Category

2013

2013, مقالات, نشرة رعيتي

دعوة التلاميذ الأوائل/ الأحد 7 تموز 2013/ العدد 27

بحر الجليل او بحيرة طبرية التي يؤلفها نهر الأردن هو في وسط منطقة الجليل التي عاش فيها السيّد وفيها الناصرة التي دُعي بها يسوع. في المدن الصغيرة التي كانت تحيط بالبحيرة ظهرت بشارة الإنجيل.

التلاميذ الذين دعاهم الرب اليه كانوا من هناك. والبحيرة كانت رزقهم. فيما كان السيد متجولا هناك وهذا كان كثيرا في حياته رأى أخوين هما سمعان الذي سمّاه السيد بطرس فيما بعد واندراوس أخوه يلقيان شبكة في البحر اي في البحيرة. كل التلاميذ ما عدا متّى كانوا صيادين. فقد اختار المعلّم رسله من البيئة التي كان هو منها.

بعد هذا السرد يقول النص الإنجيلي ان الرب توجه الى بطرس وأخيه قائلا: تعاليا اليّ فأجعلكما صيّادي الناس. كيف دخل يسوع هكذا، توًا الى حياتهما وأخرجهما من بيئة الصيد ليجعلهما مبشرين؟ هذا سر شخصيته وجاذبيته. كان معروفا ان بعضا من الروحانيين كانوا يؤلفون جماعات صغيرة تطلب حكمة الله مع بقاء الانسان في مهنته. هنا يكشف يسوع انه صاحب مجموعة تتبع تعليمه اي نهجا روحيا له ضمن شريعة موسى. مثل هذه الجماعات كان معروفا عند يهود ذلك العصر. يبقى اليهودي في الأمة ولكنه يتحرك روحيا مع فئة صغيرة. ينصرف الى حياة تقوى مكثفة.

في كل الأديان ناس تشتد حياتهم الروحية ويتآلفون دون ان ينشقوا عن الجماعة. الذين صاروا تلاميذ ليسوع لم ينفصلوا عن أمة اليهود ولم يتركوا الاجتماعات في السبوت، في تلك القاعات المسماة مجامع. والرب نفسه كان يحضر اجتماع السبت والناس يلتفون بعضهم الى بعض في المجامع بصورة حرة اي بلا انتظام قانوني. يعجبهم هذا المعلّم او ذاك ويلتحقون به او ينضمون الى مجمع يستخدم اللغة اليونانية او اللغة الوطنية الآرامية حسب استعداده العلمي. الى بطرس وأخيه اللذين تركا شباكهما في ذلك الحين ثم عادا في الواقع الى البحر كان يوحنا ويعقوب ابنا زبدى، ويوحنا هو الذي صار يوحنا الحبيب، مع أبيهما في البحر. دعاهما السيد فتركا أشياءهما المادية وأباهما معًا.

ما سرّ يسوع في التأثير على هؤلاء القوم؟ هذه دعوة الى ان نتبعه كلما دعانا، الا نتردد بينه وبين أشياء هذا العالم.

اثنان تركا شباكهما واثنان الى هذا تركا أباهما. أنت اذا أعطيت يسوع قلبك وما فيه تنسى كل شيء آخر فإذا لازمته أخلص له حتى النهاية لأنه يشبعك من ذاته ولا تحتاج الى شيء آخر. أشياء هذه الدنيا تضاف اليك. كل شيء تراه ثانويا اذا ملأ يسوع قلبك. لا بدّ من الأشياء الثانوية ولكن الخطيئة ان تجعلها مكان الشيء الحيوي الأساسي الوحيد وهو ان تلازم يسوع في كل شؤون حياتك.

هذه الدنيا تأخذك الى آفاق كثيرة والى نشاطات كثيرة. هذا لا مفر منه ولكن حيثما ذهبت وحيثما انشغلت اعلم ان مرجعك يسوع وانه هو الذي يملأ قلبك وينعشه. اذا شعرت ان شيئًا صار يأخذ مكان يسوع في قلبك اعلم انك ضللت. عد الى وجهه. أن تلازمه في كل أمورك هذا ما يحييك.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

أحد جميع القديسين/الأحد 30 حزيران 2013/ العدد 26

في كل يوم من السنة عيد لقديس أو أكثر، ولكن هذا التعييد اليوميّ لا يشمل كل القديسين الذين مجّدهم الله وجعلهم إليه في السماء. لذلك تذكُر الكنيسة اليوم الذين طوّبتهم بأسمائهم كلّ يوم والذين لم تُطوّبهم والله يعرفهم.

رأت الكنيسة أن يُخطف فكرنا إلى القديسين الذين جعلهم الله له وهم كثيرون ولا تكفي أيام السنة لتعدادهم بأسمائهم. فأقامت هذا الأحد بعد العنصرة تُقيم فيه ذكراهم. وجاء تعيين هذا الأحد في محلّه لأنّ حلول الروح القدس يقودنا إلى ذكْر القديسين. الروح الإلهي هو مُنشئ القداسة وموطّدها. فكان من الطبيعي بعد أن أقمنا ذكرى للروح القدس أن نقيم ذكرى لمن يُظهرهم ويُظهر أعمالهم في الكنيسة عنيتُ القديسين.

ليس لكلّ قديس نعرفه عيد لأن القديسين يتجاوزون عدد أيام السنة، فاضطررنا أن نقيم ذكرى القديسين مجتمعين، أولئك الذين نعرف سيرتهم والذين لا نعرف سيرتهم. فعدد الـ365 يومًا في السنة لا يكفي لنعيّد فيه لكلّ القديسين الذين طوّبناهم ونعرفهم بأسمائهم. إلى هذا الذين لا نعرفهم بأسمائهم ومجّدهم الله. فتمجيدًا لغير المذكورين في كل أيام السنة وتمجيدًا للذين يعرفهم الله وحده ولم يدخلوا في التقويم أَوجدْنا هذه الذكرى لتشمل كل الذين أَحبّهم الله ونقلهم إليه. انه موقف محبة أن نُخصّص لكل قديس نعرفه ذكرى، وقضية محبة أيضًا أن نُخصّص لمن لا نعرفهم بأسمائهم ذكرى. هذا عندنا شوق إلى القداسة وأن نملأ بذكرى كبارها كل أيام السنة.

يوم بلا وجه قديس نذكره ليس يومًا من الكنيسة. الشغور من استحضار عظمائنا يجعل قلوبنا بلا مرجع. القلب إن لم يجذبه عظماء التقوى ماذا يجذبه؟ السنة سنة الله المقبولة أو هي مجموعة أيام فارغة من ذكر القداسة. إن لم تذكُر عظماء التقوى والبر، من هم الذين تذكُر؟ هناك كبار في هذه الدنيا وحسب مقاييسها. ولكن الأحبّ إلينا في دنيانا من كان يشاركنا تقوانا، من كان من جنسنا في التقوى. هؤلاء المتجانسون في التقوى يؤلّفون الكنيسة. وغير المتجانسين في معرفة المسيح ليسوا له أو ليسوا منه.

نحن الذين استبْقاهم ربّهم في هذه الدنيا ليس بيننا رباط الا الرب نفسه. هذا الرباط يجعلنا كنيسة أي مجتمعا للدهر الآتي، يتخذ هويته من كونه للرب.

نحن لسنا من هذا العالم وإن كنا في العالم. نحن من الدنيا التي ألّفها الرب بمحبّته وهي كنيسته. إليها نحن مشدودون ولو كانت أجسادنا تمشي على الأرض. نحن نتحرّك في الحقيقة مع أهل السماء ونتّجه جميعًا إلى العرش الإلهي لنُشاهد الله ومسيحه ونحيا بهذه المشاهدة.

عندما نعيّد لجميع القديسين ولكل قديس في كل يوم نشهد أن إرادتنا هي القداسة. نعمل في هذه الدنيا كل في مهنته أو وظيفته، ولكن غاية كل أعمالنا أن نبلغ القداسة وأن نسكب فيها القداسة. الطعام والشراب والمسكن والمهنة ليست كل شيء أو ليست الغاية. غاية الوجود فيما نأكل ونشرب ونقوم بأعمالنا اليومية هي ابتغاء الوصول إلى الله. كل نشاط في هذه الدنيا إن لم نطلب فيه الله ورضاه وبركاته هو من هذه الدنيا ويفنى فيها. أما غايتنا الحقيقية فهو أن نلتمس وجه الله ليرضى عنا فنحيا برضاه.

عندما نقيم في يوم واحد ذكرى لجميع القديسين، نشهد أننا نحبهم جميعًا وأننا فوق ذلك طلاب قداسة. لك أن ترغب أن تكون عظيمًا في مهنتك ووافر الصحة أو كاتبًا عظيمًا. هذه كلها جيدة، وإن كنت متواضعًا يباركك الله. ولكن أعظم الأشياء في دنياك ليست بشيء إن لم تكن طريقَك إلى القداسة، إلى كراهية الشر وحب الخير، إلى اللصوق بالله.

لك أن تسعى إلى أن تكون خادمًا لوطنك عظيمًا وطبيبًا حاذقًا أو محاميًا ماهرًا أو كاتبًا جذابًا. هذا كله طيّب، ولكنه محدود، ولكن ما هو غير محدود أن تطلب كمال أخلاقك حسب وصية الرب: «كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو».

كل شيء عظيم يأتي من الذي طلب كماله من الله. خارجًا عن ربك يمكن أن تكتمل في أية مهنة على صعيد الاحتراف، وان كنت لا تكتمل بلا أخلاق عظيمة. لا يمكن أن تكون انسانًا كاملاً الا إذا ابتغيت كمالك من الله. قبل ذلك، لك أن تُتقن مهنتك، ولكن هذا ليس الكمال. أنت لا تكتمل الا بالكامل أي إذا تشبّهت بالمسيح.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

حلول الروح القدس/ الأحد 23 حزيران 2013 / العدد 25

اليوم المذكور هنا هو يوم الخمسين بعد الفصح اليهودي. كان الرسل مجتمعين في عليّة صهيون غالبًا، تلك التي تناول فيها السيّد العشاء الأخير مع تلاميذه وأسس فيها سرّ الشكر (خذوا كلوا هذا هو جسدي). وغالبًا كان معهم المسيحيون الآخرون مع النساء حاملات الطيب.

العنصرة التي يصفها الكتاب كانت صورتها «ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرّت على كل واحد». كل من التلاميذ تقبّل الروح القدس. نزول الروح هو على كل الكنيسة ولكنّه أيضًا «على كل واحد» كما يقول سفر الأعمال. وهذه العنصرة ذاتها تكررت في ما بعد اذ يتلقى كل مسيحيّ بعد معموديته الروح القدس في سرّ الميرون المقدّس.

امتلأوا كلهم من الروح القدس بمعنى ان الروح نزل على الكنيسة كلها وعلى كل واحد. في القداس ينزل على الكنيسة كلها. في المعمودية مع سر الميرون يأخذه كل معمّد.

عند نزول الروح القدس أخذوا يتكلّمون بلغات أخرى ذكرها بعد أسطر قليلة سفر الأعمال. هل عنى سفر الأعمال أنهم نطقوا بألسنة غير الآرامية التي كان ينطق بها يهود فلسطين أَم أراد أن السامعين صاروا يفهمون هذا الكلام الغريب؟ التفسيران واردان. «كل واحد كان يسمعهم ينطقون بلغته» يمكن ان تعني انهم تطقوا بألسنة أخرى ويفهمها الجميع او أن كل واحد سمع لغته التي وُلد عليها.

سفْرُ الأعمال يُعدّد البلدان التي هاجر اليها اليهود الذين جاؤوا إلى أورشليم للعيد وتعلّموا لغة البلد الذي قطنوه. وهنا يذكُر فصل الأعمال بلدانا مختلفة من الشرق والغرب وشمالي افريقيا. العرب الذين يذكُرهم بين هؤلاء الأقوام كانوا عرب حوران، وليس ما يدلّ على أنّه في ذلك الزّمن الغابر كان اليهود يسكنون الحجاز على أيّة حال. غالبًا أتى اليهود الى الجزيرة العربية نتيجة دمار اورشليم السنة السبعين. هاجر قسم من اهل اورشليم الى الحجاز كما هاجر آخرون الى مناطق اخرى.

يذكر الكتاب شعوبا كثيرة كان منها مَن حَجّ الى فلسطين للفصح. هؤلاء نُسمّيهم أهل الشتات كانوا منتشرين في العالم المتمدّن آنذاك اي في الامبراطوريّة الرومانيّة. هؤلاء عرفهم بولس الرسول في جولاته الثلاث. يذكُرهم سفر الأعمال باسم البلدان التي هاجروا اليها. هؤلاء شهدوا على أنّ الرسل والمسيحيين الأوائل، بعد أن حلّ عليهم الروح القدس، أخذوا ينطقون بلغات اليهود الذين كانوا قد تجمّعوا للعيد في أورشليم.

هذه العنصرة إياها مستمرة في الكنيسة بما يسمّيهم العهد الجديد مواهب الروح القدس في الكنيسة الأولى. وتشترك فيها اليوم، الى هؤلاء، كل الجماعات التي تُقيم القداس الإلهي وينزل عليها الروح في الاستحالة. كما يشارك فيها من خصّه الروح بمواهب خاصة معطاة الى هذا او ذاك لمنفعة الكنيسة كلها.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

استمرار التراث الرسوليّ/ الأحد 16 حزيران 2013 / العدد 24

بولس في عودته الأخيرة من أوربا الى أورشليم ارتأى الا يمرّ بأفسس خشية أن يتأخر في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) اذ كان يرغب أن يصل إلى أورشليم يوم العنصرة (اليهوديّ). ففيما كان في ميليتس في البحر، استدعى قسوس أفسس. «فلما وصلوا اليه قال لهم: احذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه». القسوس مُسَمّون هنا أساقفة.

من هذا النص لا نعرف إن كان القس في هذه الفترة دون الأسقف رتبة أَم أن هذا وحدة تسمية مع اختلاف الرتبتين. بعد العصر الرسولي بين اواخر القرن الأول وبدايات الثاني عند القديس إغناطيوس الأنطاكي لا نرى فرقا واضحا بين القس والأسقف مع أن مكانة الأسقف أخذت تبرز.

لاحظوا ان في عبارة «كنيسة الله» لفظة الله هي يهوه العبرية، والواضح في تعبير بولس أن يهوه اي الله هو الذي سكب دمه على الصليب. النص هنا يوحد بين الله والمسيح (الله هو الذي سكب دمه).

عندما يقول ان الله هو الذي سكب دمه يوضح بأعظم وضوح أُلوهية المسيح. هذا هو إيماننا الذي ينقله الينا الرسول بقوله ان الله نفسه هو الذي عُلّق على خشبة.

من هذه الرسالة نفهم بعد هذا أن الذين أُقيموا رؤساء على الرعية يُسمّيهم الرسول أساقفة وتعني المراقبين او الرقباء. والرقيب (المطران) في الكنيسة يراقب صحة التعليم أو أُرثوذكسيته. هذه هي وظيفته الأساسية، وأنت تنظر مبدئيا الى ما يقوله المطران لتعرف منه سلامة العقيدة. ومجموعة الأساقفة في الكنيسة المحلية (مثل الكرسي الأنطاكي)، المنعقد اجتماعهم في المجمع المقدس، هم بالتآزر فيما بينهم يُلقّنوننا الإيمان. فالإيمان يسهر على صحته وسلامته المطارنة مجتمعين في المجمع المقدس برئاسة البطريرك. هذا في الكنيسة المحلية، وفي الكنيسة العالمية مجموعة المجامع المقدسة الأرثوذكسية التعليم هي التي تراقب صحة التعليم في العالم كلّه.

الكنيسة فيها إشراف خلفاء الرسل وهم المطارنة المسؤولون عن حفظ الوديعة سالمة كما أتتنا من تلاميذ المسيح وخلفائهم جيلا بعد جيل.

أنت لا تؤسس كنيسة جديدة ولكنك تحيا من التراث الذي وصل سالمًا بالخلافة الرسولية، فإن من نرسمه مطرانا إنما نجعله حافظا للإيمان القويم، وإذا تثبّتنا أن عنده الإيمان القويم، نعلنه أسقفا على كنيسة الله. يجيئون واحدًا بعد واحد ولكن بالتعليم نفسه، فمن خالف هذا التعليم وشوّهه نعتبره مبتدعا اي آتيا بآرائه الخاصة وليس بالرأي الرسولي.

الإيمان واحد جيلا بعد جيل ولو اختلف أسلوب التعليم. «اومن بإله واحد آب…. ورب واحد يسوع المسيح… وبالروح القدس». وظيفة الكنيسة ان تحفظنا في هذا الإيمان. والأسقف هو الحامل الأساسي لهذا الإيمان.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء الإلهي/ الأحد 9 حزيران 2013/ العدد 23

ماذا أراد داود النبي بقوله: «كل إنسان كاذبٌ، بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطاني»؟ هل أراد ان الإنسان لا يستطيع ان يعطي الإنسان اذ ليس عنده شيء ومع ذلك يعطي إذا اخذ من الله ووزع فيكون الله هو المعطي وحده؟

هل يجب ان تلغي من ذهنك او من قلبك من أعطاك لتعترف ان الرب معطيك وحده، أَم لك أن ترى أن الإنسان فقير وأنه معطيك مما أَخذ من فوق. في احتسابي أن قمّة غناك أن ترى نفسك فقيرا الى كل إنسان حتى ترى نفسك فقيرا إلى الله.

الله جعلَنا موزّعيه اي موزّعي نعمته لأننا جميعا فقراء، وإن لم نتملكه لا نستطيع عطاء. لقد أراد الله نفسه مترجما بالحب. جعل ذاته وسط التعاطي البشري لنعرفه. «الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر». هذا في مطلق التاريخ، ولكن هذا في حقيقة كل زمن نحن فيه. في عطاء نفسك تعطي الله، فما هي نفسك سوى فتات يُترجمه؟ إن أدركت أنت أنك لست بشيء يكون الله فيك فتعطيه. الفقير وحده يأخذ.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني»؟ صعوبة السؤال في هذا أنك لا تستطيع أن تكافئ الرب الا بما أعطاك، اي أن تردّ له نفسَهُ. عندما يقول اللاهوتيون عندنا ان الخلاص مشاركة الله وإرادتنا، طبعا لا يريدون أن الله وإرادتنا على مستوى واحد من الوجود او من الفعالية. هناك بينهما التقاء لا نعرف كيف يحصل لأنك إن أَحببتَ الله فهذا منه. انا لست أُنكر الإرادة البشرية اي لا أُلغي الإنسان بمعنى أني أُثبت وجهه امام وجه الله لأعترف له بذات، ولكني أؤكد بالقوّة نفسها انه آخذ هذه الذات بالنعمة. في الشدة لا تستطيع أن تقول إلا هذا: كل شيء نعمة. ربما لا يحس كل إنسان أنه في الجُبّ وأن يدًا يجب أن تنزل لانتشاله. ربما الخاطئون وحدهم يفهمون ما يقولون إذا قالوا ان كل شيء نعمة. لا يستطيع الخاطئ أن يقول انه قام لأنه قرر القيامة. يجب ان يقيمك آخر، وعندنا انه هو الله. في البكاء تقول هذا، وبلا بكاء لا تستطيع ان تكتب لاهوتًا. العقل، معزولا عن الألم او التوبة، لا يأتي بما هو عميق.

عندما يقول اللاهوت التراثيّ ان الخلاص مشاركة بين الله والانسان، لا يجعل الانسان وربّه على مستوى واحد اذ الإنسان لا يُخلّص الإنسان، هو يقبل الخلاص. وسرّ القبول من سرّ النعمة. القبول عطاء إلهيّ، وإذا قلنا ان الخلاص إلهيّ وإنسانيّ معا لا نعني هنا مناصفة تكون فيها المشاركة الانسانية بشرية فقط لا نعمة فيها. المشاركة بين الله والانسان ليست مُحاصصة. ما من عمل انسانيّ خلاصيّ المضمون بلا انعطاف إلهي. فإذا كافأت الله عن كل ما أعطاك، فهذا عمل منه ايضا. أنت لا تعطي إلا ما أَخذته من الله.

أنا لا أُحب كثيرًا التأكيد التقليديّ أن الله والانسان مشتركان أوّلهما بالنعمة وثانيهما بالجهد لأن الجهد نفسه ثمرة النعمة. لا خطر على الانسان إذا حجب نفسه قليلا فانكشفت له النعمة. اللاهوت الشرقيّ ليس عنده مشكلة في هذا لأنه يجمع دائما بين عطاء الرب ومجاهدة الانسان. اللاهوت الشرقيّ لم يجابه قط مشكلة المشاركة بين الله والانسان. هذا هو سر الله الذي نعيشه بالطاعة وهو مؤكّد بالوحي.

«بماذا أُكافئُ الرب عن كل ما أَعطاني» لا تعني أن عندي شيئا ليس من الرب أُكافئه به. كل ما عندي هو منه. ولكنه هو ردّ الحب لي. إنك لا تعطي الله الا ما وهبك. «التي لك مما لك نُقدّمها لك». هل جئت من عندياتك بما رددت لله؟ ليس عندك الا ما وهبك ربك. وسرّ طاعتك داخل في سرّ حبّه.

في الحقيقة إنك لا تكافئ الرب. هو يستردّ لنفسه ما أعطاك فإنه «الألف والياء، البداية والنهاية». انت إذا أَعطيت تبقى عطية الله ولا تنفد ولكنك تُرجع الى الله ما حصلته انت بنعمته.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

انتشار البشارة/ الأحد 2 حزيران 2013/ العدد 22

بعد استشهاد استفانوس، وهو أول الشهداء وأول الشمامسة السبعة، تبدد الرسل أي تركوا فلسطين واجتازوا إلى فينيقية وبعضها لبنان الحاليّ وإلى قبرس القريبة وأنطاكية وكانت عاصمة سوريا الرومانية، وكانت خطتهم الا يكلّموا الا اليهود، وتبشيرهم أسهل من تبشير الوثنيين، وكان اليهود منتشرين في كل مدن الامبراطورية الرومانية التي كانت منها سوريا.

من هؤلاء اليهود كان قبرسيون وقيروانيون، وهؤلاء جزء من ليبيا الحالية، وكنت تجد اليهود في كل أنحاء الامبراطورية الرومانية وخارج فلسطين، وكان لا بد ان تخاطب الناس باليونانية التي كانت لغة المثقفين في العالم المتمدن آنذاك، واليهود أنفسهم خارج فلسطين كانوا مضطرين ان يخاطبوا الناس باليونانية.

اللغة العبرية لم تبقَ لغةً حية، لغة مخاطبة منذ قرون. اليهود كانوا يقرأونها في مجامعهم فقط وتُنقل إلى السامعين باليونانية أو بالآرامية حسب المناطق. لذلك اضطر الرسل والمبشرون المسيحيون أن يخاطبوا الناس بلغة الثقافة آنذاك أي باليونانية. ولما دخلت المسيحية إلى أنطاكية أخذت تُكلم اليونانيين الذين كانوا من أصل وثنيّ أو يهوديّ، فآمن بالرب يسوع كثيرون. فإذا نظرنا إلى كثافة المسيحيين العددية، نرى أن اللغة اليونانية كانت مسيطرة عليهم كالفرنسية عندنا في عصر الاستعمار أو الانكليزية اليوم.

العبرية كان اليهود نسوا التكلم بها بعد جلائهم عن فلسطين إلى بابل. في فلسطين، لما كان السيد على الأرض، لم يكن أحد فيها يتكلم العبرية. كانت لغة قراءة النصوص المقدسة في مجامعهم. السيد نفسه لم يكن يتكلم العبرية ولكن لغة الشعب أي الآرامية المشتقّة منها السريانية. اليوم أهلُنا في معلولا (سوريا) يتكلمون لهجة السيد.

في تلك الأثناء أرسلت كنيسة أورشليم تلميذًا يدعى برنابا إلى أنطاكيا. منها ذهب إلى طرسوس (غير طرطوس) في آسيا الصغرى، وهي مسقط رأس بولس (شاول)، ليطلبه فوجده وذهب به إلى أنطاكية وبشّر معه هذه المدينة سنة كاملة.

في أنطاكية أولاً دُعي التلاميذ «مسيحيين». منذ ذلك الحين لازمتهم هذه التسمية وبطلت واقعيا التسميات القديمة (تلاميذ، إخوة).

عندما نقول نحن «مسيحيين أرثوذكسيين»، ومعناها المستقيمي الرأي، نصف أنفسنا بالمسيحيين أي أتباع يسوع. وبقية الناس أحرار بتسمية أنفسهم كما يشاؤون. نحن نسمّي «مسيحيّا» من آمن بأن يسوع ربّ ومخلّص ومسيح. ما علاقتنا به من حيث اشتراكه أو عدم اشتراكه بالأسرار المقدسة شيء آخر ويختلف حسب الفئة التي ينتمي إليها.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

ما بعد الفصح/ الأحد 26 أيار 2013 / العدد 21

ليس شيء ما بعد الفصح لأن القيامة حيّة فينا. انها قائمة في عذاب الصليب اذ به «أتى الفرح في كل العالم». نحن لا نلد الفرح. إننا نتقبّله من انتصار المسيح على الموت، كل موت في حياتنا اليومية وذاك الذي ننتظره في آخر عمرنا. اذا كانت كل نفس ذائقة الموت، فهي أيضًا ذائقة الحياة الجديدة التي تفجّرت من قبر الخلاص.

نذوق هذه الحياة العظمى لأن المسيح أحيانا بموته. في إنجيل يوحنا الذي هو إنجيل الحياة، قيل عن موت السيد: «أَمال رأسه، وأَسلم الروح»، والحال أنك تُسلم الروح ثم تُميل رأسك. أجل أَسلم روحه البشرية، ولكن يحق لك أن تفهم «أمال رأسه وأَسلم الروح» القدس لتكون لنا بذلك العنصرة الأولى. الروح الإلهي الكامل تؤتاه بموت المخلّص. إطلالة القيامة تمتمتُها كانت على الصليب. لا بد للكاتب الإنجيلي أن يُلازم واقعية المحسوس في ما حصل للسيد، ولكن في رؤية الآب اياه هذه كلها أشياء واحده. المصلوبية بقيت فيه، والقيامة بما فيها قيامتنا تأتينا من موته. لقد مات المسيح مرة واحدة، وبعد هذا الذكرى. والذكرى تنقلنا إلى قيامته. وعندنا نحن المؤمنين به ليست القيامة حدثًا يمضي بمضيّ الزمان. انها نعمة دائمة نازلة علينا من السماء. فاذا كان موت السيد حدثًا مضى، إلا أن فاعليته أي إحياءه إيانا لا تزول. وحتى يتم هذا، يجب أن ننسلخ عن الزائلات ليحيا الرب وحده فينا. وإيماننا أننا حيينا منذ أن كان على الصليب معلّقًا. هذه جدلية موت المخلّص وقيامته عندنا. إنه كان حيّا منذ أن عُلّق على الخشبة، فيما كان معلّقًا عليها. في موته وبموته حصلنا على الحياة الأبدية. وفي دقة التعبير بدأت هذه الحياة الأبدية تنزل علينا منه بالإيمان. معنى ذلك أنه ولو مات مرة واحدة تبقى حياته فينا مستمرّة يومًا فيومًا حتى اننا لا نبقى مُلكًا لأنفسنا لأننا بتنا ننظر إليه فقط ونستمدّ حياتنا من حياته حتى نصير واحدًا معه.

إن لم تكن كل حياتك فصحًا، أي عبورًا من الأرض إلى السماء، فلا تزال نائمًا في خطيئتك. نحن لسنا مسيحيين بالمولد. نحن مسيحيون إن كنا نُلازم المسيح يومًا فيومًا، من عمق فينا إلى عمقه هو. كل وجودنا يصبح إلهيًا إن كان سيرًا إلى المسيح أو سيرًا في المسيح. ما كان العيد إلا حثًا لك لتقتبل أن يملأك السيد من حضوره الفصحيّ. هذا الحضور يعطيك حركة فصحيّة أي انتقالاً من مجد إلى مجد «كما من الرب الروح». إن استطعت أن تدرك أنك في الفصح تصير روحًا يصير كل يوم لك عيدًا وتصبح إنسانًا قياميًا لأن القيامة ليست ذكرى وحسب ولكنها واقع يغيّرنا على قدر طاعتنا. أن تتحوّل حقًا إلى إنسان فصحيّ هو أن تقبل صيرورتك جديدًا في المسيح. وتبقى فصحيا إن شئتَ أن تحيا كل يوم في حضرة الرب الغالب لهذا العالم، شاعرًا أنك لست من هذا العالم لكونك تحمل الحياة النازلة عليك من فوق. وهي تُمكّنك من أن تغلب مرارة ما يحلّ فيك أو ما يحلّ عليك ناشرًا فاعلية القيامة التي صارت فيك إلى كل مكان.

هكذا ترى الفصح فيك وفي الإخوة ومن حولكم حتى لا ينغلق العيد على يوم واحد. أنت، بعد أن حلّت فيك بركات العيد، تنقلها إلى من حولك ليصبح كل من نال هذه البركات فصحيّا. وبعد هذا، لك أن تقول كل يوم: «المسيح قام!».

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

الخدمة / الأحد 19 أيار 2013 / العدد 20

الخدمة اليومية كانت مهمَلة عند المسيحيين المتكلمين اليونانية في أورشليم في العهد الرسولي. هؤلاء كانوا من أصل يهودي ساكنين المدينة المقدسة ولا يعرفون لغتها أي الآرامية. غالبًا كان يقال لهم ما يقال في لبنان اليوم: أنت غريب.

والخدمة هذه تعني توزيع الإعاشة. هذه كانت لهم دون تلك التي كانت توزع على المسيحيين المنحدرين من أصل يهودي. كان هذا سلوكًا عُنصريًا. مشكلة اجتماعية ضخمة تطلّبت تدخّلاً من الرسل.

أفضى هذا الاهتمام الرسوليّ إلى إنشاء مؤسسة اجتماعية تُعنى بالفقراء، قائمة على سبعة رجال ذكَرهم سفْر الأعمال. هذا لا يعني انه كانت مجموعة تُعنى حصرًا بالفقراء لأن أولها وهو استفانس قيل عنه انه كان «ممتلئًا من الإيمان والروح القدس» ودلّ خطابُه العظيم بعد اختياره انه كان فهيمًا من الناحية اللاهوتية.

هذا يدلّنا على أن الرسل لم يوجدوا كتلة منصرفة حصرًا إلى الإغاثة والمال لأنهم كانوا يختارون دائمًا الممتلئين من الروح القدس. لذلك ما نراه أحيانًا في الكنيسة المعاصرة من ناس يهتمّون بالمال فقط ومن ناس مهتمّين بالرعاية فقط شيء مستحدث لا علاقة له بفكرنا الأصيل. في الإدارة الكنسيّة عندنا نجد موكلين الرعاية وهم الكهنة وموكلين أمر الفقراء وهم علمانيون. هذا التفريق بين من يهتم بالحياة الروحية فقط ومن يهتم بالإعاشة فقط جديد على التراث. «مَن عملَ وعلّمَ يدعى عظيمًا في ملكوت السموات». أنت تبشّر المساكين كما طلب الرب وتُساعدهم ماديًا أيضًا. العطاء الروحي عندنا مقرون بأعمال الرحمة أي افتقاد المساكين. المرجوّ أن يكون كل خادم في كنيسة الرب مملوءًا من الروح القدس وموهوبًا لأمر العطاء. الكاهن إذا وعظ لا يكتفي بوعظه. يتّجه دائمًا إلى الفقراء ليُسعفهم فيحسّوا انه إلى جانبهم.

الملاحظ في هذا المقطع من سفْر الأعمال أن المُعَدّين للعمل الاجتماعي اختارهم الرسل بحيث أمكننا أن نقول ان التفريق الكامل بين العمل الاجتماعي والعمل الروحي غير وارد في الكنيسة. الموهوب اجتماعيًا ما لم يكن عنده مسحة من الروح القدس لا يؤخذ للخدمة. نحن لا نفرّق بين العطاء الروحيّ وتوزيع الأموال على المحتاجين. كل عطاء عندنا من الروح القدس.

ربما الذين اختارهم الرسل للعمل الاجتماعي صاروا أيضًا بهذا العمل شمامسة. قال هذا بعض من المفسّرين ولا سيما أن الرسل «وضعوا عليهم الأيدي». هذه عبارة معروفة بأنها تدلّ على رسامة. مهما يكن من أمر، هؤلاء أتوا من إدارة الرسل وصلاتهم. نموّ الكنيسة مبنيّ على الصلاة الدائمة، وهي التي تجعل كلمة الله تستقرّ في قلوب المؤمنين، وبهذا المعنى نفهم ما قاله الكتاب أن الكنيسة تنمو.

بعد هذا الكلام قال سفر الأعمال أن عدد التلاميذ كان ينمو في أورشليم وأن الكثير من كهنة اليهود كان يطيع الإيمان ويدخل في الكنيسة.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

لم يبقَ من باب مغلق/ الأحد 12 أيار 2013 / العدد 19

بنعمة القائم من بين الأموات لم يبق من باب مغلق أمام النفس المُحبة للمسيح. هي مفتوحة على آفاق المحبة. كان التلاميذ مجتمعين في بيت مغلق ودخل الرب إليهم وقال لهم «السلام لكم». هو يعطيهم سلامهم ليس كذلك يعطيه الناس.

سلامه صادق وحقيقي بمعنى انه اذا أعطى لهم سلامًا يكون فيهم. فلما رأوا على جسده آثار عذابه فرحوا. فرحوا لأنهم رأوا ان هذا هو الرب ولم يكن خيالا. قيامة الرب لا تُنسينا آلامه، فبجراحه شُفينا كما قال إشعياء. ثم للمرة الثانية سلّم عليهم حتى لا يكون هذا مجرّد تحية بل يكون سلامًا حقيقيًا في نفوسهم لأن السيد يُزيل اضطراب النفس ويمكث فيها. بالسلام الذي قرّ في نفوسهم أَرسلهم أي انهم يحملون إلى العالم سلامه وفيه سلامتهم.

ماذا يحمل سلامه لهم إلى العالم؟ «مَن غَفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت». هذا الكلام نتج عنه سر التوبة (بما فيها الاعتراف أو الإقرار بالخطايا). من لا يريد التوبة لا يمنحه الله غفرانا.

بعد هذا تجيء حادثة توما. التلاميذ قالوا له «رأينا الرب». كلامهم هذا يعني ان الرب ظهر لهم. توما لم يكن قد سمع أن الرب أراد أن يظهر أو يمكن ان يظهر. قبل القيامة كان التلاميذ جميعا في حالة شك بيسوع وفاعليته. القيامة صارت مفتاح كل الفكر الرسوليّ الذي ظهر في العهد الجديد.

القيامة ليست أمرا سهل الاعتقاد به. كيف يقوم إنسان من موت ويعود إلى ما كان؟ توما إنسان عنده عقل يُحلّل. هل كان عليه مأخذ لأنه لم يأخذ بمجرد كلام التلاميذ؟ ربما كان هذا كل ما أراد يوحنا الإنجيلي أن يقوله. غالبا ما أراد الإنجيليّ أن يوحي أن التلاميذ موضع ثقة. صار واضحًا في ما بعد أن قول الرسل مصدر لإيماننا.

الظهور برهان القيامة. لم يُعاين أحد جثمان يسوع يخرج من القبر. لقد استنتج الرسل هذا مِن ظهوره. هم رأوه ميتا، ورأوا ظهورات فقالوا انه قام.

عند ظهور الرب لتوما وقوله: «عاين يديّ ولا تكن غير مؤمن»، قال هو للسيد: «ربي وإلهي». كلمة «رب» كما هي واردة في اليونانية وكلمة «إله» فيهما أل التعريف بمعنى أنك هو الرب وأنك هو الإله. لا يعني شيئًا كلمة شهود يهوى أن هذه العبارة قد تعني إلها وليس الإله بالمطلق. في العهد القديم ليس من إله غير الله، ولذا كان كلام توما يعني بوضوح أن المسيح هو الله ذاته.

الإيمان هو الذي عبّر عنه توما بقوله للسيد انه هو الإله، وليس من احتمال لوجود إله آخر في العقل اليهودي.

«ربي وإلهي» التي قالها توما اعتراف كامل بأُلوهية يسوع. وقول شهود يهوى انه «رب» وليس «الرب» لا يعني شيئا اذ لا يمكن في الإيمان اليهودي أن يكون هناك رب أو إله وليس الرب والإله. ليس هناك تعدّد آلهة. فإذا قال توما ان يسوع رب أو الرب فالواضح انه هو الرب اذ ليس عند اليهود غير رب واحد.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

فصحنا / الأحد/ 5 أيار 2013 / العدد 18

الفصح يعني العبور. هو عبورنا من هذا الدهر الى الدهر الآتي الذي دشّنتْه قيامة المخلّص. نحن بالتوبة ننتقل إلى وجه الآب. بهذا المعنى كل أيامنا فصح. وفي بدء الكنيسة كان الفصح العيد الوحيد، وهو لا يزال «عيد الأعياد وموسم المواسم».

في الكنيسة الأولى كان العيد يستغرق الأيام الثلاثة: من الجمعة العظيم الى صباح العيد. ثم انتشر العيد في أربعينية مقدسة ننشد فيها «المسيح قام» ونركز عليها بتردادنا العبارة حتى نتربى عليها ونتشبّع منها، والحقيقة ان العبارة تتضمن كل أيامنا. قام بجسده المصلوب والمجلبب بالنور.

ولكون القيامة هي كل حياتنا، نعيّد لها كل أحد الى جانب العيد. وصلواته مخصصة لذِكر انبعاث السيد من بين الأموات. أجل عندنا عيد ولكن كل أحد أحد القيامة اذ لا ذِكر إلا لها.

في الفصح وُلدنا ولادة جديدة. أجل نقول هذا عن معموديتنا، ولكن ما المعمودية إلا مشاركتنا في موت المسيح وقيامته. غلبة السيد للموت هي انبساط القيامة في كل قداس إلهي. ما القداس سوى ذكرى موته وانتصاره! الذبيحة الإلهية مشاركة منّا لمجيئه الأول ومجيئه الثاني. نأخذ هذا القداس الذي أَسّسه في العشاء السرّي وحققه على الصليب وأذاع خبره في الفصح. بسبب من ذلك نحن قياميون ليس فقط بمعنى اننا نؤمن بحدث القيامة ولكن بمعنى انها فاعلة في كل عمل خلاص نقوم به بدءا من معموديتنا. ومعموديتنا هي المنتشرة في كل تقديس نناله في حياتنا المسيحية.

أجل نقيم العيد مرة في السنة ولكننا نذكره ونغنّيه أربعين يوما متتالية الى جانب آحاد السنة.

اذا قلنا اننا فصحيون لا ينحصر هذا في أننا نقيم عيدا للفصح مرة في السنة، ولكن المعنى أننا نُحلّ فينا نصر المسيح بحيث نسعى الى قهر الخطيئة في أجسادنا والى الامتلاء من النعيم الذي في الرب منذ هذا العالم.

العيد يوم أو أسبوع او أربعون يوما، ولكن حقيقة العيد اي الانتصار على الخطيئة تملأ كل يوم نكون فيه قد جاهدنا مع الرب ووعدناه بأيام أفضل اي أكثر امتلاء من نعمته.

المسيحية ليست محصورة بأيام او أعياد. هي دوام العمر ورؤية للمسيح يجدّدها فينا ويجعلنا بها قاهرين للموت. «إنْ حيينا او مُتْنا فللرب نحن».

المسيحية لا تنقطع فينا. هي امتداد وعمق الى أن يخطفنا الله الى رؤيته في اليوم الأخير. مع هذا هي في هذا العالم دوام الرؤية بالكلمة التي نُطالعها والأسرار المقدسة التي نتناولها يوما بعد يوم ونتناول فيها مبرّات القديسين.

الفصح، إن لم يرافقنا كل يوم، نكون فقط قد تذكّرناه. اما اذا رافقنا وكنّا فيه، تكون كل حياتنا عيدًا.

Continue reading