Category

مقالات

2010, مقالات, نشرة رعيتي

أحد الأجداد /الأحد 12 كانون الأول 2010 / العدد 50

الأحد الذي يلي هذا، أحد النسبة، نذكر فيه الآباء بدءًا بإبراهيم، ومنهم جاء المسيح في الجسد حسب رواية متى. وهذه اللائحة هي لائحة الآباء العبرانيين مع أن إبراهيم لم يكن عبرانيًا. متّى وجه إنجيله الى اليهود الذين كانوا ينتظرون أن المسيح يجيء منهم. غير أن السيد يجيء أيضًا ممن عاشوا قبل اليهود. وهذا ما سيذكره لوقا إذ يجعل الرب يسوع ليس فقط من إبراهيم ولكن من آدم. ربما كان لوقا وثنيّ الأصل من أنطاكية او كان من الدخلاء على اليهودية وأراد أن يعطي الطابع الانساني الشامل لشخص المسيح.

هذه الرؤية الشاملة جسّدتها الكنيسة في هذا الأحد الذي نذكر فيه أجدادًا للمسيح هم من الأُمم (أي من الوثنيين). نرتل في صلاة الغروب: «لقد زكّيتَ بالإيمان الآباء القدماء، وبهم سبقتَ فخطبتَ البيعة التي من الأُمم». وأيضًا أن المسيح المنقذ «عظم الأجداد في جميع الأمم». منهم من كان وثنيا بوضوح، ومنهم من كان يهوديا. يذكر ملكيصادق الذي أتى ذكره في الرسالة الى العبرانيين.

هذا استقبل إبراهيم من كسرة الملاك وأعطاه إبراهيم عشرا من كل شيء. «لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة بل هو مشبّه بابن الله». وليس عبرانيا. ونذكر الأجداد ابتداء من آدم.

لذلك كان المسيح أوسع من إسرائيل ورئيسَ إسرائيلِ اللهِ الذي هو الكنيسة. لذلك يقول بولس في الرسالة الى اهل غلاطية: «ليس يونانيّ ولا يهوديّ»، والمراد بها أن الآتين من الحضارة اليونانية صاروا واحدا في الكنيسة مع الآتين من إسرائيل، ويرادفها قوله «لا ختان (يعني اليهود) ولا قلف» وهكذا يُسمّي الوثنيين الذين لا يختتنون. كذلك يقول «لا بربريّ ولا اسكيثيّ». البربريّ حسبما قال أرسطو هو غير اليوناني. الاسكيثيون من أصل إيرانيّ كانوا ساكنين في جنوبي روسيا.

كل هذه الاختلافات العنصرية التي كان الأقدمون يعتدّون بها لا تتوحّد الا اذا انضمت الى المسيح، ومن هذه الزاوية تكون تخلّصت من عداوة الأعراق، وكل ما كان عندها في وثنيّتها من خير وعلم ومعرفة يكون مهيئا لمجيء المخلّص. المسيح قبل ميلاده من مريم كان بطريقة او اخرى تُمتمُهُ كل الشعوب القديمة وتنتظره بما عندها من صلاح وفهم. فإن المسيح، لو كان من اليهود في جسده، انما كان من الناحية المعنوية وريث كل الحضارات. عمّدها بالإنجيل، وسقط من فكرها ما كان ضد الإنجيل، وثبت ما كان من الإنجيل.

كلمات للمسيح قبل تدوين الأناجيل كانت مزروعة في ثقافات الشعوب التي تقدّمت يسوع واعتنقته وورث منها المخلّص ما ورث، وطرحت هي بمجيئها اليه ما كان يتنافى مع رسالته، وصار هو للجميع كل شيء.

عندما نأتي الى المسيح من أيّ موروث ثقافيّ، يبقى هو سيّدًا على كل ما نعرف ونحسّ، ويظلّ وحده قطب شخصيّتنا ومنتهى طريقنا الى الآب.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

تحدر يسوع البشري وارتقاؤنا / السبت ١١ كانون الأول ٢٠١٠

سلالتان ليسوع إحداها عند متى والأخرى عند لوقا. لا يهمني هنا اختلافهما لأنهما كليهما ما كان هاجسهما رسم شجرة العائلة بدقة ولكن عند كل منهما أطروحة لاهوتية تختبئ وراء اسماء وردت في تاريخ العهد القديم. اذًا هناك ارتباط بهذا العهد ما يعني معاني لاهوتية تتصل بالسلالة وبعامة تتصل ببشرية المسيح. تأكيد هذه البشرية لم يرد على خاطر قراء الإنجيل الأوائل ولكنه ورد فيما بعد اذ أنكر قوم حقيقة جسده كما أنكر آخرون ألوهيته. هاتان اللائحتان برزتا داعمتين للعقيدة في هذا الزمان او ذاك.

         الفرق اللاهوتي واضح بين متى ولوقا بسبب افتراق الغاية عند هذا وذاك. لوقا يبدأ بيوسف الذي «كان يظن» -هذا كلام لوقا- على انه ابو يسوع. وهو يقول بعلى ما كان يظنا ليؤكد بتولية مريم حسبما ورد ذكرها في التراث السابق له والوارد بوضوح عند متى. لا نعرف اذا كان لوقا قرأ متى لأن كل واحد -كما يؤكد العلماء المعاصرون- وضع بشارته بين السنة الثمانين في القرن الأول والسنة التسعين.

         غير ان لوقا كتب من زاوية الانسانية كلها ومتى من الزاوية اليهودية. لوقا يبدأ بيوسف وينتهي بآدم ومتى يبدأ بابراهيم ويصل الى يوسف. فكرة متى ان يسوع الناصري هو المسيح الذي ارتجاه الأنبياء ويختم نسل الإيمان الذي بدأ بابراهيم ولوقا اراد ان يبين انه مخلص العالم ولذلك ينهي السلالة بآدم غير انه بعد ذكر هذا يقول عن يسوع انه ابن الله.

         في السلالتين ابراهيم ليس من اسرائيل. ابراهيم يقول عن والده: «كان ابي آراميا تائها» (تثنية 26: 5) فاسرائيل اذًا لم يبدأ به. هو اسم ليعقوب حفيد ابراهيم. في الطقس البيزنطي يوم غد يدعى احد الأجداد ومن بين هؤلاء ملكيصاداق الذي كان من خارج اسرائيل وبارك ابراهيم. يسوع منسوب على الأقل الى اثنين ليس واحد منهما عبرانيا. منسوب يسوع الى هذا الملك الكنعاني وليس له معه صلة جسدية. هنا لا بد لنا ان نفتش عن فكر الكنيسة التي ترى ارتباطا ما بشخصين ليسا من اسرائيل. ما هو هذا الارتباط؟

         ملكيصاداق يقول عنه الكتاب انه ملك السلام او ملك اورشليم قبل ان يجعلها داود عاصمة لملكه. ملكيصاداق صورة للمسيح او نموذج. بلغة اليوم نقول انها صلة ثقافية وليست صلة دين.

# #

#

         بتعبير آخر المسيح وريث ايضا لمن ليس له معهم وحدة دم. لست أوحي بهذا ان السيد أخذ شيئا من وثنيي الجليل الذين كانوا ينطقون باليونانية ولكن الكنيسة رأته منفتحا على الذين كانوا قبله خارج الشعب اليهودي. وهذا ليس منحصرا بمن سبقوه ولكن كنيسته منفتحة على الذين عاصرتهم من بعده ويتحققون فيها علموا ام لم يعلموا. ولهذا يتسربل الإنجيل الثقافات الدينية الأخرى دون ان يخون نفسه ويأخذ هذا الإنجيل الشكل التعبيري الملائم له اذا دخل ميادين دينية او ثقافية اخرى.

         هنا تلاقي الدعوة المسيحية الفكر اليوناني. فالإنجيل لا يتضمّن كلمة جوهر التي نطلقها على طبيعة الله كما لا يتضمّن كلمة أقنوم ولكن هذا لا يعني ان المسيحية صارت يونانية في المجمع المسكوني الأول (النيقاوي) الذي أتى بدستور الإيمان الجامع الكنائس المسيحية كلها. انما ارادت الكنيسة الدخول الى الثقافة اليونانية لتنتشر بها في الأوساط الهيلينيّة المثقفة. الآباء الذين تثقفوا يونانيا كانوا يعلمون انهم لم يخونوا الانجيل ولكن كانوا يبلغونه بلغة عصرهم.

         ولماذا لا تكون هذه الثقافة ثوبا للإنجيل الذي ارتدى عند تدوينه الثقافة العبرية. هي ايضا ثقافة بشرية. في كل عصر كان المسيحيون مخلصين لإنجيل لابس ثوبا عبريا. لماذا لا يلبس في جيل آخر الثوب الذي يحتاج اليه؟ لماذا لا تكون الفلسفة الألمانية مثلا او ما جاء بعدها من فلسفات كساء للوحي الإنجيلي في إخلاص كل جيل للوحي الواحد؟

         بعد العنصرة تكلّم كل الرسل لغات متعددة يذكرها سفر الأعمال ليقولوا ما اوحي اليهم بلغتهم. تعدد الألسنة ووحدة الوحي.

         على هذه الصورة عندك في المسيحية طقوس مختلفة كانت الكنيسة تبدو فيها واحدة مع اختلاف العبادات وجوهر العبادة واحد.

         نحن نعمّد الثقافات كما نعمّد الإنسان فالانسان البالغ اذا تقبل العماد يطرح عنه الخطيئة بما فيها الفكر المخالف للمسيح ولكن طبائعه تبقى كما كانت وميوله الحسنة تبقى كما كانت اذ يطرح فقط الميول الرديئة. لا يرمي صناعته ولغاته ولا هوية بلده ولا انتماء له سليما. لا تلتصق به في المعمودية هوية له بشرية ولكنه يصير انسانا جديدا مع حفاظه على القديم الجيد الذي كان يحمله.

         المسيحية تلملم كل حسنات الثقافات وتطرح فقط سيئاتها. الإنسان يصبح جديدا بعمق النفس الذي فيه وهو على صورة الله قبل المعمودية الخطأ الذي كان يحمله لم يكن عنده جزءًا من صورة الله التي تكوّنه. المسيحي جديد بجدة المسيح وقديم بقدم آدم ويبقى ابن آدم ولو صار بالايمان ابن الله.

# #

#

         جمال الإنسان في ما ورثه من ربه ومن آدم معا. الله لا يبيد فينا آدميتنا والآدمية تتلقى الألوهية وتتحدان بلا انفصال ولا انقسام ولا اختلاط. في معتقدنا «تأنس ابن الله ليتأله ابن الإنسان». حركة الله الينا كانت تنازلا وحركتنا اليه كانت تصاعدا وهذا ما نعنيه في قولنا انه «جلس عن يمين الآب» اي ان بشريته بسبب موته وقيامته استحقت ان تكون جليسة الرب على العرش. وهذا تحرك الى الله دائم بنعمته وكرمه ورضائه ونبقى خلائق ولكنها خلائق جديدة. اذ يبقى الله نازلا حتى منتهى الدهور بكلمته ويبقى الانسان صاعدا بقوة هذه الكلمة نفسها وسر ذلك محبة الله للإنسان.

         سألني مرة صديق لي يعرف الموسيقى جيدا: هل نسمع السمفونية التاسعة فوق؟ أجبته تبقى متلقيا لجوهرها بلا صوت او رنة اي يظل القلب حاملًا كل غنى الفكر ولا نعود الى الجهل الذي كنا عليه قبل تلقينا المعارف.

         السماويات لا تزيل الأرضيات التي حلّ فيها روح الله. التاريخ بما كان فيه من بهاء يسجل في الأبديات. والأبديات التي كانت فينا لم نؤتاها لحظة اكتسابها لأن ما اكتسبناها هبط علينا مما لا بدء له ولذلك لا نهاية للإنسان الذي مجّده الله بالقيامة. بمعنى نحن في السماء هنا بعد ان اقتبلناها بحب وما جاءنا بحب يلازمنا من بعد القيامة. ولعله هو سبب القيامة.

         من هنا اننا قياميون بما نقتبسه من الخير والفهم لأنهما من الحقيقة التي يسكبها علينا الرضاء الإلهي.

         المسيح في بشريته الذي ورث كل جمالات التاريخ الذي قبله واحتضن جمالات التاريخ الذي تلاه صورة عن مصيرنا.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

ثمر الروح/ الأحد 5 كانون الأول 2010 / العدد 49

الروح يعني هنا الروح القدس، وثمره كلمة يستعملها الرسول بالمفرد مواهب عديدة، أوّلها المحبة التي يجعلها أوّل الفضائل في كلامه العظيم عنها في الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس ويتبعها الفرح الذي ليس مجرد تحرك نفساني ولكنه نعمة الروح، وكذلك السلام الذي هو مصالحة مع الله، وهو عنده ايضا نعت للمسيح، ثم يذكر طول الأناة ويريد به الصبر على الناس أيّا كانوا، ويعبّر عن نفسه باللطف الذي ينبعث عن الوداعة، والصلاح الذي هو التنزّه عن الخطيئة، والإيمان بكل ما قاله الله واذا كان حقيقيا معه الاتكال على الله، ثم يذكر الوداعة المتّصلة باللطف، وأخيرا يذكر العفاف عن كل دنس.

ولمّا أراد أن يقول ان الناموس يوصل الإنسان الى هذه الحسنات، عبّر عن ذلك بقوله ان هذه ليس ناموس ضدّها.

ثم يتصاعد فكر بولس ليوحي أن من عندهم هذه الميزات قد صلبوا الجسد مع الآلام والشهوات، والكلمة اليونانية التي نقلها «الآلام» يريد بها الأهواء اي الميول الباطنة التي تذهب بنا الى الخطيئة.

ويختم هذاالمقطع بقوله: «فإن كنّا نعيش بالروح (ايضا يريد الروح القدس) فلنسلُكْ بالروح». الروح القدس يسكن فينا ويأخذنا الى السلوك الصالح.

بعد هذا ينتقل الى ما هو سيء ويحذّرنا من العُجب اي الاعتداد بالنفس وهو لون من ألوان الكبرياء. كذلك يحذّرنا من الغضب الذي يجرح دائما الإنسان الذي نغضب عليه، ويريدنا ألاّ نحسد بعضُنا بعضا ونفرح بالخير الذي يعطيه الله من يشاء.

وبولس يعرف أنه، ولو وصّى بالفضائل، قد يسقط بعض الإخوة، ويريد أن نُصلحهم بروح الوداعة لا بتوبيخ شديد يجرحهم وقد يُظهرنا أننا بلا خطيئة. لذلك دعانا الى أن ننظر الى نفوسنا ونخشى السقوط. باللوم الأخوي اللطيف ليس من استعلاء. الخاطئ يحمل أثقال خطيئته في ضميره. من هنا قوله: احملوا بعضُكم أثقال بعض. اتعبوا مع من يتعب. ابكوا مع الباكين والحزانى. احملوا شدائد الفقراء والمرضى بمساعدة لكم حقيقية، بالموآساة والقربى. وينتهي بقوله: «وهكذا أَتمّوا ناموس المسيح». هذا ناموس جديد لأنه ناموس المحبة التي تحوي كل الفضائل.

فالمحبة والفرح والسلام وما اليها التي ذكرها في بدء المقطع الأخلاقيّ للرسالة الى أهل غلاطية، اذا اجتمعت معًا في قلب إنسان وسلوكه، هي شريعة المسيح. لم نبقَ إذًا في نظام الفرائض عند موسى (ماذا يؤكل وماذا لا يؤكل مثلا)، ولكن تجاوزنا الأنظمة الشرعية لنلتزم شريعة المحبة التي تنزل علينا من فوق، واذا نزلت تنطلق من قلوبنا الى قلوب الآخرين فتغيّرها. والمحبة فينا تُخاطب المحبة في الآخر، وتُنشئ كل الحسنات التي عدّدها بولس، وتدعونا أن نتطهّر من كل الخطايا التي ذكرها. هناك طبعًا جهاد تبذله النفس لتحفظ المحبة، ولكنها قبل كل ذلك هي نعمة من الروح القدس الذي اذا تغيّرنا به نحصل على كل الفضائل بمعنى أننا نتمرّس بها وتتأصل هي فينا ويصبح القلب المستنير ينبوعا ينبع فينا لنبلغ بها الحياة الأبدية.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الحياة / السبت 4 كانون الأول 2010

الحياة، بمعناها البسيط، هي المساحة التي تمتدّ من لحظة الولادة الى ساعة الموت. وفيها جوانب كثيرة لا بدّ من الإحاطة ببعض منها لنفهمها بكليّتها. أبدأ بما هو على سطح الوجود أعني الجسد. هذا هو البرهان الساطع على وجودنا. أعضاؤنا فيه او منه. نحسّ به معافى او مريضًا. مزاجنا يتقلّب بتقلّبه. نعبّر به عن كثير من مشاعرنا. تتسجل فيه كل خاطرة من خواطرنا ان تفكرنا حسنًا او تفكرنا بسوء. هو قريبنا واحيانًا صديقنا. يسحرنا بصورة مذهلة اذا أدركنا وظائفه وذلك الارتباط العجيب بينها.

اللحم والعظام، الدم، الهواء، كيف يترابط كل هذا ليستقيم. هذا الكيان المحسوس يسهم في قيادة الناس الى الله اذ لا تقدر المادة ان تنتج الحياة بمعناها الراقي؟ كيف يرافقك اختلالك وتبقى في سر وحدتك وسلامة كبيرة او قليلة حتى تبيد وحدتك اذ يستردّك الله الى رحمته.

ولعلّ السحر يقوى عندما تتأمّل ان جسدين اذا تلاقيا ينتجان جسدًا آخر اي حياة أخرى. وهذا يحدث فيهما كليهما نموًا لا انتقاصًا وانتعاشًا وحلاوة وحرية. انت ترى ولا تفهم ان الإنسان كله في الجنين، في بيولوجيته وطبائعه استعدادًا للتربية.

الى هذا ليست المعمورة جسما واحدًا. هي الآن ما يقرب سبعة مليار بشري من كل الألوان والقامات كل منهم يختلف عن الآخر في كل جزء من أجزائه المنظورة وغير المنظورة. انت على المستوى الأدنى من الوجود تعرف البشر من خلال عيونهم وأيديهم وما اليها. هذا اول صعيد المعرفة التي لا احتقارفيها لأحد ويستوي فيه القوي والضعيف، الصحيح والمعوق. البشر كلهم في حالة التمجيد لله عرفوا ام لم يعرفوا اذ قال أحد آبائنا ان الجسم ايضا هو مع النفس على صورة الله والرب في العهد الجديد لم يتكلّم مرة عن الجمال الذي عند بعض ومرد ذلك ان كل ابنائه متساوون عنده في ما يبدو منهم كما هم متساوون في محبته لهم. الله يضع في كل واحد منا بهاءه وهذا لا علاقة له بما يظنه الإنسان تفوقا فيه.


# #
#

أعظم من الجسد العقل الذي نغوص فيه على أسرارنا وأسرار الكون. قال الأقدمون ان الإنسان حيوان ناطق والمراد به العقل وبه يمتاز عن كل الخلائق. وهذا مرتكز على الدماغ ولكنه ليس الدماغ. العقل بالعربية الربط ومظهره المنطق وفي اللغة هو نطاق الذي يوحد الفكر اي يكتشف الرؤية ويجعل الإنسان بعد الله سيد الخليقة لكونه يستوعبها بحيث تجتمع كلها في عقله.

تتكون بنا المعارف ونسعى لجمعها فينا حتى تأخذ وحدتها وبهذا يأتي العمل الذي به نغير العالم ونجبل أجزاءه وهذا ما أراده الله عندما دعانا الى التسلّط على الدنيا وفي لغة الله ليس لنا في هذا كبرياء ولكن لنا الخدمة وبالخدمة يرتقي الكون اذ نؤنسنه. وفي هذا نصبح متواضعين. السلطة التي لنا هي التواضع الذي به يعظم الكون فينا ونحن نعظم به.

نحن ندخل الكون ولا نقتحمه. واذا جئناه بلين نتروض على الرقة. العقل يمكن ان يصبح طريقا الى المحبة. لولاها يستبدّ الفكر وبها ينجو من عنجهية له ممكنة فيصير أداة دمار وموت لنا وللآخرين. لذلك لا نوافق قول ابي العلاء المعري ان لا إمام الا العقل. ذكاء شاعرنا العظيم كان يجب ان يعصمه عن هذا التأكيد الذي أراد به محاربة الخرافات ولكن العقل السليم حر من الخرافة. يحتاج الى بركات من فوق ليتحرّر من تعصبه ضد الالتواء الذي يأتي من كل انحراف في الفكر.

اقلّه ان العقل زينة كما تقول العامة. ولكنه أهم من ذلك. هو بنيتنا في سعته وشموليته وان كان العالِم والجاهل يتساوان امام الله. اجل يزعجك الجاهل ان كنت فهيمًا ولكن يجب ان تضم الجاهل اليك لأنه حبيب الله ويساعدك الا تفتخر بالفكر. النعمة الإلهية تنزل على من تشاء. ليس شأنك بل شأن الله انه يسكب عليك التماع وجودك. الاستكبار إثم كبير مشوّه لصورة الله فيك. ولكن قد تحب اجتماع الأذكياء. هذا كله تنمية لك ولهم وبدء إخاء. وفي الإخاء مجد الله.

وهذا يفضي الى تفتق المواهب وتوزيعها. فلتأتِ الحقيقة من حيث تستطيع والى من يتقبّلها. العقل الذي يسبح في الحقيقة هو ما يريده الرب لك. انت لست غاية ذكائك. الله والإخوة هم الغاية من قوة فكرك. لا تنظر الى عقلك كما الى مرآة. انظر فقط الى من تخدم.


# #
#

عند الأرثوذكس كلام يقول ان العقل يجب ان ينزل الى القلب ليتطهّر ثم يصعد حتى يصير عقلا طيبا. ويقول احد المتصوفة (الحلاج) لله: «مكانك من قلبي القلب كله». القلب اذًا عند كبارنا ليس مكان التأثّر العاطفي. انه مكان الفهم اذا نزل الله اليه وكأن كبارنا يقولون ان الله مصدر الفهم.

هذا يذهب بي الى إنجيل يوحنا في رواية العشاء الأخير. يقول: «وكان متكئًا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه فأومأ اليه سمعان بطرس ان يسأل من عسى ان يكون الذي قال عنه (يهوذا الاسخريوطي) واتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو» (13: 23-25). في التصورات العبرية الحضن هو مكان العاطفة التي كات التلميذ الحبيب يتقبلها. غير انه لما اتكأ هذا على صدر المعلم وصل الى القلب اي الى مكان الفهم.


انت تفهم عندما يخاطبك الله، عندما يضمّك اليه. تصير، عند ذاك، صاحب قلبك، ويسكنه الله. يصبح فهم الله فهمك. عندئذ تضم الكون اليك. بعد هذا تفهم انت الكون وذلك في عملية تلاقي العقل والقلب.


هذا يصبح الأعلى اذا أحبّ وتقبّل العقل فيه. الفاهم هو الله فيك.


التكوين البشري يبدأ بالجسد الذي هو من تراب والنفَس الذي نفخه الله فيه. اذًا عندنا تراب وعقل وترابية ترتقي الى العقل. ثم اذا استراح الفكر في القلب وأخذ منه الحب يتنقى. واذا استترت المحبة فيك «تتأنى وترفق. ولا تتفاخر ولا تنتفخ… لا تظنُّ السوء ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق» (1كورنثوس 13: 4-6).


الإنسان جسد يرقى الى عقل وعقل يعلو بالقلب. هذه مجتمعة مراقي وجود يصبو الى كمال حتى اذا رآه الله يحسب انك أكملت سعيك في الأرض اذ لا يليق بك بعد هذا الا السماء.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

ما الحياة الأبدية؟/ الأحد في 28 تشرين الثاني 2010 / العدد 48

هذا الرجل أو الشاب الذي جاء الى يسوع كان من الوجهاء حسب عدة ترجمات اي عضوا في مجمع يهوديّ أو القيادة اليهودية (السنهدريم). ينعت يسوع بأنه صالح. هذا غلوّ في المدح اذ لم يكن يعلم أن المسيح إله وبالإله وحده يليق المديح أو التمجيد. سؤاله ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية يدلّ على أنه يعتقد انه يجب أن يأتي بأعمال منظمة أو كثيرة لينال الحياة الأبدية. يذكر له السيد بعض الوصايا على سبيل المثال. هل كان الشاب يفتش عن شيء غير الوصايا أو كان مقتنعا ببره؟

كان السيد يعرف أن بعضا من الناس يتمّمون الوصايا ولكن ليس لهم لقاء حقيقي مع الله. يأتيه يسوع بسلوك لم يكن اليهود يعرفونه. «بع كل شيء». كان اليهود يعتقدون أن الغنى والأملاك من بركات الله.

يُعوزك ألا تُدخل حُبّ الأشياء الدنيوية الى قلبك، أن تجعل قلبك في ملكوت الله الذي هو الحياة الأبدية التي انت طالبها. اذا وزّعت، اي اذا بات قلبك منسلخا عن عشق المال وهذه الدنيا، يبقى لك كنز في السماء. ثم قال له: «تعال اتبعني».

لماذا اتّباع بشر (حسب رأي هذا الرجل يدعى يسوع). لو اتّبعه كان فهم أن هذا الإنسان ليس مجرد بشر. كان هذا الزعيم متمسّكا بالمال وربما بمركزه الديني في المجتمع اليهودي.

أن ينسلخ عن كل شيء مغامرة كبيرة عنده. كيف يؤمّن معيشته اي استقراره؟ يبقى مع الله فقط؟ هذا لا يبعث عنده شعور الطمأنينة. لذلك حزن وترك يسوع. اذا كان التحرر من التعّلق بالدنيا شرطا أساسيا للحصول على الملكوت، يعني أنه عليه أن يختار بين الملكوت وهذا العالم. هذا أمر صعب عبّر عنه الإنجيل بقوله ان هذا الإنسان حزن ولم يشأ أن يعتمد الاتجاه الذي عرضه عليه السيد.

لذلك قال الرب: «ما أعسر على ذوي الأموال أن يدخلوا ملكوت الله». هؤلاء قلوبهم في كنوزهم أو كنوزهم في قلوبهم. ثم قويت الصعوبة عند قول الرب: «انه لأسهل أن يدخُل الجمل في ثقب الإبرة من أن يدخل غنيّ ملكوت الله».

فإذا رأى إنسان تزيد أمواله كان عليه أن يعي الخطر على خلاص نفسه. هذا الخلاص مهدّد. فإذا شال أمواله من قلبه، ماذا يضع محلّها؟ يضع محلّها المسيح، ويتعامل بالمال تعامُلا كما تقتضي الحاجة. يعبد الله وحده فيصير إنسانا حرا. في حريته يستطيع أن يخلص. يوزع كثيرا حتى لا يعشق ما بقي في صندوقه أو حسابه المصرفي. هذا التوزيع ليس له حدود عندنا. القلب الذي سكنه الرب يتّسع كثيرا. والله ساكنه يوحي له بالعطاء الكبير.

وضعنا اليوم في لبنان تذكير للأغنياء والموسرين أن الفقراء كثيرون وأنهم يحتاجون الى حنان الله، وهذا الحنان يأتيهم ممن عنده مال وأَحبّ. هذا الذي دنا من الجوع يسألك الله عنه. اذا استطعت ان تنتشل أولاده من الموت، يكتب لك الله ذلك في سفر الحياة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الموت / السبت 27 تشرين الثاني 2010

هذا يبدو لي المسألة الوحيدة في الحياة. نحن متمسكون بالحياة لأننا لم نُخلق لنموت ولكن الإنسان أُعطي ان يختار الموت فاختاره فحلّ عليه قصاصًا لمّا ارتضى ان تغلبه الخطيئة المندسّة في كيانه وكأنه لم يصدق ان أمر الخطيئة فيه جديّ جدًا. لم يُرد ان يتصوّر انها تقضي عليه. الجنس البشري معطوب اذًا؟ كل منّا يولد معطوبا هذا واقع نفسنا وجسدنا. لذلك تقول المسيحية بأنه لا بد من مخلّص. هل يرمِّم المكسور نفسه؟ هل يسلم المشلول ويمشي من ذاته؟



نحن نقول ان ما من انسان يحيا ولا يخطئ. فرويد اكتشف ان كلا منا مصاب بعُصاب اي ان في كيانه التواء. ولكن فرويد لا يقول ان احدًا خاطئ. لا يهمّه الأمر كلّه. الشعور الضخم بالذنب عنده عقدة. لماذا يموت؟ ليس في هذا عند العلماء مشكلة. الجسم مختبر خيميائي يختلّ فيه التوازن بين الملح والبوتاسيوم. لا يدخل اليه الأوكسيجين بما فيه الكفاية. تعمّ الأعضاء الفوضى. لماذا يكون كل هذا؟ لا جواب عند العارفين بجسمنا. يعزي بعضنا بعضا بالشعر ان بقينا على صعيد علم الحياة. لا أحد يعرف كيف نرث الموت.



الذي نسميه النزاع -بكلمة عربية واضحة- يدلّ على اننا رافضون الموت طبيعيا من حيث اننا نحس ان فراق الحياة ضدّ ما كنّا نصبو اليه في وجودنا الأرضي. اجل نحن وارثون الفكرة العبرية ان الله يحيي ويميت لاعتقادنا انه سبب الوجود وزوال الوجود. ولكنا نعرف ان الله كله وجود ولا أثر فيه للعدم. وكذلك نعرف من سفر التكوين ان الله سمح لآدم بالموت اذا هو أراد فالله اذًا ليس منشئ الموت. فسّر ذلك بولس بعد ذلك بقوله: «أجرة الخطيئة هي موت». تسرب هو الينا بتسربها. كيف كان هذا؟ لا نعرف الكيف الا بصورة الحية اي بعامل هو خارج الإنسان. ليس عندنا كلام عن منشأ الخطيئة في الإنسان او من الانسان. الموت سر كما الحياة. ظرفه او سبيله الينا هو الإثم اي هذا الذي لم نعد له ولكن انفتحت له الحرية.


# #
#

كيف مالت الحرية الى ما ينتقص منها؟ كيف فقدت الكثير من جمالها؟ كيف تخبّطت؟ في جنوحها بات الشر حدثا وغدا ثقيلا جدا، حملا لا يُحمل هو القاعدة المنظورة او المألوفة وان لم يكن في نشأة الخلق. من يرى الينا لا يرى فينا سمة الخلق الأول. فُقد الجمال الأول، وصارت طرقنا طرقًا الى السقوط ثم الى الفناء فتلازمت الخطيئة والموت الى ان ينبلج فجر الحياة الجديدة بالمنقذ.


في كل هذا ما موت المسيح؟ المسيح تطوع للموت. هذا يجب التأكيد عليه كثيرا لنفهم موتنا في المسيرة التي دشنها يسوع. فإنه ان مات لأجلنا تكون الخطيئة قد امحت بموته كأنها لم تكن. هذا هو المعنى الأول للخلاص. جوهر هذا المعنى ان الحب قاد يسوع الى الموت. ومعنى المعنى انه أراد ان يلازمنا في كل شيء وفي هذا العدم المنظور الذي يسمى الموت. وفي هذا حررنا من خوف الموت حسب قول الرسول: «فاذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكيما يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت…ويعتق اولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعا كلّ حياتهم تحت العبودية» (عبرانيين 2: 14 و15).



هذه هي الخطوة للنظر الى أنفسنا أحرارا من وطأة هذه القباحة الرهيبة التي هي الموت. لقد أعطانا الناصري الا نخاف. هذا ممكن عند الذين بلغوا في الإيمان درجة علينا وكأنهم قاموا من بين الأموات. يبقى النزاع من حيث هو ذروة الألم ان كنّا واعين له. النزاع هو المشهد الأخير الذي يترجم تناقض الحياة والموت. ولك ان تعبر من الحياة الجسدية الى الحياة الأبدية وانت في صميم النزاع وان تصعد وتطمئن وتذوق بدايات الخلود. وقد يبقى فيك الإنسان العتيق الذي صاره آدم بعد أكله من شجرة معرفة الخير والشر.


كل منّا عتيق وهو لا يعي عتاقته الا اذا اهتدى الى المسيح اهتداءً كبيرا. قلّة عزيزة لا تخشى نهاية الوجود الأرضي.


الفداء لم يلغِ الموت بمعنى ان القيامة العامة لا تزال مرجوة. ومن بعد ان غفر لنا الرب كلّ آثامنا بقيت فينا آثارها اي كثير من الخلل الداخلي العميق ولكن بقي لنا قيامات بالتوبات وتطلع الى النور الذي يحلّ فينا من بعد موت. ونعبّر عن هذا في دستور الايمان بقولنا: «وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الاتي». لماذا لم يتابع الدستور بداءته ليقول هذا: «اؤمن بقيامة الموتى». ربما لأنه في ما سبق تحدث فقط عن الإيمان بالله ولا ايمان الا به اما الحادثة اعني قيامة الموتى فتدخل في مقولة الرجاء.


# #
#


بهذا نقول اننا لا نموت كالوثنينن او الملحدين الذين لا رجاء لهم. لقد أضحى الموت مع المسيح ليس فرحا بل باب مفتوح على النور الذي لن يحلّ بكلّ قوته الا عند مجيء المسيح الثاني. وعندما يقول الرسول: «آخر عدو يبطل هو الموت» يبقى هذا عدوًا حتى بعد اعتناقنا المسيح ولكنه عدو مغلوب في رجائنا. «أين شوكتك يا موت، اين غلبتك ايتها الجحيم» (1كورنثوس 15: 55).


يعني كل هذا الكلام اننا بالمسيح لم نصالح الموت. «وطئ الموت بالموت». لقد صالحنا مع القيامة. نموت غير مقهورين وعينا قلبنا مفتوحتان على الملكوت الذي أطلّ علينا بالمسيح «اقترب ملكوت السموات». نذوق الأشياء التي وُعدنا بها ذوقًا. اجل يوحنا الذهبي الفم بعد انتهاء كلام التقديس في قداسه يقول عن القرابين انها «كمال ملكوت السموات» هذه عندي شطحة صوفيّة لتوحي ان جسد الرب ودمه الكريمين هنا يشبهان الملكوت الآتي بقوته اذ بعد ذلك نموت ولنا على المخلص الدالة نتحول بها عن «المحاكمة والإدانة».


وقد يكون أعظم نعمة ننالها في النزاع او قبله ان نحسّ بانضمامنا الى صدر يسوع وهذا الانضمام هو المغفرة والوعد. هذه هي الطمأنينة التي نصل اليها فيما نشعر بأن الموت على الأبواب. يقرع الباب ونتوقعه ونعرف انه ديس بقيامة المخلّص. نعرف انه هو الغالب فينا واننا ننسلخ عن حضن هذا العالم لنرتمي في حضنه محبوبين ونعرف انه يرفعنا الى صدره لكي نفهم كل شيء.


والفهم هو المجد. لذلك نتكلّم نحن على اجساد ممجّدة اي بانسكاب الضياء الإلهي عليها. كذلك نعرف ان نور المخلص سينزل على الكون بكامله فيسقط منه التراب ليمسي نورا كاملا. وكما قال الله في البدء ليكن نور فكان نور وكان هذا يوما اول سيقول في الأخير ليعمّ النور الخليقة كلها فيقول ربنا للخلائق: هذا هو اليوم الثامن الذي ينهي الأزمنة القديمة لتكون سماء جديدة وأرض جديدة نسيجهما كله من نور. «فلن يكون موت». (رؤيا 21: 4).

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

والدة الإله/ الأحد في 21 تشرين الثاني 2010 / العدد 47

عيد دخولها الى هيكل اورشليم منذ طفولتها يعود الى ما بين القرنين السادس والثامن للميلاد. هو عيد رمزيّ معناه أن الله هيّأ مريم منذ وقت باكر لتصبح أُمّ يسوع وتُقدّم لنا الخلاص به.

ما من حدثٍ مذكورة فيه العذراء قبل البشارة.

اختيرت القراءة الإنجيلية اليوم لنذكر مريم باسمها، ولكن المذكورة في القراءة هي أُخت ألعازر. التلاوة الإنجيلية تتحدث عن بيت فيه مرتا وعن أُخت لها اسمها مريم. هذه «جلستْ عند قدمي يسوع تسمع كلامه». هاجسها لاهوتيّ. اما مرتا فكانت مرتبكة بشؤون البيت. هذا أمر ذو أهمية ولا سيما أن عندها ضيفا كريما.

نعرف من إنجيل يوحنا أن هذا البيت كان في بيت عنيا. بعد دخول يسوع البيت وجلوسه، قالت مرتا للسيد: «يا رب أما يعنيك أن أختي قد تركتني أَخدم وحدي؟ فقل لها أن تساعدني». يسوع يستطيع أن «يمون» في هذا البيت. إذ ذاك أجابها المعلم: «مرتا، مرتا، إنك مهتمّة ومضطربة في أمور كثيرة، وإنما الحاجة الى واحد». لم يقل: الحاجة الى شيء واحد، ولكنه قال: الى واحد. ربما عنَت الكلمة الحاجة الى شخص واحد وهو أنا. ثم أكمل قوله: «فاختارت مريمُ النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها». العمل الأصلح أن نُصغي الى يسوع ونسمع كلامه وتاليا أن نُحبه.

ينتهي الكلام عن مرتا ومريم. يبدأ كلام آخر من موضع آخر في إنجيل لوقا، اقتبسته الكنيسة من هذا الموضع وأَلصقته بالكلام الذي جرى بين يسوع ومرتا ومريم. في هذا الكلام الأخير «رفعت امرأةٌ صوتها وقالت له: طوبى للبطن الذي حَمَلَكَ». هذا كلام فيه تعظيم لوالدة الإله دون أن يتبيّن سبب هذا التعظيم. يسوع لا يُبدي رأيه المباشر في هذا التعظيم ولكنه يقول: «بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها». ليس المعنى أنّ الرب يُقلل من أهمية أُمومة مريم له. ولكنه يرفع أهميتها الى كونها تسمع كلمة الله وتحفظها. أهم من علاقات الدم علاقة الانسان بكلمة الله سماعًا وحفظًا.

هل يعني هذا أن والدة الإله كانت تقرأ الكتاب المقدس؟ هناك أيقونات تُمثّلها قارئة لما جاءها الملاك. هذا ليس غريبا، فما من شك أن علماء اليهود كانوا يُعلّمون المؤمنين. هؤلاء أكانوا أُمّيين أَم قرّاء كانوا يستمعون الى الكلمة في الكنيس يوم السبت كما يستمعون الى المواعظ في اللغة الدارجة.

هذا العيد إشارة من إشارات عديدة على أهمية مريم العذراء، في الوجدان الأرثوذكسيّ. اللافت أن النصوص المريميّة طوال الأسبوع وعلى امتداد الشهور كثيرة جدا. التابع ليسوع لا يسعه أن يُهمل في تقواه مكانة مريم في التجسد الإلهيّ.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مسلمون ومسيحيون في العالم / السبت 20 تشرين الثاني 2010

غاية في الصعوبة التكلّم عن علاقة هاتين الجماعتين في العالم بسبب اختلاط المستوى الديني والمستوى السياسي فيهما. من حيث المبدأ، الدين والدنيا متلاقيان دائما في الذهن الإسلامي على ما يقول معظم العلماء. من حيث الواقع، المسيحية في الرؤية الاسلامية هي مسيحية الغرب التي كانت منذ الحملات الصليبيّة دائما مسيّسة. هي كانت مدة مئتي سنة قتال بين الغرب الواعي مسيحيته والشرق. ثم جاء الاستعمار الذي استهدف بعض منه دار الإسلام. ولما كان الغرب دائما في حاجة الى عدو أبدل عداءه للشيوعية بعداء لدنيا الإسلام وامتلأ هذا الغرب منذئذ بدراسات علمية عن الإسلام فيها الجيد وفيها السيء.


المشهد هو ان اوربا متقدمة حضاريا على دار الإسلام بعد القرن الرابع للهجرة وكان قبله المسلمون اصحاب الفلسفة والعلوم. وأخذ الشرق العربي الحامل الفكر الإسلامي يتقهقر وانكفأ هذا في ترداد نفسه وعمّ الفقر الشرق بمعناه الحضاري والمعيشي وهذا ما يفسّر جزئيا انتفاضته العاصفة في حركات ارهاب مزوّدة بالسلاح المشترَى من اميركا التي صارت قلب الغرب او بالسلاح الذي صدرته اميركا. بكلام آخر ينحر الغرب نفسه بأسلحة هو ينتجها ولا يشرف ظاهريا على بيعها او توزيعها. اي انه هو الذي يغذي الاسلاموفوبيا ويذهل اذا تلقى نتائجها. في هذه الصورة من المسؤول عن إبادة مسيحيين في كنيسة عراقيّة؟


هذا يعني ان التلاقي بين المسيحيين (وهم غربيون دائما في عقل المسلمين) والمسلمين مستحيل اذ ما هو قائم بالحقيقة ليس الإسلام والمسيحية ولكن الشعوب المسلمة والشعوب المسيحية الغربيّة. هذا ما يقودنا الى سؤال اول هو قدرة العقل الإسلامي ان يفك نفسه عن مزج الدين بالدنيا او الدولة او العالم الإسلامي من حيث هو قوى مما يسميه القرآن الأولى بالمقارنة مع الآخرة اي كيف يترجم سياسيا قول الوحي: «وللآخرة خير لك من الأولى» (سورة الضحى، 4)؟ هل للأولى استقلال كامل عن الآخرة بحيث تكون دار الإسلام مسلحة بالضرورة ضد الغرب المتغطرس والراغب في دوس الفقراء؟ والسؤال الثاني هل من قوى في الدنيا المسيحية شرقية وغربية قادرة ان تبرز كنيسة منزهة عن شوق سياسي؟ ليس عندي جواب واقعي عن السؤالين. ولكن قناعتي اللاهوتية والتاريخية ان روسيا اذا استلهمت ارثوذكسيتها من جديد والبلقان الأرثوذكسي بعد انفصاله عن العثمانيين لا يكمن فيهما عداء للإسلام. الاتحاد الروسي فيه ما لا يقل عن عشرين مليون مسلم يعيشون في سلام. وأتاتورك بعد تخلصه من المسيحيين اليونانيين في الأناضول لم تبقَ في شعبه مشكلة مسيحية.


# #
#


لعلّ هناك سؤالا ثالثا. كيف يعود الغرب الذي اعتنق فعليا الرؤية الاسلامية بمزج الدين والدولة الى صفاء مسيحيته التي لا تعرف هذا المزج؟ هل تستطيع الدول ان يديرها قديسون؟


احد جوانب الوهم ان المسلمين مع محمد عبدو ورشيد رضا وربما المودودي اعتقدوا انهم في حاجة وحيدة وهو ان يتبنوا العلم والتكنولوجيا دون ان يغير هذا فهمهم للإسلام بسبب ان هذا فيه الرؤية الإلهية للإنسان وللكون ولا يحتاج الى رؤية جديدة الى الشريعة والى تفسير جديد للقرآن والى قراءة له تاريخية والإسلام أبديّ اللفظ وما تركه لنا السلف الصالح هو الحقيقة اي اذ وحّد بين الشرائع والفقه والتفسير من جهة وكلام الله من جهة. هذا كان رؤية مطلقة للإنسان والتاريخ الإسلامي مع ان الإطلاق هو وحده لكلمة الله. هنا عندنا مشكلة متروك حلها للمفكرين المسلمين. فهل من بروتستنية ممكنة في الإسلام؟


من جهة مقابلة تعلمنت الدول المدعوة مسيحية وهذا يعني ان لا رجوع في الحياة الأوربية والأميركية الى الله في الحياة المجتمعية. اجل غير صحيح ان اهل الغرب انقطعوا عن الإيمان. من قال هذا لا يتابع الفكر المسيحي في العالم ولكن هذا منفصل عن الفكر السياسي.


هذا يعيدنا الى لقاء فكر إسلامي مجرد عن السياسة والى فكر مسيحي ديني يشرف على السياسة ولا يتلقح بها اي هذا يعيدنا الى صفاء الحياة الروحية في الإسلام والمسيحية معا والى حوار بين العلماء والأتقياء بين الديانتين وأريد بذلك الى تديّن حقيقي فيهما. ان هذا يفترض قراءة محبة صافية من خيار المسيحية للإسلام ومن خيار الإسلام للمسيحية تفرضان التحرر من منافع الأرض ومن الحس بغلبة فكر على فكر خاليين من العنف. ان تبسط ايمانك بسلام هو ان تحب القليل او الكثير في الديانتين. العارفون في دينهم لا يخشون حركة مثل هذه غير ان هذا لا يمكن ان يتم في بلد يقوم على الطائفية السياسيّة. انا لا أنكر على لبنان رغبته في درس الحضارات بهدوء ولكن هذا يقتضي علما بالآخر كبيرا والسلام شرط للمحادثة.


هذا الحوار اذا كان قناعا للتبشير او الدعوة ليس بحوار. هو حرب بغير سلاح. انا لا أنكر شرعية التبشير والدعوة ولكن واقع الوجود يوحي لي بأن المليار والأربعة مليون مسلم والمليارين من المسيحيين سيتكاثرون كلّ في جماعته الى قيام الساعة. وهم كبير التفكير انه يمكنك إسلام العالم او تنصير العالم.


# #
#

ايّ تلاقٍ حقيقي صادق بيننا على مستوى العالم يفترض ان نستقل جميعا عن انصهارنا في اية كتلة دولية. هذا وحده يضمن لنا السلام بمعناه السياسي فلا احتراب بعد اليوم بسبب من تحررنا من كابوس التاريخ الذي فصلنا وبانسلاخنا عن العوامل السياسية الحاضرة التي يبغي اصحابها انقسامنا.



قد ينقصنا هنا ان نذكر ان علماءنا عاشوا فترة في بغداد يتساجلون لاهوتيا في البلاط العباسي في بغداد بدعوة من الخليفة بروح سلام وعلم وتهذيب وكان الفكر يعطى للفكر.


كل دارس للأديان يعرف ان بينها قربى وبينها مباينات غير قابلة للتذليل في معظم الأحوال ولكن الفرق ممكن فناؤه او تجاوزه في احوال وهذا يتطلّب دراسات مقارنة في الأديان ما يساعد على الرؤية السليمة لها.


الا ان المقاربة التي أعرضها هي ان المسيحيين والمسلمين في بلدان عديدة عاشوا ليس فقط في وئام ولكن بتعاون. الموقف الأمثل على ذلك فترة اولى في الحكم الأموي حيث كانوا هم الموظفين الكبار في دولة الإسلام لعلمهم بشؤون المال والإدارة والبحرية وكانوا عارفين بالإسلام وممارسين عباداتهم ويكتبون لاهوتا مسيحيا بالعربية اي ليس موجها حصرا الى الرعية. والصورة عن الأندلس خلال ثمانمئة سنة من التعايش في ظل الحكم العربي ان التفاهم الاجتماعي وكثيرا من تلاقي العلماء كان الوضع السائد.


الخلاصة من هذا الكلام ان التعاقد الاجتماعي بين اهل الديانتين مبدئيا ممكن اذا تيقنّا ان وحدة الدين ليست شرطا بالضرورة للوحدة الاجتماعية وذلك في ظل حكم مدني عصري في كل بلد. بإيضاح أعظم حدة الانصهار في الاجتماع وبناء دولة واحدة امران ممكنان من خلال الإدارة الطيبة للعيش المشترك. ان امورا اساسية كبرى في كل الحقول لا تحتاج الى وحدة العقيدة الدينية. يكفينا الاحترام المتبادل في صدق. غير ان هذا كله يتطلّب جهدا كبيرا موصولا يذهب بنا الى حد النسك. في اللغة المسيحية هذا يقال له المحبة وفي لغة الإسلام هذا رحمة او تراحم او مودة.


من اين تأتي الناس هذه الفضائل؟ نحن نرى انها تنزل عليهم اذا عرفوا العشق الإلهي او ما يقاربه. لا صليبية، لا فتح، لا استعمار، لا نصر من الله. بلا كل هذه لله حق ان يسود بكرمه الدائم لنكون، مسلمين ومسيحيين، كأمة واحدة.

Continue reading
2010, مقالات, نشرة رعيتي

السامري الشفوق/ الأحد 14 تشرين الثاني 2010 / العدد 46

مَثَل أي حكاية، من أجمل أمثال الإنجيل التي تدلّ على الرحمة المجّانية. تبدأ القصة بسؤال أحد علماء الشريعة (هذا هو معنى كلمة ناموسيّ)، والسؤال الذي طرحه هذا صادرٌ عن سوء نيّة، وهو «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟». أجاب السيّد عن السؤال بسؤال: «ماذا كُتب في الناموس (أي في شريعة موسى)؟». أَعطني جوابا من الكتاب. فأجاب هذا الرجل: «أَحْبب الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل ذهنك وقريبَك كنفسك». هذه الوصية هي في الحقيقة مجموعة وصيتين، إحداها من تثنية الاشتراع (6: 4)، والأخرى من سفر اللاويين (19: 18).

أمام كلام يسوع سأل هذا المعلم الرب: ومَن قريبي؟ فقال له ان إنسانا كان منحدرا من اورشليم الى أريحا، فوقع بين لصوص اعتدوا عليه. في القرن الرابع يؤكد المغبوط إيرونيموس أن هذه الطريق الوعرة كانت مملوءة ببدوٍ يسرقون المارّة. كان كاهن من خدّام الهيكل نازلا من هناك من بعد أن أدّى خدمته الكهنوتية في الهيكل، كان نازلا الى أريحا حيث كان بيته. ثم مرّ لاويّ وهو من الذين كانوا يخدمون الهيكل. كلاهما عبَرَ ولم يهتمّ بهذا الجريح الملقى على الطريق. والمفروض أنهما تعلّما شيئا من الشريعة.

أخيرا مرّ سامريّ وهو غريب الجنس والدين أو ذو يهوديّة منحرفة. السامريون كانوا يَقبلون كتب موسى الخمسة وكانوا يرفضون كتب الأنبياء. هذا السامريّ كان علمانيا، تاجرا غالبا يمرّ بهذه الطريق. هذا استوقفه مشهد هذا الجريح «فلما رآه تحنّن»، وأخذ يهتمّ به وبجراحه، وأتى به الى فندق يرتاح فيه بعد أن ضمّد جراحه سريعا إذ صبّ عليها زيتا وخمرا، وكان أملُه أن يُكمل صاحب الفندق العناية به وأَعطى الإنجيل تفاصيل عن هذا.

انتظر المعلّم الناموسيّ جوابا من يسوع، ولكن الرب ردّ على سؤاله (مَن هو قريبي)، فقال هذا الرجل الذي صنع معه الرحمة. الرب لم يحدّد له من هو قريب الإنسان. لم يوضح له من هو القريب مباشرة. سؤال يسوع كان: «أيّ هؤلاء الثلاثة تحسب صار قريبا للذي وقع بين اللصوص؟». نحن لا نقول من هو القريب. نحن ندفع الإنسان أن يصير قريبا بالرحمة والمحبة لأي إنسان من جنسه او من دينه او ليس من جنسه ولا دينه.

هذا المثل يكمل كلام يسوع: «أَحبوا بعضُكم بعضا»، وإن كانت تعني أصلا أَحبوا أهل الإيمان، إنّما شرَحها بولس بقوله: «أَحسنوا الى جميع الناس ولا سيّما الى أهل الإيمان». ليست المحبة محصورة بشخص او بفئة، ولا علاقة لها بانتماء المُحسن الى عقيدة ولا بعلاقة المحسَن اليه بعقيدة او حزب. السامري الشاذّة عقيدته أَحسنَ الى سواه.

لا تنظر الى أية صفة في المحتاج لتعطيه بمحبة او تخدمه. أَعطِ ما عندك أو أعطِ نفسك بمحبة ترَ وجه الله على مَن ساعدت وأَحببت.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المسيحيون في الشرق / السبت 13 تشرين الثاني 2010

«كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر»

هل غدا الذين قتلوا المصلّين في العراق من أمة المسلمين؟ من يقول لهم انهم خرجوا عن هذه الامة اذ ارتكبوا المنكر؟ من الأزهر الى النجف الشريف مرورا بكل مسلمي الأرض من يتلو عليهم من كتابهم: «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعًا» (المائدة، 32)؟

لا استطيع ان أصدق ان مليار مسلم وما فوق لا يستطيع ان يضع حدًا لهؤلاء القتلة. خطبة الجمعة ضد الذابحين للمصلين الطاهرين لا تكفيني. الاستنكار في أفضل حال يعني ان عقلك او وجدانك لا يقبل إبادة عابدين لربهم وقت العبادة. الشجب فرض إنشاء في أحسن حال ويبقى الدم المهراق دمًا.

المسلمون امة متماسكة لا تقبل الضيم ولا تُذل. هي شاعرة بوحدتها وشاعرة بقوتها اي انها ترفض المظلوميّة اذا حلّت بها. غير ان هذه الأمة ظالمة لنفسها وقابلة لتشويه صورتها ان قبلت سلطان هؤلاء المجرمين على سمعتها. انا لا أفهم الا يتحرك المسلمون من مكة الى اندونيسيا ضد المانعي الحياة بقطعهم عن الأمة اية كانت التسمية الفقهية لرذل هؤلاء.

قيادة هذا التحرك الإرهابي ليست مجهولة الإقامة. والقادة يتجولون بحرية كاملة في بعض الأماكن الجبلية في آسيا ليست بعيدة عن رؤية الخبراء. والأقمار الصناعية لا تفوتها المعرفة. من يشرف على هذه الأقمار؟ الدول المجاورة وغير المجاورة عندها علم اليقين بهذا الوجود وهي صامتة اي ضالعة. السؤال هو من له مصلحة بإبادة الذين كانوا يصلّون في كنيسة سيدة النجاة. من يستفيد من قتل هؤلاء الشهداء؟ الدول المطلعة على جغرافية هذه الكنيسة في بغداد ما هي؟ الشهداء انتقلوا الى المجد السماوي ويضموننا الى وجه الآب ويشددون الكنيسة لأننا الى أجسادهم المجيدة نحن منضمون. أُسكت صوتهم بلحظات طعنهم وأخذهم مخلصهم الى صدره لأنهم باتوا أحبة.

دماؤهم قدّست العراق ورفعت شعبه البريء الى حضن الله. عظم العراق بدمائهم وعظم المسلمون الصادقون، الخيرون لأنهم وحدوا الناس جميعًا بشهادتهم التي أرست مقدارا من البر في هذا الشعب العربي المصلطة عليه سيوف الاجرام الى ان يقوم الله ويحكم الأرض. والى ان نحج معًا الى القدس.

# #

#

اذا كانت مقادس الشرق زرعت في أرضه البرارة لماذا يجب ان يموت الأبرار، لماذا ينبغي ان تداس الطفولة. ولكن بورك الله وتعالى لتنزل نعمته على الدماء الطاهرة وتنطق بالحق.

من بعد ألمي أشفق على القاتلين الذين أوصاهم كتابهم الا يلبسوا الحق بالباطل (البقرة، 42) ولكني وددت ان أقول لهم انهم لن يقدروا ان يقضوا على المسيحيين لأن لهؤلاء سرا في تاريخهم وهو ان الشهادة منذ العصر الروماني كانت تكثرهم لأنها شهادة حبهم لمن آذاهم. هم غافرون أبدا ولا يحقدون لأن الحقد امحاء الانسانية في الانسان ويخطئ من ظن ان له ثمرا. «من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ» (متى 26: 52). من يبيد الآخرين يبيده الله ومن لا يستعمل السيف الله مملكته وحسبه الله.

حاولنا كثيرا ان نقتنع اننا لسنا اقلية لإيماننا في هذا العصر الحديث ان البشر باتوا مقتنعين ان الدين في القلب وانه ليس اداة تسلط او تفريق وان الناس قادرون برفق ربهم ان يعيشوا معا وان يتشاركوا بحق وان يتجلّوا في كل علوم الأرض ويخدموها لمنفعتهم جميعا. وها نحن نرى ذلك في هذا البلد ونفرح له. ونموذج المشاركة الوطنية عندنا يمكن تصديره الى كل العالم العربي الذي كنا نحيا فيه معا حتى الآن. ولكن لنا عين على العراق وعين على مصر والأقباط الأحبة يستشهد منهم بعض كلّ سنة. وان كنت تعرفهم كما أعرفهم انا ترى ان ليس احد يتفوّق عليهم بحبهم لمصر وبخدمة لهم علمية فائقة في هذا البلد العظيم. الى هذا نوقن ان سوريا ولبنان وما بقي من فلسطين سالمة من الأذى الطائفي ولا محل للخوف على صعيد المواطنة ورجاؤنا الا يمتد داء العراق الى هنا لئلا تفقد العروبة ما فيها من بهاء مسيحي. اما اذا خشي الناس على مصير اولادهم فلا تحملوهم مسؤولية الهجرة. انها المرض العظيم.

في تموز او آب السنة الـ 1975 كان المطران ايليا الصليبي راعي الأرثوذكسيين في بيروت قد جمع في دارته شخصيات لبنانية مسلمين ومسيحيين وكنت هناك فانتصب الشيخ بيار الجميل وقال نحن المسيحيين خائفون وتصدى له تقي الدين الصلح رحمهما الله كليهما وقال له: أليس من العيب على الإنسان ان يخاف فأجابه بيار الجميل أليس العار على انسان اذا أخاف. لست الآن في صدى دعم هذا وذاك ولكني أقول ان الخوف عيب على من مارسه وعيب على من تلقاه لكوننا في المواطنة منزهون ومتعالون عن كل خشية بشرية. احتسابي اننا في لبنان يؤمن أحدنا بالآخر. غير اني أود ان اؤكّد هنا ان ليست فئة منا راعية لفئة اخرى وان الوطن كافٍ ليرعانا جميعا. لا ذمية بعد ان الغتها السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر من القانون وأرجو الا تبقى في الذهن لأن الباقي على أرض الوطن والمهاجرين عنها، اذ ذاك، في خطر.

اود ان أعتقد ان ليس من مشروع يسمى أسلمة الأرض اذ يعني في آخر المطاف ان يهجر المسيحيون اماكنهم بسلاسة وتهذيب.

أنا مؤمن ان المسلمين اللبنانيين جديون وصادقون عندما يؤكّدون تمسكهم ببقاء المسيحيين. لقد نما بيننا الشوق من زمان بعيد والصداقات طيبة كما علاقة العائلات. غير ان هذه العلاقات يجب حمايتها سياسيًا واقتصاديًا فيما نقوّي الدولة كل جوانبها.

الا اننا اخوة مع مسيحيي العراق ومصر واسرائيل وفيها خوف خاص على المسيحيين بعد إعلان نفسها دولة يهودية ولست ابرئها بشكل او بآخر من الاختلاط بالحركات الإسلامية المتطرفة تكفيرية كانت ام غير تكفيرية.

ومسك الختام اننا ملقون على صدر المسيح الذي وعدنا بأنه يكون معنا الى منتهى الدهر. لأنه هو -لا نحن- الدهر كله. نوقن اننا باقون حتى مجيئه واننا أحياء في هذا الجسد او خارج هذا الجسد. ولكن هذا عند المسيحيين والمسلمين مشروع تقوى الى ان يرث الله الأرض وما عليها.

Continue reading