن فجر الإسلام. اظن ان الحصيلة الروحية الخارجة عن الأكاديميات الصارمة تبيان المؤلف ان عيسى هو نبي القلب.

Continue reading

Popular posts

الإله المتجسد / السبت في 1 آذار 2014

جاء المسيح ليقضي على الخطيئة، ليقدم عرضه هذا على الإنسان لأن المسيح لا يريد اقتحام الإنسان. هو مخلص ولكن لا يخلص إلا من ارتضى الخلاص واعتنقه وابتهج به. الله...

موعدك في القداس/ الأحد 31 تموز 2011 /العدد 31

القداس موعدٌ لك مع الرب. في الحياة الاجتماعية لا يذهب أحد الى موعد متأخّرًا. يعتبر هذا أنك لست جدّيًّا بالتعامل مع من ارتبطت معه بموعد أو أنك غير مشتاق...