Category

2012

2012, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 18 آذار 2012 / العدد 12

هذا الأحد المسمّى أحد السجود للصليب هو في حقيقته سجود للمصلوب. الفكرة ان الكنيسة لاحظت أن بعض المؤمنين يتعبون من الصيام في انتصافه، فحتى تشدّهم الى ان يكملوا السعي بلا ملل جعلت ذكرى صغيرة من آلام السيد.

الذبيحة التي رُفعت على الصليب هي المسيح نفسه. وبها صار رئيس كهنة او بالحري الرئيس الوحيد لأنه المقرِّب والمقرَّب معا.

في إنجيل اليوم يكشف مرقس لكل مؤمن معنى الصليب وكيف يجب ان يلتزم الصليب وينذبح بآلام السيد، ويبين أن في الأمر اتّباعا لطريق المخلّص اذ يقول: «من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».

في البدء عندك وقفة التزام. إرادتك تتعهد المسيح. هذا يقودك الى ان تتجرد عن الأنانية وحب الذات وشهواتها، وهذا ما قال عنه السيد «فليكفر بنفسه». ولكن حتى تتخلى عن شهواتك حقيقةً لا بد لك من حَمل صليبك اي ان تحتمل مشقّات الحياة كما حمل الرب يسوع صليبه. ان تمشي وراء السيد يُلقي عليك تعبا جسديا ونفسيا. الناس الذين حولك او من تتعامل معهم يعذّبونك بالدرجة الأولى. هذه الآلام شرط لتتبع المسيح. ان كانت كل حياتك هرج ومرج فأنت تابعٌ أهواءَك ولست تابعًا للمسيح.

ويجسّم الإنجيل هذا المعنى بقوله: «من أَهلَكَ نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». إهلاك النفس يقصد به التعب والإمساك عن الخطيئة. هذا كله ضبط للأهواء ومراقبة للنفس وإشراف على الذات.

ويصل الى القمة عندما يقول: «ماذا ينفع لو ربح العالم كله وخسر نفسه، او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه؟». لك ان تربح كل أموال الدنيا ومجدها، ونفسك واقعة في الخطيئة. ماذا تكون قد كسبت؟ تكون نفسك قد دخلت الجحيم اليها وفي نفسك مال ومجد ونفوذ اي لا شيء في نظر الله او شقاء حقيقي للنفس. بماذا تفدي نفسك؟ هل نفسُك اذا انتُهكت ثمن لهذه الأمجاد والملذات.

هذا السقوط يعني في حقيقته أنك تستحيي بابن البشر. إن كنت لا تستحيي تحتمل كل شيء وتشهد ويضمّك المسيح الى صدره.

المطلوب أن تختار بين المخلّص وما كان عدوّا للمخلّص اي الخطيئة. هما لا يجتمعان في قلب واحد. المطلوب ان تنحاز ليسوع ولا تجمع معه آخر او لا تجمع معه ضدّه.

اذا كنت معه تذهب الى أعمالك والى عائلتك والى كل همومك الشرعية. تأتي منه اليها وتكون أعمالك مقدسة. وتكون حاملا صليب المسيح بفرح.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء المفلوج / الأحد 11 آذار 2012 / العدد 11

بعد أن تجوّل السيد حول بحيرة طبرية، دخل الى كفرناحوم التي صار ساكنها بعد أن ترك الناصرة. استضافه بيت لعلّه كان مُلكا لأحد التلاميذ. كثر الوافدون الى هذا البيت لمّا سمعوا أنه فيه «فكان يخاطبهم بالكلمة» أي بموسى والأنبياء. اذ ذاك قدّموا اليه مخلّعا (حسب ترجمتنا) اي مفلوجا. ولما لم يستطيعوا أن يقتربوا اليه بسبب الازدحام نقبوا السقف. مثل هذا السقف المصنوع بألواح خشبيّة وشيء من التراب معروف في جبال لبنان.

توّا يقول يسوع للمفلوج: يا بنيّ مغفورة لك خطاياك. هذا في عرفهم تجديف لأن أحدا من كهنة اليهود او من أنبيائهم قديما لم يتفوّه بمثل هذه العبارة. الكتبة وهم من علماء الشريعة ما كانوا يعرفونه إلا بشرا. لذلك استهجنوا قوله انه قادر على غفران الخطايا.

إلاّ أنه أثبت صحة ادعائه القدرة على الغفران اذ قام بالشفاء الجسديّ بعد أن أعطى الغفران. قال للمريض كمن له سلطان: «قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك». وهو أكّد لليهود بعمليّة الغفران وعمليّة الشفاء أن له سلطانا على جسد الانسان وعلى روحه.

توّا بعد أن شُفي المفلوج بكلمة، «قام للوقت وحمل سريره وخرج أمام الجميع حتى دهش كلهم» وقالوا: «ما رأَينا مثل هذا قط». ربما كان بين هؤلاء القوم من سلّم يسوع الى الموت. واضح من هذه الأعجوبة أن اهتمام السيد هو أولا شفاء النفس من الخطيئة، والمرتبة الثانية شفاء الجسد، وقام بهذا في صنعه معجزات كثيرة.

اذا مرض أحدنا، أهم هاجس عنده أن يتوب، لأن المصيبة ليست أن يموت ولكن أن يموت غير تائب. لا مانع من أن يسأل المريض شفاءه من الله دون أن ينسى شفاء نفسه. واذا دُعي الكاهن الى مريض وصلّى فلا تنحصر صلاته او طلبته بالشفاء. المهم قيامتنا من الخطيئة وسلامتنا مسلّمة الى رعاية الله لنا. لعلّ المرض كان أحيانا هزّة تُذكّرنا بضرورة العودة الى الرب.

يكون الرب سمح بمرض او بحادثة. هذا لا يعني أنه بسبّب المرض او الحادثة. الله ليس علّة اوجاعنا. هو يُقيمنا منها لكي نقترب اليه.

من يعي أن الخطيئة مصيبة المصائب وأن ليس شيء أسوأ منها؟ وعجبي أننا نسهر على صحّتنا لئلا تتدهور، وقلما نسهر على نفوسنا كي لا تقع في التجربة. هل الغضوب مثلا يسأل نفسه: كيف أُروّض نفسي حتى أَكتسب الهدوء؟ او من يقول لنفسه: هؤلاء ناس يجب ألاّ أُعاشرهم لئلا أَتبعهم في السيئات التي يرتكبون؟ وبكلمة، كيف أسعى أن أَضمّ نفسي الى يسوع في كل ظرف اجتماعي أكون فيه؟ ثم كيف أُقوّي نفسي في الإيمان، في روح الصلاة، في دوام الصلاة لئلا أَزلّ. بعبارة واحدة: هل انا مُحبّ للفضيلة حقا أَم أُوهمُ نفسي بذلك؟ هل همّي، حقيقة، أن أُلازم الرب يسوع ليصبح هو حياتي؟

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية/ الأحد 4 آذار 2012 / العدد 10

«الأرثوذكسية» كلمة قديمة جدا تعني استقامة الرأي اي الإيمان السليم، كما تعني ايضًا التمجيد الصحيح لأن إيمان آبائنا هو ألهمهم الصلوات المعبّرة عن الإيمان، فإذا قارنت العقيدة بصلواتنا والترتيل نرى أنهما واحد.

لماذا أصرّت الكنيسة على تخصيص أحد من آحاد الصوم للإيمان المستقيم؟ السبب أن عقيدتك اذا كانت منحرفة فالإمساك عن الطعام لا ينفعك شيئا. الإيمان هو بدء الحياة المسيحية وركنها واستمرارها. لذلك كانت الصلاة تسندك في جهاد الصوم لأنها مملوءة بالفكر الإلهي المأخوذ من الكتاب المقدس والكتاب يقوّم إيمانك.

لماذا نُصرّ على استقامة الرأي ليس فقط في هذا الأحد ولكن طيلة حياتنا؟ لأن هناك جماعات انحرفت عن الكنيسة منذ القرن الأول، والكارثة الكبرى أتت بالآريوسية التي كفّرها المجمع الأول وهي أنكرت أُلوهية المسيح. في الحقيقة أن كل الهرطقات مشتقّة عن هذه.

اليوم الآريوسية يردّدها شهود يهوه الذين يُنكرون أُلوهية السيد، ولهذا السبب هم غير مسيحيين.

إنجيل اليوم يعبّر عن الإيمان الأرثوذكسي بقوله: «إنكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر» (اي المسيح). فإذا كان الرب يسوع هو الجسر القائم بين السماء والأرض يكون هذا تعبيرا على أنه الإله.

في الرسالة، بعد أن يبيّن كاتبها قداسة الناس في العهد القديم وعظمتهم الروحية، ينتهي المقطع بـ«لم ينالوا الموعد لأن الله سبق فنظر لنا شيئا أفضل أن لا يَكمُلوا بدوننا». المعنى أن الكمال بيسوع، وكان على الأقدمين أن ينتظروه وينتظروا تلاميذه (اي نحن) ليصيروا معنا كنيسة واحدة لننال معا المجد الإلهي.

فإذا مشينا جميعًا في هذا الصوم على درس الإنجيل والقراءات الروحية والصلوات المملوءة من الكتاب الإلهي نقدر أن نتأهب للعيد. والقيامة نقومها كل يوم في الصيام اذا غلبنا الخطيئة وانتظرنا المخلّص آتيا الينا فنأكل جسده ونشرب دمه ونحيا بهما حتى ينقلنا الله اليه بالموت.

عيد الفصح، تاريخيا، سابق للصوم. نعرفه منذ القرن الأول، والصيام استغرق أربعة قرون ليتثبّت شيئا فشيئا. الفصح هو الإيمان بالمسيح ربًّا وإلهًا. يمدّ هو اذًا الإيمان المستقيم الذي نذكره الأحد الأول. كل الآحاد اللاحقة تحتوي بطريقة ما الإيمان المستقيم وتنتظر المسيح الآتي الينا والذي ننتظر مجيئه الأخير.من يعطينا، في هذا اليوم، موهبة أن نكون ممتلئين في كل أحد من الصوم من قوة الفصح المنتشرة على كل أيام هذا الإمساك! من يعطينا ان نصبح فصحيين، قائمين على الفرح! نرجو أن نكون معا في هذه الأيام لنقدر ان نكون معا في الفصح المبارك.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الاستعداد للصوم/ الأحد 26 شباط 2012 / العدد 9

اليوم قبل دخولنا الصوم نقرأ في متّى: «إن غَفَرتُم للناس زلاّتهم يغفر لكم أبوكم السماوي ايضًا». اي انت لست قائمًا بالصوم ما لم تُحبّ أخاك، ومن أبرز ما في هذه المحبة الغفران الذي دونه لا تقوم الشركة وهي شركة الروح القدس الذي يجمعكم. وإيضاحًا لهذا المعنى يقول: «إن لم تغفروا للناس زلاّتهم لا يغفر لكم زلاتكم». تبدأ بطراوة القلب لأن البعض يأتي من القسوة. وبعد هذا تتصالح. أَذكر في طفولتي عند الاعتراف كان الكاهن يسألني في مطلع الاعتراف: «هل انت زعلان مع أحد؟». وما كان مألوفًا في أوساطنا أنّ المصالحة شرط للمناولة إذ المناولة مشاركة أعضاء الجماعة للأعضاء الآخرين.

المقطع الثاني في هذا الفصل دعوة الى الفرح في اليوم الذي كان اليهودي يتطوّع فيه للصوم او في يوم الغفران. لمّا قال السيّد: «لا تكونوا معبّسين كالمرائين» غالبًا ما كان يقصد الفريسيين المحبّين للظهور وأن يقول الناس عنهم حَسَنا. في الصوم المسيحيّ علاقتُك الأُولى هي مع الله ولا تحتاج الى شهادة من أحد، وكلنا معًا في حالة الفرح. واذا دعا أحدُنا الآخر الى مائدة لا بد أن تظهر صائمًا وأن يشارك ضيفُك صومك، ولا معنى اذا كان الضيوف كثيرين أن تُهيّئ طعام زفر لمن يشاء وطعامًا صياميا لمن يشاء. هذا يعني أنك تقبل حرية المخالف. ومن كان لا يحب التقيّد بالصوم فلا تدعُه الى مائدتك.

المقطع الثالث يستهله إنجيل متى بقوله: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض… لكن اكنزوا لكم كنوزًا في السماء». هذا نهيٌ عن عشق الفضّة كما نسمّيه في كتاب الصوم المعروف بالتريودي. وهذا ليس منعا من وجود ثروة لك. إن العمل الاقتصادي الكبير يفترض وجود مال كثير أكان في شكل ودائع أم في شكل عقارات.

هذا الكلام ليس كل تعليم يسوع عن المال الذي قال عنه الآباء انك مؤتمَن عليه وانه بين يديك وديعةٌ انت حاضر لتوزيعها على المحتاجين او لاستثمارها في سبيل من احتاج اليها. ما دعا يسوع أن يصبح كل المؤمنين به فقراء ليدخلوا ملكوت السموات، ولكنه دعاهم ألا يتعلّقوا بشيء أرضيّ. لقد أراد السيد أن يوضح لنا أنك لا تستطيع أن تخدم الله والمال، فإذا استعبدك هذا فلستَ محبّا للمسيح.

وقد أوضح هذا في اختتام هذا الفصل بقوله: «حيث تكون كنوزُكم هناك تكون قلوبُكم». القصة كلها قصة القلب وتحرّكه. ما هو اتجاه قلبك؟ فإذا اتّجه الى الشغف بالمال لا يبقى فيه مكانة للفقير. ان كنت غنيا او ميسورا لا تعط اعتبارا لما تملك. انت لا تقوم بمُلكك. انت تقوم بمحبة الله لك ومحبتك له، انت في ذاتك مستقلا عن كل ما في الأرض. كلما تحررت من عبوديتك لما تملك تصير عبدًا لله.

أن تخرج من الغرق في بحر المال شرط من شروط الصيام الذي يبدأ غدًا برحمة الله وفيض نعمته علينا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة/ الأحد 19 شباط 2012/ العدد 8

«أحد الدينونة» المُسَمّى ايضًا «مرفع اللحم» هو آخر يوم من الموسم نأكل فيه لحمًا ويحق لنا أكل السمك والبياض. اتّخذته الكنيسة فترة انتقال ليّن من الزفر الكامل الى الإمساك الكامل.

قرأت علينا الكنيسة فصلا من متّى متعلّقًا بالدينونة لكي نفحص قلوبنا قبل ولوج الصيام ونتنقّى أخلاقيا بحيث إنه قبل دخول الصيام نعرف هدفه وهو تطهير النفس من خطاياها. فأراد السيد أن نعرف اننا سنُدان وأن علاقتنا به ليس فيها مزح. لذلك أعطى عن الدينونة الصورة الواردة في إنجيل متّى. استعار صورة الجداء ليتكلّم عن الذين ارتكبوا الخطيئة طوعًا، وأخذ صورة الخراف ليتكلّم عن الأبرار الذين عملوا الصالحات. وهو عرّف عن نفسه انه جالس على العرش.

في هذا الإنجيل يسوع ديّان. يعطي الأبرار الملكوت المعَدّ لهم منذ إنشاء العالم، وينسب اليهم أعمالا حسنة مذكور بعضها في التطويبات (متى 5). في هذه يقول: «طوبى للجياع والعطاش». يوضح ايضًا أن همّه العريان والمريض والمحبوس لـمّا سأله الصالحون: متى رأيناك جائعًا وغريبًا إلخ…؟ قال ما هو محور هذا الفصل الإنجيليّ: «بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه».

السيد يوحّد نفسه مع كل هؤلاء المحتاجين، ويسمّي المحتاجين إخوته الصغار وهذه صيغة تحبّب.

بالتوازي مع أسئلته للأبرار، يقول للأشرار «جُعتُ فلم تُطعموني… كنت غريبًا فلم تؤوني». يسأل الأبرار: متى رأيناك عطشانًا او غريبًا او عريانًا؟ من الطبيعي أن يأتي جوابه: «بما أنكم لم تفعلوا ذلك بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه».

ربما يعيش الكثيرون كأن الدينونة لن تحصل. نُكرّر الخطايا على أمل أن نتوب، ولا نتوب. التوبة لا تؤجَل لأنها اذا أُجّلت ففي حالات كثيرة تبقى مؤجّلة ويموت الإنسان بخطيئته.

اذا كنا نفرّق بين الخير والشر، فالمحاسبة طبيعية، وإلا كان الله نفسه لا يفرّق بين الخير والشر. اذا غاب الله عنك بسبب شر ارتكبته، تبقى نفسك بعد موتك على حالتها. تتّكل على رحمة الله؟ هذا شغل الله. انت شغلك التوبة.

حقيقة الدينونة واردة عقليًا. فمن الطبيعي إذا واجه الصالح بعد موته ربه أن يفرح بهذه المواجهة. هذه هي السماء. واذا واجهه وهو ضده، يضطرب او يخاف، وهذه هي الجحيم. لا يكون الله عادلا اذا ساوى بين الصالح والطالح.

في الحقيقة أنت تختار سماءك او جهنّمك. ليس الله يحكم عشوائيا او تعسّفًا. السماء فيك او جهنم فيك حسبما كان وضعك على الأرض.

هناك مَن تأمّل أن الله سيُلغي الجحيم بحسب رحمته. جُلّ ما أقوله أن كلامًا كهذا غير وارد في الإنجيل.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الابن الشاطر/ الأحد 12 شباط 2012 / العدد 7

هذا المَثَل الإنجيلي لعله أفصح مَثَل عن التوبة. «إنسان كان له ابنان». الصغير منهما يطلب لذائذه. وهذه لا يستطيع احد تنفيذها بلا مال. مصدره الوحيد حصته في الإرث. طلبه الى أبيه وحصل عليه. هذا القسم من الإرث فيه أشياء كثيرة ومنها المال. أخذه وسافر الى بلد بعيد وعاش بهذا المال في الخلاعة. كانت نفسه تطلبها منذ تركه البيت.

حصلت في هذا البلد مجاعة شديدة. مَن يطعمه وقد أنفق ماله كله؟ اضطرّ أن يعمل فسعى الى وظيفة في هذا المنفى. الوظيفة كانت أن يرعى خنازير، والخنزير محرّم أكله في شريعة موسى. الكلمة تدلّ على الدنس الذي غرق فيه هذا الفتى. يبدو أن أَجره كان قليلا ولم يستطع أن يشبع.

إذ ذاك تحرّكت مشاعره وتذكّر أباه عارفا ان أباه سوف يستقبله ويُطعمه من بعد جوع. «أَقومُ وأَمضي إلى أبي». كان القيام من الخطيئة الحركة الأولى. والحركة الثانية: «أمضي إلى أبي» واعترف له بخطاياي. والخطيئة الأُولى كانت ترك المنزل الأبويّ الذي يتبعه بالضرورة الارتماء في أحضان الزواني. ولكن الخلاص الكامل من الخطيئة يحتاج الى اعتراف باللسان. سأقول لأبي: «لستُ مستحقّا أن أُدعى لك ابنًا فاجعلني كأحد أُجرائك». مشى طويلا «وفيما هو بعد غير بعيد، رآه أبوه فتحنن عليه وألقى بنفسه على عُنقه وقبّله».

أتصوّر الأب واقفًا طويلا كل يوم على سطح من سطوح البيت يدلّه قلبه على أن ابنه الضالّ لا بد له أن يعود. لم يتفوّه الوالد بكلمة لوم. لم يقُل له أنّ ترك المنزل يتحمّل الخطر بعد الترك، وكان الخطر خطرين: الجوع والتهتّك. عبّر الوالد عن شوقه لابنه ليس فقط بحركة العناق والقبلة ولكن بشكل محسوس إذ ألبَسه الحُلّة الأولى ووضع خاتمًا في يده وحذاء في رجليه وذبح له العجل المسمّن قائلا للخدام: «إن ابني كان ميتًا فعاش وكان ضالا فوُجد».

حزنَ من هذا الاستقبال الشاب الأكبر لأن أباه ميّز الخاطئ التائب عن ولده الذي لم يرتكب خطيئة وما خالف أمرًا لأبيه، فقال هذا له: «ينبغي أن نفرح ونُسَرّ لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وضالا فوُجد».

الحكاية كلها في حقيقتها هي حكاية الأب الحنون الذي يضمّ الى صدره الولد العاقّ ويُحافظ على الابن المطيع الذي بقيت سيرته بلا عيب. الجودة هي عند الوالد وعنده الحنان.

فيما نحن نتدرّج الى الصيام المبارك ذكّرَتْنا الكنيسة أن جوهره هو التوبة وأننا في كل أيام هذا الجهاد العظيم نطلبها لكي نكون مستحقّين لرؤية الجمعة العظيمة ويوم القيامة.

الرب حاضر لاستقبالك برحمته إن كنتَ خاطئًا، واذا ضمّك اليه تشعر بحنانه ولا شيء يبعدك عن هذا الحنان. واذا أَحسسته كثيرًا تكون قريبًا من توبة عميقة صادقة ولا تخرج من بيت أبيك السماويّ أي محبته، وتألف هذه المحبة التي تزداد فيك يومًا بعد يوم إن ثابرت على الصلاة بنوع خاصّ في الصيام الآتي.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

حديث في الفضائل/ الأحد 5 شباط 2012 / العدد 6

هذه هي الرسالة الرعائية الثانية الى تيموثاوس الذي وضعه بولس أُسقفا في أَفسس في آسيا الصغرى. قال له الرسول «لقد تتبّعت تعليمي» وبولس يهتم كثيرا بصحة التعليم، وهذا ما سمّاه إنجيله، ويهمّه كثيرًا أنه كان قدوة لتلميذه. واتّباع تيموثاوس لسيرة الرسول تعني أيضًا: طريقتي في إدارة الكنيسة. واستعماله لكلمة «قصدي» يمكن ان تعني: نيّاتي وقناعاتي.

ثم يذكر بولس إيمانه وأناته (طول الأناة) ومحبته وصبره، وهذه الفضائل عاشها وسط الاضطهادات، ويوضح أنه تألم في أنطاكية وإيقونية ولسترة (ثلاث مدن في آسيا الصغرى). وهذه المدن الثلاث مذكورة معًا في سفر الأعمال 14: 21، والى المؤمنين في هذه المدن ذكر بولس «أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل الى ملكوت الله».

ما حصل له يحصل لكل المؤمنين، وعبّر عن هذا بقوله: «جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى يُضطهدون». لا بد أن بولس هنا يتكلّم على بعض المسيحيين ولا سيما القادة. في التاريخ المسيحيّ كل من قام باضطهاد يُعذّب القادة أعني الأساقفة والكهنة لاعتقاد أعدائنا أن مَن قتَل القادةَ إنما يُبيد الكنيسة، وهذا غير صحيح لأن الكنيسة بقيت حيّة بالرغم من قمع الرؤساء الروحيين وسجنهم أو قتلهم.

ثم يُوصي الرسول تلميذَه بأن يستمرّ على استقامة الرأي التي استمدّها من العائلة اذ يقول: «منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة». العبارة «الكتب المقدسة» تعني العهد القديم لأن الأناجيل لم تكن كُتبت بعد، ولا يشير بولس الى رسائله لأنها لم تكن قد عُدّتْ كتُبًا مقدّسة بعد.

ويُنهي صاحب الرسالة هذا المقطع برجائه أن يصير تيموثاوس حكيمًا للخلاص. والحكمة -يقول الكاتب- تأتي من «الإيمان بالمسيح يسوع» والمسيح هو حكمة الله وقوة الله (1كورنثوس 1: 25). المسؤول عن الإنجيل في الكنيسة يأخذ ممّن سبقه التعليم والقدوة. لا نكتفي بمدرسة اللاهوت لنتعلّم الإيمان إذ نحتاج الى قدوة المعلّمين وطهارة سيرتهم.

الأمر الثاني في اختيار تلاميذ اللاهوت أن الأفضل أن ننتقي الذي يعرف الكتب المقدسة قبل أن يدخل المعهد، وأن يكون مستعدّا لقبول العذاب من اجل المسيح وأحيانا يجيئه العذاب من أعضاء الكنيسة أنفسهم. وإصرار بولس على التعليم يجعلنا حريصين على أن يكون الكاهن مثقّفًا لاهوتيا وطاهر السيرة معًا. الطهارة وحدها لا تكفي، والعلم وحده لا يكفي. ينبغي أن يكون المسؤول في الكنيسة على صورة تيموثاوس. حيوية الكنيسة تأتي، الى حد كبير، من المسؤول الأول والذين يوجّههم.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

هيكل الله/ الأحد 29 كانون الثاني 2012 / العدد 5

بعد أن فصل بولس بين المؤمن وغير المؤمن في الرسالة الثانية الى أهل كورنثوس، وصل الى القول: «انتم هيكلُ الله الحيّ» مشيرًا الى أن الله لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيدي، والى تخطّي هيكل اورشليم. يؤسس هيكلية المسيحيين الحيّة على وعد من العهد القديم: «سأَسكُن فيهم (اي في الشعب المختار) وأَسيرُ بينهم وأَكون لهم إلهًا وهُم يكونون لي شعبًا». هنا لا يقول ان كل فرد مسيحيّ هيكل الله ولكن الكنيسة، مرتبطة افرادها بالنعمة، هي هيكل الله.

كلام بولس مأخوذ من سِفْر اللاويين: «وأَسيرُ بينكم وأكون لكم إلهًا وانتم تكونون لي شعبًا» (26: 12). وكذلك هذا الكلام مستند الى حزقيال: «ويكون مسكني فوقهم وأَكون لهم إلها ويكونون لي شعبا» (37: 27). يستنتج بولس من هذا أن اخرُجوا مِن بينهم (اي من بين الوثنيين) واعتزِلوا. ليس القصد من هذا التقوقع الاجتماعيّ وتأليف طائفة معادية للوثنيين، ولكن المقصود أن تنفصلوا عن نجاستهم، وإذا أَدركتم هذه النقاوة تكونون لي بنين وبنات. فكرةُ أنّ الله أبٌ موجودة قليلا في العهد القديم. ثبّتها يسوع وتُوضحُها الصلاة التي علّمَنا إياها «أبانا الذي في السموات».

موعد أن نكون بنين وبنات للرب مشروط بأن «نُطهّر أنفسنا من كل أدناس الجسد والروح». غالبًا ما يريد بدنس الجسد الشراهة والسُكر والعلاقات الجنسية خارج الزواج. أدناس الروح تتضمن كل الشهوات المؤذية التي لا علاقة لها بالجسد (الكذب، البغض، الأحقاد، الخبث وكل ما يصدر عن النفس ويؤذي الآخرين).

وإذا عملتم هذا فهذه هي القداسة مقرونة بخوف الله. يطلب الرسول أن نكون قدّيسين كما أن الله قدوس، منزّهين عن كل شر أو شبه شر.

كلمة «قديسين» لم تكن في الزمن الرسوليّ تدلّ على الذين صاروا في السماء وطوّبتهم الكنيسة. إنها تدلّ على كل المعمّدين الذين رجا بولس ألاّ يُخطئوا بعد المعمودية لأنها عهد مع الله وارتباط به جدّيّ.

تتميّزون أنتم بنوعية الحياة الجديدة. انتم في سلوككم تُصبحون على مثال الله وإن كان لا مفرّ من الهفوات. النقاوة الكاملة قبل حلول الملكوت هي شيء نرجوه ونعمل له، ولكن ليس من إنسان لا يخطئ. مع هذا يُصرّ بولس على أننا بتنا خلائق جديدة وأننا بالمعمودية قائمون مع المسيح الآن وليس غدًا. عند بولس حياتنا السماوية تبدأ هنا، وليس من ثُنائية بين سلوك أرضيّ وسلوك في الملكوت. «ملكوت الله في داخلكم». ليس عندنا من تفريق بين الحياة الدنيا والحياة المُقبلة علينا بعد الموت. كل وجودنا مملوء بالمسيح منذ اليوم. حُبّنا للمسيح يُنزل علينا حبّه لنا. وهكذا نكون معًا هيكل الله الحيّ.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

تيموثاوس / الأحد 22 كانون الثاني 2012/ العدد 4

تيموثاوس هو الابن الروحي لبولس ومندوبه الى أفسس ليخدم فيها. كتب اليه هذه الرسالة الأولى من مقدونية، وفي سجنه الأخير كتب اليه رسالته الثانية. يمكن اعتبار تيموثاوس أُسقفًا على أفسس، والرسول مُشرف على الأسقف في المنطقة التي وضعه فيها. بهذه الصفة الأبوية أخذ بولس ينصح تلميذه فيقول له: «لا يستهن أحد بفتوّتك» إذ كان المؤمنون يوقّرون، بخاصة، الرئيس الروحي اذا كان شيخًا، والكهنة سُمّوا شيوخًا في العهد الجديد. ثم يطلب أن يتحلّى ببعض الفضائل مثالا للفضائل كلها.

يذكُر «الكلام» أولاً اي الكلام اللائق العفيف، وغالبًا ما أراد ايضًا ان يكون تيموثاوس نموذجًا في حُسن الوعظ، وهذا ما سوف يذكُره بعد قليل.

ثم يذكُر التصرّف اي الأخلاق الحسنة. بعضها كلام، وبعضها سلوك، فلا تُعثر أحدًا بسلوك مُخلّ. العفّة، الصدق، الاستقامة جزء من هذا السلوك، والذروة هي المحبة، وعنها جاء قبل هذه الرسالة نشيد في الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس (الإصحاح 13).

ليس عنده هنا ترتيب للفضائل اذ يذكر الإيمان بعد المحبة وهو مُنشئها. بعد هذه اللائحة يقول: «واظب على القراءة». يريد بذلك قراءة العهد القديم وما كتبه هو من رسائل إذ لم يكن الإنجيل قد دُوّن بعد. ثم يُلحّ عليه أن يعظ وأن يُعلّم. الوعظ هو في الخدمة الإلهية ولا سيما القداس. أمّا التعليم فليس له إطار مُعيّن. هو أمثولات منظّمة، متتابعة.

«لا تُهمل الموهبة التي أُوتيتَها بنبوّة بوضع أيديِ الكهنة». النبوّة تعني هنا أن احدًا لا يأخذ كرامة الكهنوت إلا بوحيٍ من الروح القدس. إن احدًا في الكنيسة يعبّر عن وحي الروح. وضع الأيدي هو الرسامة. في وقت قريب من هذه الرسالة نرى الجماعة كلها تنتخب الأساقفة والشمامسة. غالبًا أن بولس هو الذي رسم تيموثاوس بمشاركة كهنة أفسس.

بعد هذا الكلام، يجعل بولس هذه الفضائل رزمةً واحدةً ليكون تقدّم تيموثاوس ظاهرًا في كل شيء (ليضيء نورُكم قدّام الناس). ويطلب الرسول العظيم ان يعكف تلميذُه على هذه المواهب ولا يُهمل واحدة منها، وكأنه يقول إن لم تتزين بالفضائل كيف يمكن أن تستمرّ في الأسقفية، فهذه تكليف إلهيّ. كيف تستجيب لهذا التكليف إن كنتَ شاغرًا من الإحسان الإلهي؟ ماذا تعطي للرعية والناس إن لم يكن الرب ساكنًا فيك بالروح القدس؟

أيّ منّا له الحق أن يُذكّر كل عضو له رتبة إكليريكية بالواجب الذي يطلبه الله منه «حتّى لا يُجدّف على اسم الله بسببكم».

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الأخلاق عند بولس/ الأحد 15 كانون الثاني 2012 / العدد 3

بدء هذا الفصل «متى ظَهرَ المسيحُ حياتُنا» يدلّ على المجيء الثاني. ينتج من هذا أنكم أنتم أيضًا تظهرون معه في المجد بعد قيامتكم من بين الأموات. المجد هو أن تسكن فيكم قوى الله غير المخلوق، القوى الأزلية التي تسطع من جوهره. ولن تصيروا إلى المجد إلا بإماتة «أعضائكم التي على الأرض». هذه عبارة من بولس يريد بها أن الخطايا هي كأنها جسم داخل أجسادكم. يشبّه الرسول الخطايا في مجموعتها إلى كيان غريب متّصل بعضه ببعض.

بعد هذا الكلام يذكر بعض الخطايا، بعضها متعلق بالجسد أو يُرتكب في الجسد، وبعضها قائم في كل الكيان البشريّ مثل ما يُسمّيه «الشهوة الرديئة». ولكنه يُخصّص مكانةً للطمع بالمال أو بأي شيء يملكه الإنسان مثل حب السلطة، ويشبّه الطمع بعبادة وثن.

ويذكر أن هذه الخطايا ينزل على أصحابها غضبُ الله، ويؤكّد أنهم بعد أن تركوا عبادة الأصنام تركوا أيضًا المعاصي التي تسوق اليها عبادة الوثن. ثم يرى أن لائحة الخطايا التي ذكرها يجب أن تكمل فذكر الغضب والسخط…الخ. وينتهي بذكر الكذب وقليل ذكره في الكتاب بعد أن قال الرب: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا»، لأن ما في القلب يجب أن يكون على اللسان، وليس عندنا نحن المسيحيين ازدواج أو فصام في الشخصية. لذلك كان الصدق قاعدةً عندنا أساسية.

هذه الخطايا وغيرها اذا أصابت الإنسان يبقى الإنسان العتيق كما كان قبل المعمودية. ثم إزاء هذا الإنسان العتيق الإنسان الجديد، وقد استعمل الرسول هذا المعنى بقوله: «أنتم الذين (أو يا جميع الذين) بالمسيح اعتمدتم المسيحَ لبستم». هنا الإنسان يتجدد للمعرفة ويعني بها معرفة الله، المعرفة الحميميّة التي تجعل تداخلا بينك وبين الخالق بواسطة المسيح.

وبسبب من الاختلاط في كولوسي بين التيّارات الدينية المتأثرة بعضها باليهودية، وبسبب ما سمّاه الرسول الفلسفة، رأى أن يقول لمؤمني كولوسي: «ليس يونانيّ ولا يهوديّ»، وكان الجنس اليهوديّ يبغض اليونانيين والأُمم بعامة ويستعلي عليه. أما عبارة «ختان وقلف» فتعني الشيء نفسه. ما يدلّ على الوثنيّ في العقل اليونانيّ أنه غير مختتن، وفي المسيحية لم نبق متعلّقين بهذا، وليس عندنا فرق بين المختون وغير المختون. كذلك «البربريّ» اذا آمن فله الكرامة التي كان يعتدّ بها اليوناني. «الإسكيئثيّ»، وهو من شعب كان ساكنا في شرقيّ أوروبا، وهذا يدخل الخلاص كالشعوب كافة. كذلك لم يبقَ من فرق بين «العبد والحُرّ». فمع أن العبودية في عصر بولس كانت باقية في الشرع الروماني، الا أنها ليست دونيّة. والعبد كالحُرّ يشترك في الخلاص. قبل إلغاء العبودية في التشريع المدنيّ كان للعبد في الكنيسة الكرامة التي كانت للحُّر. المهم أن «المسيح هو كل شيء وفي الجميع». لا فرق عنده بين الأجناس والأوضاع الاجتماعية والطبقات. الوحدة أعطاها السيّد بالخلاص الذي أتمّه بموته وقيامته.

Continue reading