Category

2007

2007, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة التجسّد/ الأحد 25 آذار 2007 / العدد 12

عيد البشارة هو عيد التجسّد الإلهي وأُركّز فيه تأمّلي على رسالة اليوم يفتتحها كاتبها بقوله: «ان المقدِّس (اي المسيح) والمقدَّسين كلهم من واحد (اي من الآب)»، المسيح بالولادة الأزلية، ونحن جَعلَنا اللهُ ابناء بواسطة الابن اي بالمعمودية ومسحة الروح القدس (بالميرون).

لذلك سمانا بولس إخوة ليسوع بسبب هذا التبنّي. ودعم الرسول قوله بكلمة من المزامير: «ها أنذا والاولاد الذين أعطانيهم الله»، ثم صعد الى التأمّل بعمليّة الخلاص البادئة بسر التجسّد من والدة الإله بقوله: «اذ قد اشترك الاولاد باللحم والدم اشترك هو كذلك فيهما»، وكأنه أراد ان من مقتضيات الأخوّة بينه وبيننا ان يصبح مثلنا ذا جسد ليكلّمنا الله بابنه على الأرض وتكون غاية التجسد ان يموت، فيوضح بولس ان غاية مشاركة المسيح طبيعتنا هي هذه: «لكي يبطل بموته مَن كان له سلطان الموت اي إبليس»، اي كان لا بد للابن ان يدخل مملكة الموت ليزيله. فقد زال الموت لما دخل المسيح اليه بالحياة الإلهية التي كانت فيه.

ثم يكمل فكره، موضحًا الغاية من موته بأكثر وضوح، فيقول «ويعتق كل الذين كانوا مدة حياتهم كلها خاضعين للعبودية مخافة من الموت».

معنى القول ان كل من ارتكب الخطيئة هو عبد للخطيئة حسبما ورد في انجيل يوحنا. الامثال هنا كثيرة، فمن كذبَ مثلا خائف من العقاب اي انه عبد. ومَن سرقَ خائف من الفقر. هو اذًا عبد للفقر. والخوف الأقصى هو الخوف من الموت. فهذا يلغينا من الوجود المحسوس الذي نحن متعلّقون به. ولكن الموت لا يزول من نفسه ولكن من قدرة المسيح. واذا قمنا منه بالتوبة ثم في القيامة الأخيرة، عند ذاك نصير متحررين من الموت نهائيا وقائمين مع المسيح وجالسين معه في السموات. موت المخلّص كان من اجل إنقاذنا من الخطيئة اولا، وتاليا من الموت الذي الخطيئة سببه.

بعد هذا يقول كاتب الرسالة «ان المسيح بموته صار رئيس كهنة قرّب نفسه على مذبح الصليب للآب وبدا انه رحيم وأمين فيما لله»، حتى يختتم هذا الفصل من الرسالة الى العبرانيين بهذا: «لأنه إن كان قد تألّم مجرَبا (اي بالآلام) فهو قادر ان يغيث المُصابين بالتجارب».

كل إنسان تصلبه خطيئته، ولكن اذا آمن يعرف انها هي التي صَلبت السيد الذي عَبَر كل اوجاع الإنسان، وهذا معنى قوله «تألم مجرَبا». ثمرة حبه لك على الصليب جعلك تشعر انه معك لأنه ذاق كل التجارب التي تذوقها أنت ما خلا الخطيئة، تجربة اوجاع جسدك واوجاع نفسك في الأحزان، وقد عرف يسوع الحزن في الجسمانية لمّا واجه كأس الموت. فاذا ذقت اي ألم من آلام الجسد والنفس، اعلم انك لا تتألم وحدك وان الرب يسوع شريكك على سرير المرض وشريكك في احتضارك وانه قادر ان ينزع منك خوف الموت لتكون في العمق حيا امام كل بلية وغير مكسور امامها، فإنه كما نهض من بين الأموات تنهض ايضًا انت منه اذا قدرت ان تحب يسوع حبا كبيرا.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الولد المصروع/ الأحد 18 آذار 2007 /العدد 11

انسان يسجد للمسيح طالبا شفاء ابنه قائلا ان فيه روحا شريرا، ثم يصف اعراض المرض: يصرف بأسنانه وييبس ويلقي بنفسه في النار وفي المياه. عوارض جنون ناتجة من داء الصرع (بالعامية يقع في النقطة). ونعرف ان بعض المصابين بهذا الداء منهم من يعتريه جنون.

وقال هذا الرجل ان تلاميذك لم يقدروا ان يشفوا ابني، فوبّخهم يسوع على عدم ايمانهم. اذ ذاك قال المعلم: «ائتوني بهذا الصبي»، فلما أتوه به وقع في النوبة. فوصف الوالد الأعراض بعد ان كان مرقس الإنجيلي تحدث عنها جزئيا. عند هذا قال الرجل للسيد: «إن استطعت شيئا فتحنن علينا وأغثنا». كان يعلم ان يسوع يشفي عن حنان. فلما رأى المخلّص استرحام الرجل قال له: «ان استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن». بكى الرجل وأجاب المعلّم: «اني أؤمن يا سيّد، فأَغِثْ عدم إيماني او ضعف ايماني». كان يثق ان الرب يسوع قادر ان يُلهم الإيمان. عندئذ أخرج يسوع «الروح الأبكم الأصم» فوقع الولد في نوبة أخرى «فصار كالميت، فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام». اذ ذاك سأله تلاميذه: «لماذا لم نستطع نحن ان نخرجه؟ فقال لهم: ان هذا الجنس لا يمكن ان يخرج الا بالصلاة والصوم». ولا بد ان الكنيسة اقتبست هذا الفصل الانجيلي لتعلّمنا عن أهمية الصلاة والصوم وعن اقترانهما في هذا الموسم الذي نصلّي فيه بكثافة ونصوم. وأكدت هكذا اننا بعد الأحد السابق الذي اقمنا فيه ذكرى الصليب ارادت الكنيسة ان تدفعنا الى الاستمرار في جهاد الصوم ولا ننقطع عنه.

وبعدما اجتازوا في الجليل لم يرد ان يدري احد بهذه الأعجوبة، وهذه ليست المرة الاولى التي يحجب اعماله عن الجماهير خوفا من ان تندفع وراءه وتعلنه ماسِيّا اي مَلِكا بالمعنى السياسي في اسرائيل.

بعد هذا قال لتلاميذه: «ان ابن البشر يُسلم الى ايدي الناس فيقتلونه، وبعد ان يُقتل يقوم في اليوم الثالث». هنا يتنبأ يسوع عن موته وقيامته، وفعل هذا في غير موضع في الانجيل. كان يريد ان يهيّئهم لأهم ما سيحصل له. وجاءت النبوة بصيغ مختلفة ولكن في المضمون ذاته. كان يجب ان يعرف التلاميذ ان كل عجائب المعلم وأقواله وخطبه انما كانت طريقه الى الموت والانتصار على الموت. هناك على الصليب يكون نصر المسيح كاملا. في الأعجوبة الانتصار جزئي، وفي الحادثة التي نحن في صددها يخرج الرب الشيطان من الشاب. على الجلجلة سيقضي على الشيطان وعلى مملكة الشيطان قضاءً نهائيا.

نحن عيوننا الى الصليب الذي هو حياتنا. انه مع القيامة الشيء المركزي في ايماننا. انه فعل المسيح الذي به ينهض كل منا من خطاياه وضعفاته ويصبح انسانا قياميًا. وأتت كل قوة الشهداء والقديسين من إيمانهم بالمصلوب الذي عاد حيا الينا ليجعلنا احياء بالايمان والمعمودية والمحبة.

ولكن ان نشترك في سر المسيح يتطلّب أعمالا تليق بالتوبة بحيث نصلب الشهوة والشك ونُسلم النفس ليسوع ليصبح هو سيدها فلا يبقى شيء لمنافعنا الخاصة ونجعل يسوع مصلحتنا الخاصة اذ ننهض به من كل كبوة ونحيا به وبكلماته فلا نبقى مصروعين كهذا الولد ولا نجن بخطايانا، ونفرح بيسوع وأحباء يسوع ونبني الكنيسة ليكون كل أعضائها فاهمين أهمية المسيح وقدرته ومطهرين به حتى آخر رمق في حياتنا الى ان نظهر امامه في اليوم الأخير.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أحد السجود للصليب /الأحد 11 آذار 2007 / العدد 10

ما قاله آباؤننا في هذا اليوم انه فيه يقترب انتصاف الصوم وقد راقبوا ان بعضا من المؤمنين يملّون هذا الجهاد ويتعبون. وحتى لا يتركوا هذه الرياضة، ولئلا يقعوا في التجربة، رفعت الكنيسة-الأم الصليب أمام أعينهم في طواف، فيتقدمون للسجود له ويعانقونه ليوحوا لأنفسهم أنهم مصلوبون مع المسيح ويشتاقون الى قيامته.

واذا ما قبّلوا الصليب مرفوعًا على صينية ومحاطًا بالرياحين او الزهور، يعطي الكاهن كل واحد منهم زهرة ليذكروا بأنه بالصليب قد أتى الفرح كل العالم، وهكذا يتشدّدون.

وبسبب هذه الذكرى نقرأ الفصل الإنجيلي حيث يقول الرب: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». انها دعوة ان نتبع يسوع في حياتنا اليوميّة وان نستوحيه في كل ما نعمله وان نطيع تعاليمه وألّا نتبع سواه او شهواتنا.

ان نتبعه شرطها ان يكفر الانسان بنفسه بحيث يتخلّى عن أنانيته ولا يفتش عن ملذاته، ان يتحرر من رغباته الدنيئة، ان يُميت الأنا الطامعة فيه ليحل محلها حضرة المسيح فيصير هو عمق كيانه.

ثم بعد هذا يتابع يسوع: «من أراد ان يخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسه من أجلي ومن اجل الانجيل يخلّصها». المعنى ان خلاص النفس مع المسيح شرطه ان يُهلك الانسان شهواته المؤذية اذ لا تجتمع هذه مع السيد. فإذا لم يملأ السيّد كله كل نفسك يكون للشيطان محل فيها.

هذه إماتة الأهواء اي القوى التي تنبع منها الخطيئة. لا يكفي ان تندم على الخطيئة. يجب ان تقتلعها من شروشها حتى لا تعود لتؤذيك. وهذا يتطلّب ان تتبع المسيح الى حيث ذهب اي الى الجلجلة. واقتلاع الخطيئة من داخلك يشبه سفك دم المخلّص. ولما وصل كلام المعلّم الى الذروة قال: «ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه».

الانسان يغرى بربح العالم وهو الغنى والنفوذ والسلطة ومسرّات الجسد والكبرياء وما الى ذلك. هذه المجموعة من الضعفات التي ينتفخ بها الانسان تجعله يظن أنه شيء كبير وهي بنظر الله لا شيء لأنها لا تعطي الانسان حقيقة ولا غذاء روحيا ولا تجعله كبيرا في عيني الله. هذه فقاعات صابون يغرى بها الانسان موقتا. تسكره موقتا اذ ليس من لذّة تدوم. امّا الفرح الإلهي فيدوم، وعطاء قلبك يدوم في قلبك ويرى الله انك ملآن منه. فعليك ان تختار بين ان تربح خلاص نفسك او ان تربح مغريات العالم، وليس من جامع بينهما. لذلك يكمل السيّد فكره بقوله: «ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه؟». القصة كلها ان المسيح يريحك في العمق، وان الأشياء الزائلة توهمك بالراحة، ولكنها لا تعطيك الفرح الداخلي العميق. يمكن ان تربح هذه الاشياء الفانية وتكون هزيلا امام الله.

من بعد هذا يقول يسوع: «مَن يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الشرير يستحيي به ابن البشر متى أتى في مجد أبيه» في اليوم الأخير. مَن استحيى بالفضيلة يكون مستحييا بالمسيح نفسه. الفضيلة ثمرة المسيح. هناك ناس بلا شك يستحييون امام بعض الخطأة بأنهم دائمًا حاضرون في الكنيسة.

في بعض المجتمعات الفاسقة هناك رجال ونساء يعتبرون أنفسهم عصريين اذا دنّسوا الحياة العائلية. هناك مَن يفتخر بأنه يقبض كومسيون عن بضاعة هو مؤتمن على بيعها. كل هؤلاء يستحييون بالمسيح حقيقة.

المسيح انت تشهد له ليس فقط اذا أعلنت ايمانك به، ولكن إن سلكت بموجب إنجيله بحيث أن من رآك يرى نور المسيح مرتسمًا على وجهك.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

شفاء مفلوج /الأحد 4 آذار 2007 / العدد 9

سُمع أن يسوع في بيت والناس يلتمسون من فمه كلمة او من قوته معجزة. واصطف الناس كثيرين. «وكان يخاطبهم بالكلمة»، بكلمات الملكوت، بكلمات التوبة الآتية من الأنبياء وليس لنا كلمة اخرى اذا قمنا واعظين.

أتوا اليه بمفلوج ولم يقدروا ان يصلوا اليه بسبب الازدحام ففكّروا بأن ينقبوا السقف وكان كالسقف في جبل لبنان: بعض ألواح من الخشب يغطيها تراب ترصّه محدلة، وهذا تفتحه ايادٍ قوية. دلّوا السرير المضطجع عليه الرجل. السؤال الذي يواجهني اليوم: هل اذا كنت انا ذا قلب مفلوج او متحجّر ألتمس لينه من يسوع؟ هل أريد مع السيّد قربى ام أؤثر البقاء على تحجّري وقساوتي؟ هل لي مع المعلّم عشرة الصديق والصديق؟

عند رؤية المخلّص للمريض، كان حاملو هذا لا ينتظرون من السيّد سوى الشفاء. هم جاؤوا لهذا واذ به يقول شيئا غير منتَظر. يقول: «يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك»، كأنه كان يقول ان هذا هو الامر الأساسي في الحياة. لا شيء ذو قيمة ما لم يصالحنا الله مع نفسه وما لم نحس انه كل الوجود.

اعتبر الكتبة، اي علماء اللاهوت، الذين كانوا مع الجمع هناك ان يسوع ينطق بكلام التجديف لأن نبيا في اسرائيل او معلما لم يقل لأحد: «مغفورة لك خطاياك». هذا يعني ان هذا يأخذ مقام الله. كيف يقدر هذا ان يجعل نفسه في صف الله؟ جادلوه في هذا لأن في موقفه ادّعاء انه ابن الله، فأراد ان يثبت قوله بالفعل. لذلك اكد سلطانه لهم: «لكي تعلموا ان ابن البشر له سلطان على الأرض ان يغفر الخطايا»، قال للمخلّع: «لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك».

كان السيّد يعرف ان له سلطانا على النفوس والأجساد، واغتنم هذه الفرصة ليؤكّد ذلك ويبيّن لهم انه يحمل قدرة الله كلّها. هذا اذًا ليس كالانبياء الذين سبقوا. كلماتهم كانت تنقل الفكر الإلهي. اما هو فشخصه ينقل قوة الله ذاتها.

ما العبرة الأساسيّة من أعجوبة المخلّع كما أوردها مرقس؟ هي تذكير كل واحد منا ان عافيته الحقيقيّة في توبته. كل مشاكلنا في هذا الوجود اننا نجعل التوبة موقفًا سطحيًا ونقارنها بالأشياء الأخرى ونعطي لكل شيء حقه. هذا هو الخطأ بالذات لأن الرجوع الى الله لا يُقارن بشيء. هذا المريض ذهب الى بيته. نحن اذا تبنا نذهب الى بيت يسوع. نسكن فيه ويسكن فينا وتُشفى نفوسنا ولو بقي الجسد متعبا او كل أمور معيشتنا متعرقلة او اشغالنا واقفة.

هذا كله لا يعطل عمق الحياة. اما اذا فرغت الذات من الله ومن ملاطفاته فكل أمور الدنيا لا تملأها، لا تزيدها بهاء. تبقى جافة، بلا حيويّة.

هذا المفلوج «قام للوقت» وعاد الى بيته. نحن يمكننا ان نتوب بلحظة اي في لحظة واحدة نحس ان الرب هو كل شيء. احيانا تتطلّب التوبة وقتا غير قصير وتروّضنا على معرفة الله. لذلك ارادتها الكنيسة ان تكون ممدودة على مدى الصيام وتجعلنا نتذوّقها يومًا فيومًا وأحدًا بعد أحد، ويبقى الهدف ان نعي اننا احباء الله وهذا هو منطق التوبة. واذا ادركنا اننا محبوبون وان الفرح هو في إدراكنا هذا، نذهب توا الى الله ونبقى في أحضانه.

وتتصاعد صلواتنا وتشتد اسبوعًا وراء اسبوع حتى لا يجدنا يسوع عند الفصح مفلوجين. كل القصة ان نمشي الى القيامة ونحن معافون حتى يجدنا المسيح من جنسه عند صباح الفصح.

ونزداد يقينا بهذا اذا عرفنا اننا نقيم اليوم عيد القديس غريغوريوس بالاماس الذي خصّص تعليمه كلّه للنور الإلهي وفهمنا منه ان النعمة التي تنزل علينا هي قوة الله بالذات اي ان شيئا منا لا يبقى خارج الله إن نحن سلّمنا اليه قلبنا.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأرثوذكسية / الأحد 25 شباط 2007 / العدد 8

في الدارج يقال له «أحد الأيقونات» اذ رُفعت الايقونات في الكنائس في الأحد الاول من صوم السنة الـ843 بعد ان شُنّت حرب طويلة عليها واضُطهد الرهبان والعلمانيون بالآلاف. ولكون تكريم الأيقونات بات عقيدة في المجمع المسكوني السابع المنعقد السنة الـ 787، غير ان الكنيسة لم تُقم عيدا للأيقونات، واعتَبرت هذه العقيدة المحددة اخيرا هذا اليوم «احد الأرثوذكسية».

السبب ان الصيام كله لا اساس له الا اذا كان المؤمن محافظًا على استقامة الرأي. هذا هو معنى الكلمة اليونانية الارثوذكسية. وهي كلمة قديمة جدا ظهرت قبل الانشقاق بقرون. وكانت تدل على جميع المستقيمي الرأي في الغرب كما في الشرق. وهي جاءت نعتا للإيمان فيقال الايمان الارثوذكسي ويقال الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية باليوناني كما وردت في دستور الايمان). لذلك عندما نذكر «المسيحيين الارثوذكسيين» في القداس نحن نكون مصلين لأبناء كنيستنا ولا نكون مقصين المسيحيين الآخرين. نحن لا نعادي احدا. ولئن كانت كنيستنا جسد المسيح، فنحن لا نقصي الآخرين المؤمنين بالثالوث والذين حافظوا على الاسرار المقدسة.

نحن نعرف اننا مستقيمو الرأي لكوننا حافظنا على الإيمان القويم والتراث القديم الذي يشرحه. استنتاجا لذلك لا نريد ان نكون سلبيين ونحرم غيرنا من الناس. في النصوص القانونية عندنا بعد الهرطقات القديمة، لم نحرم بقية المسيحيين اذا حافظوا على الأساس، ونؤمن انهم إخوتنا في المسيح اذا كانوا معمّدين باسم الآب والابن والروح القدس. غير اننا لا نقول ان كل ما يعلّمونه موافق لما كنا عليه معا في الالفية الاولى. ونحن مع الكاثوليك (اللاتين) ومن يقول قولهم قد ألّفنا لجنة حوار نسعى معا الى معرفة ما كنا عليه في الألف السنة الاولى. وقد اجتمعنا مؤخرا في بلغراد لنصل الى ايضاح هذا الايمان القديم الواحد. ونرجو ان نصل الى يوم نقول الأشياء بصيغة واحدة.

غير اني ازيد على ذلك بأن ما نعلّمه نحن هو تعليم رسولي صافٍ وقد اوضحناه في المجامع المسكونية السبعة وانه ليس من تعبير خاطئ في كنيستنا. لذلك ليس من التعصب ان نكون متمسكين بهذا الايمان. الايمان وديعة سُلّمت مرة الى القديسين. وتستطيع انت ان توضحها، ولكنك لا تستطيع ان تغيّر جوهرها. نحن لا نزال محافظين على هذه الوديعة، وإن خرجنا عنها نكون خارجين عن الله. انت لست منتقصًا شأن الآخرين ان قلت انك مستقيم الرأي.

نحن نحب المسيحيين جميعا ونحترمهم وفي آن نقف موقفنا. ونحن لا نسعى الى ان نخطف احدا من كنيسته. له ان يجيء إلينا بحريته. ونريده ان يبقى في كنيسته لأن المصالحة ليست بين افراد ولكنها مصالحة الكنائس بعضها مع بعض.

نبقى مختلفين بقضايا اساسية او جزئية مع الآخرين. لذلك لا نختلط في القداس او في الخِدَم الروحية الأخرى لندل على ان العقائد التي نؤمن بها ليست سطحية لنضحي بها. فلا نظهر في القدسات واحدا اذا لم نكن في العقيدة واحدا. مع ذلك نصلي من اجل «اتحاد كنائس الله المقدسة»، وعندما نتحد في الفكر اللاهوتي الأساسي نُقبل الى المائدة المقدسة الواحدة.

فلنتمسّك اذًا بالايمان النقي الكامل ونحب كل إخوتنا في المسيح حتى نصل الى وحدة الحياة والفكر معهم ونرتشف من الكأس المقدسة الواحدة.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم غدًا/ الأحد 18 شباط 2007 / العدد 7

«لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» مطلع تأملنا في رسالة بولس وفي الانجيل. فباقتراب الصيام وغدا بدؤه أحست الكنيسة انه ينبغي ان ندخل هذه الفترة المباركة بتذكيرنا بالفضائل لأنه لولاها ماذا يعني الإمساك. فبعد ان قال بولس: «قد تناهى الليل واقترب النهار» اخذ يذكرنا بأعمال الظلمة التي ينبغي ان نجتنبها، فذكر السكر والعهر التي يتطهر الناس اذا ابتعدوا عنها، وذكر الخصام والحسد لأنك إنْ صُمْتَ مع الجماعة كيف تكره احدًا.

اما من الانجيل فاخترت لكم قول السيد: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض» اي لا يكن همكم ان تصيروا اغنياء. احيانا يصبح الانسان غنيا ولكن لا يجعل المال عشقه لأن معنى هذا ان الرب ليس الحبيب الوحيد عنده. ويوضح متى الانجيلي ذلك بقوله: «حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم». المال يصبح خطرا ليس اذا جمعته بعملك ولكن اذا عبدته فصرت له عبدا، ويفسد، في هذه الحالة، قلبك ولا تشفق على الفقير. المادة تصير عندك اهم من الانسان، وتصبح انت بسبب قوتك مركز الوجود لأنك تكون متعلقا بذاتك وشهواتها وان تعظم وان يمجّدك الناس. وفي هذا خطر على خلاص نفسك اذ قال للفريسيين: «انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدا من بعضكم البعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه».

ما من شك ان احد اخطار الغنى هو انك تخاف على نفسك وعلى عائلتك وتريد ان تحميها من العوز، وهذا يقتضي مستوى من التملك في نظامنا الاقتصادي. ولكن هذا لا يتطلب الغنى الفاحش ولكن تملكا معقولا حسب الوضع الاقتصادي.

غير ان الخطر الأكبر هو انك تفتش عن صداقات في الاوساط السياسية والاقتصادية العالية لتستمد من هذه المعاشرة سلطة على الناس. تصير ملكا صغيرا في جماعتك وتسعى الى زيادة غناك لتكون اقوى من منافسيك وليقوى بك الناس اكثر مما يقوون بسواك. في الحقيقة انك تطلب مجدا باطلا يزول بموتك ولكنك تستمتع بهذا المجد في حياتك.

يسوع ما دعانا مرة الاّ نصبح أغنياء. حذّرنا فقط من الكبرياء الناتجة عن المال كما حذّرنا من الاتكال على المال، وهو يريد ان يكون للمؤمن متكله وحده بحيث اذا بقيت فقيرًا او صرت ميسورا وثريا يكون المال لا شيء في عينيك ولكن تستعمله من اجل عائلتك وقوتها وتعليم اولادك في احسن الجامعات اذا استطعت. هو يريد ان يكون المال عبدا لك لا ان تكون انت عبده.

ان الخطر الكبير هو في العبودية لأي شيء ولأي انسان. السيد قال: «تعرفون الحق والحق يحرّركم». انت تملك (في السماء) ما تعطيه هنا فاذا ازداد مالك تعطي بقدر ما يزاد. والمستوى الأعلى لهذا السلوك ما ورد عن الانسان الكريم في المزامير: «بدّد، أعطى المساكين فيدوم برّه الى الأبد». شارِكِ الفقراء لئلا يقعوا في ذلّ الفقر. شاركهم لأنهم إخوتك. امتنع عن بعض الأطعمة في الصيام لتحس مع الجائعين وتعرف انهم قد يكونون افضل منك. لا تحب الدنيا ولا ما في الدنيا. احبب المخلّص الجالس في السماء لتصير الى السماء. هذه كل غاية الصوم.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الدينونة / الأحد 11 شباط 2007 / العدد 6

قبل أن ندخل في الصيام ينبغي أن نمتحن قلوبنا. هل هي لله؟ هل هي مع الإخوة؟ سيكشف الله عمق نفوسنا في اليوم الأخير. ولكن في هذا اليوم يمكننا أن ندقق في سلوكنا. فقد يأتي اليوم الأخير غدًا.

في هذا المقطع يجلس ابن البشر أي المسيح نفسه على عرش مجده. سنكون مواجهين للكمال الإلهي الذي سيفحص دقائق النفس فيجدها ممتزجة معه أو غير ممتزجة. يجدها من حزبه أو ليست من حزبه.

هناك لا بدّ من دينونة، من قضاء لأن الله يعرف أعماقنا ونحن لا نعرفها بصورة كلية. نظن أنفسنا عظماء أو أشرارًا وقد لا نكون. لا بدّ من فحص.

هنا يعطي السيد صورة عن الدينونة. يُشبِّه الصالحين بالخراف والأشرار بالماعز، فيقيم الأولين عن يمينه والآخرين عن يساره. ثم يأتي الحوار مع الخراف: «لأني جعت فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني»… الى بقية أوضاع العوز التي يذكرها هذا الفصل.

جواب الصالحين: «متى رأيناك جائعًا فأطعمناك أو عطشان فسقيناك…». في كل حالات العوز المذكورة هنا، يوحد يسوع نفسه مع المحتاجين. فَمَن أطعمهم يكون قد أطعم يسوع، ومَن سقاهم يكون قد سَقى يسوع الى ما هنالك من الحاجات التي ذكرها الرب.

أنت الآن -ويسوع في السماء- لا تستطيع أن تطعمَه. تطعم البشر. هو والناس المعذبون في الأرض إذًا واحد. الى جانب الصلاة، هذه طريقة اتصالك بالرب. عند وجود الفقير أمامك، يسوع هو أمامك. عندما تمد يدك الى الفقير، تكون واضعها وما فيها في يد السيد. كذلك كساء العريان وعيادة المريض وزيارة السجين. قد لا تعرف سجينًا معينًا. ولكنك دائمًا تعرف الجائع والمريض. هذه أمثلة عن الحاجة. المطلوب أن يكون قلبك متجهًا الى الآخر وألا تحنّ عليه فقط في الشعور. الشفقة لا تنفع. المطلوب العمل، التنفيذ.

ثم، بالمقابل مع الصالحين، الطالحون الذين يكلّمهم يسوع. كنت جائعا فلم تطعموني، عريانًا فلم تكسوني… الى بقية الحاجات. الإقلاع عن العطاء من قلب طاهر محبّ هو الإقلاع عن إعطائك ليسوع، وكأنّه يقول: إن تجاهلتَ المحتاج فإنّك تتجاهلني لأنّي أنا هو في وضعه المحتاج. أنا موحّد به.

ان اتصالك بي -يقول يسوع- لا يبلغ منتهاه، لا يتجسّد حقيقة ما لم تتصل بالمحتاج الذي يضعه الرب على طريق حياتك. لا بدّ أن تعرف فقيرًا أو مريضًا أو محزونًا. هذه من الحياة العادية التي يلقاها كل إنسان على درب حياته اليومية. فإن لم تعرف مريضًا وكنتَ قد ذهبت لزيارة صديق لك فسلّم على هذا المجهول في غرفة صديقك وكن لطيفًا به. هذه مناسبة لك لتعرف يسوع أكثرَ.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

رد على ذم «رعيتي»/ الأحد 4 شباط 2007 / العدد 5

ورد إلينا من مجموعة تسمّي نفسها «التجمّع اللبناني الأرثوذكسي» بعنوان مسجع «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة» مخصّص كلّه للطعن بهذه النشرة وذلك بلا توقيع، وفي الأصول لا يرد على نص غير موقّع باسم او اسمين. وبعد أن سمت هذه الورقة المسلمين الذين ساجلوا المسيحية، أطلّت على حسنات الكنيسة الغربية في تعاملها الفكري والمسلمين. ولستُ أريد ان أفحص ما قامت به الكنيسة الغربيّة في هذا المضمار غير أنّ مجمع الفاتيكان الثاني الذي تكلّم على التوحيد وعلى التقارب لا يبدو لي انه في موقع متقدّم بهذا الحوار.

وبعد مديح الكنيسة الغربيّة، جاءت هذه الورقة تتهمنا بأننا مدحنا الإسلام. وهذا بعيد عن الحقيقة. انت لك ان تستسيغ حقائق في القرآن والتراث الإسلامي وما فعله آباؤنا منذ القديس يوستينس الشهيد الفيلسوف حتى المدرسة الاسكندريّة يبين الاشياء الجميلة في وثنيّة العالم الإغريقي القديم لأنه كان يفتش عن كل نور في كل تراث لأن كل نور يجيء من المسيح في ايّة كتابة تحمل قبسا منه.

يأخذ علينا كتّاب هذه الورقة الذين لا نعرف أسماءهم أنهم أشاروا مثلا الى مقال في «رعيتي» عن «العذراء في القرآن» وقالوا قبل ذلك ان «العلاقة بين الدينين (الكاثوليكي) والإسلامي تقوم على أسس من الود والتفاهم». ماذا عملنا نحن غير ذلك؟ أليس المقال الذي أشير اليه «العذراء في القرآن» أبعد من الود والتفاهم. وبعد هذا يعد هؤلاء المؤلفون علينا سطورا في هذا المقال او ذاك، وخفاهم ان القصة ليست في عدد السطور ولكن في المضمون. السؤال يكون اذًا هكذا: هل في مضمون «رعيتي» ما يخالف استقامة الرأي؟ هل «رعيتي» تبنّت عقيدة اسلاميّة تناقض الايمان الارثوذكسي؟

ثم تأتي المغالطة: «لماذا نبقى على مسيحيّتنا ولا نعتنق الإسلام ان كان الأخير المعيار والمرجع القطعي لصحّة المسيحيّة». مَن قال في «رعيتي» هذا؟ ألم يجد الكاتب المثقّف اسلاميًا في الرد علينا ما يوطّد ايماننا المسيحي الارثوذكسي؟ لماذا نعتنق الإسلام اذا كان في هذا الموضع او ذاك من تراثه ان في المسيحية اشياء صحيحة.

ليس المجال في هذه الزاوية القصيرة ان ارد على كل مغالطة وردت في هذه الكتابة التي تذكر رابعة العدوية وما يقابلها في التراث المسيحي ولا سيّما السرياني فما قالته «عن الثواب والعقاب» وجدناه حرفيا في نسكيات القديس إسحق السرياني وهما كلاهما من العراق. في ظني انها لم تتأثّر به فقط في كلامها هذا، ولكنه جاء من الأديرة العراقيّة التي كانت تمتد من حيث عاش قديسنا اي في نينوى الى حيث عاشت هذه المتصوّفة اي في البصرة.

ثم ذكر الكاتب الارثوذكسي المتفقه في الاسلام شيئًا عن قربى بين الغزالي في «احياء علوم الدين» ولم يذكر الاستشهاد او الصفحة.

عودة الى الكنيسة الكاثوليكيّة المعجب بها صاحب النص، اود ان اقول له ان بضعة من كهنة فرنسا الكاثوليك قالوا بنبوءة محمد، وان بعضا من اللاهوتيين الغربيين ولا سيّما الالمان ابتدعوا علما جديدًا سمّوه «لاهوت الاديان» وفيه اكثر من إعجاب بالإسلام. فيه ان الوحي المسيحي ليس وحده الوحي وان هذا موزّع الى هنا وهناك. وهذا لم يقله ارثوذكسي واحد من شمالي روسيا الى الشرق الأدنى.

أين «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة»؟ ما هو العنصر المخفي؟ انا أتحدّى هذا الكاتب ليدلّني على سطر واحد في «رعيتي» فيه مأخذ واحد على إيماننا الارثوذكسي. وكل النصوص التي أشرنا اليها في التراث الاسلامي هي من باب اننا نُسَرّ للحقائق المنثورة هنا وهناك اذا كان فيها ما يمكن اعتباره استمدادا من المخلّص وإنجيله وآباء الكنيسة.

ثم أريد ان أُعلم هذا الأخ الارثوذكسي الكريم الذي امتعض من «رعيتي» بوضوح ان في هذه الأبرشيّة غير شخص واحد دارس للإسلام حتى مستوى الدكتوراه وان من بحث فيه بمقاطع قصيرة انما يعلن في بدء القداس: «مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس».

ما غاية هذه الورقة المعتدية سوى زرع الشك في نشرة رعائيّة اعتمد اسلوبها معظم المطارنة في الكنيسة الأنطاكيّة وهي الى جانب الوعظ والتعليم اداة بشارة تصل الى كل البيوت والكثيرون من أربابها قالوا لي: «رعيتي» هي الوسيلة الوحيدة التي نُثقّف بها أرثوذكسيّا.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

التريودي/ الأحد 28 كانون الثاني 2007 / العدد 4

هذا كتاب ليتورجي (طقوسي) من بين الكتب التي نستعملها في الخدمة الإلهيّة. هذا موسم نسمّيه التريودي (اي القصائد الثلاث، او الأودية) المستعملة في صلاة السَحَر في هذه الفترة الزمنيّة. والفترة تبدأ اليوم الذي هو أحد الفريسي والعشّار ثم أحد الابن الشاطر، ثم أحد الدينونة، وهي الأسابيع الثلاثة لفترة الاستعداد للصوم الكبير. ويشتمل ايضًا على كل الصلوات لكل الأيام حتى الفصح.

في رسالة اليوم يتحدّث بولس الى تلميذه تيموثاوس عن الآلام التي عاناها في أنطاكية وإيقونية ولسترة، تلك المصاعب مذكورة في أعمال الرسل، ثم يقول إن الرب أنقذه منها جميعًا. ولا بدّ أنّ بولس أراد ان يشدّد تلميذه بسبب المصاعب التي سوف تعتريه. وينبّهه الّا يخاف منها لأنّ “الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطَهدون”.

ربّما يلمّح هنا الرسول الى الصعوبات التي واجهته من قبل الإخوة الكذبة، والى الاضطهادات التي لقيها بعض من رفقائه الرسل. ولكنّه هنا يعمّم.

فقد اضطهدَنا أعداء المسيح طوال تاريخ ألفي سنة في هذا البلد او ذاك. لقد عرفنا صعوبات جمّة في كل بلد، تارة هنا وطورًا هناك.

ولكن اذا افترضنا ان بلدًا ما ليس فيه اضطهاد فقد يعادينا أبناء الكنيسة الذين لا يمارسون او يمارسون بلا تقوى عميقة، واحيانًا لا يريد الأهل أن يذهب أولادهم كثيرًا الى الكنيسة او ان ينضمّوا الى نشاطات روحيّة للشباب. عزاؤنا أنّ ثمّة مجموعات روحيّة تحيط بنا ونُسرّ لتحرّك لنا قوي في الكنيسة.

ثم تنتهي الرسالة بأنّ بولس يهنّئ تيموثاوس على انه يعرف منذ طفوليّته الكتب المقدّسة. انا شاهد على ان الطفل قادر بإرشاد انسان بالغ أن يقرأ الإنجيل منذ نعومة أظافره. وفي اللغات الأجنبيّة كتب لتعليم الإنجيل مصورة، وأرجو أن يكون عندنا مثلها بالعربيّة.

ليست القضيّة أن نقرأ فقط قصصًا من العهدين ولكن أن نطالع النصوص كما هي. فالكتاب المقدس يحتوي على كلمة الله نفسها. والكتب التفسيريّة تهيّئنا لمعرفة الكتاب ولكنها ليست الكتاب بحرفيّته. وقناعتي كبيرة انّ أجمل القصص من الإنجيل لا تستطيع أن تكون بديلا عن الإنجيل بنصّه.

قد نقرأ أشياء حلوة عند آباء الكنيسة في ما بعد البلوغ. ولكن أجمل نص للآباء ولأي قديس ليس له جمال الإنجيل ولا حيويّة الإنجيل ولا حرارة الإنجيل. لا تكتفِ بالفتات. ثم يشدّد بولس على أن الكتاب المقدّس يجعل تيموثاوس حكيمًا للخلاص بالايمان بيسوع المسيح. الحكيم هو الذي يعرف ما يجب عمله وما لا ينبغي عمله، وهو الذي يعرف كيف يفكّر وكيف لا يفكّر. هذا يأتيه من الايمان بالمسيح يسوع، وفي ان يعرف يسوع في الأعماق من الإنجيل الذي تركه بين أيدينا الروح القدس.

Continue reading
2007, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن المستحق /الأحد 21 كانون الثاني 2007 / العدد 3

خدمة المؤمنين في الوعظ والصلوات والرعاية يقول بولس إن فيها تعبا وتعييرا. امّا التعب فلكون الكاهن يستغرق ذلك منه وقتًا طويلاً وانشغال بال ومتابعة لأمور المؤمنين وإلاّ كان كسولا. اما التعيير (الانتقادات) فلأن بعضا من المؤمنين عن حق او باطل ينتقدونه ويرتكبون النميمة بحقه أكانوا دارسين مبرر الذم ام غير دارسين. وهو يستقوي بالله إزاء التعديات لارتباطه بالرب الذي يخلّص المؤمنين ومنهم أهل النميمة.

هذا الكلام موجّه الى تيموثاوس تلميذ بولس وكان شابا وتخوّف بولس الا يتقبل بعض الرعية شابا راعيا لهم فكتب له «لا يستهن أحد بفتوّتك» فكان عليه ان يقنعهم بأنه مستحق للرعاية اذا عمل بما أوصاه الرسول: «كن مثالا في الكلام» اي في المعرفة والسلوك والمحبة والعفة. غير ان هذا يجب ان يرافقه مستلزمات الكهنوت: «كن مواظبًا على القراءة الى حين قدومي»، والقراءة آنذاك تعني قراءة العهد القديم وما ظهر من رسائل بولس لأن الأناجيل لم تكن قد دُوِّنت بعد. هل أراد بولس ان يتثقّف تلميذه بالآداب الوثنيّة من شعر وفلسفة؟ هذا ممكن لأن الرسول نفسه كان مطّلعًا على الفلسفة اليونانية وربما على بعض من الأدب. كان مطّلعًا بالتأكيد على الفلسفة الرواقيّة وأقوال من أرسطو.

لماذا قال بولس لتلميذه: «واظب على القراءة حتى قدومي»؟ لأن تيموثاوس يمكن ان تثير فيه قراءة العهد القديم تساؤلات ولا بد له من أن يفسّر له معلّمه بولس ما لم يفهمه.

ثم قال له: «واظب على الوعظ والتعليم». الوعظ هو الوعظ في القداس الإلهي وموجّه الى كل فئات الشعب وعلى شيء من البساطة اي انه يأخذ بعين الإعتبار المسائل التي يعرف الكاهن ان المؤمنين في حاجة الى توضيحها ويعرف الواعظ ضعفاتهم ويسعى الى تقويتهم ودعوتهم الى التوبة حتى يتمكّنوا من بعد سماع الوعظ ان يتناولوا جسد الرب ودمه. ثم جاءت القوانين فيما بعد وجعلت الموعظة إلزاميّة في كل خدمة ما يعني انّ كلام خدمة معيّنة كالمعمودية والجناز مثلا كلام لا يكفي ويجب على الكاهن ان يفسّر المعاني التي تتضمّنها الخدمة. المهم أن يرفع الكاهن عقول المؤمنين وقلوبهم الى الله ويجمّلها بالنعمة حتى اذا خرجوا من الكنيسة يكونون قد تزوّدوا بزاد يقيت روحهم ويحفظهم الى القداس في الأحد اللاحق. ولا يتكاسلنّ الكاهن بقوله إنهم يفهمون مما سمعوا. فلو كانوا عالمين بالمعاني لما كتب مواعظ في المعموديّة القديس كيرلّس الأورشليمي والقديس يوحنا الذهبي الفم.

ثم يقول بولس إن تيموثاوس صار كاهنًا بوضع أيدي الكهنة. يصل الإنسان اذًا الى الكهنوت بالرسامة. من ذلك نفهم ان الكاهن يرئس كل خدمة إلهية ولا يُستعاض عنه.

غير انّ الرسول خشية من إهمال الكاهن لنفسه وعمله يقول له: «تأمّل في ذلك وكن عليه عاكفًا». تأمّل بكل هذه التوصيات واتبعها «عاكفًا»، جديا ولا تكن كاهنًا بالتسمية.

«ليكون تقدّمك ظاهرًا في كل شيء» أي في كل فضيلة ذكرتها لك وفي كل النشاطات التي دعوتك إليها. أريد منك تقدما ظاهرا ليرى الناس أعمالك ويمجّدوا أباك الذي في السموات. اذ نقتبس النور الذي عند الإخوة فنحن نبني بعضنا بعضًا بالقدوة. فإذا كنت أنت عفيفًا يندفع المؤمنون الى العفة وان كنت قارئًا يسعون هم ايضًا الى القراءة. هناك دائمًا منائر في كل رعية. نحن «جسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا» ونكمل بعضنا بعضًا. هناك شروط أساسيّة للكهنوت ولذلك اذا رسم الأسقف كاهنًا يقول «مستحق» ويؤيّد الشعب ذلك. وأمّا من عرفوه غير ذلك فلا ينبغي ان يقدّموه لئلا يجدّف على اسم الله بسبب من كاهن غير مستحق. ليس عندنا محاباة للوجوه واسترضاء لهذا او ذاك. الكهنوت صارم وقبل ان نقدّم واحدًا له ينبغي ان نفحصه بتدقيق لئلا يُساء الى الخدمة.

Continue reading