2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغني الغبي / الأحد 20 تشرين الثاني 2005 / العدد 47

انجيل لوقا إنجيل الفقراء. الكلام الرئيس  عند لوقا عن الفقراء هو في التطويبة الأولى :”طوباكم ايها المساكين لان لكم ملكوت الله” (6 :20). وهو الفقر بالمعنى الحسي يقابله بالتطويبات نفسها عنده “ويل لكم ايها الأغنياء لانكم قد نلتم عزاء كم” (6: 24). غير ان معرفتنا لجماعة كانت تسمى “الفقراء الى الله ” توضح لنا ان المحتاج  غالبا ما كان محتاجا الى الله ايضا بحيث كان ينتظر منه “خبز الغد” وقد ورد عند بعض الشراح ان لفظة خبزنا الجوهري في الصلاة الربية قد تعني الخبز الذي يحتاج اليه في الغد لا بعد الغد.

          نحن امام مَثَلٍ سبقه قولان للسيد: اولا، انظروا وتحفّظوا من الطمع. وثانيا، متى كان لأحد كثير فليست حياته من امواله. بعد هذا يأتي المثل ومعناه تاليا من هاتين الكلمتين ليسوع.

          “انسان غني أخصبت ارضه” :ليس في هذا شيء سيء ولا سيما اذا كان قليل المورد. ويحق له ان يفرح. يقال اليوم عن هذا إنه تنمية اقتصادية.

          هذا الرجل يقول في ذاته: اوسّع املاكي اذ انا في حاجة الى ان اجمع الغلات الكثيرة في مخازن حنطة اكبر. ليس من مأخذ على هذا الرجل في هذا. يبدأ التلميح الى اللوم عندما قال هذا الغني لنفسه: “لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة” (كيف يعرف؟). من قال له انه يعيش طويلا او ان احدًا لن يسرقه؟ ليس من ضمانة لدوام المال. يزداد لوم يسوع ليس بشكل صريح ولكن باستعمال الإنجيلي لكلمات تدل على ان الرجل ارتاح الى كنزه الجديد بقوله لنفسه: “استريحي وكلي واشربي وافرحي”. شهوة النفس عند هذا الرجل هي الدنيا وما فيها. الفرح عنده في الأشياء المادية والطمع بها. وعند ذاك يهمل نفسه اي عمق نفسه وحاجتها الى الله والى محبة الآخرين، وهاتان الحاجتان لا ينفع المال بهما. المهم الشوق الى الله ومعاشرته بالكلمة. كان المطلوب من الغني ان يجعل فرحه في غير الحنطة التي ازدادت وقوَّت الشهوة.

          نفسك لن تقدر ان تتمتع بشيء ايها الغني لأن الليلة تُطلب نفسك منك ولن يبقى لها شيء من دنياها. لذلك ينهي يسوع هذا المثل بقوله: “هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيًا بالله”.

          لا ينبغي ان تحس يا انسان ان الذي عندك يكبرك او يزيد على قامتك ذراعا واحدة. لهذا بعد المثل يقول السيد: “لا تهتموا بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون. الحياة افضل من الطعام”. هنا كلام يشبه كثيرا ما ورد في العظة على الجبل عند متى، ويسميه الشراح العظة على السهل عند لوقا، وهي منتشرة في انجيل لوقا وليست في موضع واحد كما عند متى.

          ان يسوع لا يكره الغنى بحد نفسه ولا الاغنياء اذا كانوا لله. لا يريد الافتخار بالمال والتعلق به وتشهيه. هو وسيلة لا ينبغي ان تعشقها انت او تعبدها لئلا تصير لك مثل رب. ما تشتهيه من هذه الدنيا يستعبدك. استعمل كل شيء وكن حرا من كل شيء لتصير حقا مع يسوع.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

تحب قريبك كنفسك / السبت 19 تشرين الثاني 2005

هذه الوصية التي يرجع بها الى يسوع الناصري هي في الحقيقة من العهد القديم ولكنها جاءت في سفر اللاويين هكذا «لا تنتقم ولا تحقد على ابناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك» (18: 19) ما يشير الى انك تحب فقط بني قومك. وسع العهد الجديد الوصية بجعل كل الناس محبوبين. غير ان الصيغة التي وردت فيها الوصية «تحب» أو «أحبب» توضح ان المحبة امر الهي وانها ليست فقط مجرد تحرك عاطفي فقد يحس قلبك او لا يحس. فالمحبة اذا شريعة معناها هو هذا:يجب ان تحب قريبك كنفسك.

الفكرة الظاهرة في العهد العتيق هي ان هناك ما يربطك بالمحافظين على الشريعة وهم من امة الابرار. هذا هو رباط المقدسين. انت ان احببت تدعم الكيان الالهي-الاجتماعي القائم في امة اليهود.

مع المسيح انت لا تنتمي الى امة. تشكل انت بالحب امة المحبوبين. لذلك عندما سأل احد اللاهوتيين يسوع من هو قريبي حكى له حكاية معروفة بمثل السامري الشفوق الذي تحنن على جريح يهودي كان ملقى على الطريق فأقبل عليه وآواه وطببه. فعن هذا السؤال من هو قريبي اجاب السيد بسؤال: من ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص. قال الذي صنع معه الرحمة فقال له يسوع اذهب واعمل كذلك. والمعنى ان كل انسان غريب عنك حتى تطل على اوجاعه وعزلته. لا يسأل اذا عمن ترحم. انت ترحم ببساطة. ومن ساعدته يصبح من الاحبة. وتتشكل هكذا امتهم بالمحبوبية.

لماذا قالت الشريعة يجب ان تحب؟ لا تترك الشريعة احدا على مزاجه. الشريعة لا تعرف حب الهوى فقد تهوى وقد لا تهوى. والذي تخاصمه قد يموت او انت تموت. واذا مات الانسان على الخصام فهو مفصول عن الآخر وتكون عرى الوحدة قد تفككت في الامة المقدسة. واذا اخرجت احدا عن المحبوبية تكون انت ايضا خرجت عليها وما بقي الله مشرقا على وحدة الوجود بينك وبين عدوك والكلمة هي «احبوا اعداءكم». فاذا احببته تزيل العداوة عن نفسك وقد تزيلها عن نفسه وفي كل حال لا تبقيه على غربته.

#  #

#

واذا كانت محبة الانسان للانسان شرعة لهما ومنهاج عيش فهذا يعني انها غير نابعة من صفات من كان عليك ان تحب. فقد يكون قبيحا بكل المعاني ومن كل الزوايا اذ لم يزين كل انسان بالبهاء الالهي ولا بالتهذيب البشري ولم يلحظ عليه احد لمسة من لمسات الحضارة. مع ذلك يجب ان تحبه لتنشئه نشأة جديدة. انت لا تحب احدا لكونه يستحق ذلك او لكونك تتوقع ان يبادلك العطاء فقد تكون نفسه بخيلة، جافة ولم تلطف بأحد. انت لا تنظر الى شيء من هذا لانك تحيا بالنعمة تنزل عليك وحسبك هي وهي وحدها تحول صحراءك الى جنات. فاذا كفاك الرب تحيا بملىء كيانك تدغدغك مودات او تحييك بدفء او تعكس عليك انوار الله ولكنك قد تحيا في صحراءالحب كما يقول مورياك وتحيا مليئا اذا عرفت نفسك حبيب الله.

انت تنجو بمحبة الله اذا قرأتها نازلة عليك وحسبك اياها. احيانا تحس ان احساس احد بك انعكاس لاحساس الله بك ولعل كل قيمة الحب العاطفي ان يجعلنا نشعر بابوة الله لنا. كل ما في الدنيا يمكن ان يصبح قراءة من الله فكل هذه الدنيا كتاب. طوبى لذاك الذي يعرف ان يهجىء اسم الله على سطور.

#  #

#

اذا ما توسعنا بالوصية على ما اراده المسيح فقلنا ان القريب هو من نبادر الى رحمته وخدمته حتى النهاية فاحبب قريبك كنفسك ينبغي ان تعني احبب قريبك على نفسك. اذ نقع في التفاهة لو قلنا انك تغذي القريب بالطعام مثلا كما تغذي جسدك اذ يفترض الوضع احيانا ان تنزع اللقمة من فمك لتطعم الآخر وان تعري جسدك لتكسو جسد الآخر. فالتوازن الحسابي بين طعامك وطعامه او كسائك وكسائه يعني انك لا تحب بالحقيقة حتى النهاية. يعني انك تريد ان تعيش بكل الوسائل وتعطي مما لا يمنع عنك العيش. التوازن يعني لك انك موجود وقد تعني المحبة احيانا انك تنكر وجودك ليحيا الآخر.

ان الوصية لم تأخذ كل مداها الا مع ذاك الذي احب البشر جميعا على نفسه فبذلها حتى الموت موت الصليب ولكونه اعتبر الناس بموته افضل من نفسه يؤهلنا هو ان نصوغ الوصية التي ابتدأت بتوازن اليهودي هكذا: أحبب قريبك على نفسك. فأنت لادراكك محبة الله اياك في المسيح متّ ام امت العالم فيك فلا تشعر انك قائم بذاتك وان فيك شيئا حسنا ولكنك تؤمن ان المسيح يوجدك لانه مات فتحول هذا الوجود المجدد فيك الى كيان الآخر فينوجد بعد ان كان في هزالة الوجود. انك تحب الشخص بغض النظر عن خصاله او عيوبه. فقد يكون قبيحا كما كان وجه المسيح على الخشبة. ليس المهم ان ترى جمال احد لتحبه. انت لا تضمه اليك انت تضمه الى صدر المسيح. انت لا علاقة لك بمن تحبه في المسيح. فقد يحتاج اليك اليوم ولن يكون في حاجة اليك غدا. تحول وجهك عنه لتذهب الى وجه آخر لترحمه. قد تساعده كثيرا وقد تساعده طويلا. ان وجهه صار وجه المسيح. «كنت جائعا فأطعمتوني» وطبعا كان يتكلم عن جوع الجياع لا عن جوع نفسه. فلكونك صرت خادما بالانتباه تلازم من تخدم. توآسي. تعزي. تطعم. تكسو. ترشد  كل هذا تعمله بسبب ظرف جعلك تعرف الحاجة فتقترب وتنسكب.

من اعطيته قد يتأثر بانتباهك وقد يرد لك عطاءك بعاطفة وقد يدخلك قلبه. انت لا شأن لك بذلك. خطر العاطفة هذه ان تجعلك تحس بأهمية العطاء عندك. انت لا تتخذ بالعطاء مقاما في نفسك. انت لست بشيء امام عينيك. انت تحب ليدرك الآخر محبوبيته لدى الله. فاذا رد اليك المحبة تكون قد نلت مكافأة. لا مانع من ذلك ولكن ليس هذا مهما. الاهمية الوحيدة في انسكاب الناس في الناس ان يجاوروا الله جميعا بانشدادهم الى فوق.

في الحقيقة انك تعطي المسيح، لان الآخر يقيم فيه المسيح، بسبب من العوز. المسيح هو الفقير الكامل، المطلق الذي لم يأخذ من الانسانية الا الرفض. فأنت اليه ومعه في المتألمين جميعا. المحب والمحبوب صارا واحدا بسبب وحدانية المسيح الذي بدد بدمه العطاء النابع على الدوام من قلب الله. المقيم في الله يقيم وحده الله في البشر. واما ان اقمت نفسك في الآخر فأنت لا تقيم فقط حلاوتها ولكنك تقيم ما فيها من قباحة ايضا. لك ان ترتضي القليل ولكن هذا لا يشبعك. طبعا العاطفة تغتذي من العاطفة وقد يكون فيها قبس الهي. ولكن الشعور الالهي المجرد من الانا يبذل الانا وعندئذ ينكشف الله للآخرين. المهم ان تنقل الله وايمانك بالله. انا لا انكر عليك شرعية تحركك العاطفي وسرورك بالتبادل بين قلب وقلب. هذا لك أجر فلا تتمسك بمن تعطيه لان مبتغاك ان يحول وجهه الى وجه ربه ليشكر ويحيا.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

نَقْلُ الكاهن/ الأحد 13 تشرين الثاني 2005 / العدد 46

معروف عند الشعب قوله: الكاهن فلان مرسوم على كنيسة هذه القرية أو تلك. وقد أوضح القانون ٦ من المجمع المسكوني الرابع (451) ان الكاهن يعيَّن لخدمة كنيسة في مدينة أو قرية أو مقام شهيد أو دير. وكان اسم المدينة أو القرية يُذكَر علنًا في السيامة فيقال «النعمة الإلهية فلتنتدب الكاهن فلانا لكنيسة كذا في مدينة كذا أو قرية كذا». أي لا يُرسم الاكليريكي بصورة مطلقة، وكانت رغبة المجمع ان تمنع تجول الكهنة بسهولة من مكان إلى آخر بخلاف القوانين.

أحيانا إذا كانت أحدى الكنائس قليلة العدد، يُعيَّن الكاهن عليها وعلى كنيسة أخرى. وكان المألوف عندنا والمتبع ان يلازم الكاهن قريته حتى مماته أو عجزه الصحي ما لم يجرِ في حقه تأديب أو بدا انقسام أو مشاكل في الرعية فيُنقل إلى مكان آخر، وتُظهِر الوقائع ان من لا يوفَّق هنا قد يوفَّق هناك.

أحيانا يرغب الكاهن لأسباب متعلقة به ان ينتقل إلى أبرشية أخرى فيستأذن رئيسه لذلك، فيعيّن تاليا على كنيسة لم يرسم عليها. إلى جانب هذا، علّمتنا الخبرة الرعائية ان نقل الكاهن الذي انكشف نضجه وتقواه في رعية صغيرة جدا قد تستفيد منه رعية كبيرة. في الأخير، المطران هو الراعي المسؤول عن الجميع ويعرف أحوال الأبرشية ويعرف من أي كاهن يستفيد هنا ويستفيد هناك، أي يعرف أي كاهن قادر ان يدبر رعية سلسة أو يدبر تلك التي فيها بعض الصعوبات.

الأبرشية هي كنيسة واحدة ولها إدارة واحدة في التشاور بين الجميع ولا سيما بين الكهنة والأسقف، وتقوم على الثقة بأن المطران هو أبو الجميع إذ ليس عنده مصالح دنيوية، ورغبته الوحيدة ان يصبح المسيح سيد الجماعة، وفي هذا الإطار يأتي تثبيت الكاهن في مكانه أو نقله إلى مكان آخر.

ما حدث عندنا في الحرب ان كهنة اقتُلعوا من قراهم أو مرضوا أو ماتوا وفي بعض الحالات شغلوا كنائس كانت شاغرة . كل هذا جعل تبديلا في الأشخاص. اما وقد عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه فكان لا بد من ترتيب بعض الأوضاع من جديد ليقلّ عدد الكنائس المسلَّمة إلى شخص واحد. ان حصر عدة رعايا بيد راع واحد لا يمكّنه من الانتباه الواحد المكثف لكل الكنائس. هذا ليس في طاقة إنسان. هذا يجعل الرعاية شيئا إسميًا. يكاد العمل يصير طقسيا فقط بتأمين القداس والصلوات هنا وهناك. اما هل من يسأل عن العائلات، وهل من يُعلّم ويعنى بالصغار؟ فإن شيئا من هذا لا بد ان يضعف.

القاعدة هي هذه أنه كلما صغرت الرعية تعظم الرعاية أي ننتقل من الكمّ إلى النوع. نحن نحتاج إلى نوعية عالية من الاهتمام وإلى حضور دائم للكاهن في شعب معين، في قرية معينة في هذا الجبل.

إلى هذا عندنا عدد كبير من طلاب اللاهوت لا بد لمطران الجبل ان يضع كل واحد في مكان. فليس من المعقول ان أُسلّم كنيستين أو ثلاثا لكاهن وأَرمي هذا الطالب بعد تخرجه في الشارع ولاسيما إذا كان محبا للمسيح وفهيما وشابا ناشطا.

سياستي ان تضيق الرقع الواسعة وان أُكثر عدد الخدام للهيكل حتى تُسمَع كلمة الحق في كل مكان ونحتضن أولادنا ونبني معابد جديدة. أكثر من كنيسة جديدة تنتظرنا. وبعضها أرضها عندنا (الحدث) أو اشتريناها (النقاش) والآخر سنشتريه لأن هناك مئات من العائلات لا راعي لها. تذكروا قول الله: «اضرب الراعي (أو أَلغِ الراعي) تتبدد خراف الرعية». ويرزق الله الكاهن الذي ضاقت رقعته وتكون نفسه قد كبرت لأن أخًا له يكون استلم مكانه بجدية.

إلى هذا نواجه اليوم قضية شيخوخة الكاهن الذي يحتاج إلى زميل مساعد. نحن لا نريد ان يترك احد كنيسته الا إذا تعذرت عليه الخدمة جسديا. ولكن لا بد من ان يزامله كاهن آخر أو شماس وان يقبل هذا بمحبة.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الإناء وعطره / السبت في 12 تشرين الثاني 2005

يعاني المؤمن هشاشة نفسه كل حين اذ يرى جمال الله دوما فيحس انه لم يدرك هذا العلو الذي دعي اليه. فهذا العلو وعد ولن يحقق كله في هذه الدنيا اذ لا ينزل من الوجه الالهي الا انقشاعات تلطف بنا ما دامت ويعزينا رجاء عودة مثيلاتها في الايام المرجوة.

وما كشفته الخبرة الروحية من هذا اكده الوحي على لسان الرسول: “ولنا هذا الكنز في آنية خزفية” (2كورنثوس 7:4). فالذهب يضاد التراب. والتوّاقون الى التوبة يرون الاثنين معا، يرون الذهب في وجه الله والتراب في كل كيانهم ولكنهم يعرفون واجب وضع الذهب في الآنية الترابية التي هي هم حتى يطرح الرب عنا الطين في اليوم الاخير.

وعلى ترابيتنا نؤمن اننا خلقنا على صورة الله بحيث يكون لنا بهاؤه مرسوما فينا كما يكون الشمع مطبوعا بالختم. غير ان الختم يدلهم احيانا كثيرة ويكاد يختبئ. ان تركيبتنا الطبيعية على صورة الله لا تضمن بقاءنا احرارا من الخطيئة لان الكتاب نفسه يؤكد الشبه في المنطلق بيننا وبين الله كما يؤكد السقوط والسقوط قد يأخذ الانسان الى الدرجات الدنى منه. ومع ذلك يؤكد آباؤنا اننا في كل حال نلبث على صورة الله ونتوق الى ان نصير الى مثاله. ولكن حتى اذا احسسنا بالقربى وان النعمة تهبط علينا كثيرا ينبغي في آن واحد الا ننسى اننا نحمل هذا الجسد اناء خزفيا معرضا للكسر وان النعمة وحدها قادرة على جبره اذا انكسر.

وهنا لا بد ان نجتنب الخوف من الكسر اذ نحن مدعوون الى القيامة الاولى في هذا العالم المحققة بالتوبة. كذلك لا بد من اجتناب الاغتباط الذي يقع فيه بعض الاتقياء لكونهم يؤدون الصلاة في أوانها ويشعرون ان قلوبهم امست في حالة الطوبى. الخطأ ظنهم انهم لا يتزعزعون والويل لهم اذا وقعوا في الخطأ الاكبر اعني الاستكبار اذ يفنى عندهم، اذ ذاك، الفقر الى الله.

اما الخطأ الذي يتعرض له الضعفاء او الذين نستضعفهم هو ان يحسبوا انهم فقط آنية خزفية وان ينسوا الكنز الذي تحتويه. ذلك ان الخطيئة تسمرك ان انت حدقت بها كل حين وتجعلك احيانا تستصوبها فتنسى قدرة الله على ان ينيبك اليه ويضمك بحنانه.

واعلم ان الله عطر وانه يعطر الآنية التي انسكب فيها وانها اذا ما انكسرت فتذكر به والاصل العطر لا الإناء. غير ان بعض الناس شديدو الحس بوضعهم الخزفي كما ان بعضاً منهم شديدو الحس بالعطر الذي يحملون.
ليس الانسان قادرا على التشوه الكامل او البشاعة الكاملة. هناك دائما بصيص نور، حضور الهي في كبار المجرمين. لذلك هم قادرون على العودة. ولا يعلم إلا الله العائدين اليه. ان الشرق البيزنطي يقف بقوة ضد من يقول ان الخطيئة افسدتنا كليا. هناك دائما بذرة انبعاث وتجديد الخلق فقد اضحى الانسان بالمسيح خليقة جديدة وما سيكون في حالة البلورية الكاملة في اليوم الاخير انما باشر الله الآن وهنا عملية تبلوره وهذا هو الايمان العامل بالمحبة.

اجل الخلاص شيء جدي لا يتم الا بالعرق والدم ومكانه الصليب الذي منه تسير الى القيامة الكاملة بعدما ذقتها فيه. الخلاص غير مكتمل ههنا لتستريح فيه. لا، انت تكد وتكدح ولكن على الرجاء لأن الخطيئة شيء جدي لا بد من استئصاله. هناك خطأ اول ان تعيش في رعب الخطيئة كأنك بلا رجاء وهناك خطأ ثان ان تعتبرها امرا سهلا مرميا على نعمة الله ورأفته. ولا تعبأ بجسامتها. وقد راعني في حياتي الرعائية ان بعض المسترشدين لا يولون اهمية كبرى لمعاصيهم كما ان ناساً آخرين يستعظمون من ذنوبهم كأنها لا تفنى في طول الاناة الذي يحيطنا به الرب.

لماذا ترك الله الإناء خزفية على خزفيتها مع انه اجرى للانسانية الخلاص في يسوع المسيح؟ بكلام آخر لماذا لم ينه الله التاريخ عند الجلجلة حتى لا يبقى في بشري خزف؟ هذا سر لا يسبر غوره. لماذا لم ينقضّ الحب الالهي نهائيا ليحرق الخطيئة مع ان السيد ابطلها في جسده؟ يقول كولمن وهو احد اكابر المفسرين للكتاب ما مفاده ان الشيطان بعد موت المخلص يشبه عسكراً مهزوماً لا يزال يضرب سهامه مؤخر العسكر المنتصر.

لعل بقاء التاريخ مرده الى ان الله أراد ان نكون شركاءه في الخلاص بحيث نقوم نحن بدورنا فيه، بحيث نقبله. مثل على ذلك مائدة الطعام. هناك من يهيئه ويضعه على المائدة (هذا هو دور الله، هذا هو الخبز السماوي) ثم هناك من يأكل وهذا هو دور الانسان. انت لا تنشىء الخلاص وبهذا المعنى ليس لله شريك فيه ولكنك انت ترتضيه بالايمان ومكافحة الخطيئة. المعنى الاساسي للزمان ان تأتي البشرية كلها معاً الى الخلاص الذي تم. ربما كانت الأزمنة في تعاقبها ومكاشفتها وما قالته تؤتي الانسانية النضج. هذا لا شك فيه على مستوى الثقافة. ولكن على مستوى القداسة لا يعطي تقادم الزمان شيئاً. نحن في الجهل الكامل لحكمة الله في هذا الباب.

ولكن اذا اعتبرنا الانسان الفرد وليس الانسانية بأكملها فماذا يعني له زمانه؟ انت تفهم فائدة العمر للنضجح أعني فائدة الخبرة وعند بعض تكون التوبة اوضح أو أعمق ولكن ليس ذلك بالضرورة فقد ترى الحقد والبغض والتسلط وما اليها كبيرة عند الشيوخ. لماذا طال العمر ربك وحده يعلم. انت عليك ان تفيد من الوقت لتطلب لنفسك السلام.

عند الأسقام والضعفات والهبوط النفسي في سن متقدمة ترجو من ربك التواضع الذي لا يحل عليك الاّ من بعد انكسار. ربما كان من الضروري ان يرضّ هذا الجسم ليدخل الى النفس شيء من السلامة أو شيء من الطراوة اذ القسوة رهيبة في كل حال. والقسوة تحطم الآنية الخزفية الى ان تجبرها وداعة يسوع والذين هم له.

هناك جروح لا تندمل. مع هذا قال غير كبير عندنا ان الذي ارتكب خطيئة تكون هدايته عظيمة. طبعاً لست في حاجة الى ان أبين ان هؤلاء الأباء لم يدعوا الى الارتكاب ولكن دعوا الى الافادة من السقوط اذا حصل. ذلك ان الوجع الحاصل لك من الذنب يبكيك ويرض عظامك. طبعاً ليس حسناً ان تكسر الآنية ولكنها عند تحطمها يذكر الانسان انها كانت تحوي عطراً الهياً فينسى ما تكسر ويبقى على ذاكرة العطر.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المسامحة/ الأحد 6 تشرين الثاني 2005 /العدد 45

أن تسامح الآخر بوجوده، الا ترفض خصائصه وما يختلف فيه عنك هو الإقرار بأن الله سمح له ان يكون كما هو كائن أي قد يكون أسوأ مما تتمناه له ان يكون. ولكن الدنيا هي هكذا وفيها الناس كما خرجوا من بطون أمهاتهم وكما نموا في مجتمعهم وحسب خبراتهم العديدة.

ان يكون كما هو يجعلك تتوقع ان يتصرف كما عرف ان يتصرف وقد لا يروقك هذا. وأنت لا تكتفي بقبوله على الرغم عنك، ولكنك ترتضيه على رجاء إصلاحه، فالبشرية لوحة كل لون فيها مختلف عن الآخر، وارتضانا الله جميعا مختلفين إذ نحن أحرار وليس مِن قالب يتقولب البشر فيه. فإذا قبلت الآخر تكون قد قبلت ارادة الله في عبيده، وارادته التي لا نسبر غورها هي التنوع.

الشيء الذي ينتج عن القبول ان تتعاون مع الآخر إذا كان قريبا منك، اعني إذا كان في بيئتك أو اضطرتك مهنتك على التعاون. طبعا لا بد لك ان تعرف ان كان مستقيما أو سارقا، صادقا أم كذوبا. لك حق في الا تتعامل وإياه في مهنتك. المعاملة في دنيا العمل لا تضطرك على عشقه، وأنت تبقى في الاستقامة والصدق.

المسامحة تقضي بألاّ تقتل الآخر لأن المسيح حاضر في كل من تعامله، ولأن الذي أعطى الإنسان الحياة هو وحده الذي له حق استردادها. معنى ذلك انك لا تغضب أبدا فالغضب مصدر الشتيمة والضرب فالقتل. ومعنى ذلك ألاّ تحقد وان تبقى رفيقا بهذا الذي تعامله لأن الرفق جانب من جوانب المحبة القادرة على كل شيء.

من مظاهر المسامحة ان تتقبل في الرضاء الذي ليس على دينك ولا من كنيستك، فالناس هم حيث هم دينيا منذ ولادتهم، وعليك أن ترحمهم وألا تهزأ بمواقفهم الدينية، وإذا جادلت ففي احترام كامل. لا توافق باللسان على مواقف لا تقبلها كنيستك، ولا تتملق ولا سيما أنك قد لا تكون من العارفين بما هم عليه من معتقدات.

وبلدنا مجتمع متعدد. فأنت تواجه ولا تتحدى. وتفرح في أعيادهم وللفكر الصالح الذي هم عليه، وتتحفظ حيث ينبغي ان تتحفظ. ولا تجادل كثيرا، وان جادلت فبالحسنى إذ علينا ان نرعى المودات وان نقيم معهم وحدة إنسانية بعد ان تعذرت الوحدة الدينية أو المذهبية بيننا.

أنت لا تثأر من احد ولا تتعاطى النكاية أو الكيد، وقدِّم خدمة حيث استطعت لأن الخدمة تليّن القلوب. وإذا مرض من قررت ان تقربه منك، فأن تعوده يقرّبه منك ان لم يكن من الشرسين. وربما زالت عداوته لك إن رسب فيه شيء من العداوة. أَحرق سيئاته بمحبة واضحة، فاعلة. اذكرْ قول المعلّم: «مَن لطمَك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر» أي بَدّدْ عداء نفسه بلطف غير محدود. حافظ على مكانته وصيته وامدحه في غيابه إذا رأيته صالحا إذ يتشجع بهذا فترقى أخلاقه. ولو افترضنا انه بقي شريرا فاذكر قول السيد: «أحبوا أعداءكم، باركوا لأعينكم» لأن المبتغى ان نكون بالمحبة على هذه الأرض بدءا لملكوت الله.

السماحة من قبلك تصير تسامحا متبادلا بينك وبينه ويكون الله الجسر بينكما. هذا يكون انتصارك على نفسك ودعوة إليه ليدخل في نطاق المسيح.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

أشياء تخضّنا / السبت في 3 تشرين الثاني 2005

قد لا تجد في هذه البقعة العربية بلدا مثل لبنان يتشابك فيه الديني والتاريخي والسياسي بحيث لا تعرف قدر السياسة وقدر الايمان وما يخالطه من تعصب في هذا الانسان او ذاك. ولعل هذا ينسحب على الطوائف جميعا. قد يختلف مقدار التلاقي بين هذه العناصر من طائفة الى اخرى. قد تكون احدى المجموعات ادنى الى الالهيات الصافية او الاخرويات وقد تتساوى النخب في معظم الجماعات بضعف ديانتها واقبالها على الشأن الدنيوي. وهذا يجعل الرعاة الادنى الى الروحيات منهم الى الدنيا في حال ضيق وحزن وهذا يجعلك في اصطفاف مع ناس لا علاقة لك الا بما هو خارجي عندهم وكأن في كل طائفة حزب الروحيين وحزب المسيسين ومن هم في منزلة بين المنزلتين وقد يأتيك الزمان بمن يبتر قسريا وقانونيا بين هذه المجالات.

المشكلة في لبنان انك لا تستطيع ان تسمي الاشياء باسمائها الا اذا انتقدت طائفة وكنت منها. لا احد يعتقد انك قادر على ان تقوم بدراسة انثروبولوجية (اناسية، اقول) او اثنولوجية او سيكولوجية لاي عنصر مجتمعي في هذا البلد اذ تقول عنك كل الناس انك منحاز او مسيس اذ لا يتصورونك الا انفعاليا اذا تكلمت على الآخرين. مرة سألني احد لماذا غمزت من قناتي في العظة. اجبته هل اعرفك انا؟ قال لا. ثم اردفت قبل دقيقتين وانا مغادر طرح علي سواك السؤال نفسه. السبب يا ابني ان كلمة الله هي التي مستك ومسته. كثيرا ما يطرح على الاصدقاء سؤالا عن مقالاتي في “النهار” قائلين من قصدت وأشتم انهم لا يصدقونني عندما اقول لهم لا اضع صورة احد على مكتبي لاكتب عنه مرة واحدة. في الحرب كتب شاب ماروني صفحة كاملة في احدى الصحف عن الارثوذكس اخطأ فيها مرة واحدة في الوقائع ومرة اخرى في التفسير او الرؤية وكان المقال علميا وهنأت الرجل. طبعا الارثوذكس اقلية لا تنافس احدا وانا لا اعرف مطامعها او حتى طموحها ولكنها ليست بالضرورة “مهضومة” وانا عليم بعيوبها وبالتحليل التاريخي لعيوبها.

غير ان الطوائف الكبرى الالصق بالفعل التاريخي هي المدعوة الى ان تنقد نفسها او تنتقدها. سمير عطاالله وهو من أكتب الصحافيين وأثقفهم اجترأ ان ينتقد الموقف الماروني من مقام رئاسة الجمهورية لكونه مارونيا. اظن اننا نحتاج الى ماروني عميق الروحانية ومتجذر في تاريخ كنيسته ولبنان، صافي الذهن وهادئ القلب كلما يقول المتصوفة الارثوذكس ليبين لنا السبب ليس فقط التاريخي ولكن الروحي للمسالك السياسية عند الموارنة. غير الموارنة يجب ان يصمتوا عند ورود هذا الموضوع.

يعسر موضوعيا ان يوحد المسيحيون موقفهم لو تسيس المسيحيون غير الموارنة في مشاركة معقولة فيها شيء من التوازن وربما شيء من الجديد تحمله هذه الاقليات المسيحية، نوع من التناضح بين الموارنة وسواهم من المسيحيين فلا يأتي الفعل املاء من احد على احد. هذا يعني اننا مصلوبون معا وقائمون معا بلا احساس مرضي باننا ضحية احد. ان الصلاة من اجل وحدة المسيحيين يجب ان تلقي هذه “الشعوب” المسيحية في قراءة واحدة لتاريخها في لبنان والعالم العربي. واريد بذلك تاريخها المدني.

غير ان هذا لا يعني بالضرورة ان المسيحيين مدعوون دائما وفي كل مناسبة الى اتخاذ موقف “مسيحي”. ذلك اننا لسنا معا في مواجهة المسلمين او تلاقيهم. قد يوثر بعضنا موقفا اسلاميا على موقف فريق مسيحي.

جل ما استخرجه من هذا التأمل ان يبرهن المسيحيون مرة اخرى انهم لا يبغون امتيازات لانفسهم بل يسعون الى تعظيم لبنان كله. غير ان الله منّ على المسيحيين بعد هذه الحرب انهم تخلوا عن كل رافعة اجنبية وهم لا يلازمون دولة كبرى او وسطى الآن وان التقت المصالح فلا مانع في بعض الظروف واريد بذلك مصالح لبنان. واذا تعلم المسيحيون ولاسيما الموارنة انه لم يبق لهم مجال ليكتسحوا البلد ففي المنطق نفسه رجائي ان تتعلم كل طائفة كبيرة ان اكتساحها الصاعق للآخرين سيؤذيها. العدد من شأنه ان يؤذي. كذلك الشعور بالتفوق المالي او السياسي يؤذي. لا توازن بين الطوائف اذا استكبرت طائفة على اخرى.

ليس عندنا نحن المؤمنين بالله استقواء الا بالله. واذا استغنى في مجموعتك بعض فعلمهم على محبة الفقراء ولا تجعل هذا الغنى يصير مالا سياسيا لان هذا باب التسلط وافقار الآخرين والتفسخ الجديد اعني التفسخ بين الطوائف فديمومة الصراع والعجز دون الوحدة الوطنية التي تقوم على العدالة بين الطوائف تخل بالتوازن. هذا افظع بكثير من ظلم الطوائف في توزيع المناصب. هذا دائما يكون قليلا وهذا لا يحدث فقرا اجتماعيا.

اظن ان المسيحي اقتنع بان ليس له رافعة خارجية لعلمه ان الدول الغربية وعلى رأسها اميركا باتت علمانية ليس فقط بشكل مبدئي ولكن مسلكيا هي لا تتصرف بأي قربى عاطفية من المسيحيين ولا يهمها الا منافعها وهذه تؤمنها الدول الاسلامية الى جانب اسرائيل. المسيحيون العرب اخرجهم الاميركيون من الدور السياسي وترك لهم الاوروبيون مكانة شعورية لا تحسم شيئا خارج التحرك الاوروبي في الملعب الدولي. اذا كان تحليلنا صحيحا هذا يعني ان المسيحيين ليس عليهم ان يأخذوا درسا لا في الوطنية ولا في القومية. فالدور المسيحي اصبح كبيرا خارج الصفوف المسيحية من حيث انه دور تجميع القوى الوطنية في لبنان الواحد. العزلة لا تهدد المسيحيين اليوم، نحن اليوم امام دعوة الى المعية التي تعني الا يقوى احد منا منعزلا عن الآخر او على حساب الآخر. ليس التوازن ان تأخذ كل جماعة حقوقها كما هو منصوص عليها في الطائف ولكن ان تقوم بما عليها لتتلاحم في ما بينها في الخدمة والعطاء الثقافي والانتاج الاقتصادي. هذا هو التوازن الجديد، توازن واجبات الجماعات.

في الحياة اللبنانية العديدة عناصرها الدينية والمتواجهة في تأريخها كيف نحقق وحدة المسيرة؟ انت لا تجعل مستقبلك رهينا لماضيك بل تنظر الى مستقبل واحد لشعب لبناني موحد الحركة اي مهيأ في وحدة تطلعاته الجديدة بحيث لا تبحث عن ايام المسلمين الآتية ولا المسيحيين الآتية ولكنك تبحث عن نشوء امة واحدة بالعمل المشترك.

قد يتضمن هذا الكلام مفهوما لم نألفه في لبنان وهو العيش المدني وليس فقط الحكم المدني. كل ما هو مجتمعي انا اشطرك فيه واحدا معك وليس لاحد منا انتماء طائفي بمعنى التحرك السياسي. ديانتي واخلاقي وتراثي الروحي فاعلة فيّ وآتي منها جميعا لاخدم هذا الوطن معك بلا امتياز لمجموعة ولكن بضمان الكل للكل، بتماسك الكل.

هنا ينبغي ايضاح العيش المشترك بقولنا انه عيش مدني مشترك لا يتراكم فيه الواحد والآخر ويبقى كل منا على موروثه. اعني ملازمة الموروث وترجمته سياسيا. وهذه هي العصبية. كل ما امكن ان يكون مشتركا اي ما كان خارج العقيدة الدينية والعبادات نقوم به معا او لا يكون. وسعوا حلقات المشاركة في المجتمع المدني لتظهروا امة واحدة ناحتة لأيامها الآتية.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الغني ولعازر / الأحد 30 تشرين الأول 2005 / العدد 44

المثل الإنجيلي قصة تعليمية ألّفها يسوع. والمثل يؤخذ جملةً ولا تؤخذ كل أجزائه على أنها ذات معنى لاهوتي. النص يتحدث عن حوار بين هالك وهو الغني ومخلَّص وهو لعازر الفقير، وهذا لن يحصل حسب تعليمنا إذ تقول كنيستنا أن الهلاك والخلاص أمران يحلان بعد القيامة بصورة نهائية. وقبل ذلك نقول أن الأرواح في قبضة الله ولا نتحدث عن أماكن. فمن الأرواح من مات أصحابها على رجاء القيامة والحياة الأبدية فهي ناجية على الرجاء. أما الدينونة فهي الدينونة الأخيرة. وأما من ارتكب خطايا جسيمة ولم يتب فعدم توبته يعذبه قبل الدينونة حتى يصدر الحكم الأخير.

          أما السيد فيتكلم على هذه الأشياء كما كان التفكير عند اليهود. المسكين هو في حضن إبراهيم. حافَظْنا على هذه العبارة ونُصوّر النفوس في هذا الحضن في أيقونة الدينونة. لذلك لا نقول نحن ان الإنسان الصالح يذهب الى السماء لأن السماء هي الغبطة الأخيرة بعد ان يبعث الله الأجساد من قبورها. نقول ان نفوس الصالحين في الفردوس او الملكوت. بالمقابل لا نقول ان نفوس الأشرار هي في نار جهنم. وبصورة عامة لا نستفيض في الكلام عن وضع الموتى قبل القيامة. نصلي من اجلهم لأن بعضا منهم قابل للرحمة. نصلي من اجل كل الناس اذ قد يكونون في الفردوس حيث يرتقون من حال الى حال، ولا نقول عن انسان انه نهائيا في الحجيم اذ لم يكشف الله لنا شيئا عن هذا.

          ليس المجال هنا للمناقشة ولكن لا يقودك المثل الى القول ان الغني المذكور عند لوقا قال عنه السيد انه في جهنم وقال عن لعازر انه في السماء. لم يعط السيد في المثل حديثا لاهوتيا عما يجري الآن للنفوس قبل الدينونة. جل ما أراده أن الذي يتنعم في هذه الحياة الدنيا متجاهلاً المحبة ولا سيما محبة الفقراء تنقلب أوضاعه في الحياة الأخرى. إنجيل لوقا إنجيل الفقراء بامتياز. وهو القائل: “طوباكم أيها الفقراء لأن لكم ملكوت الله”. خطيئة الغني انه لم يلتفت الى محتاج كان مطروحا عند باب الغني. لم يكترث له. الفقير كان له تعزية من الكلاب التي كانت تلحس قروحه.

          اسم لعازر وضعه السيد وهو يعني “الله معيني”. الغني لم يعطه الرب اسما وكأنه لم يكن بشيء. يموت الفقير ويذهب الى حضن ابراهيم. رافقته الملائكة إلى فوق. بشكل يتعمد فيه يسوع القسوة قال: “مات الغني فدُفن”. لم يكن له من ملاك يعينه. طلب الغني رحمة من ابراهيم ان يرسل لعازر ليغمس طرف إصبعه في الماء ويبرد لسانه. لم يقل انه اخطأ في حياته. هذا نوع من التذكر الذي لا يعني توبة، والتعليم الشائع عندنا ان الإنسان اذا كان يتوقع الهلاك لكونه اخطأ جسيما لا تتحرك نفسه لكي تتوب. الحركة البشرية في اعتقادنا هي التي يقوم بها الانسان في هذه الحياة نفسا وجسما معا.

          طلب الغني ان يُرسَل مَن يقول لإخوته ألاّ يفعلوا ما يستوجب لهم العذاب، فأجابه ابراهيم ان عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم. هذا يذكّر بعدد من الناس قال لي منذ مطلع شبابي: “مين رجع وخبّرنا؟”. وهؤلاء أرثوذكسيون كانوا يذهبون احيانا الى الكنيسة وكأنهم لم يسمعوا: “المسيح قام من بين الأموات…” او اية قطعة عن الذين هم في الملكوت او لم يحضروا مأتمًا.

          افهم ان تأتي هذه الشكوك من الملحدين، ولكن كيف يقول بها مَن يسمّي نفسه مؤمنا. فليسمعوا لموسى والأنبياء نترجمها اليوم: فليسمعوا من الإنجيل وكل الصلوات التي استند اصحابها الى الإنجيل لما ألّفوها. يسقط الإيمان اذا لم تجدده بقراءة الكتاب الإلهي ومشاركتك الخدمة الإلهية بفهم.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

لا تقتل / السبت في 29 تشرين الأول 2005

“لا تقتل” (خروج 20: 13) من الكلمات التي اعطاها الله لموسى على الجبل ويقابلها الحكم “من ضرب انسانا فمات يُقتل قتلا” (خروج 21 : 12). لقد قال الله هذا في ما قال لان الانسانية مجرمة منذ البدء حسدا ولكل سبب يجعلنا نلغي الانسان الآخر. عابد الله يقر بوجود الآخر لعلمه انه اخذ من الله حقه في الحياة. ويؤمن العابد ان الخالق احتفظ لنفسه بحقه في استرداد وجود هو اعطاه ولم يفوض الى احد هذا. والقاتل يسلب سيادة الله على الوجود.

اتخذ الناصري هذه الوصية وكشف لنا جذورها لنستأصلها فقال: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. واما انا فأقول لكم ان كل من يغضب على اخيه يكون مستوجب الحكم” (متى 5: 21 و22) ما قاله السيد عن اسباب الخصومة وما دعا السيد اليه للكف عنها مرتبط بالوداعة التي قال اننا نتعلمها منه. غير ان الذروة في كل هذا ما قاله الله عن وحيده على لسان اشعياء واستشهد به متى: “هوذا فتاي الذي اخترته. حبيبي الذي سرت به نفسي… لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ” (12: 18–20) فان لم يلامسك اللطف الالهي فانت شاتم او ساب او غاضب اي انت قاتل في داخلك لانك لم تغفر واذا لم تغفر تكون قد كسرت الصلح المفروض ان يسوس كل علاقاتك وتكون قد حدت عن ايماننا بأننا جميعا ابناء الله اي ابناؤه بالمعية.

ان ضميرك في هدأته يبغي المعية. لذلك يطاردك القتيل ومن تحسب انك الغيته يقض مضجعك ويقال ان بعضا من القتلة تسبب لهم جريمتهم وخز ضمير لا ينتهي الا بالموت. حدثني احد الاصدقاء الصحافيين انه عرف قناصا اعترف له انه لا ينام وقال: استفيق مذعورا وارى الذين قتلتهم في الثياب التي رأيتهم فيها في الحرب يعبرون امامي الواحد وراء الآخر.

امام هول الفواجع قال داود النبي: “نجني من الدماء يا الله”. انها لنعمة على الحاقدين والكارهين والاشداء في الغضب ان ينجيهم ربهم من ان يقتلوا. القضية كلها تكمن في هذه الانا الفظيعة التي لا تعترف بالآخر بغضا ولا تحس باننا معا نستطيع ان نبني هذا العالم وبالتكامل في ما بيننا. ان تشتهي ذاتك مقررا لكل شيء حاسما كل شيء، فارضا رايك على اهلك وعلى غير اهلك. هذا كله سبب الاجرام. وأما ان تعتبر نفسك واحدا من كثيرين، قابلا اختلافهم عنك، وفي الاختلاف متعاونا يجعلك رجل سلام.

السلام بمعناه الشخصي هو ذلك الهدوء الداخلي الذي عبر عنه القرآن بقول هابيل لاخيه قابيل (او قايين): “لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين” (المائدة 28 – 29) ثم يرتفع التنزيل من حالة شخصية الى كشف انسانية بهية اذ يقول: “من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا” (المائدة 72).

احد ولدي آدم اذاً اراد ان يقتل والآخر لم يرد. فهذا يجعلنا نرفض فكرة المولود مجرما بحكم الوراثة التي روجها الطبيب والعالم الجنائي الايطالي لمبروزو المتوفى سنة 1909. اجل لما كان استاذنا في القانون الجزائي يدحض امامنا هذه النظرية وذلك منذ ستين سنة ونيف ما كان العالم يعرف علم الجينات. غير ان هذا العلم حتى اليوم لم يصل الى امر محتوم يتعلق باخلاقيات موضوعة في الجنين. ما من شك في ان ثمة رجالا مجرمين قد يؤثرون في سلوك اولادهم. ولكن هذا ليس قطعيا اذ تأتي ردات الفعل عند الولد مناقضة. على هذه الصورة يأتي ابن الانسان الغضوب لطيفا جدا لاشمئزازه من غضب ابيه او امه. كذلك اولاد السكير لا يبدون سكيرين بالضرورة. ليس عند احد فطرة على الاجرام.

اما البيئة والقانون فيساعدان. عندما يكون السلاح الفردي شائعا بكثرة ويفاخر الذكر امام اولاده واصحابه باقتنائه فمن شأن هذه الحال ان يصبح السلاح اداة للغضب الشديد ولاسيما في بيئات قاسية. مثل على ذلك اذا كان سائق سيارة مسلحا واصطدم بسائق آخر مسلح ولم يتفاهما حضاريا في شأن الخبير يتحول الوضع الى معركة.

ولكن ينبغي دائما ان نصل الى الاعماق في المصادر الانجيلية كونها اظهرت لب المسألة. فالناصري يقول: “سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. واما انا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر ايضا”. (متى 5 : 28 و29). عين بعين وسن بسن قول من العهد القديم لا يبطل يسوع حرفيته ولكنه يتجاوزه بمعنى انك ان صرت في المسيح لا تحتاج اليه ولا تستعمله. عين بعين… موقف حقوقي تجاوز فيه موسى الثأر فقال ان احتكموا للقضاء. هو المساواة بالقصاص اذ يقتص منك القضاء كما اقتصصت من اخيك. هناك يقول يسوع: ان كان هذا اخاك فما حاجتك الى محكمة. لا تقاوم الشر الذي رأيته عند اخيك بمثله. قاومه بطريقة اخرى. هذا قد آذى نفسه ولم يؤذك ان كنت محبا. فالمحب لا يؤتى شرا. تجاهل اذاً انه قصد اذيتك. واعرف انه اوقع نفسه في خطيئة الغضب او الحقد او الكيد او ما اليها وداوه إذ لما اضر هو بك عيّنك الله طبيبا له. فكّر في الخطيئة التي اقترفها او جرحته. فاذهب وعالجه. واذا لم تعمل هذا تكون قد حزنت لما لحق بك من مضرة ولم تحزن للضرر الذي اصاب الآخر. تكون قد انغلقت واشفقت على نفسك ولم تشفق على الآخر.

غير ان قمة الكلام عند يسوع هو في الآتي “سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فأقول لكم احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم. وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم لكي تكونوا ابناء ربكم الذي في السماوات” (متى 5: 43–45).

شخص يناصبك العداء لسبب في نفسه. عندما فعل هذا اقام نفسه في سوء الخطيئة وظلامها. انت يطلب الله منك ان تزيل عنه العداوة لكونك تريده طاهرا، معطيا، محبا، مكللا بالمجد الالهي. ليس لك من دواء الا ان تحبه اي ان تنتبه الى حاجاته وتعنى به كما فعل السامري الشفوق الذي عالج يهوديا جريحا ملقى على الطريق وهو على غير دينه.

يتبسط يسوع فيقول بعد احبوا، باركوا ثم احسنوا. باركوا اي استنزلوا النعمة الالهية على الخصم ثم انتقلوا الى الخدمة العملية بالاحسان وقمة الاحسان الصلاة. فخصمك ان كان شريرا فانما يرحمه ربه بالرحمة التي يغدقها عليك. المحبة هنا ليست العاطفة التي لك نحو زوجتك واولادك والاقارب والاصحاب. هي ان تخدم مجانا ولا تنتظر مكافأة. فان عاملت خصمك بهذه المجانية تكون خدمته كما تخدم الرب.

انا لا انكر التربية ومساعي الدولة. ولكن الدول قد تسقط وسقطت والعائلة قد تضعف وهي آخذة بالانهيار في الغرب وبعض الشيء عندنا. سلام الانسان لا يأتيه بالهيكليات الاجتماعية بل من نعمة المحبة التي لا أسمى منها في هذا العالم وفي السماويات. “لا تخافوا ممن يقتل الجسد”. المهم الا تبيد قلبك بالبغض لان القلب هو الذي يقتل.

السلام ينزل على قلبك من فوق ثم يخرج منك الى القلوب الاخرى.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الصبر / الأحد 23 تشرين الأول 2005/ العدد 43

الصبر ليس الانهزام أمام المصاعب. ليس الاستكانة. لا يقول الصابر: أنا لا استطيع شيئا فإن الأمور هكذا تحصل وهكذا ستبقى. كل منا يحزن إذا صدمته الأشياء ولكن الصابر لا يقيم في حزنه إلى الأبد لأنه ثابت في الله. الصابر مجروح كما أنت مجروح ولكنه يأمل بأن الرب سيضمد جراحه ويؤتيه اليقظة والتعزيات. قد ينتظر كثيرا ولكن التعزية تجيء إليه.

هو لا ينتظر التغيير من مرور الزمان. فالزمان لا يشفي كل شيء. المؤمن يعرف أهمية النعمة وانها هي التي تبادر بخلاصنا. يصبر ليحافظ عليها ولا يبددها باللهو، ويؤمن بأن الله أبوه ولا يتركه إلى الألم أو الضجر طويلا.

في الحياة اليومية ترتطم بجدران ولكنك تصمد أمامها لأن الإيمان ينقل الجبال والجدران فلا يبقى أمامك حائط. تكون قد علوتها إذا تمسكت بالله. أما قال السيد: «من يصبر إلى المنتهى يخلص»؟ لماذا قال إلى المنتهى؟ لأن الإيمان الحقيقي يحفظك إلى المنتهى. فعلى قدر ما تفرغ نفسك من عدم الإيمان ومن الخطايا تنفتح أمامك أبواب السماء ويمطر الرب عليك نعمه.

تابع الله في كل كلمة منه يتابعك. ابقَ على اليقظة الروحية ولا تنم إلى الموت. ابق على حركتك الروحية الداخلية بحفظ الإنجيل والصلاة. لا تتأفف ولا تتذمر ولا تشتم حتى يظل الله مقيما فيك. اهدأ واذكر الموت فإنه قد يباغتك. اعبر عن اللذات المؤذية التي إذا قطفتها تؤذيك. قد تحزن لحظة إذا لم تأخذها، ولكنك تفرح بعد لحظة لأن الروح القدس يكون قد حلّ فيك. ان التواصل بينك وبين الله يجعلك ساهرا على نفسك، مراقبا لفكرك ولقلبك بقوة الكلمة الإلهية والصلاة فإنها هي القوة التي تجعلك مجابها لكل محنة.

لذلك قال الرسول: «ان عملتم الخير وصبرتم على الألم، كان في ذلك حظوة عند الله» (1بطرس 2: 2). عند ذاك تفهم ان الصبر يأتي من الداخل بعد ان يكون المسيح جعل نفسه في داخلك. هذا البنيان الروحي الذي تكون قد أقمته في داخلك يجعلك مالكا نفسك في كل شيء وواقفا أمام كل شيء وما تطلبه مع جميع القديسين هو «ملكوت يسوع المسيح وصبره» (رؤيا 1: 9).

الصبر لا يجمدك ولا يحجّرك. عكس ذلك، يجعلك ذا حيوية رائعة في هذا العالم، محوّلا لما حولك ولمن كانوا حولك. صابرًا، أنت متحرك بامتياز، تحتمل السجون والتعذيب واضطهاد بعض الناس إياك لأن نفسك لا تعرف اليأس إذ يتنزل عليك الرجاء على الدوام.

الكثير مما حولنا مليء بالشرور. قد لا تغير أنت محيطك كله، ولكنك تغير نفسك وبعض الذين هم حولك. قد تأتي بناس كثيرين إلى الصبر فلا تخف من ان أشياء كثيرة لا تتغير في عائلتك وبيئتك وبلدك. جهادك وجهاد الذين معك هما الضمان الوحيد للتغيير. المتأففون والمتذمرون لا يغيّرون شيئا. الذين يشتمونك يسيئون إلى أنفسهم فقط.

ابقَ على أخلاقك وفي الخدمة المتواضعة والصمت أمام النمّامين والحاسدين لأنك بهذا قد تخلّصهم. اعرف انك قائم على الصخرة التي هي المسيح وان ما ينتظرك هو ملكوت أُعد فقط للذين صَلبوا أنفسهم مع الشهوات. أنت موعود بنور المسيح اليوم وغدا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الملكوت القائم الآتي / السبت في 22 تشرين الأول 2015

المسيحي معذب أبدا لان الملكوت حل بمجيء الملك اعني المسيح ولم يكتمل اذا لم يصبح كل البشر بعد على صورة المسيح. ويقوى عذاب المؤمن اذ كان يرجو ان تكون الكنيسة مجتمعا ملكوتيا على قدر ما يسمح بذلك الضعف البشري لكن المجروحين بالشوق الالهي لا يرون ذلك كامل التحقيق واحيانا لا يرونه قريبا من التحقيق. وكلما ازداد الانسان غيرة يريد ان يشد الايام الاخيرة الى يومه الحاضر حتى لا ترجئ عيناه سطوع المجد الالهي.

لماذا إلحاح المسيحية على الكمال منذ الآن؟ ولماذا قال المعلم: “كونوا كاملين”؟. لما قال الناصري هذا ما كان اسير الزمن ولو علم ان احدا لا يكمل في حدود الزمان. غير ان يسوع يقتحم هو ازمنة الناس ويشدها الى المستحيل. ولذا اعطى مقولة الشهادة ابعادا لم يعرفها العهد القديم بضراوة. والشاهد ينقل المشهد الذي رآه اي انه كالمشهد. في المسيحية التركيز ليس فقط على السمع ولكن على معاينة الله اي على ذوقه هنا والسلوك الحسن يفهم على انك جئت من إخلاق الله لانك شاهدته في قلب نقي. من هنا ان من رآك يكون قد رأى الله واخذه الى قلبه. من هنا ان مقولة الشاهد في الحياة المسيحية هي اهم من مقولة السامع ومع ان المسيحية تتحدث كثيرا عن البشارة الا ان المبشر لا ينتقل كلامه ولا يفعل الا لكونه عاين في نفسه مجد الله.

ويؤذي اهل الملكوت ان يلحظوا ان المسمين على اسم المسيح ليسوا افضل من باقي البشر وان المعمودية ما نفعت الا قلة. اهل الملكوت لا يرون ان التائبين كثرة وان من ابتغيت منه الشهادة لا يؤديها ولا يطلق بكلام الطيب الذي ينتظر من فمه كأنه ينطق بفم الله وكأن الانجيل بات هدرا او بعضا من هدر، كأن القلة العزيزة فقط احست بالحنان الالهي وانطقها، قولا وفعلا، بلسانه وكأن الكثيرين الذين جلسوا الى مائدة الرب خرجوا الى الليل.

تبدو المأساة اكثر وضوحا في الاكليرس وهي كلمة يونانية تعني النصيب اشارة الى الكهنة العبرانيين الذين لم ينالوا نصيبهم من الارض لانهم جعلوا الله نصيبهم. والذي سموا كذلك في الكنيسة اي العائشون بالاستقلال عن مصالح لهم في الارض قد لا يكونون خيرا من العامة مع ان اغناطيوس الانطاكي المستشهد السنة الـ117 يجعل كلا منهم ايقونة المسيح. والاصول القانونية المتبعة في الكنيسة الارثوذكسية اليوم تقول اذا محوت، بمرور الزمان، صورة القديس عن سندها الخشبي ينبغي ان تحرقها اذ لا يسوغ تكريم ايقونة لم تبق ايقونة.

أجل في الفعل التاريخي المطران او الكاهن بشر والكل يعرف ضعفات بشريته ولست في حاجة الى تفوق عقلي كبير لكي تحلل الرجل ويعسر جدا ان تجد رجلا “بلا لوم” تجعله اسقفا كما تتطلب نصوصنا الموحاة علما بان الرتبة التي يقام فيها رجل عضوا في السلك الاكليريكي تصنف انتقال الانسان من وضعه العلماني الى مقامه الكهنة نعمة مكملة للناقصين.

غير ان الرسائل التي كتبت من بعد العهد الجديد عند الآباء اللاهوتيين او الادب النسكي تشدد على طهارة الكاهن المذهلة وهي ليست كذلك ولن تكون. في التعامل وبعد الخيبات يكتفي الشعب بألا يكون الرجل مرتكب الكبائر، محجما عن الرذائل الجسيمة. غير ان الوجدان المسيحي الحساس لا يقبل بذلك ويريد الكاهن ان يكون على نقاوة نادرة هو واهل بيته. ملكوتيا يكون او لا يكون رأسا لهم اذ كيف يكون قد صار أباً ولم يولد من فوق؟

ازاء ذلك لا يكون كل كاهن أباً روحيا اي قادرا على ان يلد الناس من المسيح. ان تعترف بخطاياك لا تعني بالضرورة ان تولد من جديد. لذلك يلتف الآتون من الروح بعضهم حول بعض على نسيمه ينتقل من واحد الى آخر بالمودة والتقارب الروحي وقراءة الكلمة والبكاء.

الجماعة المسماة مسيحية والتي لم تولد ثانية من السماء تحلل مجتمعيا وحسب الظاهر وتقيم الدعوى على ان الذين احياهم الروح فئة لتقول عن نفسها هي انها الكل اي الكل الفاتر الذي لا التزام عنده. اما انا فأقول لم تزدهر المسيحية الا في الفئات اذا قبلتم هذه التسمية الاقصائية. والاقصاء لناس اساسي عند الاكثرية حتى ترتاح الى التنكر لمقتضيات الانجيل.

المشكلة انه غير مرخص لك بأن تأتي بالانجيل وتحاسب الناس عليه او تدع نفوسهم تحاسبهم اولا لان علو الانجيل يزعج الاوضاع القائمة والناس القائمين على هذه الاوضاع وثانيا لانك تكون قد ادخلت مقاييس غير مألوفة لقيادة الكنيسة وكأنك انشأت كنيسة جديدة.

ان جديد المسيحية بالنسبة الى العهد القديم انه كان نظام الكلمة يذكر الانبياء بها ويخضع لها الشعب او لا يخضع. اما في العهد الجديد فبت في نظام الايقونة وهي – اذا شئت – الكلمة المفعلة والمبتغى دائما تفعيلها بحيث تقول: “تعال وانظر”. انت شاهد والآخرون شهود ومن رآكم يكون قد رأى الله وإلا لا يعبر الله الى احد او يعبر فقط الى من اصطفاهم بلا مساندة شاهد.

“الذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته” باتوا قلة عزيزة. هم الذين يحملون في نفوسهم نصر الله الى ان يملك الى الابد في الكنيسة الظافرة. غير ان الجهاد يبدأ وينتهي في كنيسة الارض بكل وداعة ولكن بكل صدق حتى لا يزول حرف واحد من شريعة المسيح وحتى نبقى بذا نارا متأججة.

الكنيسة فيها ناس قلوبهم في هذه الدنيا ومنها. هم اخوتنا على رجاء ان يتجلوا بالمسيح على قدر قبولهم النعمة حتى يأتي المسيح ثانية ويتوب اليه من يتوب. حياتنا في الكنيسة تأخذ قوتها واستمرار بهائها بالمخلص ولكن يرافقنا اولئك الذين لا يقربون وجهه بصدق وجدية. معنى ذلك اننا متألمون دائما في زمن الناس ولكنا لسنا تحت وطأة الالم اذ نذوق فيه قوة القيامة. لا تحمل انت الصليب الا شريكا للذين لا يطيقونه. هم ايضا يتألمون ولا يعرفون فصحية تنبلج من اوجاعهم.

الحياة في الكنيسة ليست مريحة لانها طلب ما كان غير محقق بالكلية. هذه فرادة المسيحي الملتزم ان لا سقف فوق رأسه الا قبة السماء. بهذا المعنى المؤمن مشدود الى فوق ولا يقف. فهمها يلفت من البر انت دائما جريح الخطيئة. المسيحية توق لكن التوق له وعود الحياة الابدية التي تبدأ معك من اول مسيرتك في التقوى. المسيحي انسان ممكن ليس بمعنى انه يكمل نظاما مغلقا، منتهيا، ولكن بمعنى انه يحيا على الرجاء وفيما هو يحيا يستلم ويحيا ليستلمه الله بمجانية رحمته.

Continue reading

Popular posts

2010 / السبت 26 كانون الأول 2009

كل الأزمنة رديئة لأن أهل السياسة يظنون انهم يصنعونها. ليس انهم سيئون. كل فئة من الشعب ملوثة او بعض منها ملوّث. الزمان الذي يسمح له الله ان يكون ينسى...

المسيح يحيا فيّ / الأحد 21 تشرين الأول 2007 / العدد 42

في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به...