اندراوس الذي نعيد له اليوم مسمى المدعو أولا لأنه حسب هذا الفصل من إنجيل يوحنا هو اول من دعاه السيد لينضم اليه وكان من تلاميذ يوحنا المعمدان حسبما جاء في هذا النص. وكان يوحنا يرتضي بفرح ان يتركه تلاميذه ليتبعوا المعلم الجديد الذي جاء المعمدان ليهيئ لمجيئه بمعمودية التوبة. فبعد ان شهد ليسوع على انه حَمَل الله المعد للذبح، كان لا بد لاندراوس ورفيق له ان يتبعا الكامل. عند ذاك مكثا عند يسوع يوما كاملا. لا يقول الإنجيل المكان الذي يقيم فيه السيد. والمعنى الأبعد من إقامتهما عنده ان نقيم نحن مع يسوع بالإيمان. في القلب نحن نلتحق بيسوع وهذا آت من الإيمان.
كان هذا عند الساعة العاشرة. هذه الساعة التي كان يقال لها في بلادنا الساعة العربية تعني حوالى الساعة الخامسة بعد الظهر اي عند اقتراب الغروب. في الظلام انت تسعى الى النور وقد قال يسوع: انا نور العالم. فاذا داهمك غروب الخطيئة لا ملجأ لك الا هذا الضياء العجيب الذي اذا انارك يُذهب عنك الخطايا.
اندراوس لم يكتف بأن يسوع دعاه. اراد ان يجيء بتلاميذ آخرين الى المعلم. فأتى بأخيه سمعان اذ قال له وجدنا مسيّا الذي تفسيره المسيح. مسيا هي اللفظ اليوناني لكلمة مشيح العبرية (في اليونانية لا يوجد حرف الشين ولا حرف الحاء فتكتب مسيا). ولذلك اضطر يوحنا الإنجيلي ان يترجمها الى اليونانية خريستوس التي هي المسيح القريبة من العبرية. فعندما توجه يسوع الى سمعان وهو ابن يونا قال “انت تدعى صفا الذي تفسيره بطرس”. صفا العربية هنا هي كيفا بالآرامية التي كان يتكلم بها يهود فلسطين ونقلناها الى العربية صفا اي صخر، ولكون القارئ اليوناني لإنجيل يوحنا لا يعرف الآرامية فسّرها بطرس. وجاءت بالترجمة العربية الحرفية بطرس، والمعنى اني سميتك صفا اي صخر او صخري لأن ايمانك قوي كالصخر.
طبعا هذه صدى لما ورد في انجيل متى: “وانا اقول لك ايضا انت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي” (16: 18). اسم بطرس (Petros) نحته يسوع من Petra التي تعني الصخرة. المعنى انك لكونك اعترفت بي على اني المسيح ابن الله صارت لك كرامة جديدة وقبلت الدعوة. فلا تبقى على اسمك القديم. انا اعطيك اسما جديدا يليق باعترافك بي، يرمز الى اعترافك. أنحت من الصخرة اسما. انت بقوة ايمانك مجانس للصخرة.
بعد هذا دعا يسوع اليه فيلبس فقال له اتبعني. دعاه في الجليل وكان هو من بيت صيدا وهي مدينة صغيرة على الضفة الشرقية من الأردن حيث يصب النهر في بحيرة طبرية. فيلبس مذكور عدة مرات في الإنجيل الرابع. هنا ايضا يدعو غيره. يدعو نثنائيل. هذا كان من قانا الجليل الذي قد تكون خربة قانا او كفرقنا وكلتاهما في الجليل. يشهد هنا فيلبس ان يسوع كتب عنه موسى والأنبياء. سمي هنا “يسوع بن يوسف” حسب الاعتقاد الشعبي. يسوع عظم نثنائيل بقوله انه اسرائيلي حقا لا غش فيه واصِفًا اياه بعبارة من المزامير. اما قول السيد: “قبل ان يدعوك فيلبس وانت تحت التينة رأيتك” فهي عبارة معروفة عند اليهود على ان الجالس على مقعد تحت التينة هو دراس للتوراة، فكأن الرب اراد انك مهيأ بدراسة العهد القديم ان تعرفني.
اما قوله “الحق اقول لكم انكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر” مأخوذة من حلم يعقوب ابن اسحق في بيت ايل: “ورأى حلما واذا سلّم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها وهوذا الرب واقف عليها” (تكوين 28: 12و13). الرب طبعا تعني الله. في انجيل يوحنا، الواقف على السلم هو ابن البشر اي يسوع. في هذا يكون يوحنا الإنجيلي اقتبس من سفر التكوين آيتين تدلان على الرب الإله، وهذا الرب الإله سماه هنا ابن البشر اي يسوع، فيكون يسوع هو نفسه الرب.
في الآية 5. يتوجه يسوع الى نثنائيل بصيغة المفرد فيقول: “سوف ترى اعظم من هذا”، ثم ينتقل الى صيغة الجمع ليقول لنا جميعا سوف ترون السلم المنتصبة بين الأرض والسماء اي المجد الإلهي الذي يعطيكم اياه ابن البشر الذي هو نفسه ابن الله الجالس على السلّم لأنه جامع في شخصه السماء والأرض.
