Category

مقالات

1998, مقالات, نشرة رعيتي

سكنى الكلمة فينا/ الأحد 29 آذار 1998/ العدد 13

نسمع كلمة الشهوة فينا. تصرخ فينا، تضج، تخاطبنا أن اتبَعوني. وإذا أطعناها نقتنع بها أو نُقنع نفسنا بها. المسكر يقول لك امشِ ورائي. وإذا أدمنتَ كثيرا تفكر ان الأمر جيد. وإذا أدمنتَ السلطةَ وتحكمتَ بالناس وعرفتَ مكانتك، تذوق لذة السلطة وتصير الى التفكير بأن هذا جيد. تتكون فيك مجموعة قناعات، شبكة قناعات تصل الى وقت تدينُ انت بذلك، واذا كنتَ صادقا يصير هذا دينك الحقيقي.

          عبثا تحاول ان تُسكت صوت الشهوة فيك إن لم تؤمن انها ضارة. ولا يسعك ان تصل الى هذا الاقتناع الا اذا لمست ان هناك ما هو انفع من الشهوة المؤذية وأبقى. ولكن من هو الذي يقول لك ان الصدق انفع لك من الكذب بمعنى انه ينجيك حقيقة؟ لعلك تعترض عليّ وتقول كيف ينجيني صدقٌ أخسر به وظيفتي ونجاحي في الدنيا؟ لا يمكنك ان تقتنع بضرورة الصدق الا اذا شعرت انك بالكذب تؤذي آخرين أو أقله انك تخسر شجاعتك وتتقزم. إن أحسستَ ان موقف صدق يصل بك الى انتعاش داخلي والى سلام، تدخل فيه طريق الصدق.

          يجب ان يظهر مـن يقول لك ان هـذه الفضيلـة او تلك تحيي هذا الجانب او ذاك من شخصيتك. يجب ان يـرشدك الى ذلك كائن مقنع، كائن لا يخطئ بكلامه، لك فيـه مـلء الثقة لأنك موقـن انه يعرف وانـه فهيم وانـه يحبك.

          هـذا الكائن الفريد مـن نوعه هو المسيح. هـذا تكلم مرة واحدة ونهائية في الإنجيل. وهـو يخاطب فيه شخصَكَ كما أنت في كل ضعفاتك ليجعل منـك انسانا عجبا. فإن شئتَ أن تتخلص مما يـؤذيـك تُسْلِم لـه لِعلـمك بأنـه يحب لك ما لا تحبه لنـفسك وانـه يعرف مصلحتك الحقيقية وانت لا تعرفها. كيـف تسأله عـن مصلحتك؟ هـو قال لك في إنجيلـه وفي كلام رسلـه ما يجعـل منـك انسانا سويّا. قال لك انـه يجب ان تترك ما يعرقل وصولك الى حياة صالحة كما قال لبطرس وأنـدراوس أن يتركا شباكهـما ويـلحقـاه وكما قال ليعـقـوب بـن زبـدى وأخيه يوحنا ان يتركا شباكهما وأباهما ليتبعاه.

          هناك دائما انسلاخ عما كان يبدو لك من لذة، عن عشق المال الذي يعرقل بناء شخصية لك مستقلة، سائدة على المال. يقول لك اترُكْ عشق السلطة وتواضَعْ وانت في السلطة لأن فيها عشقا لنفسك يكبّلك. ويقول لك أن اترك الجنس الذي خارج الزواج مهما بدا لك مغريا لأنه يدمرك ويزيل حريتك.

          المسيح فيك هو كلمته فيك. وهذه تؤتاها انت من الإنجيل ان قرأته كل يوم وجعلت عقلك يتكيف به. ولهذا قال بولس: “فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع” (فيليبي 2: 5). جهادك ان تترك الفكر الذي كوّنَتْهُ فيك الخطيئة وجعلتك تنطق به. فكر المسيح اذا نزل في قلبك يُصيّر عقلك مثل عقل المسيح. ولهذا قيل: “خبأتُ كلامك في قلبي لكيلا أخطئ اليك” (مزمور 118: 11).

          هذا هو مفتاح التوبة أن تختزن فيك كلمات الرب كي تَرُدَّ بها الكلام الذي يريدك الشيطان ان تسمعه. فإذا قال السيد ان الإنسان يحيا بكل كلمة تخرج من فم الله (متى 4: 4) يريد أن هذه الحياة الجديدة فيك تجعلك ترفض توّاً كلمات الموت التي يوحي لك الشرير بها. أن تسكن فيك كلمة المسيح تلك هي التوبة اليه.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

محبة الوصايا/ الأحد 7 أيلول 1997/ العدد 36

أول خطوة الى عمل الصلاح ان تؤمن باللّه وعلى ان ما قاله في الكتاب المقدس هو الحق، اي ان تبتر كل علاقة بنزواتك وشهواتك وما هي توحي اليك. ففِكرُ الإنسان كثيرا ما أتى من أفعاله ولا سيما تلك التي يكرر. فإن مارستَ الكذب طويلا وظننت انه نجَّاك، تميل الى الاعتقاد ان الكذب خير وشطارة، وكذلك ان مارست الاحتيال والسرقة فتعمى عن الحقيقة الإلهية. خطاياك تصير مصدرا لفكرك. ولكون الانسان يميل الى الشر وأن يحوّل الشر الى فكر، تكلم الله ليستأصل التفكير الخاطئ من قلوبنا. الكلمة الإلهية قائمة لأننا غير قادرين بعقلنا وحده على الموقف الصائب أو لأن العقل وحده يزلّ لأن الشرّ يكون قد شوّهه.

          من اجل ذلك كانت الكلمة المقود، واليها نحتكم ومنها نأتي. عندئذ نصير في الحق او نصير الحق. ولكن عليك أن تألف الكلمة، ألاّ تنقطع عنها اذ سرعان ما تنتصب كلماتك انت في عقلك ويجيء تصرفك من هذا. لا كلمتك انت ولكن كلمة الكتاب التي تعرف الصالح لك اكثر مما تعرفه انت. وإذ جعلت إلفة بينك وبين الكلمة وأقامت فيك فارتاحت نفسك اليها، تلجأ اليها وتجعلها على لسانك وفي أذنيك. فإذا جاءك الشرير ليجربك تصدّه بما صار فيك حقا وتَقَوْلَبَتْ نفسُك به وتكون هي الدرع والسيف والخوذة والسلاح الكامل.

          لقد انتبه صاحب المزامير الى هذا في المزمور ال 118، المُرَقم في الطبعات المتداولة 119، فحدَّثَنا عن محبتنا للوصية. قبل نضجنا الروحي، عندما كنّا نتصرف كأولاد في الحياة المسيحية، نكون كأولاد المدرسة. نحس ان الله مثل معلم الصف، يعطي الأوامر، وتكون لذّتنا بمخالفة الأوامر. الإنسان لأول وهلة يجعل عداوة بينه وبين الوصية، وقد يرى انها تقلق حريته. انه هو إله لنفسه. يريد أن تأتي قراراته منه لا من سلطة بشرية كانت ام إلهية. ولكن يأتي يوم ينضج التلميذ فيه ويفهم ان في مصلحته ان يطيع، وان المعلم هو الذي يقرر المعارف التي يجب ان يلقنها لتلميذه.

          الثقة بالله -وهذا هو الإيمان تحديدًا- توحي الينا ليس فقط ان نقتنع بالوصية، ولكن ان نحبها ليقيننا بأن النفس تصح بها وتتجمل، وان ما عدا الوصية إغراء. ولذلك قال داود في هذا المزمور العظيم: “أَخفيتُ كلامَكَ في قلبي لكي لا أخطئ إليك”. ليس فقط قرأته مرّة أو مرات، ولكني أكلته أكلا. استدخال الكلمة الإلهية الى ثنايا القلب حتى تطرد منه الخطيئة لو حاولَتْ ان تتسلل.

          ويتحدث النبي المرنم عن الحب الذي نقتبل فيه الكلمة فيقول: “اشتاقت نفسي الى اشتهاء أحكامك”. قابل بين هذا القول وما نفعله عادة. نحن نشتاق الى الخطايا. داود يشتاق الى وصايا الله اشتياقا.

          ومن بعد التوق الودّ. وهنا يقول: “رفعتُ يدي الى وصاياك التي وددت”. ينتقل بهذا الود الى العمل حيث يقول: “انه وقت يُعْمَل فيه للرب وقد نقضوا شريعتك. لأجل هذا أحببت وصاياك أفضل من الذهب والجوهر”. كلمتك سلاح أحارب به الأشرار. ولن يكون في يدي سلاح ضدهم وقوة كافية لمحاربتهم الا اذا أحببت وصاياك فجذبَتْني وحركَتْني لأخوض معركتك في الكون.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

الكتمان/ الأحد في 17 آب 1997/ العدد 33

قـول سائر عندنا: “المجالس في الأمانات” اي انك لا تذيع امرا تسلمْتَـه في مجلس اصدقاء وأَسَرُّوا لك به لأنهم اطمأنوا الى كونك تحفظ الأسرار. ما من شك ان كثيرا من الأخبار يتعلـق بأمور الناس الشخصيـة ويـؤذيهم أن تُعرَف. ما يمتّ بصِلـة الى الحياة العائلية والى أتعاب الناس او ما يواجههم من صعوبات في حياتهم المهنيـة تُكشف لك لكـونك قادرا على النصيحة او من باب بث الشكـوى او وصلت اليك لكون الناس يتسلَّون بما يحلّ بالناس.

         قد تعـرف تفاصيل ائتُمنتَ عليها لتساعد على حلها. إن نقلتـها لمن كان الكلام عنـه وسَمَّيتَ من نقلها اليك تجعل خلافا بين من حدَّثك ومن انت تحدثـه، ولهذا قال الكتاب: “الساعي بالوشايـة يفشي السر، والأمين الروح يكتم الأمر” (امثال 11: 13). قد لا تقصد الوشاية ولكنها الثـرثـرة ساقتـك الى الحكي.

         عنـدما تشعر بجـو حار وأنّ كبيـرا في القــوم روى لك شيئا عن كبير آخر فامتنعْ عن روايـة هذا الكـلام حتى تبـقى موضوعَ ثقـةٍ وحتى يجتنب الكبيران الخصام. اذا أَسَرَّوا لك بأمر وأحسستَ انك قادر ان تساعد  فاستعمل من هذا الكلام ما يفيد وما لا يُدخل التشنـج الى النفـوس.

         ليس الكاهن وحده مرتبطا بسرّيـة الاعتراف. كل منا مقيَّد بكتم ما عَلِمَ به الا اذا آذى سلامة الدولة او كان فيه تخريب للكنيسة. لا ينبغي مثلا ان يحدث صِدام كبير في الرعية دون ان يعلم به المطران حتى لا تتصدع وحدة المؤمنين. غير هذا يكون من باب الثرثرة. كل إفشاء لمتاعب الناس وخطاياهم نميمة. النميمة خبر صحيح لا تجوز روايتـه.

         النقد البنّاء يجري بينك وبين من تريد إصلاحه. احيانا يجوز لك ان تحلل كلام الناس من حيث انه كلام أُذيعَ، وان تنقده موضوعيا، ولكن لا يجوز لك ان تذم قائلـه. ربما ساغ لك احيانا ان تحلل تصرفا بات مكشوفا او مواقف عُرفَتْ، ولكن لا تدع الناس يحزنـون بسببٍ من انتـقاد لاذع كثيرا ما أخفى حقدا.

         المجتمع الكنسي مليء بالأخبار الباطلـة.  وعند الفحص يتبين لك ان الكثير الكثير عارٍ من الصحة. لماذا مَن عَرَفَ خبرا عن اكليريكي لا يذهب اليـه ويعاتبه بدل ان ينشر الخبر في مجالس الثرثارين؟ هذا باع وهذا تَمَلَّـك باسمه الشخصي. كيف تثبت هذا؟ القال والقيل تجعل النفـس في حزن، وكثيرا ما كان الحزن شديدا.

         الخلاص في الصمت. “ان كان احد فيكم يظن انه دَيِّنٌ وهـو ليس يلجم لسانـه بل يخدع قلبـه فديانـة هذا باطلـة” (يعقوب 1: 26). وقمـة القـول: “اللسان نار. عالم الإثم. هكذا جُعل في اعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كلـه ويضرم دائرة الكون ويُضرَم من جهنم” (3: 6).

         القاعدة في هذا ان تمـدح الناس في غيابهم وان تكتم ذنـوبهم حتى يحجب الله عن عينيه ذنوبك. لا تَقُلْ إلا ما هـو نافع للبنيان. واذا لم يُفشَ ما قلتـَهُ في الخفاء فأقلُّـه انـه يعثّر. اذا عَرفـتَ شيئا من هذا القبيـل فانسَهُ لئلا يصيبـك انت قنـوط وتقع بواقعيـة مريرة وتهـمل رجاءك. اذا تأكد لك خطأُ واحدٍ من الناس فاذكر هذا الأخ في دعائك وانسَ الخطيئة، لأنك ان أَقمتَ على احد خطيئتَهُ فالخشية ان تقع انت فيها. لا تذكر سيئـة ولا تحاسب عن سيئـة لأن هذا باب للحقد.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

سلام المسيح/ الأحد في 3 آب 1997/ العدد 31

تبدأ الطلبة السلامية الكبرى في القداس الإلهي والخِدَم الأخرى بقول الشماس: “بسلام إلى الرب نطلب”، اي نرجو ان نكون في سلام مع الله لنتمكن من الصلاة. ثم نقول “من اجل سلام كل العالم”. وهنا يبدو للسامع اننا نطلب السلم العالمي بين الدول، ولكنه سرعان ما يفسر: “من اجل السلام الذي من العلى وخلاص نفوسنا”. وهنا يتضح انه ان كان صلح بيننا وبين الرب نتمكن من إشاعة الهدوء حولنا في العلاقات الشخصية، في العائلة وفي المجتمع. السلام الذي لا يتصدع بمصالح الدول والأفراد والخصومات ضمن العيلة او الرعية هو الذي ينزل عليك من فوق.

          المؤلم ان في الدنيا صالحين في كل الشعوب ولكن السياسة ليست في ايديهم. والفاهمون كثيرون، وما السياسة في أيديهم “والإنسان ذئب للإنسان”. وسوف تبقى الحروب بين الشعوب القوية والشعوب الضعيفة ما لم تتحول الشعوب في رقي اخلاقي عظيم وتنمية وازدهار لتفهم ان مصالحها هي في ان تنمو جميعا وتنمو معا ويظل كل شعب على فرادته وأصالته وحقه في الاختلاف. ان نؤمن بحرية الآخرين شرطا للسلام، واكتمالا لسلامنا نحن، هذه قمة في حياة الشعوب.

          وهنا يبدو من المعقول ان تبقى مجموعة بلدان فيما بينها في سلام موطد بعد ان تكون اكتشفت أن الحرب يدمرها جميعا ولا يبني شيئا ولا يؤمّن سيطرة وأن من تستبعده سوف يثور عليك ليستعبدك. هكذا اخذت تتجلى – بعد مخاض عسير- ان الطمأنينة عبر الحدود ممكنة لأن القيم الانسانية صارت اقوى في النفوس من التوحش. ربما كانت المجموعة الاوربية مثالا على ذلك. سعي الى تعاون وربما الى توحُّد نتج عندها من كونهم ذاقوا مرارة حروب وتبنّوا مبادئ من الإنجيل ترجموها قِيَما اجتماعية عندهم. طبعا هناك قناعات اساسية ذات مصدر ديني تتشبع بها المجتمعات وتتحول سياسة.

          في الأساس ما حاولَتْ هيئة الأمم ان تعمله سلام مؤسَّس على حقوق الإنسان التي صارت عند اهل الغرب قيما مقبولة، موضوعة في تعبير بشري، دنيوي دونما صلة ظاهرة مع الإنجيل ولكنها آتية من الإنجيل ما في ذلك ريب.

          هل نحلم بسلام عالمي؟ هذا كله متوقف على الصدق وليس في معظم الدول صدق. والصدق بدوره ناتج من التعفف عن العنصرية وشهوة التوسع والسيطرة الاقتصادية. اجل، سيبقى على عشرات بل مئات من السنين امرا ضبابيا.

          نحن إلحاحنا على العدل. لا سلام بلا عدل للجميع. قد يُفرَض السِلم ولكنه لا يبقى. بطريقة او اخرى، إن لم يكن “سلاما من العلى” لا يستقر في الأرض. هذا هو معنى البشارة عند مولد يسوع. “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. إن تَنزَّلَ نزل عليك شيء من فوق تنشره هنا سلاما.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

فضيلة الصبر/ الأحد في 27 تموز 1997 / العدد 30

هذه فضيلة ناتجة من اعتقادنا ان الله يترك الحرية للإنسان ويصبر عليه حتى يتوب. يدع له مجالا للخطيئة ولا يقهره على البر. ينتظره ليقبل النعمة النازلة عليه. الله يطلب محبة الإنسان له ولا يرغمه ان يحبه. الله توجعه خطايا الناس.

          على هذه الصورة نصبر على الآخرين حتى يعودوا الى رشدهم وهدوئهم. لا نغضب عليهم ولا نتأفف. ونبقى على وداعتنا والتواضع على الآخرين يتروضون على الوداعة والتواضع. ننتظرهم حتي آخر رمق فيهم او فينا. صَبْرُنا على الناس يأتي من صبر الله على الناس.

          عندما قال الرب: “لا تقاوموا الشر بالشر” كان يعرف ان صَدَّ الغضب بالغضب لا يشفي الغاضب ولا المغضوب عليه. لا يمكنك ان توقف الانفعال اذا وقعتَ انت في الانفعال. انت يُطلب اليك ان تشفيه، ولا شفاء للآخر الا اذا سكنك السلام. واذا استقر فيك السلام ينتهي انفعال الآخر.

           هذا لا يعني انك تهرب وانك تعتزل. الهروب لا يحل مشكلة والاعتزال لا يحل مشكلة. انت لا تتفرج على الخطيئة. تعالجها. لا يمكنك ان تحيا بمنأى عن الناس. تزج نفسك في مشاكلهم وانت حر من هذه المشاكل. تزج نفسك فيها بمداواة من كان مصابا بها. تداويه بالمحبة، بالتأني، بالحلم. الصبر فيه صلاة، انتقال الى الله. واذا انت ارتفعت ورحمت، تزيد حظ الآخرين بالارتفاع. اذا انت تغيرت، يقوى حظ الآخرين بالتغير. التغيير لا يكون بقتال الآخرين. تصير انت انسانا جديدا فيتجدد الآخرون.

          الصورة هي هذه انك تصعد الى الله وتنزل من الله الى الآخر بحيث يكون الآخر في علاقة ثالوثية وهي هذه: انت والله والآخر. هكذا يتم خلاصك بالله، ويتم خلاص الآخر بالله. هذه المسيرة تتطلب الرفق. اذا انت رفقت يحس الآخر انه محبوب. لا تلهيك معصية الآخر عن الآخر. تذهب اليه في معصيته. تضمه اليك ولا تضم معصيته. اذا احسّ انه محبوب يترك معصيته ويرى نفسه في حضرة الله، ويتحول، اذ ذاك، الى وجهه المبارك.

          بأي مقدار تصبر، الى اي حد؟ “انت تصبر على كل شيء” (2تيموثاوس 2: 10) لأن الناس، كل الناس قادرون على كل هفوة، على كل جرم. انت تتوقع كل خطيئة من كل انسان ولا تقاطع احدا. الخاطئ في ايامنا لا يحتمل اي غضب واي عزل. الكنيسة في ايامنا لا تمارس الحرم، وأظن انها لا تستطيع لأن الروح الدينية صارت ضعيفة والتماسك ضعيف. والحرم لا ينجح الا في كنيسة قوية، يعرف الخاطئ فيها انها تؤدبه لمنفعته ويخشى اذا حرمَتْه ان يفقد حقا رضاء المسيح عليه. الواقع ان كنيسة اليوم فيها مؤمنون ضعاف ومؤمنون اقوياء. ويحس من تحرمه انك غاضب عليه وانك لا تحبه. من هنا اننا بتنا اليوم في الكنيسة احوج الى الصبر على كل الناس مما كنا في الماضي. من تقصيه يفقد صبره، ولا يقبل احد ان تُخرجه عن الطائفة. يحس انك تعمل هذا اعتباطيا، كرها به. المحروم في الأزمنة الاولى كان يحس -اذا أقصيتهُ من الجماعة- انك تقصيه لكونك تريد تأديبه بالعزل، حتى اذا صار خارجا يشعر بضرورة العودة.

          ان في كنيستنا من يكره الكاهن والأسقف ويريد ان يتسلط عليه. لا يمكن الرئيس الروحي ان يزعل المؤمن لئلا يهج. يأخذه بالرأفة والتأني والأبوة ليرى ابوة الله.

          نحتاج الى امتحان كبير، الى ترويض كبير، الى آلام لنتعلم الصبر الذي يريده المسيح منا. واذا نشأ فينا هذا القدْر من الصبر ينقل لطف الله لى القلوب.

Continue reading
1997, مقالات, نشرة رعيتي

الكذب/ الأحد في 20 تموز 1997/ العدد 29

أَحصيتُ 178 آية ضد الكذب في العهدين القديم والجديد هذا يدل اولا على انتشاره والكتاب ينطلق من ان الله لا يكذب وان الشيطان كذوب وابو الكذاب (يوحنا 8: 41)، وكأنه يقول ان صدق الله ينبغي ان ينعكس في صدق الإنسان، وان الذي يكذب ليس الله أبوه دائما يقيم الكتاب المقدس علاقة بين الكذاب والروح الشرير لذلك يقول: «ملأ الشيطان قلبك لتكذب» (اعمال 5: 3)

والكلمة الإلهية لا تكتفي بأن تعرِّف عن الكذب في انك تظهر عكس ما تضمر تذهب الى أعمق فتقول: «نكذب ولسنا نعمل الحق» (1يوحنا 1: 6) تتكلم عن طريق الكذب فهناك انسان ملتو، مغلوط في تصرفاته وليس فقط في كلامه هذا الإنسان لا يحب ان يقيم في حضرة الحق، في النور

الا ان العهد الجديد يتكلم عن الإلهام الروحي الذي ينزل علينا لنتسلح بالصدق فبعد ان يهدينا بولس على ان «نلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق»، يمكنه ان يدعونا الى طرح الكذب عنا «لأننا بعضنا اعضاء البعض» (افسس 4: 32-52).

المسألة اذاً انك ان تجددت بالمسيح يمكنك ان تَصدُق وفي تجددك تعلم انك عضو في جسد المسيح الذي هو الكنيسة، والصدق يجعلك موحَّدا بإخوتك، وهؤلاء يشفونك من خطاياك اذا لم تُخفِ عنهم شيئا أنت لست أخا لمن تكذب عليه الأُخوَّة تعني التواصل والتكاشف والعلاقة المباشرة التي لا مواربة فيها ولا لبس.

مرة سألتُ ابنا روحيا اذا كان يكذب قال ولكني لا اؤذي احدا قلت له افرض ان هذا صحيح الا انك تؤذي بالأقل واحدا قال: من هو؟ قلت انت لأنك تقزّم نفسك القوة في ان تعترف والقوة في ان تجبه لأنك تصير قويا باعترافك وقويا بصدقك.

ما من علاقة ممكنة، سليمة الا اذا اتكل الآخر على ما تقول، وأقام معك اتصاله بناء على ما تقول، فإنه يقرر اموره استنادا على ما سمع منك.

قد تظن انك ترتب اشياءك اذا اخفيت بعض الحقائق قد تنجّي نفسك من الورطة مرة او مرتين، ولكن سرعان ما تفتضح فيحتقرك الناس ويعاملونك بحذر او يُبْطِلون التعامل واياك يكذب الكثيرون ولكنهم لا يحبون الكاذب الآخر تدخل اذاً في وحلة الخروج منها في كذبة جديدة.

انا أفهم ان ما يدفعك الى الالتواء قسوة الناس ولهذا لا علاج للكذب في الكنيسة الا اذا قبِلْنا بعضنا بعضا ورحمنا الخاطئ. فمَن عَرَفَ انه يبقى محبوبا مهما ارتكب يتجاسر على الصدق يتكل مسبقا على انه محضون المحب لا يحاسِب احدا على ضعفاته يُخَطِّئه في وقت مناسب في روح الوداعة ولكنه لا يراه اسوأ الناس.

اذا شاهدنا صورة الله في الخاطئ وأيقظناه ليراه،ا ورأيناه قاعدا في صبر الله عليه وصبرنا. لا بد له ان يتشجع ليبقى في نهار الحقيقة ونهار التعامل.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

الملكوت المسكوب/ الأحد 6 تشرين الاول 1996/ العدد 40

باب القلب مفتوح ليدخله الناس، كل الناس كما هم في تعبهم وتذمرهم (النق مرضنا) وشكواهم وطلب الخدمة. القلب المفتوح لا يخاف ولا يردّ احدا. لكل انسان الحق ان يقرع باب القلب وان يدفأ فيه ليحس انه مقبول مهذبا كان ام شرسا في البدء. واذا رأى نفسه محضونا يخسر شراسته. قد لا تستطيع ان تلبي كل حاجة تُطلب منك، ولكن الحاجة الاولى عند كل منا العاطفة من الإخوة الصادقين.

يأتيك من يبكي عندك. ابكِ مع الباكين وافرح مع الذي يفرح وعزّ المنكسري القلوب فإن الروح القدس هو الروح المعزي كما سمّاه يسوع في خطبة الوداع وكما نسميه فيما ندعوه عند افتتاح كل صلاة. أن تعزّي لا يعني ان تساير او ان تغنِّج. احيانا، يحتاج مكلِّمك الى كلام تقسوه فيه ولكنه يحس – ان كنت محبا – انك لا تجرحه ولا تهزأ به ولا تهمله. اذا كان عندك اليسير وطلبَ اليك العون فأعطه اليسير ويعرف انك صادق. ودائما يمكنك ان تعطيه حضورك. واذا كان لك مونة او كان لك سلطان وأَمكنك الوساطة فلا تبخل بشيء لأننا جميعا اخوة في هذا الذي احبنا حتى الموت.

لا تحاكم احدا على نياته. انت لا تعرف النية. خير لك ان تكون مغشوشا من ان تظلم احدا. “الله فاحص الكلى والقلوب”. انت غير قادر ان تفحص القلوب. لا تظن انك مفرط الذكاء ففي هذا كبرياء. استمع الى الحاجة وكن بريئا في الاستماع ولبِّ الحاجة ان استطعت لأنك تكون قد أَقرضت الله. والمسيح يتخذ وجه المحتاج فاذا خدمتَ صاحب الحاجة تكون خادما للمسيح.

هذا لا يعني ان السذاجة شرط من شروط البراءة. ولكن الإفراط في التفذلك ليس شرطا من شروط الذكاء. فتِّق المواهب عند الآخرين. هي في كثرة الأحوال محبوسة لأن احدا لم يحبهم. أحبب ترَ الناس يقترفون المعجزات. فالناس يموتون في عزلة رهيبة. كل انسان يعيش وحده. فقد يكون وحيدا وله زوجة لا تحبه. وكثيرا ما أحسَّت المرأة انها مهمَلة. الناس معظمهم مبعثَرون، مشتتون وليس من يصغي اليهم اذا ارادوا ان يبثوا شكواهم وان يصِفوا آلامهم.

هذا يتطلب منك ان تخرج من قوقعتك وان تلتقي وجه الآخر. ان لم يكن وجهك الى الوجوه فإنه منطفىء وهي بدوره منطفئة لأن واحد لم ينظر اليها.وقد يكون الناس في تهييص ومع ذلك هم وحداء ولا نقضي على عزلتنا بالهيصة. ويظن الناس انهم يلتقون الناس في عرس لأنه اصلا  موسم الفرح ولكنهم لا يتلاقون بالضرورة. ان كثرة الزينة التي يتزين بها المدعو الى العرس اشارة الى انه منعزل. الترف هو التعبير الأفصح عن العزلة. الإنفاق الفاحش دليل على عدم الفرح العميق لأن الفرح لا يحتاج الى شيء آخر ليكون. لا يزيد الإنسان شيئا على الفرح.

دعوَتُنا ان نتقاسم الفرح لا ان نتقاسم المسرّات السطحية. والفرح في ان تغفر ولا تعاتب لأن العتاب يعني انك كنت تنتظر شيئا وخُيِّبت آمالك. لك ان تنتظر صدمات ممّن كان الأعز لديك. اقرب الناس اليك قد يخونوك. هذا موجع لا ريب في ذلك. ولكن لا تترك الذين صدموك لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. قد يقصدون إيذاءك لأنهم تألموا من الحياة ويطرحون أذانهم في مرماك. تصبّر وادعُ لهم بالرؤية الصافية وبسلام قلوبهم. عاملهم بالحسنى حتى يفيقوا. هدفك عافيتهم الروحية وهاجسك انت ان يشاهدوا وجه الله لا وجهك. تريد وجوههم نيّرة. اجرتك انهم استناروا. انت تفرح لشفائهم. اذ  ذاك يردّون لك المحبة. واما ان قابلتهم بالسوء فتقع معهم في السوء ويبقون هم سجناءه.

شرَّع ابواب النفس لكل من جاءها حتى تسمو انت ويسموا. هذا هو الملكوت المسكوب عليكم جميعا.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

الأصنام/ الأحد 22 أيلول 1996/ العدد 38

آخر كلمة ليوحنا الحبيب في رسالته الاولى الجامعة: «يا أولادي احفظوا أنفسكم من الاصنام» (5: 21). لماذا يقول هذا وقد نجا مَن كَتَبَ اليهم يوحنا من عبادة الاوثان؟ قارئ الرسالة يفهم انه كانت هناك هرطقات ومنها ان المسيح لم يكن له جسد حقيقي وتاليا انه لم يتجسد وكأن الهرطقة العامة والدائمة ألا ّيحس المؤمن ان حقيقة المسيح بيننا وفينا.

هل السيد معنا وفينا اذا نحن استسلمنا لما يسلب حريتنا في المسيح وان تكون دوما عيوننا الى عينيه؟ ما من شكِ ان عبادة المال وعبادة المجد وعبادة الجسد هي من الاصنام الاءمة التي تسحر كل جيل وتراود الانسان عن نفسه ولكني متكلّم الآن عن اشياء اخرى.

منها عبادة العلم والتكنولوجيا وهي ديانة جديدة فالبعلم نشعر اننا نقتحم المجهول وكلما اقتحمناه نحس بأننا لا نخاف منه واننا اكثر فهما للواقع وإن شعرنا كثيرا اننا نقلق من هذا الذي ما كنا ننتظره. ولكن المعرفة مهما زادت لا تقلل من وطأة العصاب névrose ولا التوتر الداخلي ولا من مشاكل العائلة ولا من العزلة التي نعانيها في الكنيسة التي لا تمشي امورها كما كنا نترقب لمّا سعينا الى نهضتها. فالناس ناس وان سُمُّوا رجالا روحانيين. هذه مجرد تسمية في اكثر الأحيان ولكن بعضا منهم يفرح بالمال ويسكر بالمجد الباطل.

والعزلة نعانيها في مجتمع يقوم على التسلط وفيه الكثير من الكذب وكأن الانسان لا يؤمن بأنه يقوى بالصدق وانه يربح ماديا بالصدق واذا استطاع ان يصبر. والخوف من المستقبل لا يغادرنا، كذلك الخوف على صحتنا وهي مهددة بأمراض القلب والسرطان والضغط العالي والسيدا. واذا تلذذنا بالقصور والدُور الجميلة والأثاث الفاخر والسفر والنساء (وهن بالرجال) فلا شيء من هذا يمنع مرضا او يستبعد موتا وكأن اسباب الخوف هي اياها اية كانت وسائل الرقي والراحة. غير ان الانسان يحب ان يلهو وان يتزين لينسى همومه ويستقر الى حين وما من مستَقَرّ.

أنا لست ادعو الى ألا يتعلم الانسان ولكن ان يعرف ان العلم شيء نسبي في شمولية الحياة. ذلك ان الجاهل والعالم متساويان امام الموت وامام المرض، واذا كان الإيمان ضعيفا فميلنا ان نجعل من العلم بديلا. ليس من شيء خطِر في حد نفسه. فالمعرفة ليست خطرا ولكن الخطر ان تصبح هذه المعرفة بديلا عن القيم البسيطة التي تؤلف الوجود: المحبة في كل وجوه العطاء، المشاركة الإنسانية، العفة عن المبتذَل، العدل، الغفران وكل شيء ابدي انكشف لنا بالإنجيل.

اما التكنولوجيا فجيدة بحد نفسها لأنها تجعلنا نُكثر من الانتاج ونسيطر على المسافة ونختصرها ونتواصل مع كل جدث في العالم ونقضي حاجاتنا اليومية وبعامة نقلل مصاعب الوجود. ولكن لها ثمن ندفعه من اعصابنا ومن حياتنا الرحية ان لم نكن متيقظين جدا. هذا لا يعني ان نعود القهقرى والى الحضارة القديمة والصناعات اليدوية والى نمط البساطة. هذا حلم هروب لا يحقَّق ويقهر الشعوب الضعيفة. والأمم الكبيرة الصناعية تفرض عليك ذلك لأنها تقايضك بالآلة منتوجَ زراعتك.

يبقى لك اذا استطعت الإسهام في التكنولوجيا ألا تلجأ الى ما يؤذي الأخلاق ولا سيما في مجال الهندسة الوراثية التي تحاول اللعب بالجنات وتتحكم بالجنين وتولِد اجنة بالأنبوب وترميها بالمزبلة او تحرقها بعد ان تكون أعادت جنينا الى الأم التي تريده. نحن لسنا عبيدا للتكنولوجيا.

المهم ان تكون حرا من هذا الذي بين يديك كما كنت حرا من المال الذي تقبله والسلطة التي سُلَّمت اليك. الأشياء لا قدرة لها بحد نفسها ان تستعبدك. انت تجعلها اصناما اذا شئت. العبودية والحرية كلاهما في داخل نفسك.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

العنصرة/ الأحد 2 حزيران 1996 /العدد 22

العنصرة هي الحياة الجديدة التي تنزل علينا كل يوم وتكشف لنا جمال وجه المسيح وتجعل توبتنا ثابتة. كل مؤمن يذوقها بمقدار ويرى بها رؤى فيحب بصورة مدهشة فيغفر بما لا يتصوره الناس ويرقّ ويلطف كما لا يتوقعون. العنصرة هي المسيح معطى لنا بالروح القدس فيجعلنا شهداء ونحن جبناء وقادرين على تحدي الظلم وان نستقل عن المعتبَرين أقوياء وان نتكلم بما يفوق قدرتنا كما تكلم الصيادون.

لا يكفي لهذا ان نتعلم أمور الإيمان فالكثيرون تعلّموا واجترّوا الكتب اجترارا ولم يوصلوا رسالة لأن الكلمات كانت ميتة على ألسنتهم بعد ان كانت قلوبهم منطفئة. العبادات وهي حية استقبلوها أشكالا وما أحيتهم فمروا ولم تمسسهم نار. يمكن ان يقرأ انسان كتبا كثيرة ويبقى باردا. وقد تجد انسانا حارا يعرف القليل ويقول القليل ويمكنك ان تعيش على دفئه. هذا هو سر الروح القدس.

مع ذلك اتخذ الله أدوات له في الكنيسة. أقامهم روحه اساقفة وكهنة ولكنه لم ينعش قلوبهم. انوجدوا هكذا وماتوا ولكنهم يقولون في الخدمة الإلهية كلمات الحياة تعبُر بهم عبورا ولا تدخُل اليهم. خذ انت الروح الذي تعطيه الكلمات واشكر الله. قد يوقظهم الروح يوما. صلّ من اجلهم كل حين ولازم الكنيسة لأنها محطّ الروح وجسر الروح اليك, ولا تهتم انت ان كانوا يعثرونك ويجرحون تقواك. هذه خطيئتهم. خطيئتك انت ان لم تحضر الى الكنيسة انك فوّتَّ على نفسك فرصة الاستماع الى  الكلمة واقتبال الروح الذي يأتيك بالكلمة.

لا ترتكب نميمة بأحد منهم لئلا تزعج نفسك وتمرمرها ولا تنفع بالنميمة احدا. لازم الصمت فإنه افصح دليل على ان الروح فيك, فبالصمت تطهر وتُذْهِبْ عن نفسك وعن سواك الأذى. لقد كانت طائفتنا مسرحا للثرثرة خلال بضع عشرات من السنين وربما طوال تاريخها، وراوح الفاترون مكانهم واستفحلوا في انعدام المحبة لآنهم تمرمروا وبغضوا فغضبوا.

ليكن همّك الوحيد ان تقتتني الروح القدس بطاعة المسيح. خذ المسيح من الإنجيل.اجلد نفسك به كل يوم ولا تَسْعَ الى إصلاح الكنيسة بالتجمعات الصاخبة ضد فلان او فلان ولتغيير الأنظمة وإزاحة الناس عن مقاماتهم. الصخب لا ينفع شيئا. ان لم تَطْهُرُ نفسُك طهرا كبيرا وما صفت فلا يصدر منها الا المرارة والحقد. ليجتمع الطاهر الى الطاهر بقراءة الكلمة والصلاة، وبمقدار  ما تتكثف الصلاة في الجماعة يُصلِح الناس المسؤولين منهم والعامة.الوداعة هي نفسها تعطيك الوضوح اذا اقترنَتْ بالحَزم، والحزم ينزل عليك من الروح نفسه وهو الذي يلطِّف الشدة فيك فلا يجعلها مطرقة ولكنه يجعلها دواء.

اذا صار كلامك يشفي فهذا دليل انك حامل الروح.

Continue reading
1996, مقالات, نشرة رعيتي

النقد البناء/ الأحد 26 أيار 1996/ العدد 21

كل انسان في الكنيسة ليس فقط يحق له الكلام في كل شيء ولكن يحق له ان ينقد كل شيء. قلت “كل انسان في الكنيسة” ولم أقل في الطائفة. فقد يحسبونك أرثوذكسيا لكونك مولودا هكذا ولكنك قد لا تكون مصليا وليست على اتصال بمن يعمل ويعلّم وقد لا تكون قرأتَ ما يجب معرفته ليكون لك الحد الأدنى من المعلومات التي تخوّلك حق النقد. المؤمن الممارس, الحاضر, المطّلع على نشاط رعيته والأبرشية يعرف عمّا يتكلم وغيره لا يعرف.

الانتقادات المسلّية في الصالونات التي تتناول الأكليروس بخاصة وما قالوا وما فعلوا من شأنها ان تثبط الهمم وان تجعل الناس في حزن ويأس وكثيرا ما لا تكون مدعومة بالوقائع ولكنها مبنية على الوشاية والنميمة. فاذا كان لك شيء على الكاهن او المطران فاذهب اليه وسَلْهُ او عاتبه ونحن قائمون لسماعك وتقبل حجتك ان كان لك حجة.

لا تصدّق كل ما تسمع. تحقق الأمر وبعد هذا كلّم المسؤولين وليكن كلامك معنا من اجل البنيان حتى نصير افضل مما كنا عليه. هذا اذا كنتَ تتكلم في غيرة على كنيسة الرب. ادعُ ربك وكن الى الهدوء قبل اي مراجعة حتى يعطّر فمك بعطر  الروح. ليست الكنيسة “فشّة خلق” ولا يبنيها الزعلان والغاضب والذي يفتش عن المخانقة. “احملوا بعضكم اثقال بعض”. الى هذا دعانا بولس. كذلك قال الرسول نفسه” اذا سقط أحدكم في زلة فأَصلحوا انتم الروحانيين مثلَ هذا بروح الوداعة”. فلننتبه ألا نمزّق بعضّنا بعضا وألا يشهّر احدنا بالآخر لأن في التشهير يسكن الشيطان.

الوصية ان نستر ذنوب الإخوة. “طوبى لمن سُترت ذنوبه وغُفرت خطاياه”. ولكن الوصية تقول ايضا: “اعزلوا الخبيث من بينكم” بمعنى ان نشكو للرئاسة الروحية من ارتكب خطأ او من أساء الائتمان. فإن سكتَّ انت عمن يهدم  كنيسة المسيح تكون شريكا في هدمها. ليس من فضح لكاهن او مسؤول في الوقف امام الناس لئلا يتعثروا. ولكن الواجب يقضي ان نرفع الأمر الى الرئاسة الروحية لتُصلح الأمور وتؤدب من يجب تأديبه.

كل شيء للبنيان بعفة اللسان وكل انسان تحت الشكوى إن أخطأ لئلا نكون شركاء الظلم. “هل من اختلاط بين النور والظلمة؟”.

Continue reading