Category

2008

2008, مقالات, نشرة رعيتي

الكرم/ الأحد 19 تشرين الأول 2008/ العدد 42

رسالة الكرم من أبلغ ما كتبه بولس في الكرم. يستهلّ الحديث بشجب البخل ولكن دون استفاضة مع انه رذيلة كبيرة. يدعو الرسول المؤمنين ان يعطوا بلا تأسّف او اضطرار كما نوى المعطي في قلبه بمعنى ان العطاء ينبغي ان يقترن بالمحبة، بل يذهب بولس الى ان يكون المعطي متهللا.

مكافأة لهذا التهليل يوضح صاحب الرسالة ان الرب «يزيدكم كل نعمة»، ولا يفيد هذا الكلام ان الله يمنحكم خبزا او عيشا راغدا، ولكنه يشمل العطاء الروحي ايضا لأن محبّتكم تخصبها محبة الله لكم فتستطيعون ان تزدادوا في كل عمل صالح. ثم يشير الى كلام جاء في المزامير: «بدَّدَ، أعطى المساكين فبرّه يدوم الى الأبد» (مزمور 112: 9).

لا يقول الكتاب فقط «أعطى المساكين» فهذا موجود عند الكثيرين، ولكنّه يقول: بدّد، اي أعطى كثيرا جدا وربما أعطى كل ما يملك. ثم يصعّد بولس لهجته ويؤكّد ان الرب يرزق الزارع زرعًا وخبزا للقوت…

«ويكثّره، ويزيد غلاتكم». الكثيرون عندهم هذه الخبرة، وهاكم قصة جرت معي أقنعتني بأن ثمة صلة بين المحتاج وربه. جاءني في سنوات الحرب مَن قال لي: انا بحاجة الى ثمانين ألف ليرة -وكانت، آنذاك، مبلغا مهما- لأني اريد ان اشتري صمامًا لقلب زوجتي، وهذا ثمنه. قلت له: ليس عندي هذا المبلغ فغادرني الرجل بعد ان دمع.

بعد قليل ذهبت الى غرفة السكرتاريا في مطرانيّتي لأبلّغ المكتب شيئًا اذ انقطع آنذاك التلفون الداخلي، فرأيت الرجل جالسا عند الباب الخارجي، فسألته ما بالك انت هنا. قال لي اريد مبلغ المال. قلت له سأعطيك إياه. قال لي: انت قلت لي ليس عندك هذا المبلغ. أجبته أنت تركتني منذ خمس دقائق، ومنذ دقيقتين صار المبلغ عندي لأن أحد المؤمنين هاتَفَني قائلا: اني مرسِل اليك ثمانين ألف ليرة اي المبلغ ذاته الذي طلبه الرجل.

عند ذاك قلت في نفسي هذا لا يمكن ان يكون نتيجة الصدفة فإن وجع هذا الرجل صعد الى الله، والله ألهم رجلاً كريمًا بإرسال المبلغ نفسه إليّ. فاذا هو المبلغ ذاته الذي طلبه هذا الرجل مني. لست أعلم، الله يعلم.

ثم يصرّ بولس على الكرم ويقول: تستغنون في كل شيء لكل سخاء خالص (اي خالص لوجه الله وليس للمكابرة) فلا تدّعون شيئًا ولا تستعظمون أنفسكم بل ترفعون شكرا لله الذي ألهمكم العطاء.

اذا أردت ان تربح السماء فإنك تربحها مع المساكين. لا تصعد وحدك الى السماء ولكنك تصعد مع الذين أحببتهم او ساعدتهم.

يرفعك عطاؤك الى الملكوت الذي صرت أنت منه في هذه الدنيا.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

البشارة مسؤوليّتنا أجمعين/ الأحد 12 تشرين الأول 2008/ العدد 41

كل مؤمن شاهد ليسوع وتاليا كاشف الإنجيل لجميع الناس. والرعيّة، مجموعة، هي أيضًا شاهد أولًا بمحبّتها وتماسكها وأن يحتمل كلّ منها أثقال بعض. وكلّ منا شاهد للفرج الآتي من التعاون ومحب للمواهب التي يراها عند إخوته. كل منّا كاسب من تقدم الآخرين بالروح القدس ومسرور لكلّ علاقات القداسة التي يلمسها عند الآخرين. والرعيّة تتكوّن بتعدّد المواهب. عند هذا هي غيرة على كلام الله، وعند الآخرين افتقاد للفقراء، وعند ذاك وعظ، وعندنا جميعا تبشير وصلاة مستمرّة. ونحن نجتمع في الكنيسة لتقوى موهبة كلّ واحد، وهكذا نستضيء كمجموعة ونضيء.

الكاهن عنده مسؤوليّة الخدمة بحيث يشدّد كلّ مؤمن بالمواهب التي أوكلت اليه، فلا يطلب منه موهبة لم يرثها من الروح القدس، ولكنّه يصلّي من اجل كل واحد حتى يسلك الطريق التي رسمها له الله، وكـل الطرق الروحيّة هذه يرسمها المسيح وتقود اليه وهـو القائـل: «انا الطريق والحق والحياة». انت لا تستطيع ان تتقدّم الا على المنـهج الـذي وضعه لك الرب، وكل المناهج تصبّ في السيّد.

الكاهن أمامنا لنصبح جماعة مقدّسة فيها تعدد وفيها اجتماع. ولا يشدّك الكاهن الى نفسه ولكنّه يشدّك الى المسيح.

الكاهن معـلّمك أصلاً لتـصير متـعلّما مثـله وتـشتـرك معه في تـعليم الجـميع. كلّ منّا يطلب اليـه الرب يـسوع سلـوكا جميلا، وكل المسالك تكشف وجـه المسيـح.  فاذا تـوافرت النِعـم في الرعيّـة وصارت هذه تـتّقي الرب، تـصبح شاهـدة للمسيح في المجتمع. ليـس الكاهن وحـده شاهـدًا للمسيح، وقد لا يكون الشاهـد الأول لأن التـقوى ليست محصورة فيه، ولكن مسؤوليـّته الأساسيـّة ان يـفتقد كل مـؤمن ليـقوّيـه ويـسنده ويذكّره بـالخيرات الأبـديّة. الكاهن والرعيـة معًا يـشهدان للرب ليصيـرا على صورة الرب، واذا تـمّ الأمر كذلك اي اذا زرعت الكلمة في أرض خصبة -والزارع هو المسيح- يُستدل على المسيح من الأنوار التي يراها الناس في كل الرعية فيتمكّنون من أن يعرفوا اذا رأوها منتِجة، يعرفون ان هذا الإنتاج انّما يأتي من فوق.

غير ان نمو المواهب في الجماعة المصلّية يتطلّب المطالعة، مطالعة الإنجيل اولا ثم الكتب الروحيّة المتيسّرة وصارت كثيرة. العلم بالمسيح وبتعاليمه يجب ان تصدر عن الجميع. «كونوا مستعدين لمجاوبة كل واحد على ثقة الرجاء التي فيكم» بحيث تستطيعون جميعا بلا استثناء تنوير كل انسان ولا يبقى واحد يقول سوف أسأل الكاهن عن هذه المسألة او تلك. كل الجماعة اذا عرفت تصبح شاهدة حسب قول المزامير: «آمنتُ لذلك تكلّمت». لا تصل المسيحيّة الى أحد بلا كلام. ادرسوا كل حين وايضا اقول ادرسوا، وكنوز المعرفة التي تحصّلونها بالقراءة والندوات الفكريّة بدّدوها على جميع الناس.

يجب ان تتشاوروا ليس فقط في قضايا الأوقاف والتنظيم ولكن في قضايا اللاهوت حتى تصير كل الرعاية إلهيّة الفكر وإلهيّة اللسان ولو على درجات مختلفة. لا يعترف المسيح على رعيةٍ خاليةٍ من فكره، عاجزة عن التعبير. الكلمات المقدسة التي تكونون قد تعلّمتموها إن وصلت الى السامع يمكن ان تنقذه من الخطيئة فينضمّ الى التحرّك الواحد نقيا عالما بما «سُلّم مرّة واحدة الى القديسين».

كلّنا بعضنا مع بعض بفم واحد وقلب واحد يُبرزنا المسيح أبواقًا له فيتبدّد الخطأ وتتبدّد الخطيئة لنكون منذ الآن دعاة للملكوت.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

ظلم وحزن في الكنيسة/ الأحد 5 تشرين الأول 2008 / العدد 40

الكنيسة، الى كونها جسد المسيح، هي ايضا مجتمع بشري ككل المجتمعات الخاطئة والظالمة. فيها تجلّيات يأتي بها المسيح والذين يحبّونه، وكل عضو فيها خاطئ، والخاطئ يظلم ويكره ويعتدي. وهؤلاء المعتدون إخوتنا. وكما ان أخاك الذي من أبيك وأمك لا يفهمك حينا ويبتعد عنك أحيانا او يحيد، وفي بعض الحالات يكرهك، هكذا يكون في المجتمع الكنسي.

غير انك تحزن بنوع خاص اذا اختلفت مع الكاهن او المطران. فقد تطلب شيئًا ولا تُعطاه. فقد تكون على حق او تكون على خطأ. وقد يكون الكاهن متمسّكًا بالقانون، واذا جاء القانون ضد رغباتك او مصالحك واذا منعك من السرقة وهذا واجبه تكرهه، او منعك من إلقاء خطاب وهذا لا يجوز للعلمانيين تحس انك مصدوم، وهذا يحدث في المآتم، ويمنعك لأنه يخشى ان تستعمل كلمات فيها تفجّع او فيها مبالغة او كذب فيصدمك الأمر وتحزن.

وقد يكون صوته ناشزًا او أداؤه الطقوسي غير صحيح فتأسف وهذا جيد، ولكن ان تقرف منه وتشيّع ذلك او تنمّ عليه وتنتقده امام الجميع فهذا خطأ منك وجرح له.

الكاهن الضعيف في الوعظ موجود. ساعده بالملاحظة بينك وبينه ولكن لا تتذمّر علانية فهذا يؤذيه. ومبدئيا الكاهن الصالح يقبل النصيحة اذا أبديتها له شخصيّا، واذا كان محبًا للمال بصورة ساطعة فأصلحه، ولا يمكنك استبعاده عن الكنيسة. وليس عند المطران معمل يفبرك فيه كهنته. واذا توصّلت ان تقنع الرعية بالاستغناء عنه فإلى اين يذهب؟ واذا رحل عنك وعن الرعية ينقل ضعفاته معه.

ربما اضطرت ظروف الرعية ان تتحمله طوال حياته اذ لا بد من القداس والصلوات الأخرى. فاحتمال كاهن قليل المعرفة وقاسي الطباع خير من إبقاء الكنيسة شاغرة. وقد يكون الكاهن الجديد أضعف من القديم.

اما اذا أظهرتَ له الاحترام، ولو كان سيئا، فله ان يصبح أفضل، وله ان يتعلّم وان يصحح أخطاءه، وقد يستغرق هذا وقتا طويلا يتطلّب منك صبرا جميلا. انت عليك بالموجود والشكوى للمطران الذي قد ينجح بإرشاده او لومه او تأنيبه، ولكن قد لا يتغيّر كثيرا اذ تكون عاداته قد تأصلّت فيه ويصدق فيه المثل: «من شبّ على شيء شاب عليه».

غير ان علينا ان نرجو، عملا بوصيّة بولس: «احتمِلوا بعضُكم أثقالَ بعض، وهكذا تمّموا شريعة المسيح». ولا تنسَ ان وداعتك قد تصلحه وشراستك تؤذيه. واذا استطعت ان تجعل معظم الرعية وديعة مع كاهنها، تعطي راعيها حظا اوفر بأن يصير طيّبا، والكنيسة مكان العجائب ومسيحها فيها وهو يصلح الكاهن وأعضاء الرعية.

أظهر لراعيك كل علامات التبجيل. قبّل يده. اهدِه هدايا إن استطعت ذلك من مال او قطعة قماش او علبة حلوى يتحرّك قلبه نحوك. واذا صار قريبًا اليك، تكون قدّمت له فرصة ليصبح كذلك مع الجميع.

كيف نرقى من مجتمع كنسي خاطئ الى مجتمع فاضل؟ هذا قمْ به أنت مع الصالحين من الرعية. والكاهن يتحسّن بكم وتتحسّنون به. كل هذا على الرجاء.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

سرّ الموت/ الأحد 28 أيلول 2008 / العدد 39

لماذا يموت من له عشرون من العمر وآخر له تسعون وما فوق؟ لست أعلم، الله يعلم ثم ما تحديد الموت علميا؟ كل ما نعرفه ان هذا الجسد مختبر خيميائي اذا اختلت وظائفه بحيث لا تتكامل تذهب عن الإنسان روحه، واذا مات الدماغ فلا رجوع الى الحياة.

السؤال الذي يواجه المؤمن هو ان الله يميتنا كما أنّ الله يحيينا. هل يقرّر الرب او قرّر منذ الأزل ان عمرنا محدود. هل هذا مكتوب عنده ام ترك جسدنا للنواميس الطبيعيّة بعد ان اوجد هذه النواميس ليرعى بها الأرض من نبات وحيوان وبشر؟ إعتقادي ان الإنسان لا يخرج عن قوانين الطبيعة، ويموت متى اختلّ الجسم وتعطّلت وظائفه، وان الله يتلقاه من موت الى رحمته. فاذا مات توفاه أي استعاد وديعته فيه وأقامه في نطاق الرحمة حتى يوقظ جسده في اليوم الأخير ويستعاد كيانه نورانيّا في ملكوت المحبّة.

المطلوب عند الله ان نكون مستعدين لاقتبال هذا الحدث وألّا نرقد روحيا رقدة الموت. نباهة النفس هي التي تـجعلنا قادريـن عى استقبال هذا الحـدث المريع لكل إنسان. ما من شك ان هناك ناسا أقوياء بالروح القدس لا يرتعدون عند الصدمة الأخيرة لوجودنا الحي. آباؤنا النساك حضّونا على ذكر الموت كل يوم لنبقى على الورع: «احفظنا من رقاد الخطيئة المدلهمّ». هذا ما نقوله في صلاة النوم ولنا ان نردّد كصدى لكلام المخلّص على الصليب: «يا رب في يديك أستودع روحي» كي لا نؤخذ ونحن غافلون.

ما من شك أننا نلتقي الرب فور وداعنا هذه الدنيا. ليس في كنيستنا تعليم عن دينونة خاصة فوريّة. فاذا كانت الدينونة هي المواجهة، ما من شك ان لنا مواجهة للرب عندما نتخلّص من هذا الجسد. هذه المواجهة رهيبة جدا اذا قرأنا كلام بولس: «هائل هو الوقوع بين يديّ الله الحيّ» (عبرانيين 10: 31).

ليس أحد منّا قادرا ألاّ يرتجف اذا فكّر بأن المثول أمام الحضرة الإلهيّة أمر خطير جدًا لأن أحدًا لا يعرف كل خطاياه او عمق خطاياه. ولكون الله قادرًا أن يقرأ أعمالنا كلها وأفكارنا كلها ونيّاتنا كلّها، فمن يحتمل سخط غضبه. مَن يستطيع أن يقف بلا ارتجاف دائم.

«أَبعِدْ عنى هذه الكأس» (متى 26: 39) كلام لنا ايضا كما كان للمخلّص في الجثسمانية. ليس من مصالحة ممكنة بيننا وبين الموت لأن الكتاب يسمّي الموت عدوًًا بقوله: «آخر عدو يُبطَل هو الموت» (1كورنثوس 15: 26). وقيامة المخلّص لم تجعله صديقًا لأن «أجرة الخطيئة هي موت» (رومية 6: 23). القيامة وعدتنا بأننا سنُنقَذ منه في اليوم الأخير واننا نتجلّى ويبقى الموت كارثة مريعة الى ان ينقذنا الله برحمته.

اتكالنا على الرحمة لا ينبغي ان يبقينا في الكسل الروحي. فالرسول يطلب الينا ان نجاهد حتى الدم ليكون تعاملنا مع الله جديًا، لنستحق ان نصير أبناءه، لتفرح الملائكة بلقائنا متسربلين حلّة النور. ولكن البرّ الذي اكتسبناه لا يشكّل تذكرة دخول الى السماء. التذكرة تأتي من الداخل وهي الرحمة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

اتّباع المسيح/ الأحد 21 أيلول 2008/ العدد 38

عيد رفع الصليب ممدود تعييدا من قبله ومن بعده. هذا الأحد الذي بعد العيد نقرأ معنى أساسيًا له في قول المعلم: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».

من اتّخذ في نفسه قرارًا ان يصبح تلميذًا ليسوع يكلّفه هذا الكثير الكثير، يكلّفه أقصى ما عند الإنسان من جهد: أن يكفر بنفسه، بكل ما يحسبه غنى في نفسه، بهاءها، عظمتها، ملذات الجسد والمال والسلطة وهذا ما نجمعه في كلمة «أنا» الممكن ان تحوز على كل ما في الأرض.

اذًا كل شيء نظن انه يغنينا نعطيه. كل شيء نبدّده لنصبح فقراء الى الله والى القديسين. لذلك قال: «ويحمل صليبه» لأن في النكران عذابًا اذ نحن متعلّقون بهذه الأرض وبما تغذي به شهواتنا.

واذا استبعدنا عنا كل هذا نتبع المسيح. نتبعه الى حيث سار. وما سار الا الى الصليب. ولكن الصليب وعدٌ بالقيامة. قبل ذلك يجب ان تتطهّر. في حملك الصليب انت قائم، انت حي.

ثم يشرح السيد فكره: «من أراد ان يخلّص نفسه يُهلكها. ومن أهلك نفسه من أجلي ومن اجل الإنجيل يخلّصها». الإنجيل يتطلّب تعبًا شديدًا، سمّاه يسوع إهلاكًا. من أجلي ومن أجل الإنجيل، قال. لأنه لا بدّ لك ان تعلم: اذا حدت عن الإنجيل ومعناه وإذاعته فلست مع يسوع.

ثم يستفيض الرب في الشرح ويقول: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه»، هذه التي الروح القدس ساكنها إنْ أنت شوّهتها او مزّقتها ماذا ينفعك المُلْك لو كنتَ ملِكًا او المال لو كنتَ ثريًا. ماذا ينفعك جسدك المستقل عن إشراف يسوع عليه. اذا قمت على كل العرش وليس لك مسيح في ذاتك فأنت أتعس الناس. ماذا يعادل نفسك او ماذا يعطيك ثمنها. كيف تغذيها بمال او سلطة.

بعد هذا يقول: «من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحيي به ابنُ البشر متى أتى في مجد ابيه مع الملائكة القديسين».

المعنى في العمق هو انك إن لم تحمل صليب يسوع وتتبعه فأنت مستحيٍ به. انت عمليا أنكرته. لذلك لا يتعرّف عليك في اليوم الأخير.

المسيحيّة تكلّف. ليس فيها مزح. فيها جهد كبير، ولكن مقابل ذلك فيها تعزية كبيرة وفرح دائم. ان انتماءك الفعلي الى يسوع يحمّلك شقاء كبيرا في أعين الناس، ولكن ترفع الملائكة بعد ذلك هذه الأثقال عن كتفيك لكي تطير معها في السماء.

واذا سُئلت من يستطيع هذا؟ تجيب: النعمة إن مدّني بها الله تحمل ذلك عني لأني رأيت ملكوت الله آتيا على أحباء يسوع وعليّ بقوّة. رأيت، لذلك تخلّصت.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

عيد رفع الصليب/ الأحد 14 أيلول 2008 / العدد 37

الظروف التاريخيّة أنشأت الكثير من الأعياد. فقد اتخذ تحديد تاريخها قرونا طوالا. هناك أجيال اذًا لم تعرف كل الأعياد.

هذا العيد ليس احتفالاً بحدث واحد. انه مركّب. منها ان قسطنطين الملك فيما كان يتهيّأ لمحاربة مكسنتيوس ليدخل روما ظهرت له علامة في السماء نورانيّة وحولها كتابة تقول: «بهذا تغلب».

الحدث الثاني اكتشاف القديسة هيلانة في أورشليم، صليب السيّد في التراب وأنّ ميتا مرّ به القوم امامه فنهض وعاش. فأخذ الأسقف مكاريوس الصليب ورفعه عاليا وبارك الشعب به. العيد الذي نقيمه اليوم ابتدأ في ذلك الظرف.

ثم ان الفرس غزوا اورشليم عشرين سنة ونيّف قبل الفتح العربي، واستولوا على الصليب الى ان غلبهم هرقل امبراطور الروم واستردّه وعاد به الى أورشليم.

طقوسيًا في آخر صلاة السَحَر يرفع الكاهن الصليب امام الشعب ويبارك به الشعب وكان واضعه بين الرياحين والزهور، فيأتي المؤمنون اليه ساجدين ومقبّلينه، فيدفع الكاهن الى كل واحد زهرة ليوحي اليه انه «بالصليب قد أتى الفرح لكل العالم».

في القداس تلاوة الإنجيل المنشور هنا تروي حادثة الصلب كما وردت عند يوحنا. اما معنى الصلب فيعطيه بولس في الرسالة ويعرّف الصليب اي موت المسيح على انه قوّة الله. ثمّ بالمقابلة مع حكمة اليهود الذين اعتبروا الصلب شكّا او عثرة لهم، وبالمقابلة مع الوثنيين المسمّين هنا يونانيين الذين اعتبروا الصلب جهالة او حماقة، يؤكّد الرسول ان المسيح بموته أعلن برنامج الله الخلاصي اذ «المسيح قوّة الله وحكمة الله».

حولنا من ينكر الصلب الذي شهده شهود وتحدّثوا عنه في الأناجيل وكل بقيّة العهد الجديد. من الناحية التاريخيّة لا يمكن احدًا ان ينكر الحادثة ولا يسعك ان تقبل كلام الذين لم يكونوا هناك وأنكروا.

السؤال الأساسي هو هذا: هل نحن نؤمن بالصليب على أنّه مكان الخلاص وأداة الخلاص. كل الديانة المسيحيّة هذا محورها مع القيامة، والباقي تعبير لاهوتي وطقوسيّ عن إيماننا بالفداء.

في الحقيقة عندما نعلّق الصليب في عنقنا بعد المعمودية ونعي ذلك عند الرشد، نعلن أننا نلنا الخلاص بالمصلوب الذي مات وقام.

نحن معلّقون هناك. نحن متعلّقون بهذا، واذا عدنا الى المصلوب بعد كل خطيئة نكون عائدين الى الحياة.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الأحد قبل الصليب/ الأحد 7 أيلول 2008 / العدد 36

الرسالة والإنجيل كلاهما عن الصليب. بولس يقول لأهل غلاطية الذين كان بينهم متهوّدون انهم يريدون فرض الختان على كل من أراد ان يعتنق المسيحيّة. ويقول انّ هؤلاء يفتخرون بختان الوثنيين اي ان يحافظوا على ناموس موسى، وكان مجمع الرسل في اورشليم حرّر الوثنيين المنضمّين الى يسوع من الخضوع لشريعة موسى، ويجابههم بقوله: «حاشى لي أن أفتخر الا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي (أي مات هذا العالم بالنسبة لي) وانا صُلبت للعالم». والمعنى ان هذا العالم اذا اعتبر نفسه شيئا فأنا ميت بالنسبة اليه.

ثم يوضح ان الختان ليس بشيء ولا القلف (اي عدم الختان) شيء بل الخليقة الجديدة التي تكوّنت بالإيمان والمعمودية. ثم يبيّن ان السلام والرحمة هما على «اسرائيلِ اللهِ» اي اسرائيل الجديد الذي هو الكنيسة.

ويلفت اهل غلاطية انه حامل في جسده سمات الرب يسوع اي الآلام التي تحمّلها من أجله، ويعدّدها في الرسالة الثانية الى اهل كورنثوس، ويختم الرسالة بقوله: «نعمة ربّنا يسوع المسيح مع روحكم».

ثم يجيء مقطع من إنجيل يوحنّا حيث يقطع ان احدا لم يصعد الى السماء الا الذي نزل من السماء اي هو، ومع نزوله الى الأرض بقي في السماء مع الآب والروح. ويتنبأ عن موته بقوله: «ينبغي أن يُرفع ابن البشر» أي أن يصعد إلى السماء بعد قيامته، ويختم بقوله: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد»، ويوحي بأن «كل من يؤمن به وبفاعلية صليبه له الحياة الأبدية» التي بدأت في الثالوث ولا تنتهي، وهكذا ينقل المؤمن بالصليب الى حياة الأزل التي كانت في الله والى حياة الأبدية التي لا تنتهي ويؤكد ان «الله لم يرسل ابنه الوحيد الى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم».

فالمؤمن ليس عليه دينونة لأنه وريث الخلاص اذا بقي على الإيمان بالصليب وعاش في التوبة. فالخلاص نرثه الآن بإيماننا بالمصلوب الذي غلب الموت في كل إنسان وجعله قائمًا من موت الخطيئة منذ الآن.

هكذا يتبيّن من القراءتين اللتين تهيئاننا لعيد ارتفاع الصليب، ان الصليب مركز حياتنا وكل ديانتنا. وكل ما نقوله في الكنيسة ونعمله انّما ينطلق من صلب السيّد وقيامته.

كل عباداتنا تقودنا الى الصليب الذي هو كل حياتنا على الأرض لأنه عطاء الله ذاته لنا. ونعلّقه عند انتهاء المعمودية في عنقنا لنذكر اننا مصلوبون مع المسيح وشركاؤه في قيامته وهو مبدد كل أحزاننا وآلامنا وزارع فينا الفرح الآن وغدا والى دهر الداهرين.

وقد استشهد الشهداء لأنهم آمنوا بأنّهم ينالون الحياة بدمائهم المختلطة بدم المخلّص.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الصوت الهادئ/ الأحد 31 آب 2008 / العدد 35

هدوء الصوت في الحديث من هدوء الشخصية، والشخصية السليمة المطمئنة تتحكم بالأعصاب. الصوت العالي في الكلام يدلّ على انّ المتكلّم أصمّ جزئيًا او هو يعرف أنّ محاوره أصمّ جزئيًا.

طبعا الصوت الخافت كثيرًا لا يبلغ مسامع أحد. المطلوب أن تعرف أيّة قدرة لمحدّثك على السمع حتى تضبط صوتك ليسمعه هو وليس شخصًا آخر لا علاقة له بالموضوع.

الصوت العالي جدًا ضجيج، ويسمّى ذلك في أيّامنا التلويث بالصوت. المطلوب الفهم، والصوت فقط أداة للإفهام وليس تبرّجًا. لذلك طلب القديس باسيليوس أن تقيس المسافة بينك وبين محدّثك وأن تعطي لصوتك الحجم لكي يصل.

اذا رفعت صوتك كثيرًا فمعنى ذلك أنّك تؤْثر الصوت (اي الضجيج على المعنى) وانك لست في الحقيقة تطلب المعنى. هدوء الصوت إشارة الى أنّ قلبك او عقلك غير مضطرب. واذا كنت ماشيا على رصيف في الشارع ورأيت صديقك يمشي على الرصيف الموازي فلا تصرخ له بل اذهب اليه اذ لا علاقة للمارّة بما تقول وقد يؤذيهم ما تقول.

بصورة او بأخرى كل صراخ تعبير من تعابير الغضب، والغضب يؤذي صاحبه أولاً ثم يؤذي من تغضب أنت عليه، او من رواسب غضب لم تعبّر عنه سابقًا.

الحزن الكثير او الفرح الكثير (الهيصة) لا يبرّران اللجوء الى الصراخ. الصراخ كزئير الأسود او أصوات حيوانيّة أخرى لأنها في حاجة الى إخافة حيوانات أخرى او الى طردها في حين أنّ البلبل يغنّي.

لهذا السبب نأمر أن تُقرأ المزامير او تلاوات الأنبياء في غروب الأعياد الكبرى بصوت لا يعلو ولا يهبط، وفي الترتيل ممنوع الطرب اي كل ما يجعلك تفرض مشاعرك كقارئ على الناس اذ المبتغى إيصال المعنى، ويتحرّك قلب الرعيّة حسب استعداد كل واحد للفهم او التأثّر الروحي فأنت لست سيّد الخدمة. الكلمة وحدها هي السيّدة.

في اجتماع لي مع كهنة من مختلف الكنائس سألني كاهن من غير كنيستنا: لماذا لا تحرّك العواطف؟ قلت له ان في الكلمة الإلهيّة كما أسعى أن أعبّر عنها ما يكفي ليصل اليك الشعور الإلهي وليس شعوري الشخصي. أنا مجرّد قناة للفكر الإلهي وأنا أريد أن أعطيك الله لا فكري.

وقد أثبتت لنا التجربة إن كنت تريد ان تدحض حجة واحدٍ او مزاعمه أن خير طريقة لإفحامه هو الصوت المنخفض. الهدوء خير تعبير لنجاح فكرتك. الله لا يسكن الضجيج.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

الكرامة الصحيحة/ الأحد 24 آب 2008 /العدد 34

ليس للرسول كرامة بشرية. هذه من مجد العالم. اما مجد الله في الرسل -كما يرى بولس- أن الله نفسه أبرزهم كأنهم مجعولون للموت. وفي الواقع قد استُشهد أكثر من رسول ومنهم صاحب الرسالة. ولا يحيط المجد بخلفائهم الأساقفة. ثياب كهنوتية جميلة، دار للمطرانية عظيمة، اتصالات مع كبار القوم ورؤساء الدول، كل هذا لا يحسّ به الأتقياء من الأساقفة مجدًا حقيقيًا.

عندما يقول الرسول قد «صرنا مشهدًا للعالم»، وفي الأصل اليوناني مسرحًا، يشير الى عذابات الرسل. واذا قال لأهل كورنثوس: «نحن جُهّال من أجل المسيح. اما أنتم فحكماء»، هذا كلام ساخر. في الحقيقة ليس في هذا الكلام مرارة ولكنه تذكير للمؤمنين بأنهم لم يدركوا بعدُ مجدَ الألم الذي يذوقه الرسل. انه يتضمن توبيخًا لمن ظنّ انه أدرك المجد ولم يدركه بعد.

ثم يكمل تعداد الأوجاع: «نحن نجوع ونعطش ونعرى ونُلطم ولا قرار لنا» (ليس لابن الإنسان موضع يسند رأسه). نحن نقابل الشتم بالبركات. اذا اضطَهدَنا الأعداء نحتمل. الأعداء يعتبروننا كأقذار العالم.

ثم يلفت المؤمنين الى انه لا يكتب ليُخجلهم ولكن ليعظهم. في المناسبة أقول لإخوتي الوعاظ: لا ينبغي ان تكون عظاتكم مليئة بالتوبيخ واذا اضطررتم اليه فليكن برأفة ما أمكنت الرأفة وليكن بلطف إنجيليّ ما أمكن اللطف لأن الذين يسمعونكم أحباء.

ثم يعتبر بولس نفسه ليس فقط مرشدًا ولكن أبًا إذ يقول: «أنا وَلدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل». هذا دليل واضح على ان الكاهن او الأسقف الذي لايعرف الإنجيل جيدًا لا يستطيع أن يلد أحدًا روحيًا. المؤمنون مصطفّون، إذ ذاك، وراءه بلا معرفة حقيقية ليسوع وأبيه وروحه القدوس.

المعمودية ولادة جديدة اذا تبعها التعليم والا كانت حمّامًا كما يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد.

طقوس نجريها دون أن نشرحها تصل الى الأذن ولا تصل الى القلب. عندما نقول: نستمع الى كلمة الله، لا نريد اننا نسمع أصواتًا ولكن لا تبلغنا المعاني. الصوت ليس الفهم.

لذلك منذ القرن الرابع كان آباؤنا يفسّرون العبادات ووضعوا في ذلك كتبًا بقيت لنا.

وأخيرًا طلب الرسول من المؤمنين أن يقتدوا به لأنه حامل الإنجيل ومبلّغه. مَن منّا نحن المسؤولين قادر أن يقول: «اللهم اشهد اني بلّغت».

المسيحية تبليغ بالفَهم وتَبلّغ بالفَهم. المسيحية دنيا الفهم.

Continue reading
2008, مقالات, نشرة رعيتي

عاملون مع الله/ الأحد 17 آب 2008/ العدد 33

الله لا يعمل وحده كل شيء. يريدنا أن نعمل معه، غير انه هو المبادر بسكب النعمة علينا. لذلك يقول بولس: «انتم حرْث الله وبناء الله». هو الحارث في أرضنا ونحن بناؤه. ولكن يذكّر بولس، بما انه رسول اي حامل تفويضًا من الله بالنعمة، أنه هو وضع الأساس في الكنيسة وآخر اي كل مؤمن يبني على هذا الأساس. اي أساس يضع بولس؟ يجيب: الأساس يسوع المسيح. كل شيء يوضع على هذا الأساس، ذهب او فضّة او حجارة ثمينة او خشب او حشيش أو تبن.

عمل كل واحد سيكون بيّنًا لأنّ الربّ سيُظهره في يوم الدين «لأنّه يعلن بالنار» اي بالتمحيص الإلهي. اذ عمل كل انسان يبيّنه الله. فمن بقي عمله بعد الفحص الإلهي سينال أجرة. ثم يقول الرسول: «من احترق عمله فسيخسر وسيَخْلُص هو، ولكن كمن يمر في النار». والمعنى انه لن يخلص لأنّ النار لا تبقي على أحد او على شيء.

ويدعم بولس موقفه هذا بقوله: «اما تعلمون أنكم هيكل الله وأن روح الله ساكن فيكم؟». يسكنكم الله بالمعمودية والميرون والقرابين المقدسة، فكيف تُفسدون بالخطيئة هيكل الله كأنكم لم تتعمّدوا ولم تقتبلوا مسحة الميرون ولم تتناولوا جسد الرب ودمه ولم تطهروا بالإنجيل وضميركم الحي.

ثم يُصعّد بولس لهجته بقوله: «من يُفسد هيكل الله (بالخطيئة) يُفسده الله لأنّ هيكل الله مقدّس وهو أنتم». انتم بصيغة الجمع تعني اننا كنيسة الله او هيكله.

من هنا ان ارتكاب الخطيئة استهتار بعطاء الله الذي ثمرته طهارتنا. «نباهة النفس» كما يقول قداس يوحنا هي التي تجعلنا واقفين أمام كل إغراء لأننا اذا أحببنا الله حتى النباهة نكون قد ورِثنا كمال ملكوت السموات كما يقول الذهبي الفم بعد الاستحالة. القربان هو ميراثنا الملكوت منذ الآن، والقربان هو الذي يحيينا أي يحيي العظام وهي رميم لأنّ الروح القدس حاضنها وهي في القبر وهو الذي يقيمها في اليوم الأخير.

وهنا يجب ان نذكر قول القديس غريغوريوس بالاماس أنّ لنا قيامة أولى وهي المعمودية ويجب أن نذكر ايضًا كلام السيّد لمرتا أخت اليعازر: «أنا هو القيامة والحياة» اي ان هذه القيامة الأولى مستمرّة اذا أحببنا يسوع فتأتي القيامة الأخيرة ثمرة لهذا الحب الموصول الذي لنا ليسوع.

المبتغى اذًا الّا ننسى محبّتنا الأولى ولا نخون ولا نبدّل محبّتنا للسيّد بمحبّات باطلة لا توصلنا الى السماء. لنا في هذه الدنيا مودّات وارتباطات شرعيّة كما في الزواج، ولكن كل هذه إن لم تكن على طريق محبّتنا للرب تكون مدمّرة وباطلة. هي كلّها قائمة فقط إن كانت انعكاسًا لحبّنا للحبيب الوحيد. كلنا -أيّا كان وضعنا في الحياة- لا نثبت الا اذا استجبنا للمحبة التي يحبّنا بها المخلّص. لنا ان نرى لنا أحبة، ولكن تبقى عيوننا موجّهة الى عيني المسيح. إنّ نظره الينا هو الذي يجعلنا صامدين في محبّته الى ان نصبح جسده الكامل عند القيامة الأخيرة.

Continue reading