Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2012, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة / الأحد 3 حزيران 2012 / العدد 23

العنصرة هي تفعيل الخلاص الذي تم على الصليب مرة واحدة ولكن كان ينبغي ان ينتقل الى الناس وينتقل إذا قبلوه. «الرسل كانوا معًا في مكان واحد» معنى ذلك أن الكنيسة كانت مجتمعة والروح القدس نزل على الكنيسة وعلى كل واحد من الكنيسة.

بعد صعود المسيح الممجّد بالقيامة والمنتصر على الموت، كان يمكن أن ينزل الروح القدس حسب قول يوحنا الرسول في إنجيل اليوم: «لم يكن الروح القدس بعد» -أي لم يكن في الناس وعلى الناس- «لأن يسوع لم يكن قد مُجّد» أي لم يكن قد مات وقام. الروح القدس منبثق من الآب ومستريح في الابن. يأتي منهما معًا ولكن لا يأتي إلا من المسيح الغالب الموت، ويحمل الى البشرية مفاعيل الموت الخلاصيّ ويُظهر التلاميذ أنهم حصلوا على الخلاص وصاروا قادرين أن يُعطوه للمؤمنين بالمسيح والمعمّدين باسمه.

وهذا يحصل دائمًا حتى نهاية الدهر. ما حدث في العلّيّة يحدث في كل معمّد اذا آمن واعترف وتناول جسد الرب ودمه. كل الأسرار المقدسة كانت طاقتها في المسيح المصلوب وتفعّل فينا في حياة الكنيسة.

نحن اذا كنا من الكنيسة بالمعمودية نقدر أن نستمدّ كل قوى الثالوث المترجمة فينا ميرونًا ومناولة قرابين وتوبة وزواجًا وكهنوتًا وجنازة وإشارة صليب ومسحة مرضى. الكنيسة كل هذه معًا لأنها في حالة استدعاء الروح القدس على الكون كله، واذا نزل الروح علينا تبدو الكنيسة فينا.

الذين صاروا للمسيح وحده يكون الروح القدس هابطًا عليهم في كل حين ولا يتركون في قلوبهم شيئًا لغير المسيح. هؤلاء هم هياكل الروح القدس ومسحاء بالنعمة، وهؤلاء يتكلمون بعظائم الله لكونهم في حالة اقتراب من الله على الدوام.

كلّ يتكلّم بلغته اي بمقدار القداسة التي فيه وبمقدار الفهم اذا استلم موهبة الفهم. هذا ينقل الروح القدس بالبشارة ويفهمها كل حسب عقله ويأخذ كل واحد منا البشارة حسب قدرة قلبه ولا فرق بين نزول الروح يوم الخمسين ونزوله اليوم في الأسرار المقدسة وكلمة الإنجيل اذا قرأناه بانفتاحِ كل حواسّنا وطاعة.

لا يستطيع إنسان أن يأخذ كل المواهب التي هي في الروح القدس. هذا يعطي ما يشاء حسب قدرة الإنسان على التفعيل. فهذا واعظ او معلّم او خادم في إدارة الكنيسة او كاهن او علمانيّ ناشط. كل هؤلاء معًا يشهدون للروح وعمله. من هذا المنظار كانت الكنيسة حركة او تيارا وليست مجرد ترتيب او نظام او تجمّع.

هي تنمو بالمواهب التي نزلت على أعضائها. فإذا استجاب الكثيرون للروح الإلهي وأسلموا أنفسهم له، بدت الكنيسة حيّة وفاعلة في المجتمع البشريّ وتُغيّر أحوالنا ونكتسب بالروح بعضُنا من بعض لأن المواهب تتكامل وتتفاعل، واذا انطفأت مواهب كثيرة تكون حاجتنا الى أن نطلبها من الله ليظهر الله حيّا وفاعلا ويتمجّد المسيح القائم من بين الأموات.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الكاهن الراعي/ الأحد 27 أيار 2012 / العدد 22

وظيفة الكاهن أن يقود الناس الى الله. غايته من إقامة القداس والأسرار أن يجعل المؤمنين يذوقون الرب ويتقرّبوا منه. لا تستطيع الجماعة أن تقول: مات الكاهن ونحتاج الى قداس، فلنفتّش عمّن يقدر أن يُقيم الخدمة الإلهية ويكون جميل الصوت ولا يعرف شيئا عن الدين. هذه حقبة من التاريخ انتهينا منها.

عندما نقول ان هذا الرجل يجب أن يكون موهوبا للرعاية نعني بهذا أنه قادر أن يوصل كلمة الله. هذه الكلمة تفعل أحيانًا بذاتها اذا سمع الإنسان الإنجيل، ولكنها في الواقع البشري تتطلب أن يحملها إنسان تكون قد وصلت الى فهمه ويُدخلها الى فهم الآخرين بالوعظ او بالاتصالات البشرية، بالمحادثات والزيارات والإرشاد. المسيحية قائمة على أن الله صار إنسانًا ليُكلّم البشر. جعل نفسه على صعيدهم. اما الذي يكتفي بإقامة القداس فيجعله مسموعًا ولكن معناه يصل أو لا يصل.

كلمة الله مائدة اي طعام موضوع أَعَدّه الله لأحبّائه. ولكن لا بدّ من خادم ينقل إليك هذا الطعام. في الفنادق هو محترف. في بيتك هذا عمل ربّة المنزل. اما الاتكال على فاعلية الكلمة بلا ناقل لها فهذه مغامرة كبرى تُعفيك من الدرس ومن أن تتحول الكلمة الى شخصك وقلبك وذهنك وتنتقل الى شخص آخر وقلبه وذهنه. الكنيسة تقوم على الوساطة التي لا تكون الا اذا وُجد كهنة عالمون بالمسؤولية التي على عاتقهم.

الطريقة المألوفة في أيامنا لإيجاد وسيط هي مدرسة لاهوتية او معهد لاهوتيّ او تدريس لإعداد كهنة. ولكن أن نأتي بإنسان من مهنته ليصير كاهنًا دون إعداد علميّ فهذا لا يصير شيئًا. يبقى أن هناك من اتصل بحركة روحية لشبابنا قضى فيها سنوات واحتكّ بمرشدين وقرأ كتبًا كثيرة، فهذا يفحصه الأُسقف ويُقدّر استعداده لإعطاء الفهم.

نتكلم كثيرًا عن افتقاد العائلات او الأفراد. اذا ظنّ أحد الكهنة نفسه راعيًا لأنه عند وصوله الى عائلة يسأل عن صحتها ووضع الأولاد في المدرسة، كان هذا اتصالا اجتماعيا وليس رعاية لأن هذه مبنية على كلام الله. اذا كان هذا الكاهن لم ينطق بالكلمة الإلهية فلا يذكر مثلا آيات من الكتاب المقدس او من سيرة قديس او كان غير قادر على أن يُجيب على سؤال يُطرَح عليه، تكون هذه الزيارة ضياعًا للوقت. الراعي من ساق الرعية الى المراعي الخُضر لتأكل وتشرب، فإذا لم تُعطَ غذاء تضعف وتموت.

عندما قال يسوع عن الراعي الصالح وعن نفسه: «الخراف تتبعه لأنها تعرف صوته» (يوحنا 10: 4)، نأخذ من هذا القول أن هذا الراعي عنده صوت وأما الأخرس فليس عنده صوت. وعندما يقول: «أَعرف خاصتي وخاصتي تعرفني» (يوحنا 10: 14)، نفهم من هذا أن الكاهن يعرف بالأقل كل العائلات إن لم يستطع أن يعرف كل فرد والفرد يعرف الراعي. عشرات من الناس قالوا لنا: أنا مقيم في هذه القرية منذ سنوات ولم يدخل بيتي كاهن. طبعًا كان عليهم أن يذهبوا الى الكاهن ويقولوا: صرنا نحن عندك. ولكن إن لم يفعلوا، فهو المسؤول أن يفتّش عنهم ليجعلهم للمسيح أكثر مما كانوا، ويأتي بهم الى مراعي الخلاص، ويدلّهم على باب الكنيسة، ويرشدهم الى اقتناء كتاب الله وكتب أُرثوذكسية اخرى. كل منا يحتاج الى إرشاد والى افتقاد اي الى محبة.

إلى اي حد يجب ان يفتقد؟ الجواب في يوحنا: «أنا أضع نفسي عن الخراف» (يوحنا 10: 15). المعنى أنّي أموت عنها. مات كهنة في لبنان لما انتشر فيه الطاعون لأنهم لم يريدوا أن يتركوا الرعية. الوباء لا يحصل كل يوم، ولا يتعب الكاهن اذا قام كل يوم بزيارة بضعة بيوت. ولكن الذي يتململ من رؤية نفسه متعبًا فيداري نفسه بما يفوق المطلوب، فهذا ما كان عليه ان يقبل الكهنوت.

ربما لم يسمع أحد الإخوة بهذا وظنّ أن القضية كلها طقوس. عند قراءة هذه الأسطر، هذا الرجل يجب أن يفهم ويُدرك أنه مخصّص لله ولخدمته عن طريق الكلمة. بعد ان كان قليل العلم، فليبدأ بالدراسة للمرّة الأولى. عندي كهنة صاروا ممتازين بعد أن فهموا هذا وأدركوا أن الكهنوت لا ينفصل عن التعب. هذا هو حمْلُ صليبٍ ثقيل، ولكن محبتنا ليسوع تتخطّى كل صعوبة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

معيشة الكاهن/ الأحد 20 أيار 2012 / العدد 21

الكاهن يريده ربه منزّها عن عشق المال بنوع خاص، لأنه اذا وقع في هذا العشق يتعثّر به المؤمنون ومنهم من يبتعد عن الكنيسة بسببه. ربما كانت هذه السقطة نتيجة قلّة موارده او ضعف راتبه. ولكن الصمود الروحيّ أمام التجربة يريده الله. حتى لو حُلّت قضية الراتب لا يتحوّل الشغوف بالمال الى نزيه آليًا. هذا التحوّل ثمر النعمة فقط.

لا يجوز ان يتأفف الكاهن من وضع له ضيّق. الكثيرون من الناس هم في هذا الوضع، وقد لا تأتي الحلول سريعة، ولكن لا بد أن نتدارس أحوال الكاهن بصورة جدية بدءا من إيجاد راتب مرضيّ، وهذا لا يتوفر اذا كانت الرعية الصغيرة وحدها مسؤولة عن إعاشة هذا الرجل وعائلته. لا بد من وضع مركزيّ بحيث يتساوى خادم رعية كبرى وخادم رعية صغرى او يتقاربان. ربما يتراءى حلّ من جمع الرواتب كلها في المطرانية ليتم توزيع أقرب الى العدالة. فالرعايا الكبيرة اذا تمسّكت باستقلالها الكامل لا تحل المشكلة.

اذا لم نركّز كل الأموال في المطرانية يمكننا على الأقل أن ندفع لصندوق مشترك نسبة من مواردنا لنغذّي كهنة الرعايا الفقيرة. ما من شك عندي أن بعضا من رعايا ولو قليلا تخزن مبلغا من المال يبقى سنين لا ينفع أحدا، تجني منها الرعية فوائد وقت يعيش خدّام المذبح الآخرين في ضائقة كبيرة.

متى نفهم أننا إخوة وأنه عيب على الوافرة أموالُه أن يترك بعضا من الإخوة في عوز كبير. لا نقدر أن نهرب الى الأبد من تنظيم مشاركة أخوية حرة او إلزامية حتى لا يحسّ أحد بعزلة.

أنا لم ألجأ الى نظام إلزاميّ اتكالا منّي على أن المشاركة تأتي عفوية لأقوم بتوزيع أقرب ما يكون الى العدل، ولكن لم يفت الأوان إذ قد يأتي الإلهام فنصبح الواحد أقرب الى الآخر.

بانتظار تنظيم كامل، تبقى قضية البطرشيل اي العطاء الحر من المؤمن لكاهنه في المناسبات كالإكليل او العمادة او المأتم. اعتاد أهلنا هذه الطريقة. لا مانع أن نبقى عليها حتى يأتي يوم الإصلاح الكامل. غير أن نظام البطرشيل لا يقوم إلا بالكرَم الكثير، والسوء فيه أن المؤمن يتعمّد مرة واحدة ويتزوّج مرة واحدة ويموت مرة واحدة. هذا يعني أنه يدفع ثلاث مرات للقائم بالخدمة. وأَزيد على هذا أن شعبنا قليل الممارسة، موسميّ، بمعنى أنه يحضر الصلوات في الأعياد الكبرى، وحتى في الأعياد لا يحضر الكل. فإذا كانت الصواني لا تجمع الا القليل، من أين يجمع راتب الكاهن؟ عندنا اذًا مشكلة لا تزال عالقة.

غير أن الحل الجزئي هو أن نُكرم كاهننا بالمناسبات إكراما يليق به وبنا حتى لا نموت ببخلنا ويحزن الكاهن المعوز وأولاده أولادنا. لماذا كُتب على كثيرين من خدّام الهيكل أن يحسّ ابناؤهم وبناتهم بالبؤس او بفقر يشبه البؤس؟

فكّروا فيما بينكم بهذه الأوضاع. قولوا لي ما يخطر ببالكم حتى نتنادى للحلول.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

السامرية / الأحد 13 أيار 2012 / العدد 20

هذا الفصل الإنجيلي يحتوي على حوار من أجمل حوارات السيد. الحادثة السابقة للمقطع الذي نقرأه ان السيد لما كان لا يزال في اليهودية، وهي المقاطعة المحيطة بأورشليم، أحس بكيد الفريسيين وتآمرهم عليه، فقرر ان يذهب الى الجليل، وهي بلاده، وكان لا بد له ان يمر بالمنطقة الوسط وهي السامرة. فوصل الى مدينة سوخار وكانت قريبة جدا من نابلس، التي كانت في ذلك الزمن ولا تزال الى يومنا. في هذه الضيعة كانت عين يعقوب او بئر يعقوب، وهذه البئر قائمة حتى اليوم وعندها كنيسة ارثوذكسية.

نحو الساعة السادسة اي عند الظهر جاءت امرأة سامرية. في بلادنا في طفولتي كانوا يتبعون هذا التوقيت ويسمونه الساعة العربية. المرأة حاملة جرة خزفية والبئر عمقها 32 مترًا وكان بإمكانها ان ترفع الماء، ولم يكن ليسوع دلو ليرفع الماء. طلب منها الرب ان تسقيه فرفضت لكونه يهوديا والسامريون فرقة انشقت عن اليهود لاختلاف في العقيدة ولاختلاف عنصري اذ كانوا قد اختلطوا بشعوب أجنبية. لما رفضت ان تعطيه ماء ليشرب قال لها: «لو عرفت عطية الله ومن الذي قال لك اعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماء حيا». قالت له: من أين لك الماء الحي؟ قال لها عند ذاك: «كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا وأما من يشرب من الماء الذي انا أعطيه فلن يعطش الى الأبد». أي ماء قصد؟ لم تفهم شيئا من كل هذا.

أراد السيد ان يوقظها روحيا وطلب منها ان تدعو رجلها (في الترجمة الاميركية زوجها). ترجمتنا نحن أفضل اذ لم يكن لها زوج وساكنت في الماضي خمسة رجال وهي الآن تساكن رجلا. رأت ان يسوع يعرف وضعها فقالت: «يا سيّد أرى انك نبي» وطرحت عليه سؤالا لاهوتيا: «آباؤنا سجدوا في هذا الجبل (المُسَمّى جريزيم) وأنتم تقولون ان السجود هو في هيكل اورشليم». عند ذاك قال لها ما معناه انه ليس هنا ولا في اورشليم يكون السجود لله. الله لا يهمّه مكان. «الله انما يُسجَد له بالروح والحق» اي في القلب، في عمق الكيان البشري. في الحق تعني الله نفسه اي السجود المباشر الذي لا يحتاج الى تلة صهيون حيث كان الهيكل ولا الى جبلكم حيث كان في القديم هيكل السامريين. وكان قد دُمر قبل مجيء المسيح الى العالم.

هذا الحوار أهم ما ورد في إنجيل اليوم. والمرأة تركت جرتها، وهي لأجل استقاء الماء جاءت، وأخذت تبشّر قومها بالمسيح وهيأتهم لبشارة الرسل التي يذكرها سفر أعمال الرسل. وسمّتها الكنيسة القديسة فوتيني، وفي التسمية العربية في أوساطنا هي فوتين اي المستنيرة.

أعطنا يا رب ان نهتدي من كل قلبنا كما اهتدت المرأة السامرية.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

مجالس الرعية/ الأحد 6 أيار 2012 / العدد 19

في مطالع السبعينات من القرن العشرين، لما سنّ المجمع المقدس قانون مجالس الرعية، ظن أنه من الحسن أن تشرف لجنة من بضعة أشخاص على أمور الرعية من كل النواحي الروحية والثقافية والمالية. وفي كل تجمّع بشريّ، هناك إمكان عمل وهناك إمكان إهمال وهناك طبائع الناس بعضها جيّد وبعضها سيّء. ولستُ الآن بمعرض نجاح هذا القانون أو إخفاقه، فيختلف النجاح أو التخلّف حسب الأماكن وحسب مستوى التقوى عند الأعضاء.

ومن الصعوبات الكبرى أن المطران لا يستطيع أن يعرف جميع الناس إذا عيّن، ولا يتّفق المؤمنون على أن يدلّوه على أفضل العناصر، وفي بعض القرى في هذه الأبرشية من لا يقبل رئاسة الكاهن على المجلس أي يريدون الاستئثار بإدارة الأمور وجعل الأب الروحيّ محصورًا في أداء الصلوات ولا رأي له مثلا في راتبه أو إعانة الفقراء وهم في رعايته بنوع خاصّ. ليست غاية هذه السطور انتقاد وجود هذه المجالس، فالمجمع شرّعها وليس من حديث عن إلغائها، ولكن كيف نتصرّف اذا أخطأت الإدارة؟ كيف لا يبقى المجلس فقط آلة إدارية ولكن يكون حسن الإدارة؟السؤال الحقيقيّ هو هذا: كيف يعيش أعضاء المجلس بعضهم مع بعض؟ جوابُنا أن لا عيش الا في المحبة والتسامُح والغفران بحيث لا يتمسّك كل منهم برأيه عنادا ولكن يقبل الرأي السليم. الأرثوذكسيّ ليس فقط المنتمي بالمعمودية إلى كنيسة المسيح ولكنه المستقيم الرأي. فإن حسبت في مناقشة أن زميلك رأيه أقوم من رأيك تتخلّى عن رأيك وتتبعه لأن هذا الإنسان يكون قد استلهم المسيح أكثر منك أو دلّته خبرته على الموقف الصالح. ولا فرق بين أن تكون أنت قائدًا للفكر أو يكون سواك قائدًا للفكر. المهم أن تكون الحقيقة ملهمة للجميع وأن نكون جميعًا أبناء للحقيقة.

ماذا يحصل أحيانًا عندنا؟ تحصل خلافات قائمة على العائليّة أو على سياسة الضيعة. ونحن في هذه الأبرشية قرى. اذا كُنّا محبّين نكون محبّين لجميع العائلات لكونها تنتمي إلى المسيح والمسيح يحبّها بالمقدار نفسه. الكنيسة ليست مؤلفة من عائلات. هي مؤلفة من أفراد. فإذا كنت تحب الحق تكون ضد أخيك اذا كان ضد الحق.

أن تَظهر، أن تُسيطر، أن تُحبّ السلطة هذا من الشرير. الإنسان المتواضع يتوارى، يقمع كبرياءه ولا يدّعي أن عائلته شيء عظيم أو هي أعظم من الآخرين. الله يدين جميع الناس. لا يدين عائلات. يدين أفرادًا. فقد يكون أبوك قديسًا وأنت سيء. لا قربى عندنا إلا بين الخيّرين، الصالحين. الإنسان السيّء غريب عنك. اخدمْهُ خدمةً طيّبة مع كونه سيئًا لأنه خروف يسوع.

لا تقسم مجلس الرعية إلى زُمَر، إلى مجموعات متنافرة. اجمع. لتكن طريقتك التوحيد بين الإخوة. كونوا في المجلس جسمًا واحدًا اذا أردتم خدمة الجماعة أو أردتم ان تصبحوا جماعة موحّدة في دم المسيح.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

انتخاب السبعة/ الأحد 29 نيسان 2012 / العدد 18

أعمال الرسل هو السِفْر المتعلّق ببدايات الكنيسة اي إنه كتاب عن عمل الروح القدس الذي انبثّ في الكون بعد قيامة الرب. في هذا المقطع المنشور اليوم من هذا الكتاب حديث عن تذمّر أُولئك المسيحيين المُسمّين يونانيين على المسيحيين المُسمّين عبرانيين، والسبب ان أرامل اليونانيين يُهمَلن في الخدمة اليومية وهي توزيع الإعانات او الطعام لتلك النساء. اليونانيون هم المسيحيون الناطقون باللغة اليونانية الذين استوطنوا أورشليم، وهُم كانوا من اليهود الذين هجروا فلسطين وسكنوا حيث يتكلم الناس باليونانية مثل الإسكندرية. بعد اهتدائهم الى المسيحية أَحبّوا لذكرى المسيح أن يعيشوا في أورشليم. والذين سمّاهم الكتاب عبرانيين هم الذين من أصل يهوديّ واهتدَوا وبقُوا حيث كانوا اي في فلسطين.

ارتأى الرسل أن يتركوا «خدمة الموائد» لأنها تأخذ منهم وقتًا كثيرًا والأولوية هي للبشارة. رأوا أنهم يستطيعون أن يُفوّضوا عددا من المؤمنين كانوا سبعة لينصرفوا الى خدمة الموائد. أَتوا بهم بالانتخاب، ورأوا أن مجرد التوزيع المادّي لا يكفي اذ يجب أن يكونوا «ممتلئين من الروح القدس والحكمة». أية خدمة في الكنيسة تحتاج الى الفضيلة، الى تعاطي الناس وعدم التسلّط عليهم والى سلام في النفس والى الهدوء، وفي توزيع المال او مواد الأطعمة تحتاج الى عدل بين الناس وإسقاط الحواجز النفسية بين قومين مختلفين او عنصرين هما اليونانيون والعبرانيون.

سمّاهم الكتاب الإلهي وصنّف أَحدَهم استفانوس بأنه ممتلئ من الإيمان والروح القدس، وسوف نقف في سِفْر الأعمال على فهمه اللاهوتيّ واستشهاده.

هل كان لهؤلاء السبعة رتبة او درجة؟ الرأي الغالب أنهم كانوا شمامسة أو أول الشمامسة في الكنيسة. القديس يوحنا الذهبيّ الفم لم يكن على هذا الرأي. ولكن المعروف في الكنيسة الأولى أن العمل الاجتماعي كان يتولاّه الشمامسة الى جانب خدمتهم الطقوسية. السبعة كانوا على شيء من التكريس إذ وُضعت الأيدي عليهم. ووضْعُ الأيدي عليهم علامة رسامة. كل تكريس من خدمة المرتّل والقارئ الى خدمة الأسقف تتطلب وضع الأيدي. السبعة اذًا لم يكونوا شمامسة بالمعنى المعروف اليوم، كان لهم مقام رسمي ولو مؤقتا. الترهّب الذي لا يعتبره معظم العلماء اليوم سرّا اعتبره بعض العلماء القدامى سرّا إذ يقوم بوضع الأيدي من قبل رئيس الدير او الأسقف. السرّ هو التخصيص لله بعلامة حسّية يرافقها نزول النعمة. وفي الكهنوت هو انتداب النعمة لخدمة معيّنة. هذا ليس امتيازا لأحد بل تفويض إلهيّ مجانيّ. بعد هذا توّا يقول لوقا (وهو كاتب أعمال الرسل): «وكانت كلمة الله تنمو (بالبشارة) وعدد التلاميذ يتكاثر في اورشليم». وعندما يقول «وكان جمعٌ كثير من الكهنة يُطيعون الإيمان» يقصد كهنة الهيكل الذين انضمّوا الى الكنيسة.

ثم اهتدى جيل بعد جيل، وكانوا يجاهدون في الإيمان جهادًا كبيرًا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

أحد توما / الأحد 22 نيسان 2012 / العدد 17

عند يوم القيامة مساء، دخل يسوع بجسده الممجّد غير خاضع لكثافة الجدران الى التلاميذ المجتمعين في العلّية معا «خوفًا من اليهود»، إذ خاف التلاميذ أن تقضي أُمّتُهم عليهم لمحو قضية يسوع نهائيا، وسلّم عليهم تسليمًا عاديّا، ولكونه كان عالمًا بأن شكّهم بهذا الشخص الظاهر ممكن «أَراهُم يديه وجنبه» فأَدركوا انه الرب. وبعد أن تثبّتوا أنه القائم وهو عارف أنهم يمتلئون منه، جاء وقت تفويضهم بإرسالهم فقال لهم: «كما أَرسلَني الآب كذلك أنا أُرسلكم». كانوا في حاجة الى تكليف إلهيّ. يجب أن يأخذوا شيئًا يأتي من الله ولهذا قال: «خذوا الروح القدس». انه مستقرّ فيّ وعندي مواهبه. لكم كل مواهبه لتبنوا الكنيسة فيأخذ كل مؤمن الموهبة التي يريد الروح الإلهي أن يعطيه: هذا التعليم، وهذا التدبير، وهذا الوعظ، كما يبيّن بولس في رسالته الى اهل رومية. ثم قال لهم: «من غفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومن أَمسكتم خطاياهم أُمسكت».

خلفيّة هذا الكلام أني أَقمتُ بموتي وقيامتي العهد الجديد معكم، هذا الذي تكلّم عليـه إرمياء الإصحاح 31 إذ يقول: «أَصفح عن إثمهم ولا أَذكُر خطيئتهم بعد». الرسول لا يغفر او يربط الخطايا تعسّفًا (هكذا كما يريد). يعرف فكر الله في هذه الخطيئة وتلك، ويعبّر عن الغفران الإلهي او عدم الغفران. في إنجيل متى: «كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولا في السماء» (18: 18). التشديد في هذا القول على أن الكنيسة بعد الفصح والتجديد الروحي هي المكان الذي نتوب فيه لنيل المغفرة. إستندت الكنيسة على هذا الكلام لتبرير سر التوبة. شكّ توما الرسول الذي كان غائبًا عشيّة الفصح بظهور السيد. لما ظهر الرب ثانية بعد أسبوع اي في ما سُمّي في الكنيسة «أحد توما» وبّخه السيد على عدم إيمانه. عند ذاك قال للسيد: ربّي وإلهي. قليل من الاعترافات بيسوع في العهد الجديد هي بهذه القوّة. أمّا قوله: «طوبى للذين لم يَرَوا وآمنوا» فلا يعني التصديق السهل لكل ما يُقال لنا. الإيمان شيء من داخل النفس قذفه الله الى داخلها. كثيرون في أيام السيد رأوا العجائب وسمعوا ما قاله يسوع ولم يؤمنوا. العين والأُذن لا يكفيان.

ولعلّ في توبيخ الرب يسوع لتوما معنى انه كان عليه أن يؤمن بما قاله الرسل. الكثيرون يشكّون وهؤلاء ليسوا أقلّ الناس فهمًا. يقولون: هذه القضية ليست قريبة من العقل. لا ريب أن الشك تجربة شيطانية، خلل في الإيمان الذي كان قائما عندنا. الفهم العقلي لا يأتيك دائما بالإيمان. الشك العقلي لا يأتيك دائمًا بنقصان في الإيمان. الإيمان هو ارتماؤك في حضن الآب وتسليم نفسك له. واذا وجدت نفسك في زيغان او ارتياب فاقبل بما تقوله الكنيسة اي المُعتقد المستقيم الرأي الذي أخذناه من قدماء الآباء جيلا بعد جيل. الاعتقاد بالسماء، بالحياة الأبدية، بالثالوث القدوس، بشفاعة القديسين، بالأيقونة، بغفران الخطايا وما الى ذلك، هذه أشياء يعبُر أحيانًا الشكّ بها الى عقولنا. أنت اطّلع على ما تقوله الكنيسة «ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا».

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الفصح / الأحد 15 نيسان 2012 / العدد 16

«المسيح قام من بين الأموات» كشف لقمّة إيماننا. وقد درَجت منذ فترة عبارة للتعزية بين الذين يحسّون بالقيامة. قبلنا القديس سيرافيم الروسي ألّف عبارة تحية له يقولها في كل لقاء: «يا فرحي، المسيح قام». ونحن الذين لا نستحيي بالإيمان في زياراتنا الفصحية لا نزال نردد: «المسيح قام».

هل نبقيها جملة صارت مألوفة عند الأرثوذكس أَم نُخرجها إلى اللسان من أعماق القلب إحياء للصديق الذي نُسلّم عليه ودعمًا لإيمانه وتشجيعه على قبول قيامة المخلّص قوة له وحياة جديدة؟ إذا كنّا نعنيها فقد نكون مسرورين أو متعبين، مرضى أو أصحّاء، ميسورين أو محتاجين. العبارة هذه فوق كل هذه الأوضاع والظروف الحياتية، قائمة وفاعلة بذاتها وناقلة النعمة من أفواهنا إلى أُذني الآخر فقلبِه.

نتلو القولة من قداس الفصح إلى خميس الصعود لنشبع جميعًا من حيوية القيامة لعلمنا بأننا انتقلنا من الموت، ايّ نوع من أنواع الموت، إلى الحياة اذ لم يكُن في عمق النفس البشرية فرحٌ ما دام الموت منتصرًا والبشرُ غير عارفين الا الموت. ولما عرفوا الحياة الجديدة في المسيح لم يبقَ الموت حقيقة راهنة وسمّيناه الرقاد لعلْمنا بأننا بالمسيح ننتقل إلى حياة جديدة في السماء.

كل مشكلة الإنسان الموت وما قبله صعوبات نتخطّاها. ولما جاء المسيح حلّ هذه المشكلة وتلقّينا من المخلّص وعد القيامة. هذه هي القيامة الأخيرة أو العامة. ولكن هذه القيامة الأخيرة تسبقها قيامة أولى وهي المعمودية، وقيامات عديدة وهي توباتنا المتلاحقة ومناولتنا جسد الرب ودمه. وهذه تهيّء القيامة الأخيرة. أي ان حياتنا صارت بالمسيح قيامة دائمة، واذا سقطنا يعود جسد المسيح ودمه لإحيائنا وإقامتنا في رجاء قيامات آتية.

نمط حياتنا تحن الفصحيين نمط قياميّ، وأناشيدنا أناشيد قيامة لأن كل كلام في الكنيسة يقود إليها ويحتويها ضمنًا أو صراحة. لذلك ركّزنا أن كل أحد في مطلع الأسبوع هو فصح ويُذكر فيه القائم من بين الأموات. ولا شك أن تعييدنا يوم الأحد سبق تاريخيا تعييدنا للقيامة.

حتى يتم الفرح الفصحيّ فينا كل يوم ينبغي ألاّ ننسى ان ابن الله تجسد ليحيا حياتنا ويُلازمنا في كل شيء ما خلا الخطيئة. «إنْ حَيِينا فللرب نحيا، وإنْ مُتنا فللرب نموت» (رومية 14: 8).

يسوع يُساكننا في العيش وفي الموت. واذا التصق بنا في الموت يُحيينا توّا ولو بصورة غير منظورة. يجعلنا له ومعه إلى أن يجمعنا في اليوم الأخير.

إن قرأتم هذا قولوا: «حقا قام».

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

رسالة الشعانين/ الأحد 8 نيسان 2012/ العدد 15

لعل ما دعا الكنيسة الى اقتباس هذا الفصل لرسالة اليوم المأخوذة من الرسالة الى أهل فيليبي كلام هذا الفصل على الفرح، ذلك الذي يعطينا إياه دخول يسوع الى اورشليم الدخول الأخير. «افرحوا في الرب كل حين». آلام السيد ليست مصدر حزن لنا وهي التي قادتنا الى الخلاص وأظهرت الخلاص في القيامة. والآلام والقيامة وجهان لحقيقة واحدة وهي نصر المسيح.

والفرح يُظهر الحلم والرجاء. اما سبب ذلك فكون الرب قريبا. المفسّرون المعاصرون يقولون ان بولس كان ينتظر أن يعود الرب يسوع في حياة الرسول. مهما يكن من أمر فالرب دائما قريب بالكلمة وبسرّ القرابين المعروف بسرّ الشكر. ونحن نذوق في الأسبوع العظيم ان الرب يأتينا روحيا في كل يوم من أيام الأسبوع حتى يسطع المجيء صباح العيد. بعد قربى المخلّص منّا لا يبقى لنا همّ. ننشدّ الى «الصلاة والتضرّع مع الشكر»، والشكر نوع من انواع الصلاة. والصلاة تهدف إلى التطهّر، وبلا إرادة الطهارة ليس من صلاة. والطهارة فينا تأتي من سلام الله فينا، وهذا السلام يفوق كل تصوّر عقليّ، واذا حل فينا سلام الله يحفظ قلوبنا وبصائرنا في يسوع المسيح. تنتقل بسلامٍ اليه ويصبح مقرّنا. نحن فيه. نحن فوق.

بعد قول الرسول هذا الكلام يريدنا أن نفكر بالأمور العالية ويسمّيها، وهي الحق والعفاف والعدل والطهارة. العفاف وجه من وجوه الطهارة وهو متعلّق بالجسد. أما الطهارة فأشمل وهي ساكنة القلب. كذلك يريدنا أن نحافظ على حُسن الصيت الآتي من حُسن السلوك. وعلى رغم هذا يرتكب بعض القوم النميمة في حقنا.

وحتى يُسهّل بولس عليهم كل هذه الفضائل يقول: «ما تَعلّمتموه وتَسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ فبهذا اعملوا». بولس يعتبر نفسه مصدرا في تعليم الإيمان وهو ذلك الايمان الذي وضعه الرب في قلب الرسول. والإيمان جاءهم بالسمع والتعليم وتقاليد الكنائس التي أَسّسها بولس. هناك ما يشاهده المؤمنون في العبادات، في القداس الإلهي.

هذه المجموعة في حركة السمع والمشاهدة والعمل الطقوسيّ رآها المؤمنون عند بولس. وهكذا ينتقل الإيمان عندنا بالتواتر في نقل العلم الديني وفي التشبّه بالقدامى. اذا عمّدنا بالتغطيس فلأن هذا انتقل الينا بالتقليد. اذا رسمنا على وجوهنا إشارة الصليب يكون هذا بتقليدنا الأقدمين. الإشارات والرموز في كنيستنا كالأيقونات والبخور والثياب الكهنوتية والعمارة الكنسيّة كلها جاءت مما شاهدنا. الترتيل انتقل إلينا جيلا بعد جيل، ولمَسْنا أنه يُجدي تعليمًا إيمانيًا وحثّا على التقوى ومشاركة الإخوة اذ نرتّل معا بفم واحد وروح واحد.

واذا ذُقنا هذا في كل خدمة إلهية، نبدأ اليوم نُنشد نشيد الخَتَن اي العريس الإلهي، وتبدأ الدعوة الى اليقظة حتى إذا تمّت هذه في كل أيام الأسبوع العظيم يكون فرحنا قد تمّ لاستقبال الفصح.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

إلى الآلام/ الأحد أوّل نيسان 2012 / العدد 14

في هذا الفصل من إنجيل مرقس يُدخل السيدُ تلاميذه في سرّه العظيم. كان صاعدًا معهم الى اورشليم فتنبأ أن ابن البشر، أي هو، سيُسلم الى رؤساء الكهنة والكتبة. هؤلاء كانوا الذين ينسخون التوراة لتُذاع على ما أمكن من الناس وصاروا بسبب من هذا العمل علماء حتى قال: «فيحكمون عليه بالموت ويُسلمونه الى الأُمم». ويريد هنا بالأمم ممثل روما في فلسطين بيلاطس البنطيّ.

اليهود والوثنيون اشتركوا بقتل السيد. وتكلّم يسوع عن شكل آلامه: «فيهزأون به ويبصُقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم». هكذا تكلم الإنجيليون الآخرون.

هنا يأتي حديث غريب تفوّه به ابنا زبدى يعقوب ويوحنا (الإنجيليّ). كانا قد ظلاّ على الظن أن يسوع ملكٌ زمنيّ، وسياسيّ، فطلبا أن يكونا وزيرين عنده في حكومته. فسألهما اذا كانا يقدران أن يتألما مثلما سوف يتألم. وكانا مع غيرهما لا يفهمان شيئًا مما سيحصل له. غضب التلاميذُ من رغبة يعقوب ويوحنا يتميزان فيها عن بقية الرسل مع أن أحدًا لم يكن بعد قد فهم أن مملكة يسوع لم تكن من هذا العالم.

عند ذاك دعا يسوع الاثني عشر ليقول لهم ان الأُمم الوثنية عندها من يسودها. أمّا انتم فلا يكون بينكم من يسود، واذا جاز أن تفتّشوا عن كبير فليكن هذا لكم خادمًا. الخدمة وحدها طريق الى الكبَر المعروف في مملكة يسوع. ثم شدد على كلمة خادم فقال: «من أراد ان يكون فيكم أوّلَ فليكُن للجميع عبدًا».

النموذج أمامكم ابن البشر الذي لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم. ولكن ليس فقط ذلك ولكن ليموت.

الكبير عندنا يقول عن نفسه انه حقير. المطران عندنا كان يوقّع رسائله «الحقير في رؤساء الكهنة». اي انه يتواضع حتى النهاية ليصدّقه المؤمنون وليتمكّن من خدمة صالحة. كل منا جاء فداء عن كثيرين مثل السيد. كل منا لا يصير شيئًا الا بنعمة الرب.

بهذا الشعور نُقبل الى آلام السيد وموته وقيامته. هذا الشعور هو الكفر بالأنا، بالمصالح والمنافع وحُبّ الظهور. لا تستطيع ان تأخذ شيئا من الجمعة العظيمة الا اذا شعرت أنك فقير الى الله مثلما شعرت القديسةُ مريم المصرية التي نعيّد لها اليوم أنها لا شيء وبقيت 47 سنة في برية اليهودية تُكفّر عن خطاياها.

أن نُميت خطايانا منذ اليوم يجعلنا قابلين للفصح.

Continue reading