Category

نشرة رعيتي

رعيتي، نشرة أسبوعية تصدر عن مطرانية جبيل والبترون وما يليهما منذ العام 1981 وتوزع في كنائس الأبرشية وعلى أبنائها. تتضمن هذه النشرة زاوية ثابتة بعنوان «كلمة الراعي» يخاطب من خلالها المطران جورج (خضر) أبناء أبرشيته بمقال أسبوعي مُصاغ بقالب بسيط يسهل إيصال الكلمة بعرائها وحدّتها ومتطلباتها إلى كل الناس. وقد بوبت هذه المقالات ونشرت في سلسلة من ستة كتب بعنوان «الروح والعروس» صادرة عن منشورات مطرانية جبيل والبترون وما يليهما.

2012, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل بولس/ الأحد 21 تشرين الأول 2012 / العدد 43

كلمة إنجيل التي يستعملها بولس تعني مضمون البشارة التي بشّر بها. هي طبعًا لا تعني الأناجيل الأربعة التي لم تكن دُوّنت بعد. إنجيله ليس بحسب الإنسان، أي لم يكتبه إنسان، ولم يعلّمه إياه إنسان، وفي الواقع لم يشاهد رسولا من الاثني عشر او تابعا لهم قبل ان يعلّم.

يوضح هذا بقوله: «كنتُ أَضطهد كنيسة الله بإفراط وأُدمّرها». هذا مؤكّد في سفْر أعمال الرسل عندما يتكلّم هذا السفْر عن اهتدائه. «أما شاول (اي بولس) فكان لم يزل ينفث تهددا وقتلا على التلاميذ» (أعمال 9: 1). قبل ظهور السيد له على طريق دمشق، كان اكثر من بقية اليهود «غيرةً على تقليدات آبائه»، والغيرة اليهوديّة جعلته يذهب الى أورشليم «ليسُوقهم موثقين الى أورشليم».

في طريقه الى دمشق لإتمام هذه المهمة، دعاه الله بنعمته «ليُعلن ابنه فيّ لأُبشّر به بين الأمم». كان المفروض عقليّا أن يصعد الى أورشليم ليتّصل بالرسل الذين قبله. المهم عنده إدراكه أن الله أفرزه من جوف أُمّه كما أَفرز الأنبياء القدامى، اي جعله خصّيصه، فلما أدرك انه للرب ذهب الى ديار العرب. لفظة «العربية» التي يستعملها تعني هذا القسم من بلاد العرب القريب من دمشق ربما حوران او البتراء في الأردن اليوم.

لا يبدو أنه أقام طويلا في أي مكان لكونه كان يتوقّع اصطدامه بالسلطات المدنية التي كانت تريد قمع المسيحيين.

في ديار العرب (حوران) كان الحُكم لملك الأنباط المدعوّ الحارث الرابع. وإذ خشي بولس القمع مِن قَبل الحارث رجع الى دمشق. يقول: «بعد ثلاث سنين رجعتُ الى دمشق». هل يحسب هذه السنين من بعد ظهور الرب له، أَم بعد رجوعه الى دمشق؟ لسنا نعلم على وجه الدقة.

بعد هذه التنقلات أَحسّ أنه لا بد له أن يصعد الى اورشليم حيث كان بطرس مقيمًا. واضح أن بطرس لم يكن قد رحل عن فلسطين الى البشارة، فمكث عنده خمسة عشر يوما.

لماذا اراد بولس لقاء بطرس ويعقوب أخي الرب؟ بطرس لأنه قائد الاثني عشر، ويعقوب لأنه من عائلة الرب. يعقوب هذا مذكور في مرقس 6: 3. كان يعقوب مهمّا في كنيسة اورشليم، بل عرفه التقليد انه اول أُسقف عليها. هذا قد يعني ان يعقوب بقي في هذا المقام حتى رجْمِهِ مِن قبل رئيس الكهنة.

اللافت في هذا المقطع أن بولس يؤسس مهامّه ومسؤوليته الرسولية على اتصاله المباشر بالرب يسوع بمعنى أنه لم يستمدّ رسوليته من سلطانه التعليميّ لأن الجماعة الرسولية لم تُعيّنه ولكن الرب يسوع اختاره.

على هذا الاختيار يؤسس كل تعليمه، ويطلب الالتزام بهذا التعليم.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الشهادة والأيقونة/ الأحد 14 تشرين الأول 2012 / العدد 42

«وأهل البدعة بعد الإنذار مرة وأُخرى فأَعرضْ عنه». البدعة في اليونانية الهرطقة وهي الخروج عن الإيمان والإتيان بعقيدة مخالفة له مثلا أن تُنكر أُلوهية المسيح او الثالوث الأقدس أو كون السيد قام من بين الأموات. هكذا كان قديمًا. في تاريخ الهرطقات الكبرى الآريوسية (من صاحبها آريوس) هي اعتبار المسيح بشرًا فقط لا إلهًا.

هذه تصدّى لها المجمع المسكونيّ الأول المعروف بالنيقاويّ من مدينة نيقية حيث اجتمع وسنّ القسم الكبير من قانون الإيمان (أُومن بإله واحد…). لقد انعقدت سبعة مجامع مسكونية، منها المجمع السابع الذي نقيم ذكراه اليوم. إيماننا الأرثوذكسي حدّدته هذه المجامع وسكبته فيصيَغ تُدعى عقائد.

العقيدة هي مجموعة العقائد التي أوضحتها المجامع السبعة او صاغتها بعبارات فسّرها الآباء (أثناسيوس الكبير، يوحنا الذهبيّ الفم، غريغوريوس اللاهوتي، باسيليوس الكبير). العقائد كما صيغت وتفسير الآباء لها هي إيماننا. يبقى الحفاظ على هذا الإيمان عند كل واحد منا. اذا حافظ عليه، نسمّيه أرثوذكسيا اي مستقيم الرأي، غير منحرف الاعتقاد ويمجد الله تمجيدًا سليمًا في الخدمة الإلهية.

في هذا الأحد نقيم ذكرى المجمع السابع المنعقد في أواخر القرن الثامن وحدد إكرامنا للأيقونة وتبنّى ما قاله عنها القديس يوحنا الدمشقي حيث قال اننا لا نعبد الأيقونة ولأننا نُكرمها إكرامًا. والإكرام يعود الى الشخص المصوَّر عليها (السيد أو والدة الإله أو أحد القديسين). وإذا قبّلناها او انحنينا أمامها فهذا ليس سجودا بل تكريم.

نحن لا نعبد الخشبة او اللون او قطعة الفسيفساء، ولكنا نذهب بالعقل والقلب الى الرب يسوع او والدة الإله او القديس المرسوم، وشعورنا ان القديسين موجودون معنا في الكنيسة بروحهم وبرسومهم، وهكذا تتّحد كنيسة السماء وكنيسة الأرض، والبيت الذي توجد فيه أيقونة يحضر فيه صاحبها بإشراف الروح القدس. فهو يطلّ علينا بالأيقونة كما ينسكب في قلوبنا اذا كانت مطيعة له.

بالأيقونة يعيش في بيوتنا السيد له المجد ووالدة الإله والقديسون. بالأيقونة تصبح هذه البيوت مساكن للرب وأحبائه. الأيقونة تحفظنا اذا آمنّا بصاحبها. البيت المليء بها كنيسة. الجدران التي تحملها جدران كنيسة. فالكنيسة ممتدّة الى منازلنا بالقديسين الذين يُساكنوننا.

الأيقونة إشارة على أن السماء والأرض أصبحتا واحدة. اذا ملأت بيتك بالأيقونات تُظهر إيمانك الأرثوذكسي.

الرب يريد منك هذه الشهادة. عندنا شهادة الكلمة والعلامات التي تُظهرها مثل الأيقونات.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

العطاء/ الأحد 7 تشرين الأول 2012 / العدد 41

يدعو بولس الى ألاّ نبخل في العطاء، الى أن نزرع الخير ويسمّي هذا «زرعًا بالبركات» لأنه في حقيقته، بواسطتنا، عطاء إلهيّ. ويوضح أن القلب هو المعطي، اذ لا يُضطرنا على العطاء الا الدعوة الإلهية التي تدفعنا الى الآخرين. إنهم فرحنا وبهم نكتمل. لذا يقول: «إن الله يُحبّ الـمُعطي المتهلل».

فإذا نظرنا فقط الى بذل ما عندنا من مال، المهم جدا أن نُسرّ للتعزية التي يتعزّى بها من نُعطيه. نحن شاكرون لمن يقبل عطاءنا ونفرح لفرحه. وإذا امتددنا اليه نكون قد اقتربنا من الله وصرنا إليه.

وإذا أَعطينا تنزل علينا نِعَمٌ من الله، وهذه النعم تجعل فينا «كل كفاية كل حين وفي كل شيء». فإذا انسكبت النعمة من فوق لا نبقى محتاجين الى شيء اذ لا شيء يزيد على نعمة الله التي تجعل فينا كل فرح وكل انتعاش. وإذا قبِلنا النعمة من فوق نزداد في كل عمل صالح. بهذا الكلام يؤكد الرسول أن العمل ليس عملا صالحًا إلا إذا كان الله قد أَوحى به لنا حتى لا نكون واعين لمصالحنا ولكن مُطيعين لمشيئة الله التي يوحيها لنا.

بعد هذا الكلام أراد بولس الرسول أن يوضح جانبًا من العمل الصالح فيأتي بكلمة من المزامير: «انه بدّدَ، أَعطى المساكين، فبرّه يدوم الى الأبد». المساكين يحبّهم يسوع بنوع خاص لأنهم اعتبروا الرب ثروتهم ولأن المؤمنين فيهم يذوقون الله طعامًا. هذا الذي يُعطي الفقراءتَحرّرَ من أن يرى مالا محورا لحياته. الآخرون محورُه او مركزه. أنت تذوق الله في المحتاجين، تراه فيهم. كيف تلتقي الله في هذه الدنيا إن لم تلتقه بالناس. المحتاجون إليه هم وجهُه، وأنت الى وجهه إن أَحببتهم. بعد هذا الكلام يعود الرسول الى بدء المقطع المنشور هنا ويوضح أن «الذي يرزُق الزارع زرعًا وخُبزًا للقوت يرزُقكم زرعًا». ويؤكد انه «يرزُقكم بكثرة ويزيد غلال برّكم». الزرع الذي تزرعونه هو زارعه وبكثرة. كل شيء من نعمته. إذا أَطعتموه تكونون قد أدركتم أن هذا من نعمته. إرادتُكم في الخير لا تصبح فاعلة ما لم يمنّ عليكم برضاه. هو ينزل إليكم بمحبته فتكونون أبناءه وحاملين عطاءه وتُعطُون من عطائه.

أمام المواهب الإلهية التي تنزل إليكم «تَستغنُون في كل شيء». لا يبقى فيكم فقر روحيّ. إذا كان الرب بكل قوّته فيكم، فليس من مدى لآخر وليس عندكم حاجة. وهذا يدفعكم الى كل سخاء ولا تبقون بخلاء بأي وجه من وجوه العطاء. هذا السخاء الخالص «يُنشئ فيكم شكرًا لله». لأنكم إذا عرفتم أن كل ما تقومون به هبة لكم لا يبقى فيكم إلا أن تعترفوا بذلك. وتصبح نفسُكم مليئة بالشكر لله وأنتم أمام يديه السخيّتين لتأخذوا منها نعمة.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد 30 أيلول 2012 / العدد 40

القاعدة الخُلُقية التي تنفّذ بها محبة القريب هي أن نُعامل الناس كما نريدهم أن يُعاملونا. المساواة بالمعاملة حدّ أدنى في التلاقي الوجداني والعملي. ويوضح السيد هذه القاعدة فيقول: «إن أحببتم الذين يُحبّونكم فأيّة منّة لكم». المطلوب منك فوق ذلك أن تعطي أكثر مما تُعطَى. المحبة هي أن تبذل الكثير مما عندك وأن تحبّ بلا حدود.

هذا ما عبّر عنه السيد بقوله: «أَحبّوا أعداءكم». أنت لا تسأل عن صفات حسنة في الآخر حتى تحبّه. أنت لا تحبّ حسنات فيه قد توجد وقد لا توجد. تحبّه كما هو في سُموّه وهبوطه، اذا ظهرت لك فيه مودّة أو لم تظهر. لا تحبّه لكونك استلمت منه شيئًا، وتحبّه اذا حرمك عاطفة منه كنت تنتظرها.

ثم يقول: «أَحسنوا» دون تحديد وجهة الإحسان أو شكل الإحسان. يبدأ الإحسان بالانتباه إلى الآخر، بالنظر الى حاجاته ولا سيما اذا كان قريبا. إن كنت لا تعرف حاجاته اسأله عنها وتدبّر أمورك حتى تجدها له. قد تكون حاجاته مادية وقد تكون معنوية.

إن لم تقدر أن تعطيه مالا لكونه غير متوفر لديك، فأنت دائما قادر أن تعطيه قوّة معنوية او تعزية إن كان حزينا او أن تزوره إن كان مريضا. أحيانا يفضّل أشياء كثيرة عن المال.

أحسن ليس فقط في الكلام ولكن في تبيان صداقتك. لا تبعد عن صديقك لئلا يظن أنك تباعدت عنه في عاطفتك. الكون كله يقوم على القربى. فمن نسيك أو تناساك بادر الى العودة اليه لكي يستعيد الدفء ولا يحسّ بالعزلة. العزلة شيء مرير ومحزن.

دائمًا أَعطِ الآخر فرحًا حتى لا ينتابه يأس ولا يقع في شدّة معنوية. داوِ كل شدة في كل إنسان تعرفه لكي يرى بفضلك وجه الله.

ويختم الإنجيل هذا المقطع بقوله: «كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

الرحمة سعي الى إنقاذ الآخر من كل شدّة ومن كل تجربة الخطايا. الرحمة هي السعة وضم الآخر إليك وبك إلى ربّه. من أَحسّ برحمة الله لا يبقى في الضيق. تتسع نفسه الى كل الخلائق. تقبل كل الناس. تغفر لمن أساء اليها.

الرحمة تجعلك واحدًا مع كثيرين، وتجعل الآخرين موحّدين بالله ومالكين الفرح.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

العهدان / الأحد 23 أيلول 2012 / العدد 39

يحتلا مكانة كبرى في الرسالة الى اهل غلاطية اذ الرسالة تبحث في الإيمان الذي ابتدأ مع إبراهيم. على هذا الأساس يسمّي بولس المؤمنين بني إبراهيم مع ان أكثرهم ليسوا من نسله. فبركة إبراهيم «للأمم في المسيح يسوع». الأمم تدل على أن إبراهيم ابو الشعوب جميعا في إيمانهم بالمسيح.

يؤكد بولس في هذا السياق انه «كان لإبراهيم ابنان أحدهما من الجارية (هاجر) والآخر من الحُرّة (سارة)». هنا يستعمل مصطلحين: الجسد والموعد. فالذي جاء من الجارية وُلد بحسب الجسد أي بلا وعد إلهيّ، اما الذي من الحُرّة فبالموعد. وهنا يشرح الرسول لأن هاتين المرأتين ترمزان الى عهدين: أحدهما من طُور بلد العبودية وهي هاجر. ويشرح أن ما تدلّ عليه هاجر هو «طُور سيناء في ديار العرب»، وسيناء اسم لشبه جزيرة سيناء المعترضة بين مصر وفلسطين.

هذا الطُور (او الجبل) يناسب اورشليم الحاليّة مركز الديانة اليهودية، وهي «حاصلة في العبودية مع اولادها» لكونها لم تعرف بعدُ العهدَ الجديد. اورشليم هذه باتت مدينة عاديّة ككل المدن. اما اورشليم العُليا، وهو يقصد الكنيسة، «فهي حُرّة وهي أُمّنا كلنا». نحن نأتي من هذه الأُم التي وَلدتنا بالمعمودية والمعمودية تجعلنا واحدا في كنيسة الرب.

ويسند بولس فكره الى كلام لكتاب في العهد القديم: «افرحي ايتها العاقر التي لم تلد». وبالمعنى نفسه «اصرخي ايتها التي لم تتمخّض لأن اولاد المهجورة اكثر من اولاد ذات الرجل» بالإشارة الى الولادة الجديدة التي هي في المسيح. للمسيحيين أن يفرحوا بالرب يسوع مع أنهم قلّة لأنهم ينظرون الى الإيمان والرجاء والمحبة.

هذا الفصل من الرسالة الى أهل غلاطية يشير الى أننا تحررنا من عتاقة العهد القديم ودخلنا مع المسيح في حياة جديدة. صرنا في المسيح «خلائق جديدة» يتجدّد الكون بنا بعد أن تجددنا نحن بالمسيح.

هذا يتطلب تحرّرا من كل ما هو عتيق في سلوكنا اذ ينسكب علينا دائما الروح القدس الذي به نتعزّى. نحن وإن كنا متكوّنين من هذا الجسد إلا أن حقيقتنا العميقة أن الروح القدس هو الذي يجعلنا أبناء الله لا أبناء آبائنا وأُمهاتنا فقط. بعد هذا نُنشئ الآخرين بتوبتنا وتوبتهم، ونُدخل مَن آمن بيسوع في حياة يسوع الذي يُجدّدنا لأنه هو الجديد الدائم.

والكنيسة جديدة بأبنائها المقدّسين بالروح الإلهي، وفيها يتحرّر الإنسان من الأشياء العتيقة التي التصقت به، وهو ينتمي الى الكنيسة المتجدّدة كل يوم بالأسرار وبخاصة جسد المسيح ودمه ما يجعلنا على صورة المسيح يوما فيومًا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الوحدة مع المسيح / الأحد 16 أيلول 2012 / العدد 38

«أنا مُتّ للناموس». قولة بولس هذه تعني أني لا أقدر أن أكون حيًّا اذا بقي ناموس موسى فاعلا. بات ميتًا «لكي أحيا لله» بقوة المسيح إذ كنتُ في المسيح لمّا صُلب. كنت أنا أيضًا معلّقًا على الخشبة وعليها صار المسيح حيًّا، وبسبب وحدتي معه صار هو حيًّا فيّ.

كيف يكون هذا؟ ما لي من الحياة على هذه الأرض أنا «أحياه في إيماني بابن الله الذي أَحبّني وبذل نفسه عنّي». سكن الرب يسوع فيّ بموته وقيامته، وهذه السُكنى مبعث إيماني به. هو غدا كل شيء لي.

ولكن هذه السُكنى، حتى تستمرّ، تفترض جهدًا مني. الخلاص ينزل عليّ من الله، ويجب أن أُحافظ عليه بالطاعة. يجب أن أقبله. لذلك قيل في إنجيل اليوم: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». اذا كنت مؤمنًا حقًّا ومعمدًا تشير الى أنك تريد أن تتبع المعلّم. هو يريد أن يجلبَ أتباعَه اليه. هذا لا يتمّ بمجرّد الاعتراف اللساني به. هذا يشترط أن يكفر الإنسان بنفسه اي أن يبتعد عن كل مصلحة في الأرض، عن تسلّط الأنا عليه، أن يطلب سلطان المسيح عليه. هذا هو الكفر بالنفس والاعتراف بأن للرب وحده سيادة عليها. أنتَ إذا قبلتَ بتعاليم يسوع تكون قد أقررت بأنك تريد أن يُحييك بالإنجيل لأنه هو كلمة الحياة والخبز النازل من السماء.

بعد أن تكون كفرت بمنافعك الدنيوية وملذّات الدنيا يبرز أمامك الصليب الذي هو مشقّات الحياة والتجارب والشكوك. يطلب إليك يسوع أن تحمل كل هذه الأتعاب لتقدر أن تتبعه. الى أين تتبعه؟ هو مشى حتى الجلجلة، وهناك لاقى صليبه اي مشقّات العالم بأسره. واذا أنت حملت أتعابك الخاصة كلها بصبر القديسين، تكون التحقت به في الجلجلة ومتّ معه وقمت معه. ليس لك طريق إلا طريقه، وهو نفذ منها الى القيامة، وأنت تنفذ من طريقك الى قيامتك اي الى الفرح الذي يُنزله عليك الروح القدس.

بعد هذا يقول السيد: «لأن من أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها ومن أَهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». معنى ذلك أنك تبذل نفسك بالجهود التي يطلبها منك. تبذل كل الجهود لا بعضًا منها. وذلك من أجله ومن أجل الإنجيل اي لتظهر فاعلية الإنجيل فيك وليُبثّ في الناس فيظهر نوره في أعمالهم.

ثم يزيد المعلّم كلامه وضوحًا بقوله: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أَم ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟». لو ربح كل أموال الدنيا وكل النفوذ فيها وكل السلطة عليها، وصارت نفسه بهذا مكانًا للشرير، ما نفع هذا الذي ربحه.

المُبتغى أن يربح اللهُ نفسَك بالقداسة التي يريدها الله لك والتي يجب أن تحبّها لأنك إن لم تحبّ القداسة تكون بالضرورة محبا للخطيئة، ولا يمكن ان تجمع الخطيئة والقداسة في قلب واحد وفي وقت واحد.

المسيح يريد لنفسه كل قوّة فيك وكل مواهبك وأن تكون أعمالك لمجده فقط. أنت لا تُظهر نفسك. تُظهر نور المسيح مرتسمًا على وجهك ليأتي الناس الى مسيحهم ويَخلُصوا.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

الشريعة الجديدة/ الأحد 9 أيلول 2012 / العدد 37

كان همّ بولس الرسول في الرسالة الى أهل غلاطية (آسيا الصغرى) أن يُبيّن أننا تجاوزنا ناموس موسى ودخلنا العهد الجديد. يستهلّ المقطع الذي يُقرأ اليوم بقوله: «انظروا ما أعظم الأحرف التي كتبتُها إليكم بيدي، ويريد بذلك أنه أخذ القلم من الكاتب الذي كان يُملي عليه وكتب هذه الكلمات القليلة بخطّ يده ليُبيّن للقرّاء محبته لهم.

ثم يأخذ موضوع الختان (باللغة العامّية التطهير) ولاحظ أن بعض المتمسّكين بناموس موسى من أبناء الكنيسة كانوا يتمنّون أن يختتن المسيحيون المُهتدون من الوثنية أي أن يَعبُروا بالديانة اليهودية أولاً ويتعمّدوا في ما بعد. صوّر بولس لقرّائه أن هؤلاء يفتخرون بالأجساد المختونة، ورفض هذا فقال: «حاشى لي أن أَفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وانا صُلبتُ للعالم».

صُلبَ العالمُ لي لأني أَبطلتُ العالم الذي كله تحت الشرير واستعمل كلمة صلبتُه. كذلك قوله: «وأنا صُلبتُ للعالم» اي أن هذا العالم الشرير تخلّص منّي بإماتتي على الصليب (معنويا).

ويُبرّر تحرّره من الختان او عدم الختان إذ يساوي بينهما فيقول: «لأنه في المسيح يسوع (اي بعد أن صرنا في المسيح) ليس الختان بشيء ولا القلف» (او الغرلة بترجمة أخرى، اي عدم الاختتان)، ليس هذا كله بشيء «بل الخليقة الجديدة» اي المتجددة بالإيمان وبالمعمودية.

«وكل الذين يسلُكون بحسب هذا القانون» اي كل الذين يؤمنون بقولي هذا او بإنجيلي كما كان يُعَبّر أحيانا فعليهم سلامٌ ورحمةٌ وعلى إسرائيلِ (بكسر اللام) اللهِ، ويعني به إسرائيل الجديد الذي هو الكنيسة.

لذلك لا تُتعبوني بكل هذا الجدَل الذي لا معنى له لأني «حاملٌ في جسدي سمات الرب يسوع» ويريد بها المشقّات التي تحمّلها هنا وهناك والاضطهادات. علامات تعبي أنا حاملها وسأُتابع طريقي الى الصليب تشبّهًا بالسيّد. وفي الواقع قتلت السلطة الرومانية بولس بحد السيف حوالي السنة الـ67 كما قتلت بطرس بالصلب السنة الـ65.

بعد كل هذا الكلام اللاهوتي يُسلّم على أهل غلاطية بقوله: نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم أيها الإخوة، آمين.

بهذا تنتهي الرسالة الى أهل غلاطية وهي من أعمق الرسائل لاهوتيا وشبيهة برسالة بولس الى أهل رومية. ما كتبه الرسول العظيم أساسيّ لكل من أحب أن يذوق اللاهوت في العهد الجديد. بولس هو باني الكلام اللاهوتيّ في المسيحية.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

خاتمة كورنثوس الأولى/ الأحد 2 أيلول 2012 / العدد 36

أسلوب بولس أن يُنهي رسائله بتوصيات عملية بعد أن يكون بسط الكلام اللاهوتي الذي جعله موضوع رسالته.

في الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس، المقطع الأخير منها يبدأ بقوله: «اسهروا» ومعناها تيقظوا وسط المشقّات التي تعانيها الكنيسة. كونوا متوثّبين، لا تُساوموا في أي شيء مع الذين هم خارج إيماننا ولا تُلاعبوا الخطيئة. لا تُضحّوا بأي شيء في الإيمان لأن كل شيء فيه هامّ.

جاهدوا جهاد الرجال وهم معروفون بالقوة. لا ينسى بولس أن قوّتنا من الروح القدس، ولكنه يذكر اننا مشاركون مع الروح القدس بجهادنا. الخلاص يقدّمه الله ونحن نتقبّله. بعد هذا لا ينسى بولس أن صميم الحياة المسيحية هو المحبة.

بعد هذا يذكُر الرسول مؤمنين بارزين في الخدمة. ماذا يعني أن بيت استفاناس (اي عائلة) «خصصوا أنفسهم لخدمة القديسين»؟ لسنا نستطيع أن نجزم أن استفاناس شماس او إكليريكي. في هذه الرسالة لا يتضح أن بولس يذكُر كهنة او أسقفا. على الأقل استفاناس ناشط او متكلم، ويذكُر غيره ويُجلهم بولس لأنهم «جبروه وأراحوا روحه وأرواحكم».

«تُسلّم عليكم كنائس آسيا» في صيغة الجمع تدلّ على انه يتكلم عن عدة مدن الى جانب كنيسة أفسس. هذا يدل على ان بولس أثناء إقامته في أفسس أكثر من سنتين بشّر المنطقة كلها.

ثم يذكر أن أكيلا وزوجته بريسكلا، وقد لعبا دورًا كبيرًا في تأسيس كنيسة كورنثوس، يسلّمان عليها، ويذكر الكنيسة التي في بيتهما بمعنى أنهما حيث حلاّ تجتمع الجماعة عندهما ويقام القداس الإلهي في بيتهما.

«سلّموا بعضُكم على بعض بقبلة مقدّسة». العبارة واردة في أكثر من رسالة، وتشير غالبًا الى القبلة التي كان المؤمنون في القداس يقومون بها، واليوم لم تبقَ الا القبلة بين خدّام الهيكل.

«السلام بيدي أنا بولس». الرسول كان يُملي على كاتب يرافقه. هنا يأخذ بولس منه القلم ليؤكد لقرّائه أنه يحبّهم شخصيًا ويذكُرهم.

ينتقل من هذا إلى قوله: «إن كان أحد لا يحبّ ربنا يسوع المسيح فليكُن مفروزًا» أي محرومًا عضوية الكنيسة. العضوية في الكنيسة تتطلب محبة عملية للرب يسوع.

وأخيرًا يقول «ماران أثا» وهي عبارة آرامية أراد بولس أن يحافظ عليها بالأحرف اليونانية. وهي إمّا تعني أن الرب أتى، او اذا قرأتها «مارانا ثَ» فتعني تعال يا رب.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

إنجيل بولس/ الأحد 26 آب 2012/ العدد 35

عندما يتكلم بولس عن إنجيله لا يريد به طبعًا الأناجيل الأربعة لأنها لم تكن مكتوبة. يقول لأهل كورنثوس انهم قبلوا هذا الإنجيل وأنهم قائمون فيه وأنهم به يخلُصون. هو حياة كاملة وفيه تقويم سلوكنا. ثم يعطي مضمون هذا الإنجيل بعد قوله انه تسلّمه من الرعيل الأول. المضمون هو هذا «أن المسيح مات من أجل خطايانا على ما في الكتُب».

الكتُب تعني هنا العهد القديم لأن العهد الجديد لم يكن قد انسكب في كُتُب. وجوهر البشارة أن المسيح مات وقُبر وقام في اليوم الثالث وأنه تراءى لصفا (اي بطرس) ثم للإثني عشر. لا يذكر متى هذا الظهور. مرقس قال انه ظهر للأحد عشر ولا يذكر بطرس. ربما يوحنا يوافق هذا الكلام في الإصحاح الأخير من إنجيله. أما الخمس مئة الذين ظهر لهم حسب الرسالة فلم يُذكروا في الإنجيل ولم يُذكر يعقوب. عندنا إذًا ظهورات الرب في روايات مختلفة كان الرعيل الأول يتداولها. بعد هذا يقول بولس: «ثم تراءى لي كأنه للسِقط»، والسِقط هو الولد الذي يولد ميتًا.

سبب تسميته نفسه هكذا انه اعتبر نفسه أصغر الرسل «لأني اضطَهدتُ كنيسة الله». وهو يشير هنا الى شراكته في قتل استفانوس وذهابه الى دمشق ليُلقي القبض على المؤمنين.

غير أن بولس لم ييأس من حياته السابقة ولو كانت تُحزنه فأكّد: «بنعمة الله أنا ما أنا». الحنان الإلهي يمحو كل خطيئة ويجعل التائب إنسانًا جديدًا. ثم لا يكتفي بالقول بأن النعمة خلّصته ولكن دفعته الى العمل أكثر من الجميع. ولكن بعد أن رأى نفسه عظيم الانتاج اي عظيم البشارة متنقلا بين الكثير من المدن الهامة حول البحر المتوسط أخذ تعبير التواضع فقال: «فسواء كنتُ انا أَم أولئك، هكذا نكرز وهكذا آمنتُم». هو واحد مع الرسل لأن عندهم مضمونا تعليميا واحدا وبنتيجته آمن من آمن. هذا يقودنا الى القول ان التقليد الرسوليّ او التراث الرسوليّ واحد يعبّر عنه كل واحد حسب موهبته. فهذا يتكلم هكذا، وذاك هكذا، فتأتي كل الرسائل واحدة في عمقها بفضل من الروح القدس الواحد الذي يُلهم هذا تعابير وذاك تعابير حسب استعداد كل رسول وحسب مستواه العقليّ وخبرته الحياتية.

نحن ليس عندنا تنزيل اي إملاء إلهيّ بكلمات. عندنا إلهام اي تقوية من الروح القدس، والرسول يتكلم بشريًا بكلماته وإلهيًا بإلهامه.

من هذا أن متى له كلماته ويوحنا له كلماته، وأنت لك الحق أن تحبّ أشياء كثيرة عند متى، وأشياء أُخرى عند يوحنا، وأن تتذوّق هذا الإنجيليّ حسب مواهبك، وذاك الإنجيليّ حسب مواهبك. من هنا نفهم أن المسيحيين متعددو الأذواق اللاهوتية، فهذا المؤمن عميق في اللاهوت، وذاك يفضّل التعليم الأخلاقيّ. وهذه مواهب تتكامل فتأتي الكنيسة متنوّعة وواحدة بآن، ويتمجّد الرب بتعدّد المواهب ووحدتها في الروح القدس.

Continue reading
2012, مقالات, نشرة رعيتي

عائلة الآب / الأحد 19 آب 2012 / العدد 34

هذه الأبرشية مؤلفة من قرى صغيرة او كبيرة. والقرية مؤلفة من عائلات، والإنسان موصول بعائلته ويحبّها، وإذا أَحبّها فهو على حق. من تجاوز الخلافات ضمن العائلة الواحدة يقترب من عائلة واسعة سمّاها بولس الرسول عائلة الآب. هذه لا تقوم على لحم ودم. الرابطة العظيمة بين الناس لا تقوم على الدم ولكن على معرفة الإنسان أنه هو ونسيبه وغير نسيبه من أبناء الله، وهذا أقوى رباط يجمع الإنسان والإنسان.

المُلاحَظ اجتماعيا أن كثيرا من العائلات في حالة مواجهة للعائلات الأخرى تصل أحيانا الى حد المجابهة، والمجابهة كلمة عربية تعني ان تكون الجبهة (الجبين) الى الجبهة الأخرى بحيث يدقّ العظم بالعظم فتتولد الخصومة. المشهد هو هذا أن هنا قلّة من الناس وهناك قلة، وان الانسان يشعر بحاجة الى دعم ولا سيما اذا كان لا يشعر بضرورة مشاركته للآخرين أقرباء كانوا أَم بعيدين. يتقرب الى من هم ألصق به، الى من يلتقيهم كثيرًا.

والانسان لا يقترب من آخر بعيد الا بالقلب، والقلب عطية الله، فإذا أَحببت البعيدين يكون الرب قد استولى عليك وأعطاك نفحاته او أنزل عليك روحه فتكون علاقتك بالآخر مسكوبة فيك من عند الرب، واذا لم تحب البعيد يكون قلبك خاليا من الشعور الإلهي.

التعاضد العائلي من أجل عمل إنسانيّ مشترك شيء جميل. ولكن أن تسيء الى الآخر لأنه أساء إليك يعني أنك لا تعرف المسيء أخًا لك. في المسيحية كل إنسان آخر أخوك، وعلى صعيد المحبة تُحبّه كما تحبّ أخاك او أختك. هذا مات المسيح من أجله، والمحبة واحدة له ولشقيقك او لأبيك وأُمّك فلا تفريق في المحبة. أخوك ليس أقرب اليك من أي مخلوق. أخوك والغريب كلاهما ينموان بمحبة الرب النازلة عليهما.

في التجمع القرويّ، انت في خدمة الناس جميعا، وإن اختلف عضو العائلة التي انت منها مع إنسان من عائلة اخرى فأنت لست بالضرورة مع نسيبك. أنت مع الحق ومع المشاورة لأنك تريد إصلاح النفوس. فإذا أخطأ أخوك او أبوك الى آخر يكون واجبك أن ترده عن الخطيئة. همّك أن تُصلح نفسه، أن تقودها الى الحق، أن تُطهّرها بتذكيرها بالغفران.

الغفران هو الصلة الحقيقية بين البشر. فإذا أسأنا في أي شيء وتُبنا الى الرب فهو غفور. لذلك أمام الله إنسان يغفر او إنسان لا يغفر. الحقود ليس من عائلة الله. في البغض يفصل نفسه عنها. بالغفران تنضم الى الله.

عائلات متنازعة لا تؤلّف مجتمعا مسيحيا. العائلات التي تُبغض بعضُها بعضا ليست قريبة الى الله. التلاصُق الاجتماعي ليس بشيء. إلتصاق الروح الطيّبة بروح أُخرى تجعلها طيّبة. العائلات التي أصلحت نفسها تصبح كنيسة.

أُمنيتي ألاّ تبقى القريةُ قريةً بل أن تُصبح كنيسة. كيف تصير انت عدوّا لمن تأكل معه جسد الرب؟ نحن واحد في الرب. إذا فهمتم هذا تحيون.

Continue reading