Category
في الأحد الأول من صوم سنة 843 أعلنت الإمبراطورية تكريم الأيقونات بعد أن حطمتها الإمبراطورية نفسها خلال 12. سنة وعُرف هذا الاضطهاد بحرب الايقونات. فسمي هذا الأحد الاول “احد الارثوذكسية” وبالعربية “احد استقامة الرأي” لأن تكريم الايقونات صار – بعد القمع – رمزا لاستقامة العقيدة.
نحفظ الذكرى التي وقعت في الصوم في تلك السنة. غير انها مناسبة لتذكر ان لا شيء في الدنيا اهم من ان تكون ارثوذكسي العقيدة. فالإيمان هو الذي يجعل اعمالك صالحة وصلاتك مقدسة وصيامك مباركا. خارج “الإيمان الذي دُفع مرة للقديسين” لا شيء ينفع، و”العقيدة الاخرى” وهكذا نسمّي العقيدة المنحرفة تذهب بصاحبها الى الهلاك الأبدي.
التمسك باستقامة الرأي سببه انك ان قلت شيئا آخر لا تكون قد آمنت بالخلاص. مثل على ذلك ان المجمع المسكوني الاول رفض بدعة آريوس القائل بأن الابن مخلوق. ردت الكنيسة على هذا بقولها انه مولود (من الآب) غير مخلوق. سبب الرد ان المسيح ان لم يكن إلهًا لا يكون عَمَلُ الفداء قد تم، وان لم يكن انسانا كاملا، ان كان شبحا، لا يكون احد قد مات. وفي افتراض عدم أُلوهيته وعدم بشريته لا نكون قد نلنا الخلاص. فالكلام الصحيح عن الله رمز للايمان الذي يخلّص. نرفض الكلام المغلوط لحرصنا على خلاصنا.
فكما رفضنا الآريوسية (بدعة آريوس) نرفض اليوم بدعة شهود يهوه التي تتنكر لألوهية المسيح. ونرفض شيعا أخرى كمذهب السبتيين ومذهب المعمدانيين وحركة “المولودين جديدا” الممثلة في هذه الفرقة او تلك المستوردة من الغرب.
طبعا لا يستطيع الإنسان العادي ان يدرس تعاليم كل الفرق ليتصدى لها، وقد لا يعرف دائما السبب الذي يجعلنا رافضين للأفكار الغريبة. من اجل ذلك ينبغي ان يتمسك بإيمان كنيسته ولا يدخل في جدل مع اصحاب البدع، وفي ذلك اوصى الرسول بولس. غير ان العقيدة الارثوذكسية تُعرف بدرس الكتب التي صارت كثيرة في كنيستنا، ونشير الى كل منها في “رعيتي”، فقراءتها تحصّنك من الفكر المغلوط. والعنصر الثاني الذي يحصّنك هو ترددك على الكنيسة في الآحاد والأعياد لأن عقيدتنا مسكوبة في الصلوات والأناشيد اذا أصغيت اليها بانتباه.
سؤال كثيرا ما يطرح هو لماذا غذى الروم الارثوذكس كل الكنائس الجديدة وكل الفرق المختلفة التي غزت بلادنا. اول جواب ان غيرنا من المسيحيين ايضا انضم بعضه الى الكنائس الجديدة وحاليا ينضمون الى هذه الفرق.
اما الجواب الأعم فهو ان الوعظ والتعليم كانا ضعيفين في القرنيين التاسع عشر والعشرين لكون العدد الكبير من الكهنة كان شبه أميّ وما كان يعطي شرحًا للطقوس. الفراغ هذا استدعى الغلط ان يحتل النفس الارثوذكسية. الطقوس لها اهمية كبرى لأنها تحرك القلب وتقنع العقل بآن معا.
وهذا كله يدعو الكهنة اليوم ان يعقدوا كلٌّ في رعيته سهرة روحية او إنجيلية في البيوت حتى يتمكن الناس من معرفة ايمانهم. الدفاع عنه. لا مزاح في العقيدة. ولا يجوز استقبال هؤلاء اذا قرعوا باب بيتك ليقيموا معك حديثا. ليس مطلوبا منك ان تجادل. المطلوب ان ترفض هؤلاء وان تمحص عقيدتك الأرثوذكسية لتستوعبها وتوزعها بفهم وقوة.
Continue readingنحن على خلاف لاهوتي مع جورج بوش قبل ان ننتقد مسلكه. والخلاف، اذا شئتم لباسًا نظريًا له، هو على استمرار الوعد الإلهي بالأرض أو على زواله. خلاف على أي وعد إلهي بالأرض لشعب مختار عبريا كان أم أميركيًا. فالآباء المؤسسون لمار صار الولايات المتحدة كانوا مشبعين من العهد القديم على ان مدلوله كما فهمه اليهود باقٍ الى الأبد. لم تكن الحركة الصهيونية قد بدأت عند هجرة الآباء الى العالم الجديد. لماذا سميت تلك البلاد هكذا بتسمية توراتية نقلاً عن الارض الجديدة التي يتكلم عليها سفر الرؤيا في اواخره وقد دلت فيه رمزيا على الملكوت المرتجى؟ الآباء هؤلاء من بعد اضطهادهم في انكلترا رأوا الى دنيا يسكن فيها العدل كما العالم عند المجيء الثاني للمسيح. وقد اعتقد المؤسسون انهم مدعوون الى ان يعيشوا الطهارة الإنجيلية هناك ومع التعلمن سميت هذه الطهارة ديموقراطية وحرية وخلطوا بين هاتين وبين الله بدليل كتابة ابنائهم على عملتهم in God We trust (نحن نثق بالله). وانت فيما تتداول الدولار وتكسبه قليلاً أو كثيرًا تقيم صلة بينه وبين ربك بمعنى انك تؤمن انه يهبك هذه العملة.
وقد رأى ماكس فيبر Weber، وربما كان على وجه من الحق، ان الرأسمالية ازدهرت في البيئات الكلفينية أولاً. وهذا صدى للبركات التي نزلت على ابرهيم واسحق ويعقوب عندما يذكر العهد العتيق عدد الأغنام التي كانت لهم تعبيرًا عن رضاه عن تقواهم حتى جاء الفقير الناصري وقال ان هذه كلها ليست بشيء وان المساكين يرثون ملكوت الله. لا شيء يجمع الهرولة الى الدولار في هذه البلاد الى التيار الفقري الذي انتشر ولا يزال في التراث المسيحي القديم أو الى حركة الزهد في الإسلام.
وظل الاميركيون على هذه الروحية حتى ظهور الحركة الصهيونية كائنة ما كانت مصادرها. هناك وجه منها يتابع البركات القديمة والوعد بأرض لنسل ابرهيم ولو كان انتساب يهود اليوم الى ابرهيم ضعيفًا أو قليلاً من حيث العدد بسبب من انحدار الكثيرين منهم من الخزر الذين تهودوا ولا علاقة لهم بابرهيم جسديا.
مهما يكن من أمر فقد رأى بعض أهل الغرب عند نشوء دولة اسرائيل ان هذه هي أرض الوعد في ازدهارها الزراعي وغيرها. وأخذ بعض القادة الروحيين يأتون بابناء رعاياهم الى فلسطين المحتلة ليقولوا لهم ان بركة الله على ابرهيم انما تتحقق الآن من جديد.
# #
#
وكان لي وبعض رفقائي المسيحيين العرب ان اجتمع الى لاهوتيين ومفسرين للكتاب في هذا البلد ولا سيما الهولنديين منهم الذين كانوا مقتنعين بأن دولة اسرائيل واسرائيل القديم واحد وبأن العهد القديم صحيح لانه يتحقق الآن على مرأى منا حتى انحسرت هذه الموجة. ففهموا ان عليهم ان يفرقوا بين المؤسسة الصهيونية والأرض التي وعد الله بها ابرهيم. غير ان هذا التيار استفاق اليوم في الولايات المتحدة فاعتقد معتنقوه انه لا بد من تجمع اليهود في فلسطين توطئة لاعتناقهم المسيحية ومجيء المخلص. طبعا هذا موقف لا يروق المؤمنين من اليهود وهم مع يسوع الناصري على عداء ولكنه تيار في شقه الاول أي تجمع اليهود يدعم مصلحة هؤلاء السياسية.
عندنا اذًا تحول من طرح الآباء المؤسسين للدولة الاميركية الى القول بأن الأرض الموعود بها هي فلسطين ولكن هذا لم يقطع القول ان أميركا هي أيضًا الأرض المباركة. هذا القول الأخير صهيونية على أرض اخرى. فسواء تأمركت معك الصهيونية بتركيزك اياها في العالم الجديد أم تهودت معك بتركيزها في فلسطين فالجامع بينهما الطرح الصهيوني الذي يسمر وعود الله على أرض بعدما حررنا المسيح من الأرض والتراب وكل ما يتعلق بالملك فكان هو المليك والمملكة ومطرح المواعيد وغاية المواعيد.
في قراءة مستقيمة الرأي للعهد الجديد لا تبقى أسيرًا للقراءة اليهودية للعهد العتيق وتتجنح الى المخلص الجالس في السماويات والآتي اليك. نحن اذًا على خلاف شديد يخص جوهر الإيمان مع جورج بوش وصحبه والمهيمنين على الحزب الجمهوري.
# #
#
مسلكيًا، كبار الرؤساء الاميركيين حتى ايزنهاور (مضمونا) كانوا متمسكين بإرث الحرية ولو اعتقدوا ان المال يضمن الحرية. فسد هذا الموقف لما صارت الدولة تتعاون مع أنظمة الاستبداد والعسكر في أفريقيا وأميركا اللاتينية وبهذا علم هنري كيسينجر وكتب. وهنا بدت لنا ظاهرة جديدة. فبدل الدعوة الى الحرية صار القول بفرض الحرية والديموقراطية على الشعوب. وهذا هو عينه الامبراطورية. بدءًا انتقلت أميركا من مرحلة التبشير بالحرية التي فكرة زعزعة الدول الصغرى – وكلها صغرى الآن – حتى تعم حرية جديدة في الأقاليم ولكنها مرتبطة بأميركا.
ألاحظ فقط ان الدعوة الأميركية القديمة حلّت محلها دعوة جديدة ظاهرها ديموقراطية وباطنها انتداب جديد ليس من عصبة الأمم التي انشأت هذا النظام ولكنه تكليف من الله لكون أميركا مطمئنة الى الله كما تقول هي على دولارها.
في هذا الانحراف التاريخي عن دعوتها الاولى ستغزو الولايات المتحدة العراق على ما يبدو وفي هذا ابادة أو بعض إبادة لشعب بريء. ولن أدلو بدلوي في ما يتعلق بانتفاء الشرعية الكاملة عن هذه الحرب. فقد قرأت بتدقيق تقريري رئيسي المفتشين. غير ان قرار قتل العراق متخذ. ونحن أبناء الحرية الحقيقية والطهارة غير الزائفة مع المسوقين الى الذبح. وصلت الشعوب للسلام وسنصلي. واتحدنا على مختلف عقائدنا الدينية في محبة العراق وسوف نبقى متحدين ان أصاب الشرق زلزال كبير. قد تحدث الصدمة فينا وعيًا كبيرًا لن يكون منة من أحد. ولعل بعضًا من تعزيتنا مآله ان جماهير كثيرة في شعوب كثيرة أخذت تفهم ان دنيا العرب التي تحيط بالعراق مهانة، مظلومة. لعل هذا الإحساس الكبير يبلسم جروحنا ويشفينا من أي أثر لكراهية الأجانب. فقد ظهر جليًا ان الشعوب حسنة، طيبة وقد غدت مدركة ان التعاون في الكرامة هو الروحية التي يجب ان تجمع بينها.
وبعدما ادركنا ان العنف الدولي سيىء للغاية ندرك ان العنف على الأرض العربية يجب ان يزول وان العقل العربي الهادىء الصافي ينبغي ان يحكم سلوكيًا. ولست أريد بذلك علاقة دولنا فهذه تخضع للمنطق السياسي. ولكني أتمنى ان تصبح هذه الدول صورة عن شعوبنا التي تريد ان تحيا في سلام. ليس من أمم متعادية. هناك مصالح متنافرة أرجو ان تذللها الحكمة ومودة العربي العادي للعربي الآخر.
الى هذا نشهد الآن ضمن العروبة تقاربًا شديدًا بين المسلمين والمسيحيين. وهذا نحن قادرون على ان نرعاه ورعيناه، بعامة، على صورة رضية في سوريا ولبنان وفلسطين. وأملنا ان تصبح هذه الرقعة المشرقية مثالاً للتعايش في أية أرض عربية يتلاقى عليها المسلم والمسيحي وان يدخل التلاقي الوجدان الإسلامي حيث لا مسيحي لكون كل كلمة صالحة تقال عن المسيحيين في دار الاسلام هي كلمة إنقاذ لقائلها ولمن يسمعها.
هذا لا يكفيه القلب. يحتاج الى تأسيس عقلي وهو يؤصلنا في احترام الآخر من حيث هو آخر كما يدفع الباحثين الى الانفتاح والسالكين معا على طرق الحياة الى المودات.
أمام المحنة المتوقعة ينبغي ان نؤمن بالله وبنفحاته في قلوبنا. ذلك ان سر القيامة هو في نفوسنا. اذا حلت النكبات لن نضطرب ولكنا نصبر حتى يرحل الموت عن هذا الشرق.
بعد المحنة يجب ان نصير جديين كثيرًا أي ان ندخل في التحول الروحي والثقافي والسياسي الكبير. هذا لن يكون دون توبة كبيرة لشعوبنا أي دون ان يستقيم الفكر فينا ونغرف من الحقيقة اني وجدناها بعد سطوع الفجر الجديد.
Continue readingما هي الأفكار التي تبثها فينا الكنيسة اليوم استعداد للصيام؟ المعاني معبّر عنها في صلاة المساء وصلاة السحر. الفكرة السائدة هي العودة الى فردوس آدم الذي طردتني منه الخطيئة. “سكنى الفردوس” تعني حالة آدم قبل السقوط اي معاشرة الله والكلام معه من جديد. الغاية هي الخلاص والخلاص بالصليب. فاذا تشددنا بآلام المسيح نتمم الصيام ونسجد لقيامة الرب. منذ اليوم الاول هدفنا الفصح.
امام هذه الرؤية نقرأ في الرسالة: “قد تناهى الليل واقترب النهار”. الليل هو الخطيئة التي نصوم لمكافحتها. والنهار او النور يلتصق بنا حسب دعوة بولس: “البسوا الرب يسوع”. هذا ما سنرتل في سبت النور: “انتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”.
نعرف الغاية التي هي القيامة. ولكن ما الوسيلة لبلوغها؟ الإنجيل هنا يقول: “ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ابوكم السماوي زلاتكم”. الصوم من عناصره الأساسية ان نصالح الآخرين، فاذا كنا نحن وإياهم جسد المسيح، نغض النظر عن سيئاتهم ونشملهم بمحبة المسيح التي نحن نعرفها. اذا غفرنا نجعل الفرح في نفوسنا ونفوس الآخرين. لذلك قال السيد: “اذا صُمْتَ فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي يرى في الخفاء”. اجل الصوم هو في امتدادنا الى الآخرين بالغفران. ولكنه بالدرجة الاولى صعود الى الرب الذي لولاه لما رأينا القريب ولما احببناه.
والقريب يعني لكل واحد منا الفقير الذي اذا لم يأكل يكون هذا لعدم انتباهنا اليه اي عدم الاعتراف به أنه من لحمنا وعظامنا وبالدرجة الاولى من لحم المسيح وعظامه. ولهذا في إطار الصيام قال: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض” لأنكم بذلك تحجبونها عن الآخر الذي يحتاج اليها. هل تعرف انك مؤتَمن على اموال الله التي بين يديك وان ما عندك هو ما يحتاج المساكين اليه. غير انه يبدو ان ما يريده يسوع لا ينتهي عند الإحسان او المشاركة اذ يقول: “حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك”. فإن اعتبرت المال كنزك فقلبك فيه. وان اعتبرت الله كنزك فقلبك فيه.
أعطِ بالطريقة التي تريد: لسائل يقول لك ليس عنده دواء او لا يستطيع ايفاء قسط ولده. هذه تعزيات تريح النفس. او اعط كاهنا تعرف انه يُحصّل معيشته بصعوبة. من بذل باستمرار يحب باستمرار. ومن لا يعطي ابدا لا يحب ابدا.
غدا سنصوم معا لأننا في حاجة ان تنزل علينا الرحمة معا وان نسير معا الى فصح الرب بالإمساك الذي وضعت الكنيسة صورته: الإحجام عن اكل اللحم ومشتقاته وحسب أعرافنا اليوم بدءا من وجبة الظهيرة. هذا من ضبط النفس وهذا إطار للصلاة المكثفة التي هي مناجاة ليسوع الآتي الينا يوما فيوما. فاذا أمسكت لا بد ان تذكر – إن هاجمتك التجربة – انك، في هذا الانضباط، على عهد مع الله لمتابعة مسيرة تكون فيها الخطيئة هجينة.
انت تركز، في هذه الفترة، قواك كلها على يسوع لتجاهد معه وتخلو اليه مهملا ملذاتك وتسلياتك واللهو لتنحصر في حبه. وتقرأ ما يقوله لك حبه هذا فيك شبيه بالمشي في الصحراء ولكنها صحراء تتفجر منها بعد حين ينابيع الخلاص.
Continue readingفي احد مرفع اللحم يقرأ إنجيل الدينونة من بشارة متى. فالكنيسة، قبل دخولنا الصوم، تريدنا ان نفحص قلوبنا لئلا نكون قد ولجنا أبواب الصوم منافقين. هناك تفحص لداخل الكيان لئلا يأتي الصيام دينونة لنا.
اين يقع هذا النص؟ كان السيد دخل اورشليم للمرة الأخيرة وكانوا على مقربة يومين من الفصح وكانت المؤامرة تحاك ليُقتل السيد. أمام الموت الذي كان ينتظره أراد يسوع الا نموت بالخطيئة والا نكون بين صالبيه. فرفعَنا الى تأمل “ابن البشر في مجده”. امام عرش المجد ستدان الشعوب. مجد المسيح سبب فرح لمحبيه وسبب سخط للذين حادوا عنه.
من حاد ومن قرُب؟ الطاهرون هم الخراف وهي بيضاء. والمدنَّسون هم الجداء (الماعز) السوداء يضعها على يساره. يكشف السيد لأهل اليمين حسنهم فيقول: “اني جعت فأطعمتموني” ويعدد حسنات مشابهة: ايواء الغرباء، زيارة السجناء وما الى ذلك. طبيعي ان يقولوا: متى رأيناك جائعا فأطعمناك؟ الجواب المدوي: “بما انكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”.
يسوع هنا يدمج نفسه او يوحد نفسه مع المحتاجين. يتماهى واياهم بمعنى ان ماهيتهم ماهيته. وكأنه يقول: انتم تحسبون انكم تحبونني. ولكن امتحان حبكم لي هو انكم خرجتم من البخل والأنانية والانعزال الى الآخرين وجعلتم، بالعطاء، انفسكم واحدا معهم. محك صدقكم انكم خرجتم من سجن الأنا الى الآخرين فكنتم واياهم واحدا. اذ ذاك، صرتم واحدا معي.
كيف اكون واحدا مع يسوع؟ بالصلاة نعم، بقراءة الكلمة ايضا. وهذا كله دعا اليه يسوع. ولكن وهم الحب ممكن. كيف تمتحن ان صلاتك حقيقية، عميقة؟ كيف تتأكد انها صادرة عن قلب تائب؟ محبة القريب هي المحك. إنْ اعطيت مالك او بذلت انتباهك وعنايتك لا يبقى شك ان قلبك محب. وجه يسوع يكون مندمجا بوجه الفقير والمريض. فاذا لقيتهما تكون لقيت المسيح.
بالمقابل يقول للفئة التي على اليسار توا: اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الأبدية… لأني جعت فلم تطعموني… وكنت غريبا فلم تؤوني ومحبوسا فلم تزوروني. الجواب الطبيعي عندهم: متى رأيناك جائعا او عطشان او غريبا… ولم نخدمك؟ جوابه هو: “اذ لم تفعلوا بأحد هؤلاء الصغار فبي ايضا لم تفعلوه”. ربما كان من بين هؤلاء من صلى وصام ولكنه لم يقم بأعمال الرحمة. هذه خطيئة الغفلة او خطيئة الإحجام عن عمل الخير. ما يطلبه الله هو الذهاب الى الخير، الذهاب الى الوجوه لأن يسوع مخفي تحت كل وجه محتاج.
هذا انجيل يدعونا الى اليقظة والى الاقتراب من الله باقترابنا من الإخوة. صلوات هذا الأحد تصور يوم الدينونة على انه رهيب وتتكلم على الخوف والرعدة امام المحاكمة. هنا يسوع هو الديان. صورته صورة الإله اللطيف الحنون. غير انك انت اسأت الى لطفه وحنانه لما أهملت إخوتك البشر. حنانه بالضبط هو الذي يدينك. بادر الى المحبة الآن لئلا توبَّخ توبيخا ابديا. واذا كان الله سيديننا جميعا فنحن لا ندين احدا بل نرسله الى الرحمة ونستخدم وقت صيامنا للتقرب الى من اعوزهم طعام او اعوزتهم عاطفة.
Continue readingابن شارد يرفض ما يعتبره هيمنة أبيه. يطلب، على حياة والده، قسمة الميراث. ليس في الأمر تعدّ على الشريعة ولكن عند الصبي شعور ان البيت ليس فيه دفء عاطفي. لوقا لا يدافع عن الروابط العائلية ولكنّه يبيّن الخطر الذي ينتظرنا خارج البيت. في الخارج يضلّ الولد. والكلمة الرمزية للضلال ان يعيش في الخلاعة. الشاب يظن ان الفسق مأوى شعوريّ له، انه البيت الجديد. تخيب آماله كلها. لم تستطع اللذات ان تقدّم له عمق الحياة او كل الحياة او ان تقيمه في سلام. تذكّر انه في بيت أبيه كان محاطًا بأشياء وأشخاص وروابط تجعله يحسّ انه غير متروك.
لمّا أصابه هذا الجفاف العاطفي حنّ الى أن يرتوي من جديد من عطف الوالد وعبّر عن هذا بكلمات توبة: مضي إلى أبي وأقول له: يا أبت قد خطئت الى السماء وأمامك ولست مستحقًا بعد ذلك أن أُدعى لك ابنًا”. كان يفتقد ان يستعيد بنوة مفقودة. لم يخش لحظة ان والده كان يمكنه أن ينكره، ان يرفض عودته. ارتضى أن يكون كأحد الأجراء وعاد على الإيمان بأن والده سوف يقبله.
“وفيما هو بعيد رآه أبوه”. الكلام يدلّ على ان الوالد كان يرصد هذه العودة، انه كان يقف على موقع مشرف من البناية ليترقب تلك العودة. ربما استغرق منه ذلك كل النهار، كل يوم او على الأقل بضع ساعات من النهار. عندما وصل الشاب ألقى الوالد بنفسه على عنقه وقبّله. تنتهي الخطيئة عند هذا العناق. ما كان عتاب. لم تكن محاسبة. تمّت المصالحة فورًا بالحب الأبوي المتدفق.
الاستقبال لم يكن عاديًا. كانت الضيافة تفوق المألوف من الضيافة (خلع الحلّة الأولى على الولد، إعطاؤه خاتمًا في يده وحذاء في رجليه، ذبح العجل المسمّن). ولد شقي أنهكته الحياة ينتقل توًا من شقائه الى الفرح بسبب انه “كان ميتًا فعاش وكان ضالاً فوجد”. لوقا يؤكد ان التوبة هي الحياة الكاملة بسبب الله الذي هو كل الحياة.
العنصر الثاني في المَثَل الابن البكر الذي لازم البيت دائمًا وككل الشبان عنده ما يغريه للخروج من المنزل الى حيث يلهو. ولكنه قمع الإغراء. كيف يُعطى الابن الأزعر كل شيء وهو لم يعطَ شيئًا؟ كلام الابن الأكبر يعبّر عن احتقار الفريسيين للخطأة. الفريسيون كانوا دائمًا منزعجين ان يسوع “يرحّب بالخطأة ويأكل معهم”. السيد استقبل المرأة الخاطئة لما جاءت اليه في بيت سمعان الأبرص.
يبقى ان صاحب الدور الكبير في هذا المثل هو الوالد الحنون الذي أحبّ ابنه البار وابنه الضال على السواء. هو محور القصة. فالأبرار أبرار بسبب الآب، والخطأة مهتدون بفضل الآب. والعودة الدائمة الى وجهه هي الوحدة.
مكانة هذا الإنجيل في هذا التاريخ ان الكنيسة ابتدأت موسم التريودي الذي نحن فيه بإنجيل الفريسي والعشار لتوحي إلينا ان أهمّ ما في سلوكنا مع الله التواضع. جيء الآن بمَثَل الابن الشاطر لترسم الكنيسة أمامنا ان كل طريقنا في الصيام الى الله تبدأ بالاعتراف بخطايانا وان هذه يجب أن ننسلخ عنها جديًّا. هناك عصيان ارتكبناه يجب ان نكفّ عنه. وهذا الصوم يجب ان نقضيه بالفرح الذي تعطيه التوبة وحدها. وبعد هذا، الفصح الذي هو كل شيء.
Continue readingالتوبة دعوة النفس من الرب الى وجهه في كل حين. ولكن الكنيسة، في تربيتها ايانا، جعلت لنا موسما ملحا يبدأ بأحد الفريسي والعشار، ويحتدم الموسم في الصيام، ويزيد احتداما في الأسبوع العظيم. كل مرحلة إيقاع جديد، فتنتقل بنا مواسمنا من ايقاع الى ايقاع كي لا نسترخي.
ويبدو نداء التوبة في صلاة السحر من هذا الأحد حتى نهاية الصوم بهذه الترنيمة: “افتَحْ لي ابواب التوبة يا واهب الحياة”. في هذا التدرج رأت الكنيسة ان خير ما تستهل به الحديث عن التوبة هو ان تتكلم على التواضع الذي هو شرطُ اي تغيير في النفس، فقرأت علينا مَثَل الفريسي والعشار من إنجيل لوقا.
من هم الفريسيون؟ هم مذهب او حركة ضمن الديانة اليهودية تؤمن بوجود الأرواح وقيامة الجسد والثواب والعقاب، وغيرها لم يكن يؤمن بذلك. وكانوا يدّعون ان هناك تقليدا جاء من موسى غير الكتاب المقدس. ما خلا هذه النقطة ما كان يسوع يختلف معهم في العقيدة، ولكن معظمهم سقط في الرياء والاعتزاز بالتقوى.
اما العشارون فكانوا الذين يتعهدون جمع الضرائب، وبالمناسبة يستغلّون الشعب فيستوفون اكثر مما طُلب منهم.
الفريسي في المثل يعتبر نفسه طاهرا (ليس كالفاسقين والظالمين) ولا مثل العشار الواقف عن بعد في الهيكل. واقع الرجل في خطيئة العُجب وادعاء الفضيلة. غالبا انه كان على الفضائل التي ينسبها الى نفسه، ولكنه يفاخر بأنه ليس كهذا الجابي الذي يختلس اموال الناس. ويضيف انه يصوم في الأسبوع مرتين، وهذه من النوافل (غير المطلوبة) التي اضافها الفريسيون على الشريعة، ويعشّر كل ما هو له (في حين ان الشريعة لم تطلب تعشير الأعشاب كالشبث والكمون).
العشار كان مؤمنا انه خاطئ. دخل في حركة التوبة التي بداءتها الاعتراف بالذنب. اما الفريسي فيشهد عن نفسه بطهره وفي هذا كان مترفعًا. لكنه أبطل كل هذا الكمال لكونه تكبر اذ نسب فضيلته الى نفسه ورأى نفسه اعظم من الخاطئ. لهذا صدع يسوع البشرية بقوله: “كل من رفع نفسه اتضع، ومن وضع نفسه ارتفع”. انت امام الله ايا كنت لست بشيء، وانت امام الإخوة لست بشيء اذ يجب ان تعتبرهم جميعا اعظم منك.
في رؤية فراغنا، نرجو الله ان يملأ فراغنا. كل شيء نعمة ويجب ان ننسب كل خير فينا الى النعمة. كل نعمة من الله تعبر بنا الى الغير ونحن لسنا اصحاب العطاء الإلهي الذي يمر بنا. الله يوزعه بنا ولسنا مالكيه. لذلك لا يستطيع الإنسان ان يفتخر بما ورثه وبما جاز به الى الناس. لذلك قال الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب”.
العشار الخاطئ صار عظيما لكونه أقر بمعصيته. ومنذ ذلك الحين صار دعاؤه اساسا للدعاء المعروف عندنا باسم دعاء او صلاة يسوع: “يا يسوع المسيح، ابن الله ارحمني انا الخاطئ”. هذا الدعاء مرتكز من مرتكزات الروحانية الارثوذكسية. هي صلاة الاتحاد المثلى. هنا يبدأ درب الإمساك والخشوع وانكسار القلب الى ان يُدخلنا الرب مبرات الصوم المبارك على رجاء نور القيامة.
Continue reading