Category

2009

2009, مقالات, نشرة رعيتي

الصليب/ الاحد 22 آذار 2009 / العدد 12

هذا الأحد رتّبته الكنيسة لنسجد للصليب، والمعنى أن نسجد للمصلوب اذ اختبرت ان بعضا من المؤمنين اذا أدركوا منتصف الصيام يتعبون من الجهاد او يملّونه ويتضجّرون.

لهـذا، يـحمل الكاهـن الصليـب على صيـنيّة محاطـًا بـالريـاحيـن إن وُجـِدت او بـالزهور، ويـضع حـوله ثـلاث شمـوع تـرمز الى الثـالوث المقدّس اذ فداء المسيـح، وان قـام بـه السيـّد في جـسده، الا انـه مشيـئـة الآب والروح القـدس ايـضًا. واذا جـاء المـؤمـن للتـبـرّك بـعد المجـدلة الكبـرى، يـقبّل الصليـب، ويـعطيـه الكـاهـن زهـرة ليـوحـي اليـه انـه بالصليب قد أتى الفرح لكلّ العالم.

وفي القداس نقرأ من مرقس القطعة التي نستهلّها بقول الرب: “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. المفروض ان كلّ من اقتبل المعمودية يريد ان يتبع السيّد، ولكنّه قد يملّ احيانا او يتراجع عن الجهاد ولا يعاشر المسيح ولا يضعه في قلبه. اذًا هنــاك ارادة متــجـدّدة لاتّـبـاع الـمعـلـّم تساعدها فينا الصلاة وقراءة الكلمة والعمل الصالح.

السيـر وراء يـسوع يـتطلّب منّا أن نـكفر بالنفس اي أن نـبتعد عن كبريـائها وعن التصوّر أننا مركز الوجود. السير وراء المسيح يعني التخلّي عن الرذائل والتـحرّر من العيـوب، وهذا سمّاه يسوع صليبًا لأنه مُتعب كالصليب. ثم يقول: “ويـتبـعني”. الى أين تـوصل طريـق الجهاد؟ الى الجـلجـلة. حيـث نتّحد مع الرب المصلوب.

ثم يقول السيّد: “من أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها” بمعنى أنه يفرض على ذاته التعب في اكتساب الفضائل.

أخيرًا يقول السيّد هذا القول العظيم: “ماذا يـنفع الانـسان لو ربـح العالم كلّه وخسر نفسه؟”. اذا جـمع اموالا طائـلة ومنـازل فخمة او صار ذا نفوذ كبـير ومعبود الجماهير، والمسيح ليـس في قـلبه، ماذا يـنـتـفع؟ ويـوضح السيـّد هـذا الكلام بـقوله: “ماذا يـعطي الإنسان فداءً عن نـفسه؟”.

كل عـظمة الأرض ومجدها لا تساوي ذرة من حيـاتـك في المسيح. واذا خـسرت كلّ مجد الدنيا ومـالك، ومات ذووك وأصدقاؤك، وبقيت صديقًا للمسيح، فأنت ملك.

أن تكون مع المسيح هو الّا تستحي به وبكلامه، أن تتبنّى الإنجيل في كلّ ما يقوله، ان تحاول ان تستوحي كلّ سلوكك من الإنجيل، ان تلتصق بكنيسة المسيح. وقد أعطينا خصيصًا موسم الصيام ليقوى عندنا هذا الالتصاق بيسوع.

فاذا تشدّدنا اليوم بالصليب، نكمل المسيرة الى الأسبوع العظيم حيث نلتقي ببهاء المصلوب وقوّة قيامته.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء يسوع لمفلوج / الأحد 15 آذار 2009 / العدد 11

كفرناحوم في الجليل هي المدينة التي اختار السيّد السكنى فيها بعد ان ترك الناصرة. مرّة كان مجتمعًا الى التلاميذ وأحبائه في أحد البيوت. البيوت الفلسطينيّة طبعًا معظمها صغير، واكتظّ الناس الذين كانوا حول المعلّم. “كان يخاطبهم بالكلمة”. ما عدا صنع العجائب، هذا ما كان الربّ يفعله اذا واجه جمهورا.

كان المسيح يستند الى العهد القديم الذي كان الناس يعرفونه ليصل الى رسالته هو.

أثناء جلوسه في هذا البيت أتى اليه أربعة رجال يحملون مخلّعًا اي مفلوجًا، ولما رأوا أنّهم لم يقدروا أن يصلوا إليه نقبوا السقف الذي كان مبنيًا كسقوف بعض البيوت اللبنانيّة في الجبل. السقف قائم من تراب مرصوص على خشبات متوازية.

غاية النقب ان يُدَلّوا المريض المستلقي على سرير الى الموضع الذي كان يسوع جالسًا فيه.

هـم كانـوا يـنـتظرون أن يشفيه الرب توّا منذ بدء اللقاء، غير أنّه قال: “يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك”. اعتبر بعض القائمين هناك أنّ هذا تجديف بمعنى أنّ هذا الرجل يجعل نفسه إلهًا. وتعجّبهم كان في محلّه لأنه لا نبيّ في هذه الأمة ولا معلّم للشريعة كان يغفر الخطايا او يُعلن لإنسان أنّ خطاياه مغفورة.

ردّ يسوع على موقفهم بقوله: “ما الأيسر، أن يـُقال مفغورة لك خـطاياك، أم أن يُقال قمْ واحملْ سريرك وامشِ”. الفـكرة أنّكـم رأيـتم أنتم مرارًا أنّـي اصنع عجائب وأُقيـم المفلوج وغير المفلوج من مرضه، ولكنّ إعلاني الغفران لهذا المريـض شيء جديـد ولا تعرفونه في تراثكم.

ولكي تتأكّدوا صحّة ما قلتُه في الغفران اسمعوا هذا: “إن ابن البشر له سلطان على الأرض أن يغفر الخطايا”. كأنّه يقول أنا ابن البشر الذي تحدّث عنه دانيال. أغفر لأني جئت من الله وأشفي وقد رأيتم هذا، وهذه القوة تأتيني من فوق.

بعد أن قال يسوع للمريض: “قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك” قام فورًا. وخرج المفلوج.

هل نحن نفتش عن يسوع كما فتّش عنه الذيـن كانـوا حاملي المخلّع. هل نـُزيل الحواجز التي تـمنعنا من الاتـصال به كما فعلوا لمّا نـقبوا السقف؟

عنـدما نـكون في الخطيـئة نـسعى إليـه، واذا كنـا في البِـرّ نـسعى إليـه أكثر. ذلـك أن حياتـنا من يـسوع وفي يسوع. واذا ذهبـنا عنـه نضيـّع الوقـت والجـهود. شرط ذهابـنا اليـه أن نـؤمن أنّ الخطيئة فالج اي أنّها تُعرقل سيرنا الى السيّد.

عندما نرى أنفسنا على صدره كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري نعرف أنّ لنا طمأنينة وسلامًا به.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم / الاحد 8 آذار 2009 / العدد 10

لقد نزلت علينا بركات الصوم الذي نرجو أن نتقدّس فيه استعدادًا للفصح المبارك. سنسلك سلوك تقشّف وتعفّف نسيطر بهما على الشهوة ونتنقّى لمتابعة صلوات هذه الفترة الطيّبة التي ألِفَ المؤمنون فيها أن يشتركوا بصلاة النوم الكبرى والقداس السابق تقديسه ما خلا الآحاد التي نقيم فيها قداس باسيليوس الكبير حتى يحلّ علينا الأسبوع العظيم الذي ترتفع فيه تقوانا خدمةً بعد خدمة ولا سيّما في الأيام الثلاثة الأخيرة.

منهج صيامنا من جهة الطعام أنّنا نُمسك عن اللحم ومشتقاته (الألبان والأجبان)، وقد سمحت الكنيسة لقلّة النبات في بعض البلدان الأرثوذكسيّة بأكل ثمار البحر ما عدا السمك. في القديم كنّا نأكل وجبة واحدة من الطعام. اما الآن فرأفةً بالمؤمنين نتناول طعام الغداء وقليلًا من طعام العشاء بعد حضورنا صلاة النوم الكبرى. يبقى على المؤمن إذا لم يشترك فيها أن يتلو صلاته قبل النوم.

روح الصيام ألّا نتعاطى اللّهو ونتحاشى مشاهد في وسائل الإعلام غير لائقة ومؤذية لطهارة العين والأذن وأن نسهر بنوع خاص على نقاوة أولادنا.

لقد أوضحت القوانين الكنسيّة أنّ المريض معفيّ من الصيام. هو يعرف ما يؤذيه والأفضل أن يشاور بذلك أباه الروحي.

ولقد وضعت الكنيسة القداس السابق تقديسه يومَي الأربعاء والجمعة والأيام الأولى مِنَ الأسبوع العظيم المقدس حتى يتناول المؤمنون فيه بين أحد وأحد. وهكذا نصوم مع الصائمين ونصلّي معهم لنسير معًا الى قيامة الرب ونحن مهذّبون بتهذيبه. أنت تأكل وتصلّي كما تشاء الكنيسة المقدّسة أن تفعل.

الجانب الآخر من زمن الصوم أن تقوم بالإحسان حسب استطاعتك ولا يبقى المحتاجون من إخوتك بدون رحمتك. هكذا نعضد بعضنا بعضًا بمحبة المسيح لنا لنستحق أن ننتصب معًا، أمام الرب القائم من الموت.

الصوم، إن لم تعشه بكل جوانبه وكل معانيه واكتفيت بعدم الزفر، يكون مجرّد حمية ولا ينفعك روحيًا. نحن لسنا نطبّب أنفسنا جسديًا ولو كان الإمساك نافعًا صحيًا. نحن نرمّم النفس إذا شاخت بالخطايا. نطهّر الروح من كل أدرانها ونتدرّب على الفضيلة ونكتسب بالصلوات المختلفة مواهب من الله وتحسّنًا يبقى معنا ونجمع حواسنا وأفكارنا الى المسيح. واذا عرفت نفسك صائمًا اي مكرَّسًا للسيّد وهاجمك روح الشرّ، تتذكّر أنّك صائم وغالبًا ما تمنع نفسك عن الشرّ. فكما يتروّض الجسد بالتمارين، تتروّض النفس بالعفّة التي يقدّمها لك الصوم وتميل الى العفّة.

هناك فترة من السنة نقضيها حلوة بصداقة يسوع ونستحلي الرجوع إليها، وكثيرون يتمنّون عند الفصح أن يستمرّ هذا الزمان. في كنيستنا الرهبان يصومون كلّ حياتهم عن اللحم. وهذا معروف في معظم أديرة الأبرشيّة. هم في رياضة روحيّة دائمة حتى لا تسيطر عليهم الشهوات ويظلّوا ملتصقين بالمسيح.

ألا متّعَنا الله بهذه البركات حتى نستعيد شبابنا الروحي.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن الزارع/ الأحد 22 شباط 2009 / العدد 8

 “خرج الزارع ليزرع”. كل ما يعرفه الكاهن عن عمله انه يزرع. احيانا يرى الحصاد في نفس هذا وذاك. ولكن الحصاد في الرعية رؤيته صعبة. لا يوجد حصاد جماعي إلا في اليوم الأخير حتى تَصْدُق الكلمة: “واحد يزرع وآخر يحصد” (يوحنا 37:4). الحقيقة ان المسيح هو الحصّاد الكبير ونحن نعمل له. صاحب الصناعة وحده يعرف نتيجة عمله لأنه ملموس. الطبيب كذلك. اما الشاعر فلا يعرف شيئا لأن عمله غير ملموس. كذلك الكاهن الذي قبِل أن يأخذه الكهنوت. انه يعمل ولا يعرف أنه يغيّر الناس. وفي افضل الأحوال الملموسات قليلة جدا. تعزية الكاهن في السماء وانه هنا فقط يزرع.

انه يُسلم رعيته الى المسيح الذي يرعاها من فوق. ان سقوطنا الكبير يدلّ على ان السيّد وحده هو الراعي الصالح. غير انه هو القائل لتلاميذه: “اذهبوا وتلمذوا” اي اذا قبلتم الذهاب (او العمل) جعلتُكم انا قادرين ان تجعلوا لي تلاميذ. هم ليسوا تلاميذ عندكم. انهم لي. افرحوا ليس لأن بعض الناس يجتمعون حولكم، ولكن افرحوا اذا استطعتم ان تجعلوهم حولي فالكلمة ليـست لكـم. هـي لي. واذا قـدرتـم ان تُخْلصوا لي، اي أن تصبح كلمتكم هي اياها كلمتي، تكونون عندئذ زارعين اذ ان الزرع هو انا.

اذكروا انكم لا تزرعون الا اذا كان الزرع بين أيديكم وودعتموه في الأرض. يمكن ان تكونوا عظماء في المعرفة وتبقى فيكم كما يكون الحَب عند الفلاّح ولا يأخذه الى الحقل. العارف يحتاج الى المحبة. هي التي تزرع وترمي الحبوب في أرض متقبلة. واذا لم يعمل الراعي شيئا وطلع حصاد، يكون الرب نفسه هو الزارع والحاصد، والراعي الأرضي يُدان.

هل انت، ايها الكاهن، زارع كبير؟ كل عمل تقوم به جيدا مثل خدمة إلهيّة متقنة هي زرع. قداس تقيمه بخشوع، بلفظ جيد، بانخطاف الى الله ينزل في القلوب. هذا زرع. كل صلاة غير “مسلوقة” زرع. الصلاة “المسلوقة” تدمير للمؤمنين. كل غضب على المؤمنين وإهمال لسماعهم اذا جاؤوك دمار. مرات تزرع، ومرات تبيد الزرع. ولكن خارج كل خدمة إلهيّة سلوكك الطاهر، الوديع، الذي لا عشق فيه للمال زرع جيد. إذا رأيت نفسًا متقبّلة لعطائك ولم تلبّها، فأنت متلف للزرع. المشكلة انك لا تستطيع ان تنسحب من الخدمة. “انت كاهن الى الأبد”. اذا دُعي شاب الى خدمة العَلَم، لا يستطيع أن يهرب. عليه ان يتعلّم الحرب. رسموك وربما لم تكن مستحقا، او بعد أن كنت مستحقا سقطتَ. لا تستطيع ان تهرب. تنمو من النقطة التي وصلت اليها. تُقوّم ما اعوجّ فيك. تحصل على ما كنت فاقده. تستعيد ما خسرته بسقطات متراكمة. الله وَضَع الرجاء لكي يخلّص كل انسان. لا تضيّع الفرصة لخلاصك لئلا تدان بشدة. فهناك خطايا الارتكاب الفعلي، وهناك خطايا الغفلة. إن غفلت ما كان عليك ان تقوم به فتُحاسَب كما لو انك ارتكبت. اقرأ انجيلك كل يوم. واذا آمنت بواحد من زملائك وعَرفتَ انه أفضل منك، فاذهب اليه واكشف له ضعفك فيعضدك ويحافظ عليك فتصير أحسن وتزرع من جديد. ولا مانع ان تكشف نفسك لرجل تقيّ وفهيم وناضج من رعيّتك او غيرها فتحصل لك قيامة كأنها معمودية جديدة.

لا حدود لحجم الزرع ولا حدود لخصب الأرض. معنى ذلك ان الجهاد مطلوب منك باستمرار. وتبقى غير شاهد للحصاد. تتعزى بالزرع لا بالحصاد لأن هذا سيُعرف في اليوم الأخير. سلّم نفسك ليسوع لتصير انسانا جديدا.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

ثقافة الواعظ / الأحد 15 شباط 2009 / العدد 7

كتّاب كبار لم يدخلوا جامعات، فاذا قضت ظروف الرعاية ان نرسم كاهنا متوسّط العلم فلا بد له ان يجدّ ليزيد معارفه خارج اللاهوت ايضا، اذ لا بد من المعارف ليتكلّم انسان، وربما لا بدّ من الاطلاع على الفنون على أنواعها وتهذيب النفس بالموسيقى العالية. فاللغة ذوق يأتي من مصادر مختلفة، والمعلومات الإنجيليّة تـسندها علـوم. على سبيل المثال اذا قال الكاهن ان يسوع “كان لا بـدّ له ان يـجتـاز السامرة” يجب ان يعرف جغرافية فلسطين، واذا تحدّث عن “بيلاطس البنطي الوالي” لا بد له ان يعرف ان الرومان احتلّوا فلسطين قبل الميلاد، وانه كان له تنظيم سياسي- إداري فيها.

الى هذا تثقيف العقل ورهافة الإحساس من شأنهما ان يلطفا التعبير عند الواعظ وان يدخلا المعاني الإنجيليّة من مختلف الحضارات، ولكنه قد يحتاج اليها احيانا دون ان يثقل العظة بما هو خارج عن الكتاب المقدّس. ذكرنا في ما مضى انه لا بد من معرفة العربيّة الفصحى يستعملها احيانا ويهملها احيانا حسب الظرف وحسب السامعين. وهذا يتطلّب معرفة علوم اللغة العربـيّة.

لا يجوز ان يتكلّم المتعلّمون على الواعظ لجهله قواعد اللغة.

الى هذا، الكاهن انسان في حاجة الى فرح يأتي من المعرفة والى فرح يُعطاه بالعطاء، بالحديث في مجالس الناس، بالموآنسة. مؤذٍ مظهر كاهن صامت في كل المجالس. انه تُطلب الحكمة من فمه. الأخرس لا يعطي شيئا.

الى هذا ايضا لا بد للكاهن ان يطالع جريدة يوميّة عالية المستوى ليعرف ما في البلد وفي العالم. لا يعني هذا ان يُدخل السياسة في العظة. هذا ليس شغله. ولكنه ابو المظلوم والفقير والمريض، وأوضاعهم تستصرخ ضميره، واحيانا يجب ان يذكر عذابهم. المهم الا يتحيّز لفريق او لزعيم حتى في مجالسه الخاصة الضيّقة لأن الرعية فيها اختلافات. لا ينبغي ان يُبعد احدًا عنه بسبب السياسة، ولكن اذا رأى ان كلامه يصل الى السلطات او النافذين، فالكلام عن رفع القهر عن المقهورين، الدفاع عن الإنسان واجب علينا، ولكن الانفعال السياسي ليس من شأننا، والنضال السياسي ليس من شأننا.

من الثقافة الا يكون الخطيب الديني غضوبا لأن الغضوب يتدحرج لسانه حتى أذى الرعية وشتمها. نحن نلوم ونوبّخ احيانا ولكن بمحبّة كثيرة. الغضوب انسان لا يرتاح الى الكلمة ودسمها. اما اذا شبع منها حقا، فلا يحتاج الى ما هو غيرها، والغضب ليس الكلمة.

الكاهن ليس فقط في خدمة الشعب. هو غذاء الشعب. بشخصه. بقامته الروحيّة. بحنانه. يساعد على هذا الثقافة. كلما علت يزيد عطاؤه.

اجل واجب المرء ان يستثمر الوزنات التي الله واهبه.

غير ان هذا لا يعفيه من واجب التحصيل. هذا ايضا وزنة من الرب. فكما يسهر على ترويض جسده خوفا من المرض والموت، ترويض عقله ونفسه واجب لينمو ذهنه وتتجلّى نفسه ويزداد عطاؤه. هذا خدمة لنفسه وللآخرين معا. عندما فتح الله أذهان العلماء كان يفكّر بـالخـدمة التـي يـقدّمونـها. اغـرف مـن عطائهـم في سبـيل إخوتك. انت مسؤول عن كل الناس الذين يحيطون بك لأننا نبني بعضُنا بعضا لنصير جسدا واحدا للمسيح.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الموعظة: سكبها ومضمونها / الأحد 8 شباط 2009 / العدد 6

الموعظة موجّهة الى رعيّة الراعي الذي يعرفها ويعرف أمراضها الروحيّة وسيئاتها، ولذلك تختلف من هذه الزاوية عن تلك التي تُلقى في رعيّة أخرى. في حالات خاصة مثل مشاركة مطران او كاهن غريب، لا شيء يمنع أن يُفوّضا بالوعظ. يتجنّبان عند ذاك الأمور الخاصة، ويبسطون كلمة الله بمعناها العام.

لا بد من مدخل او تمهيد كأن يقول الخطيب: نقيم اليوم عيد القديس الفلاني، او أصاب أكثر الناس وباء، او حلّت بهذه المدينة هذه الحالة التي تعرفون. هذه طريقة. طريقة اخرى ان يضع الواعظ النص الإنجيلي في سياقه التاريخي فيبيّن كيف جاء ولماذا جاء. واخيرا يختم ولا يبقى متحيرًا ولا يجتر الكلام. واذا رأى الخطيب ذلك مناسبا، يختصر بسرعة الفحوى الذي شرحه، وهو يعي ان الخطاب بناء اي تقوم فيه أجزاء على أجزاء وتؤلف هذه معا عمارة واحدة متراصّة حجارتها، مترابطة المعاني.

حتى تتلاحم الأجزاء يمكن ان تتضمن العظة نقطتـين او ثلاثـا. امـا اذا لم يكـن عند الخطـيب الا نقطـة واحدة فيمكن ابراز جهة او جهتين منها.

هذا كان الشكل. اما المضمون فقلنا انه الإنجيل بمعنى ان الكاهن الذي لا يعرف جيدا العهد الجديد والخطوط العريضة في العهد القديم لا ينبغي عليه ان يعظ، لأنه في فراغ عقله من العهد الجديد يأتي الرعية بمفاهيمه هو التي كثيرا ما تكون تافهة او عادية جدا، ونحن ما جئنا لنعرف آراءه في الحياة او السياسة، ولكنا جئنا نتعلّم كلمة الله. لعل اهم فضيلة في الكاهن ان يعرف حدوده.

لمّا كنتُ خادما للميناء، كان ينزل عندي مرتين او ثلاثا من أبرشية اخرى كاهن عنده اسباب لحضوره في رعيتي. وقال لي: “عندي كتاب عن الكهنوت اقرأ فيه كل ليلة فصلا قبل النوم، ثم أقول لنفسي عندما أضع رأسي على الوسادة: يا فلان ما كان إلك حق تصير كاهن”.

ولكن اذا أدرك الكاهن انه لم يكن مستحقا، ينبغي ان يجعل نفسه مستحقا من بعد الرسامة اذ يمكنه ان يدرس ويعلّم، وخوفًا من الخطأ يكتب ويعرض مواعظه على المطران او كاهن لاهوتيّ ليصحح له الكلمة التي وضعها. اذا قرأ عند بولس: “ويل لي إن لم أبشّر”، ماذا يعمل لينجّي نفسه من الدينونة؟ قداس بلا وعظ شيء غير موجود في الكنيسة الأرثوذكسيّة. هذا لا يقدر ان يشلح، ويحب ان يخدم. ولم يأتِ وقت موته. يبدأ بوعي الثغرات ويسدّها الواحدة تلو الأخرى. والرسول قال ايضًا: “عظ في الوقت المناسب وغير المناسب”. أنت إنسان الكلمة.

الى هذا، يشتري (من معاشه) الكتب الدينيّة التي صارت منتشرة في الكنيسة الأنطاكية ولا ينتظر هدية. يخصص لكل يوم ما لا يقل عن ساعتين للقراءة. عنده ساعات فراغ. يملأ رأسه من المعرفة، وتتلاقى المعارف في عقله ويحبها بقلبه ويحس تدريجيا انه يستضيء. وليطرح اسئلة على الزملاء الذين هم أعمق منه في المعرفة. ليس في هذا حياء. قد يصير هذا الأخ واعظًا كبيرا.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

صناعة الموعظة / الاحد أول شباط 2009 / العدد 5

الكلمات المرتبة، الواضحة فيها صناعة. لا ينبغي ان تتدحرج الكلمات من اللسان ولكن من العقل الذي يحتوي المعاني ثم يستلم اللسان المعاني. هذه حال كل نص. اجل ان تستلهم الله ولكنك تدرس . تمحّص الأفكار المتّصلة بالفكر الإنجيلي اي بالقراءة الانجيلية التي قرئت. وهذا التواصل بين الواعظ والنص الانجيلي تدعمه التهيئة للعظة بحيث يأتي الكاهن الخطيب دارسا مكانة التلاوة الإنجيلية في الإنجيل الذي اقتُطفت منه ويعرف تفسيرها استنادا الى كتب التفسير المتوفّرة لديه بالعربية او باللغات الأجنبيّة اذا كان يتقنها، وعلى الأقل من الكتب التي تفسّر أناجيل الآحاد او الرسائل. وهذه متوفّرة بالعربي.

وقد كُتب في هذه الأبرشية منذ سنوات عديدة تفاسير في رعيتي، وربما أمكننا الاطّلاع على ما نُشر في أبرشيات أخرى.

غير ان هذا لا يعني أن نردّد ما قرأناه هنا وهناك، ولكن ان نستقي منه ونعود الى قول قولنا ويوافـق الجماعة التي نعظها لأن ما يقال في هذه الكنيسة لا يُقال في غيـرها، ومـا يـقال في هذه السنـة لا يـُقال في غـيرها.

واذا سعيت ان تكون بسيطا، هذا لا يعني ان تكون سطحيا لأن المؤمنين في حاجة الى غذاء روحي. ان تكون بسيطا يعني ان تكون واضحا. لا يعني ان تكون تافها.

انت ابذل جهدًا لتفهم. واذا رأيت انك لم تفهم كل المقطع، لا تحاول ان تشرحه كلّه. يمكنك فقط ان تشرح آية او آيتين. وحتى لو فهمت كل الفصل المقروء، قد تروقك آية واحدة اذ تعرف انها مفيدة لرعيتك. تركّز عليها ولا تكرّر كلماتك. ولكن لا تخف أن تردّد ما قلته في سنوات سابقة. دائما ان كنت حيويا محبا للإنجيل تنسال من لسانك كلمات جديدة. خذْ مثل “الابن الشاطر”. يمكن ان تركّز في هذه السنة على الولد الضال، وفي سنة أخرى على الذي لم يضل، وفي سنة ثالثة على الآب الحاضن والحنون. ولكن لا تقدر ان تعظ على هذا النص بعشر طرق الا اذا كنت موهوبا كثيرا. الأسلوب قد يتغيّر. الكلمات يمكن ان تأتي جديدة. ولكن عمق المعنى يأتي واحدًا.

من الأصعب ان يأتي نصّك جامعا بين الإنجيل والرسالة. غير ان هذا يتطلّب منك حذقًا في صناعة الكلمة ومعرفة أعظم. حاول هذا بعض المرات ولكن ليس كثيرا الا اذا كنت دارسا جيّدا للكتاب المقدّس.

حاول ان تستوعب الكلمة الإلهيّة من سِفْر التكوين الى سفر الرؤيا وسجّل على دفترٍ التقارب الذي تجده بين الآيات من العهدين. القراءة المتعمّقة مع قراءة الحواشي إن وُجدت تكون ينبوعا فياضا لوعظك. اذا استطعت ان تحفظ عشرات الآيات او مئات منها تتدحرج على لسانك وتتماسك في عقلك. اعرض موعظتك على الفاهمين اذا كانت مكتوبة او مسجّلة لتتأكّد انك لم تُخطئ في العقيدة. التواضع امام زملائك العارفين هو الذي يجعلك تتقدّم. المهم ان تعطي فكر المسيح وليس فكر الأدباء والشعراء او الفلاسفة.

انـت ابـن الكتــاب والآبـاء القديـسين ومنـهـم الآباء النساك. انت موفد المسيح الى رعيتك ولا علاقة لك بالنصوص الأدبيّة. التزم فكر الرب.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

في آلية الوعظ / الاحد 25 كانون الثاني 2009/ العدد 4

حسب القوانين القديمة، كل خدمة إلهية (سَحَر، غروب، مأتم، إكليل، قداس) يجب ان يكون فيها وعظ او تعليم. ولكن أهم مساحة للوعظ هي القداس الإلهي. بصورة عامة هو مركّز على الإنجيل او الرسالة او كليهما اذا كانا متشابهين او متقاربين في الموضوع. يجوز، استثنائيا، ان يكون على سيرة القديس الذي نعيّد له على ألا تكون العظة مجرد سرد للسيرة ولكنه سرد مرتبط بالإنجيل.

متـى تـُلقى المـوعظة؟ يـقول هـذا وذاك: قـبل منـاولة المؤمنـين لأن المؤمنـين يـكونون قد كثـروا. هذا غـير صحيح لأن العـظة جزء أساسي من خـدمة الكلمة. وبـعد الإنـجيل بـقليل يـبدأ الكلام الجـوهري الذي يـصبّ في المناولة. اذا كانـت هـذه هي القمّة فلا مكان فـيها للوعظ.

ليس عندنا توجيه حول مدة العظة. ولكن، من وجهة عمليّة، وبسبب طول الخدمة الإلهيـة، عشر دقائق او 12 مدة كافية يمكن ان يتكلّم فيها الكاهن على القـراءة التي تُليـت اذا عـرف الكـاهـن ان يتهيـأ للكـلام فلا يتـردد في الكلام ولا يكرّره ولا يُترجم التلاوة الإنجيلية الى اللغة العامية. هناك غذاء روحي يجب ان ينقله.

بأية لغـة نتكلّـم، هل بالفصحى او بالعاميـة؟ المهم ان يفهم المؤمنون على كل مستوياتهم العلميـة. في اختباري الشخصـي، وصلتُ الى هذه القناعـة: لتكـن الموعظـة مزيجـًا من اللغتيـن الفصحى والعاميـة حسب مقتضى الفهم اي حسب ضرورة التبليغ. احيانا الفصحى تصل الى القلـب بصـورة بليغة، واحيانا تصل العامية بصورة اسهل. المهم “الهضم” عند عامـة النـاس الذين هم اكثـر من المثقـفـين.

واذا رأى الكاهن ان معظـم المؤمنين من البسطاء فليكتفِ باللغـة الدارجـة. ولا يتعقد الكاهـن اذا قال احدهم: ابونا لا يعـرف اللغة. نحن لسنا عبيدًا للغـة. نحن خُدّام ليسوع المسيح.

واذا كان الكاهن يرى نفسه غير قادر على الارتجال، فليكتب موعظته ويقرأها. هذا أفضل من ان يتردد ويتباطأ ويتلعثم. لذلك اوصي كل كاهن مبتدئ مهما كان ملمًا باللغة ان يكتب في السنتين الاوليين لرسامته او الثلاث.

وحتى لا يتعب بالإلقاء، فليتنفس بعد كل جملة او جملتين او ثلاث حتى يحافظ على صوته. وهذا يساعده على الا يصرخ. الصوت العالي كثيرًا يحسّ المؤمنون على انه غضب، والغضب يفهمونه توبيخا لهم. افضل توبيخ يكون بصوت هادئ. ولكن اعتقادي ان التوبيخ او اللوم يجب ان يكون نادرا، فلا تقل لهم مثلا لماذا لا تجيئون الى القداس وهم حاضرون. انت لا توبخ الغائبين. كلام التشجيع والحث على التوبة، الكلام الايجابي افضل من الكلام السلبي.

الى هذا فالمفيد أن تتضمّن العظة كلامًا يفهمه الأطفال (باللغة الدارجة طبعًا). واذا كان الأطفال يجتمعون في قاعة الكنيسة قبل القداس او بعده فليكن لهم عظة خاصة بهم (بلا ورقة تكون).

من المفيد جدًا ولا سيما في الكنائس الكبـيـرة ان يـكون أمـام الخـطيـب مـكبّــر لـلصـوت يـؤدي الصوت حسنًا. ولتختبر الناحية التقنية قبل الوقت حتى لا ينزعج الكاهن او الشعب اثناء الأداء.

بعد هذه الملاحظات العملية أرجو أن أوفق الى الكلام الأعمق.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

نحن ومدبّرونا / الأحد 18 كانون الثاني 2009/ العدد 3

 “ليس لنا هنا مدينة باقية بل نطلب الآتية”. هذا هو المعنى عينه الذي ورد في إنجيل يوحنا: “انتم في العالم ولكنكم لا تجيئون من العالم”. هنا نقوم بأعمال الدنيا. لنا مهنة ونتعاطى شؤون الدولة. ولكن هذه لا تطغى على قلوبنا ولا تأسرنا لأن وطننا الحقيقي هو السماء حيث يتجلّى الله بكل بهائه. نحن اذًا حيث يسكن الله.

وهذه الدنيا مرقاة الى الله. اتجاهنا الى مَن كان فوق المرقاة. وكل ما نقوم به في هذا العالم ينبغي أن نستلهم له كلمات الإنجيل. هذا هو “حق الإنجيل” علينا ليفهم الناس اننا، على مثال المسيح، نازلون من فوق.

واستعدادًا لدخولنا الملكوت، يطلب الرسول ان نقوم بالإحسان لكل من احتاج اليه وفي حدود إمكاناتنا ولكن بكرم. ويطلب ايضا ان نقوم بالمؤاساة. فالناس في الضيق او الحزن في حاجة او تعزية ولا ينبغي ان نتركهم وحدهم.

هذا الإخاء وهذا العمل الصالح نعيشهما في الكنيسة. لذلك يقول بولس: “اذكروا مدبّريكم” اي الأسقف والكهنة. وفي الزمن الذي كتبت الرسالة فيه كان يعقوب أخو الرب قد صار أسقفا لأورشليم. ويفترض بولس ان تصرّف الكهنة جيد وان ايمانهم قويّ.

أقل شيء نقوم به الا نفتري على كاهن ولا نتناوله بالثرثرة في مجالسنا فهذا يؤذي من قال شيئا سيئا او كتب شيئا سيئا. الأمر الحلال، اذا خالف الكاهن معتقداتنا او كان جاهلا الخدمة الإلهيّة او خاصم واحدا من أبناء الرعية، الأمر المتروك لنا ان نشكوه الى المطران. واذا خالف المطران شيئا من الشريعة وأهمل الرعية، فيجوز ان يُشكى الى البطريرك الذي يدعو المجمع للنظر بالخلاف.

واذا لمست ان كاهنك صالح وفهيم فاقترب منه. وهذا يسرّ الله اذ يزوّدك بالحكمة ويصحّح مسراك . لا يكفي ان تعترف ولكن وحّد مسارك بمسار أبيك الروحي. رعيتك لها رئيس ولها أعضاء.

لا تتصرف كأنك رئيس، ولا تحزن اذا قاوم الكاهن او المطران رأيك واذا ألحّ على ان كلامه او موقفه يستند الى الإنجيل. لما قال صاحب الرسالة: “اذكروا مدبّريكم”، لا شك انه عنى ذِكْرهم في الصلاة، وقصد ان تتواصلوا معهم، فكاهنك مفروض انه يعطيك المسيح. هو لا يملك شيئا آخر.

غير انه يحسن عليك ان تعينه بالمال ولا سيما اذا عرفت ان راتبه لا يكفي. انت وإخوانك رتّبوا شؤونه المادية ليرتب هو شؤونكم الروحية. لا تقل الكنيسة فيها أوقاف، ولكن قد لا تكون هذه مستغلّة. ما لَكَ وللأوقاف؟ هناك من يتولاها.

انت افتح قلبك وأعطِ ليقبلك الرب في ملكوت محبّته.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

إرشادات بولس/ الأحد 11 كانون الثاني 2009/ العدد 2

قطعته اليوم المأخوذة من الرسالة الى العبرانيين يغلب عليها الطابع الرعائي اذ يقول “اذكروا مرشديكم” اي الكهنة وربما يعقوب أسقف أورشليم اذ إن الرسالة موجّهة من ايطاليا الى المسيحيين في فلسطين. وبعد هذه القطعة، يرفع الذكر الى عبارة “أطيعوا مرشديكم”، وفي نهاية الفصل يقول “سلّموا على جميع مرشديكم”.

لماذا اذكروا مرشديكم؟ لأنهم كلّموكم بكلمة الله. اذًا الكاهن يعلّم حتمًا ولا يكتفي بإقامة الصلاة. لماذا أطيعوا مرشديكم؟ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم. اذًا لم يكن آنذاك كاهن لا يرعى.

لماذا اقتدوا بإيمانهم؟ لأنهم لا يأتون بإيمان يخالف الايمان الرسولي على أساس ان يسوع هو هو أمس واليوم والى مدى الدهر.

ضد التعليم المستقيم يذكر الرسول “تعاليم متنوّعة غريبة”. منذ فجر المسيحية كان للإيمان القويم خصوم. دائما ظهرت هرطقات.

ثم لكون مَن وُجّهت اليهم الرسالة يهود الأصل، أراد صاحب الرسالة الطلب اليهم الا يتعلّقوا بالمسكن اي بهيكل اورشليم الذي كانت تقدّم فيه حيوانات. فاليوم عندنا ذبيحة واحدة، هذه التي قُدّمت على الصليب. وتقديس البشر تم بدم المسيح فقط. “فلنخرج اليه خارج اورشليم” اي خارج اليهوديّة “حاملين عار الصليب” حسب قول الكتاب: “ملعون كلّ من عُلّق على خشبة”.

نـخرج من اورشليـم الحجـرية وتـقاليدها “لأن ليـس لنـا هنـا مديـنة بـاقية بل نـطلب الآتـية” اي تلـك النازلة من السماء، “فنـقرّب بـالمسيح ذبـيحة التسبـيح”.

هذه عبارة أُطلقت في ما بعد على القداس الإلهي. في هذا النص ذبيحة التسبيح تعني اعتراف شفاهنا باسم يسوع. أن نؤمن بالقلب ونعترف باللسان قد يقودنا الى شهادة الدم.

بعد ذلك يشير الكاتب الى ما ينتج عن التسبيح بقوله: “لا تنسَوا الإحسان والمؤاساة، فإن الله يرتضي مثل هذه الذبائح”. هذا ما سُمّي في ما بعد “مذبح الأخ” على لسان القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أمر ان نذهب بعد القداس الى مذبح أفضل الذي هو الفقير.

هذه هي عادة الذين كتبوا الرسائل ولا سيّما بولس ان يبيّنوا أن الإيمان بيسوع يقودنا الى خدمة المحتاجين والمرضى والسجناء كما يقول في التطويبات عند متى ولوقا.

لا ينسى الكاتب مرّة اتصال الكهنوت بالتعليم والوعظ، ففي صلاة الرسامة نقول عن الكاهن انه خادم الكلمة. كاهن لا يعرف ان يتكلّم وان يرعى بالكلمة لم يفكر بقبوله واحد من الرسل. كاهن لا يعرف ان يرعى وان يفتقد المساكين لم يفكّر به أحد من الرسل والآباء الذين جاؤوا من بعدهم.

غير ان الكاهن مع الرعية يقومان معا بخدمة المساكين. أن تتحدث عن محبة المسيح ولا تنفّذها فهذا تـَناقـُض بـين لسانك وعملك. المسيحيـة هي القـلب والعقل واللسان واليد معا. هي كلٌّ متكاملة أجزاؤه لمجد الله وفرح الإخوة.

Continue reading