Category

مقالات

2014, جريدة النهار, مقالات

أطفال فلسطين / السبت 26 تموز 2014

هذا ليس مقال حسرة لأن قتل اليهود لنا لا يذهلني. هذا تاريخهم. ليس أنهم ملعونون. الجريمة ليست مفروضة عليك من قدر. تختارها لأنك تحت اللعنة، لأنها سرك وليس علينا أن نفهم. جرحي أنا أنّ أولاد فلسطين يقتلون (بضمّ الياء) وليس من سبب الا أن المجرم مجرم وأنا لست الله لأبرره. لماذا تباد فلسطين أمام أعين كل الشعوب؟ لماذا قتل (بضمّ القاف) يسوع الذي كان من الناصرة؟ ماذا يبقى من العالم إن ذهبت فلسطين؟ إن هي ذهبت فهذا قتل آخر ليسوع الناصري. ويسوع أهم شيء في العالم. إن ذهبت فلسطين أين أقبّل قدمي يسوع؟ أنا في حاجة الى أطفال فلسطين أني في حاجة الى قدمي يسوع.

أنا واثق أن الذين لا يحبون فلسطين لكونهم تهوّدوا لا يحبون يسوع المسيح. أنت لا تستطيع أن تحب ابن مريم ما لم تحبّ بلدها. فلنصالح الأرض حتى نصالح سيد الأرض. أذكر أني لما كنت في سيارة داخلاً يافا من لبنان السنة الـ 1946 صلبت وجهي (أي رسمت على وجهي إشارة الصليب) لأن يافا عندي كانت القدس والقدس كانت العالم. كيف أترك فلسطين ولا أترك مريم؟ لا تسيسوا الموضوع. ماذا تريدون مني عندما تقولون لي لماذا تتكلم عن فلسطين. أتريدون الحقيقة؟ فلسطين تعني لي يسوع الناصري. دمه انسكب على هذه الأرض من خشبة الصليب. طبعًا انسكب على العالم ولكن من القدس.

لا أستطيع أن أعزل دم فلسطين عن دم يسوع. أنا مع فلسطين الجريحة لأني آتٍ من جنبه. أنت لست عادلا يا ابن الغرب إن حزنت على دم اليهود يراق ولم تحزن على أي دم آخر. من لا يعرف مساواة الدماء لا يعرف شيئًا. أنا عشت في الغرب طويلا ولم أفهم أنهم كانوا يحزنون لعذاب اليهود ولا يحزنون على قوم آخرين. هل في الموت معسكر لليهود ومعسكر لغير اليهود؟ الكراهية للعرب ليست فقط سياسة. إنها خطيئة إذ ليس من خطيئة مبدعة. أنا لا أطلب منك أن تحب العرب على اليهود. أريدك أن تعدل. هذا هو شرط المحبة التي من الله. أريدك أن تحب اليهود لا الصهيونية. أنا كاتب هذا المقال أحبّ منهم من ليس عدوا ليسوع المسيح وأتمنى لو جعلوه حبيبهم. هذا هو الفرق بين اليهود والمسلمين.

إن المسلمين يحبون المسيح ويعرفونه نبيا لهم واليهود لا يعرفونه. سوألنا الوحيد ليهود اليوم هو هل صرتم مع يسوع الناصري بعد أن قتلتموه أم لا تزالون أعداء؟

المسلمون يقولون إنه حبيبنا. وأنا لا أستطيع أن أساوي بين محبي يسوع وغير محبيه. لذلك كل هذه القربى بين مسيحيي الغرب واليهود عندي لا معنى لها. ولذلك كان السوأل هل اليهود يحبون مسيحيي الغرب كما هؤلاء يحبونهم؟ أطرح هنا سوألا لاهوتيا لا سوألا مجتمعيا. شعوري أن مسيحيي الغرب يحبون أن يقيموا في سذاجتهم ليظنوا أن اليهود يبادلونهم المحبة. المسيحيون عندهم أساس لاهوتي ليحبوا اليهود. هذا في ديانتهم. ولكن ما الأساس اللاهوتي عند اليهود ليبادلوهم المحبة؟

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

فكر إله / السبت 19 تموز 2014

أن تقبل الآخر في ما هو آخر أمر عسير للغاية لأنه يعني قبولك أنه لا يخضع لك أو لا يتكلم مثلك وإن هذه الدنيا قائمة على التنوع وأن الله يتعامل وإياها على هذا الأساس. فالله لا يرغمها على التوحد ولو شاءه على أية صورة تتوحد؟ هل عند الرب صورة عن وحدتنا؟ ما من شك عندي أنّ الرب أرادنا أن نكون أمة واحدة مجمعة على فكره ولكنه لم يرغمنا على ذلك. هل يروقه التعدد أو التنوع؟ ما أعلمه أنّ حريتنا تروقه ويريد أن نقبل اليه بهذه الحرية لأن محبتنا له بإرغامنا عليها ليست محبة.

هذا سر الله في معاملته إيانا أنه يترك لنا حرية حبه إذ، بصورة ما، يعاملنا مثل شبيهين به. إن دونية رهيبة إذا قامت بيننا وبينه تلغي الشبه بيننا وبينه وتاليا تلغي الحوار. فقط الأحرار روحيا يعرفون هذا الحوار. أجل، إن كنت عظيم التقوى تحسّ بالخضوع لربك أي بكلامه وحده.ولا تعرف نفسك شيئا ولكنه هو لا يريد ذلك. طبعًا، السؤال العظيم الرهيب هو كيف تحاور ربك وهو ليس بعديل لك؟ ليس عندي جواب. هذا سره. ولكن هو يجعلك تحبه وبمعنى سري لا يفهمه أحد يقارن بينك وبينه أي يجعل معك نوعا من المساواة في التعامل. ينزل اليك بحبه ولا يخشى أن ينزل اليك إن كنت لا تتعظم وهو لا يعوزه شيء. الله يقول إنه يحاورنا. أنا لست أقول إننا نحاوره. نحن نرتضيه لأننا نحبه من بعد إيمان. هو له الحق أن يقنعك أنك تحاوره لأنه هو أيضا يؤمن بك محاورا إذ هو قادر أن يرفعك إلى هذا المستوى.

تعلمت عند أساتذة كانوا يقولون إن الله صديق. كنت أفهم حبهم له. ولكن صعوبة هذه الكلمة عندي أنها مبنية على مساواة ما بيني وبينه.

أفهم أن أساتذتي مسيحيون ويحبون هذه الوحدة بينهم وبين الرب. ولكن هذه جسارة من قبلنا. هو وحده له الحق أن يقول إننا واحد معه لأنه قادر في كل حين أن يبرئنا من الخطيئة. لعل المسيحية تيسر القول على أننا في وحدة حال مع الرب. ولكن هذا انعطاف من الله وهو محقق فقط إن بقينا على العمل الصالح. إن كشف يسوع المحبة الإلهية لنا يستمر في دوام الطاعة له. ليس لأحد منا شهادة حسن سلوك من الله مسبقة للسلوك. رضاء الله عنك مشروط بحبك له.

هذا سر الله وحده أن يقبل أبناءه مختلفين. ليس ما يدل على انه يسر بالإختلاف ولكنه وحده قادر أن يقرأ وحدتنا في اختلافنا لأن الوحدة ليست في من تراهم ولكنها في حبك لهم. حبك لهم يجمعهم إلى الله. المحبوبية كما يرونها فيهم هي محبو بيتهم لدى الله. العاطفة البشرية وحدها إذا رأوها بينهم تدوم أو لا تدوم. الحب الإلهي وحده ثابت لأنه مستقل عن تقلبات القلب.

«إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟» وكأنه يقول إن المحبة دفق إلهي تتقبلها أنت شاكرا ولكنك لا تصنعها. أنت لا تكون محبا في العمق وحتى النهاية إلا إذا أحببت المختلف لأن في هذا فقط محبة إلهية. إن أحببت من يشبهك يبقيك في نفسك. الحرية أن تحب من لا يشبهك. أخرج من نفسك هذا هو سر الحرية.

«أن تقبل الآخر في ما هو آخر» يعني أن لك معه وحدة الخلق التي بالله. البشر بالحب يصيرون كالبنيان المرصوص. ما عدا ذلك «الإنسان ذئب للإنسان». كيف تقضي على الذئبية فيك هذا كل جهدنا إلى أن يجعلنا الله حملان المسيح.

أن تصير حملا أي قابلاً على إعطاء الحب يتطلب كل حياتك. أصعب من هذا وأعلى أن تفهم أن الآخر كل حياتك لأن شرط حياتك موتك في سبيله.

الحياة الجديدة ليست أن تغير مسلكاً لك في الوجود خارجيا. هي أن تغير كل فكرك بحيث يصبح مطابقا لفكر الله. إن كان لك فكر آخر فلست لله. الحرية الوحيدة المتروكة لك أن تقرأ الوجود كله من خلال الله أي أن تراه من الله. وإلى الله. ما عدا ذلك لهو أو لغو. إعرف كيف تفكر مثل الله. بهذا تصبح حقيقيا.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

إله القلب / السبت في 12 تموز ٢٠١٤

يا رب نجني من نفسي فقد يكون ما فيّ أخطر على مما يداهمني ويبقى كامنا كالأفاعي وأنا لا أعلم أو لا أريد أن أعلم خوفًا من ان تصير الفضيلة فيّ متطلبة وأنا لا أرتضي أن أعطيها كل ما تطلب لأني لم أقبل ان أبيع كل ما يجب بيعه فيّ لأصبح فقيرًا إلى الله.

قصة الانسان الأولى مع نفسه ولا يدخل شيء من الخارج الا اذا قبلَته النفس هذه التي لا تنجو الا عند الموت لأنها قبله تستلذ ذاتها. كل ما عندنا من كبرياء يدفعنا إلى ان نرتضي ذاتنا انطلاقا لنعود إلى الدفء الذي تعطيه ونعتبره الذات. ولكن الخوف الأول في الانسان هو من ذاته، من هجمات ذاته. يريد الحياة والموت في آن.

الذي عرف مخلصا له أو شاهد نفسه سالكا طريق الخلاص لا يموت ولكنه يخشى السقوط. أظن ان المسيحية أدخلت إلى الفكر الخوف من السقوط لأنها ظلت وريثة آدم الأول على معرفتها بآدم الثاني الذي هو المسيح. ذلك ان المؤمن عندنا يواجه الخطيئة كما ليس هذا في تراث آخر. لعل هذا يعود إلى تعريفنا الأساسي ليسوع انه المخلّص أي المخلّص من الخطيئة. من زمن بعيد أتهمني أحد الأصدقاء اني أغالي في ذكر الخطيئة. قلت له أنا أعرفها وتعذبني. قال لي أنت لم ترتكب كذا وكذا. قلت له ولكني مؤهل لإرتكاب لأني أعرف جيدا بهاء المسيح واني احتوي كل طاقات نكرانه. أنت لا تخاف كثيرا الا لأنك تحب كثيرا وتخشى خسارة في مقدار الحب.

ما من مهمة لوجداننا الا ان نعرف كيف لا نخسر ذرة من المحبة لأنك ان قبلت بالخسارة تكون قد صالحت الخطيئة وهتكت البرّ. كل معنى وجودنا ان نريد البقاء في الحب الذي أحبنا الله به. بعد هذا تتنزل علينا كل جمالات الله. الدقيق روحيا من عرف اذا أتى الروح الشرير إلى ذهنه ان يقفل أبواب ذهنه دون الشر ليسلم.

المغالطة الكبرى التي تجربنا توهمنا اننا نستطيع ان نستغني عن فضيلة واحدة ونتجمل بفضائل كثيرة ونسلم. لا يا صاحبي لن تسلم. كل خطيئة أيا كان نوعها تلطخك كليا في العمق وأنت لا تعرف. ليفهم كل منا نهائيا ان المعاصي متداخلة، متراصة، متحابة. فإذا راعيت معصية واحدة وحالفتها تدمر كل حسناتك بسبب من الترابط العضوي بين السيئات في النفس. لا تستطيع ان تكون حليف الله في فضائل كثيرة وحليف ابليس في واحدة. ابليس يخرب خطة الله في النفوس التي تحالف الشر. من هنا ان آباءنا الأقدمين في الحياة الروحية أصروا على مكافحة ما سموه الشهوات أي المصادر النفسية التي تنبع منها الخطايا.

صعوبة المؤمن المتخاذل أو المتردد جهله انه ان قبل الخطيئة في نفسه زاوية تستقطب الزوايا الاخرى. ما هي مشكلة غير التائب مع الله؟ هي ظنّه ان الرب يرتب له مكانة ان قبل الا يتمم كل الفضائل. من هو غير التائب؟ هو ليس بالضرورة من أسلم نفسه بالكلية للمعصية. هو الذي يحتفظ بزاوية من زوايا نفسه للمعصية مكانا. يريد بصدق ان يسير مع الله ولكن له التذاذ خاص بهذا السوء أو ذاك. في الحقيقة يخشى ان تميته بطولة البرّ. هو يعرف الكثير عن الله ولكنه لا يريد كل هذا الكثير لأنه يكلف. عندما قال السيد للشاب الغني: «بع كل شيء وتعال اتبعني» أراد ان يفهمه انه لا يقدر ان يتمسك بأي شيء في دنياه أو في نفسه لأن كل ما كان عائق عن المسيح فيه عداوة للمسيح.

لماذا قال الله للإنسان: «أعطني قلبك» وأراد أعطني ذاتك كلها؟ ذلك ان الرب عالم بأن لا شريك له في القلب البشري.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

عمر / السبت 5 تموز 2014

اليوم ان أدرك هذه المقال المطبعة أكون قد أتممت السنة الواحده بعد التسعين من عمري. لا يعطى لي ان أعرف ما يعني هذا لله. ولكن ما وهبني الرب ان أعرفه من مقاصده هو أنه يريدني ان أتوب. هذا هو الأمر الوحيد عند ظني ما يريد الله ان يعرفه في كل إنسان. فأنت في مقدار قرباك من ربك. غير هذا لا يعني له.

ما عمري ان لم يكن مدى معرفة الله بي ومعرفتي به- المد الزمني لا يعني شيئًا. الأمور في كثافتها. العمر كله فرصة لتعرف مدى قبولك للرب. هل أنت تريد ان تصير حبيب الله. هذا هو السؤال الوحيد الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك. كل شيء آخر من هذا العالم. إن أردت ان تصير حبيب الله تكون قد أكملت سعيك. قبل ذلك تكون قد بقيت شيئًا من هذا العالم. مدّ السنين لا يعني شيئًا. العمر في مضمونه. ماذا فهمت من أعوام انقضت عليك؟ هل عشتها نازلة عليك من فوق أم طالعة من رغباتك؟

هل العمر عدد سنين أم كثافة ما نزل عليك من فوق؟ عمرك في نوعية الوجود الذي الله وهبك. لك أنت في الإخلاص لربك ان تكثف حضوره فيك أو ان تبعد وجهه عنك. لك ان تحب أو ان تتلاشى. إلى حد ما وجودك منك ووجودك بك فاحمل وجودك إلى حيث يجب ان تحمله ليتقرر فوق فتكون حيث أردت.

بعضنا يشيخ ولا يعتق. وبعضنا يبقى صغيرا لا يخشى الشيخوخة. كثيرا ما كانت هذه نضجًا ولكنا نحن المؤمنين نريد النضج بالله. مرة أمام عليم في كنيستنا كنت شاكًا في صلاح أحد الناس فلامني كبيرنا قائلا عن هذا انه ناضج. قلت له لا، انه مسنّ. صح اني كنت شابًا عند هذا الحديث. مع ذلك أحس ان تقادم السنين لا يعني شيئًا وان كل الوجود في تقادم النعمة.

ليست كلّ سن تجلب لنفسها الوقار. هذا معطى إلى من استحق النعمة الإلهية. ظنوا في الشيخ ما هو حسن ليتدبروا سلوكهم واعطوا الفتى حقه من التقدير إلى ان يحكم الله في الناس ولا تنسوا حكم الله: «لا تدينوا كيلا تدانوا». لا يكن أحد منكم مجلبة للغضب الإلهي. «كل شيء مباح لي» كما يقول الرسول الا ان تحالفوا الشيطان وحلفاء الشيطان. وحلفاء الشيطان معروفون عند العالمين بالله. من أحب الرب من كل قلبه ومن كل ذهنه يميز دائمًا من هم لله ومن هم ليسوا له. احرص على ان يملك الرب قلبك. اذ ذاك لا يبقى عندك تردد بين ما هو له وما ليس له.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

صوم رمضان / السبت 28 حزيران 2014

دائمًا يستوقفني صوم رمضان لأن الله عند المسلمين يقول إنه له. في الحقيقة كل صوم له إذ يصبح بقوة وجهة المؤمن. وأنا المسيحي أحس حقًا أن الصوم له لأنه ابتغاء وجه الله وحده إذ لا أحد يصوم لنفسه. وإذا كان الصوم في حقيقة النفس يوحدها بالله فالموحدون بالله هم معي وأنا معهم أكلت أم أمسكت وفي عمق الحب المسيرة واحدة. إذا شاركت المسلمين روحيًا في صومهم بلا أداء أليس رمضان لي؟ وما أنا بعالم كلام ولكن العاشقين منهم يفهمونني. أنا أقبلت على رؤية الإسلام بما فيه الكفاية لأعلم أن لغة العاشقين ليست سهلة على اتباعه. ولكني لا أستطيع أن أشق طريقي اليهم الا بالعشق. من هنا ان رمضان يعبر بي وأنا أعبر به لأن روحيته تستبقيني في الصوم الكبير عندنا.

أنت ان كنت محبًا للرب تشارك المسلمين صيامهم بلا تأدية. ان كان المسيح يضم العالم اليه فالمؤمنون له والمسلمون يصومون معه وفي صحراء المسيح نلتقي الله جميعًا. أنت العيسوي تفرح في رمضان لأنك تفرح للبر. وفي السماء أو في الجنة كما يقول المسلمون لا نصوم اذ نرى الله وجهًا لوجه وتنجو نفوسنا به.

أنا لا ادخل في حديث لاهوتي عن رمضان لئلا أبدو معلمًا لأحد. ولكن عندي من معرفة المسيحية ما يؤهلني لأقول ان هذا الشهر رياضة روحية كبرى يتقرب فيها المسلمون من الله وهذا يجعل اتقياءهم عظامًا في عينيه.

في كثافة حبنا لله لا تبقى حدود وتصير الممارسات محطات في الحب الإلهي لكي يلتمع في أعيننا مجد الله يوما بعد يوم ونرى أنفسنا في الحب الإلهي.

ليس لنا ان ننتظر شيئًا آخر اذ ليس من شيء بعد الحب. والله نفسه ليس بعد الحب. هو إياه.

نحن المسيحيين كلما صمنا واعتصمنا نلتقي المسلم وفي حسباني انه هو هكذا حتى تهتك الحجب. اذ ذاك نرى الله وجهًا لوجه كما يقول بولس. نحن نلتقي في القلوب وهل من مكان آخر للقاء. صاحب القلب ليس له مشكلة مع القلب. مشكلته مع بعض الذين يحملون العقل ويهددون به. كل شيء يحيط به الغموض إلى ان يجيء المسيح ثانية. الظلمة العقلية التي في النفس لا يغلبها الا الحب لأنه هو كلمة الله واذا كنا فيه لا نموت.

أنت تعامل الأديان في العمق ولا تبقى على سطح الكلام. واذا أدركت العمق حقًا لا تفرق بين ما لك وما للآخرين. في القلوب المستنيرة للكلام حدود. واذا أوغلت في الحب يكفيك رؤية الحدود. هذا اذا وهبك ربك تجاوز الكلمات وأبلغك الجوهر.

أنت غير المسلم صعب عليك ان تقرأ ما لم تكن مثقفا مؤمنا بقوة ولكن قد يهبك ربك ان تقرأ مهابة المسلمين وتقواهم وكمالنا ان تحبهم قبلوا المفردة أم لم يقبلوها. نحن المسيحيين لا نبقى مسيحيين ان لم نحب المسلمين. نكون خرجنا عن جوهر ديانتنا. ديانتنا ليست أحكامًا أصلاً. هي كذلك استنتاجًا. ولكنها في كليتها حب والمسلم بتحديد منها في قلبها. اللاهوت لا يسبق الحب ولا يحده. أنت مع المسلم في وحده ما كائنا ما كان مقدار البعد العقلي.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الأرثوذكس في البلد / السبت ٢١ حزيران ٢٠١٤

لا تنتظروا مني ان أقول لكم انهم عظماء. هم مثل كل الناس. ليسوا أدنى ولا أعظم. في تصنيف الأديان هم مسيحيون ولأسباب عديدة لا يعتبرون انهم شيء عظيم وان اغتر بعض. هل هم عدد فقط أم لهم ميزات؟ ما من مجموعة دينية ليس لها ميزات لأن الدين إلى جانب كونه قناعة وجدانية هو ثقافة قائمة بذاتها. هذا ما يعرف بأنه ثقافة خاصة. فالمسلم الفارسي ببعض مكوناته غير المسلم العربي. والأرثوذكسي السوري أو اللبناني في أذواقه الحضارية غير اليوناني. لذلك لا يصح اعتبار النموذج الإناسي واحدًا بين مسيحي ومسيحي من طائفة أخرى. المثال الحضاري أو الذوقي قد يوحد مسيحيا ومسلما ولا يوحد المسيحي والمسيحي أو المسلم والمسلم.

ومما يؤسس هذا جزئيا ان لكل طائفة مسيحية أفقًا حضاريًا. ففي أشياء تراها بعيدة عن طائفة مسيحية أخرى وأقرب إلى المسلمين. فمن المسيحين من لا تحس عندهم بعدا حضاريا أو ذوقيا يختلف عن المسلمين ولهذا أسباب عديدة لا مجال لبحثها هنا. ومن المسيحيين من كان أشد تعصبا وان لم يكن أعمق دينا. وقد يتحدر هذا في اللاهوت وليس فقط في عوارض تاريخية زمنية. قراءتك الزمنية، التاريخية لطائفتك قد تبعدك عن بعض من أبناء مذهبك الذين لهم احساس تاريخي، زمني آخر. فوحدة الإيمان المسيحي بيننا لا تعني بالضرورة تقاربا في فهم الأزمنة التي عبرنا بها أو في قراءة واحدة لمسيحيتنا التاريخية. فالمارونية ثقافة كاملة والأرثوذكسية كذلك أو بالتصنيف العصري كل واحدة حضارة جزئية sous – culture.

لذلك ما كان الخلاف فقط بين المسيحيين عندنا اختلافا مذهبيا وحسب. هو خلاف في قراءة التاريخ وقراءتان منا للمسلمين. وهذا عندي ليس قراءة في مفهومين مختلفين للعروبة ولو كان هذا ممكنا. هذا بين الكاثوليك والأرثوذكس اختلاف في فهم العلاقة بين الكنيسة والعالم، هل الكنيسة تضم في كينونتها العالم إليها كما هي قراءتي للكثلكة أم الكنيسة في العالم روحه كما أفهم الأرثوذكسية؟

الروم كما يسموننا لبنانيون جنسية وعرب حضاريا. ليسوا أمة. هم كنيسة فقط أي كيان يحيا في الزمان مسيرته إلى الآخرة وفي دنياه يختلط. نحن لسنا أمة لأننا لبنانيون في لبنان وسوريون في سوريا. ووحدتنا كنسية لا قومية. الشعور القومي شرعي ولكنه يبقى لهذه الأرض. نحن واحد مع أرثوذكسيي العالم في الإيمان وواحد مع أهل بلدنا في الانتساب إلى أرضنا وتاريخها. ولعلنا معروفون بأننا نميز الأشياء. تسميتنا بروم جاءت من المؤرخين الغربيين الذين يقسمون المسيحيين إلى يونانيين ولاتين. ولكن أبسط القول اننا لسنا يونانيين لا جنسًا ولا لغة. اسمنا عند المؤرخين مستقيمو الرأي بتميزنا عن الذين شذوا عن استقامة الرأي. طبعًا هذا اصطلاح علمي فيه اختلاف. فمن الواضح ان تسميتنا في سوريا ولبنان وفلسطين بروم لا سند لها من حيث القومية أو الجنس. هي قائمة على رؤية ان العالم المسيحي انقسم إلى روم ولاتين مذهبيا. الروم في التسمية العربية التاريخية هم البيزنطيون وليسوا أبناء بلادنا. نحن سمينا هكذا لأننا كنا مع بيزنطية الرسمية على مذهب واحد. اما اسم أرثوذكسيي هذه المنطقة المعروف عند المؤرخين الأوروبيين فهو الملكيون نسبة إلى مذهب الامبراطور البيزنطي. لست أعلم تاريخيا لماذا سقطت تسمية الملكيين من الروم الأرثوذكس وهم معروفون بها في الأوساط العلمية، حتى اليوم.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

أحد جميع القديسين / السبت في ١٤ حزيران ٢٠١٤

في الكنيسة الأرثوذكسية نقيم غدًا أحد جميع القديسين جاعلين اياه الأحد التالي للعنصرة لنقول ان القداسة عمل الروح الإلهي وليست صنع البشر. جعلها الله فينا حصته حتى لا نفتخر ليكون لله فيها الفضل. المسيحية لا تعتز بالعقل اللاهوتي فقط وما اعظمه. تفتخر بالقداسة، لأن العقل الكثير منه من الإنسان واما القداسة فهي من الله. فإذا سمينا واحدا منا قديسا فليس لنعتز بما أنجز في بشريته ولكن بما وهبه الله.

نحن لا نضع في القداسة مفهوم البطولة فليس عند الله بطل. كل القداسة سكبها الرب بفضله في الإنسان ولا نعرف سر نزولها فيه اذ يحرم علينا ان نزن مقاديرها في ذا وذاك. الكنيسة الأرثوذكسية لا تربط القداسة بأعجوبة ولكن بإعجاب المؤمنين بطهارة واحد منهم. ليس صحيحًا ان القديسين أتوا كلهم بمعجزات. المعجز هو القداسة ذاتها. اذ تعني ان إنسانا ما رأى في الكون وفي ذاته الا الله. عندما تنعت الكنيسة الأرثوذكسية أحد قديسيها بأنه صانع عجائب لا تكون قد افترضت ان كل قديس يأتي بمعجزة. المعجزة هي القداسة نفسها.

ما يلفتني في الأبرار انهم لا يقيمون قيمة الا لبر الله. لا يرون أنفسهم شيئا اذ تروضوا على ان رؤيتهم لنفسهم موت لها. فقط في نكرانك لذاتك تصير شيئا في عيني الله.

سر ذلك انك اذا رأيت شيئا إلى جانب الله تبطل الله. قد يقيم المسيحي الفهيم قيمة للعقل ولكنه لا يراه شيئا ازاء القداسة. العقل يأتيك من ذاته، من قوته. القداسة وحدها تأتيك من الله وأنت جاحد ان أضفت شيئا على الله. أنت جاحد ان أضفت شيئا على القداسة لأنها وحدها من الله والباقي جهد. تعلم ان كنت ذكيًا أو مثقفًا كبيرًا انك لا تزيد درهما على القداسة فيك لأن كل شيء ما عداها من صنع البشر.

لماذا جعلنا لنا افتخارا بالقديسين مجتمعين؟ لماذا أردنا ان تعيد لهم معا؟ الجواب ان قداستهم واحد من حيث المنشئ وهو المسيح ولأننا لا نفرق بينهم اذ نلتمس أثر السيد في كل واحد منهم وفيهم مجتمعين. لذلك لا نقارن بينهم ولا نعتز بواحد تفضيلا اذ نراهم جميعا ناشئين من الواحد.

من جمالات الكنيسة انها تضم القديس إلى القديس بحيث تعتز بهذا وذاك وترى الحسنات وتكبر بفضيلة هذا وفضيلة ذاك. لعل من أهم ما عند المسيحي انه يؤثر البر على الفكر وينجذب إلى القديسين بسبب قداستهم لا بسبب ذكائهم اللاهوتي. ذكاؤهم يفرح المؤمنين الأذكياء. قداستهم تحرك الجميع.

البار عندنا لا يهتز للموهوبين عقليا بقدر ما يهتز لمن يعتبرهم أعظم في البر. المسيحي الموهوب مقدارا من الذكاء لا يقيم له وزنا. الوزن عنده لكثافة القداسة. القديسون اللاهوتيون لهم وزنهم عندنا ولكن بسبب قداستهم. نشكر لله عقولهم التي أنارتنا ولكنا لا نؤثرهم على من كان في القداسة بسيطا.

ما يهم الكنيسة ليس ان تقارن بين هذا القديس وذاك. ما يهمها ان تسعى جميعا إلى القداسة. من وهب نشاط فكر أو عمل فهو رفيقنا على دروب الرب ولكن الأقرب إلى قلوبنا من حقق طهارة أو طلبها وجاهد نفسه ليزداد محبة للمسيح.

من بركات هذا الأحد ان يجعلنا حساسين إلى ان القداسة تجمع ناسا كثيرين من مختلف صور الجهد. من أهمية هذا العيد انه يزيد فهمنا على ان القداسة مهما اختلفت صورها واحدة في جميع الذين انسكبت فيهم.

ما يلفتني ان ما يهم المسيحي أولا ليس الفكر ولا الإنجاز العملي بل القداسة ذاتها. لك ان تتسلم أعظم الوظائف في الكنيسة ان لم تكن ساعيا إلى القداسة لست بشيء. لك ان تحقق في المسيحية أشياء عظيمة ولكن ان لم تسع إلى البر الذي في المسيح لست بشيء. ان أثرت على عشق المسيح وظيفة عليا أو مجدا من هذا العالم فلست بشيء. ان لم تتيقن ان المسيح حياتك وانك لا تزيد عليه شيئا لست بشيء. ان أحببت يسوع حبا كثيرا ولم تنل شيئا آخر من هذا الوجود تكون قد أدركت غاية الحياة. لا تبدد أوقاتك وجهودك في شيء آخر. اذهب فقيرا إليه يغنيك عن كل شيء آخر.

ليس في هذا العالم ما لا يستغنى عنه. ان لازمت فقرك إلى المسيح لا تحتاج إلى شيء آخر. ليس من خسارة الا خسارة وجهه. لازم عينيه يلازم هو عينيك.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

ان نذوق الله / السبت في 7 حزيران ٢٠١٤

غدًا العنصرة عند المسيحيين وهي ذكرى لحلول الروح الإلهي على التلاميذ الاثني عشر. معنى هذا الكلام بلغة قريبة من الوضوح ان المسيح من بعد انتقاله عن هذه الدنيا أراد ان يجعل لنفسه حضورًا فيها بذكر كلمته (الإنجيل) وبث روحه (بالقداسة والرعاية). لنا ان نعتبر ان الرب من بعد قيامته أمسى في الناس حقيقة فاعلة، تحمل إليهم إنجيلا وقداسة أي نصا وحركة للنص.

المسيحية واضحة بأن فيها شيئين: حقيقة دفعها المسيح إلى الناس مرة واحدة وتفعيلا لهذه الحقيقة بالتفسير والعقائد من جهة والقداسة من جهة. بتعبير آخر هناك الثابت وهو الإنجيل وهناك المتحرك أي فهم هذا الإنجيل ونقله بالتراث والعبادات والرعاية. في تبسيط كلي لنقل ان المسيحية كلمة الله التي نزلت في عبادات ولاهوت وعمل ويعسر التفريق بين هذه العناصر المتداخلة.

فرادة المسحية انها ليست مجرد كتاب. انها بآن معًا هذا الكتاب وفهمه والفهم هو التراث الحي الذي يذوقه المسيحيون ويعيشونه. أنت في حاجة إلى كتاب يحفظك وإلى تفهم الأجيال لهذا الكتاب. فالكتاب يحميك من جهة ولكنك أنت تدعمه ان فهمته وتظهره حيا.

معنى العنصرة أو حلول الروح القدس على الكنيسة ان المسيحية ليست نصا جامدا وانها تحيا بمن يحييها في نفسه فتظهر به وليس فقط بكلمات مكتوبة. المهم ان تصبح كلمات مقولة وبشرا يحييون بها. وأهمية النص انه يحفظك من فكر شارد ومن انحراف ممكن. كان من الممكن ان يفعل الله في كنيسته بالروح والإلهام فقط ولكنه آثر ان يحفظ الروح بالنص. بنا للرب ان هذا أضمن لدوام حقيقته.

أتى الإنجيل كتابًا مكتوبًا بعد ان عاشت الكنيسة حوالي ستين سنة ظهرت فيها الأناجيل تبعا لمؤلفيها بحيث ان المضمون الإنجيلي استغرق حوالي ستين سنة ليكتب كله أي ان الكنيسة عاشت فترة أولى على التراث الشفهي وليس من إنجيل مدون. تغذوا من الكلام الحي الذي تناقله الأسلاف. لم تبدأ ديانتنا من نص قانوني مفروض. اصطلحت الكنيسة في تعاقب أجيالها الأولى على ان لها مجموعة نصوص اعتبرت انها العهد الجديد. هكذا تكونت ديانة الروح.

ماذا يقول لنا هذا العيد؟ يقول شيئين ان المسيح تكلم في ما دونه الأوائل أناجيل وان المسيح اياه نقل نفسه إلينا بالروح القدس في الكنيسة. عندنا الثابت وهو النص وعندنا المتحرك وهو أحياء النص في نفوسنا بالإيمان. اذا اعتبرنا، للتبسيط، ان السيد تكلم بالأناجيل أي في نص ثابت لنا أيضًا ان نؤمن ان المسيح هذا يحرك قلوبنا بالروح القدس الذي يرسله إليها بالإلهام الشخصي وتفسير الآباء ونصوص العبادات الطقسية.

يؤكد العيد على اننا ورثة الإيمان القديم الثابت واننا نحيي هذا الإيمان فينا بالتقوى والطهارة والخدمة. بكلام آخر يقول ان الحقيقة قديمة وقد جاءت بالمسيح ولكن لنا ان نحياها ونغذي الناس بها.

يؤكد العيد أيضًا ان هذا الإيمان القديم علينا ان نذوقه ونحياه في قلوبنا وان ننقله إلـى الأجيال لكي تعيش به. العيد ينقل حقيقة إلهية قديمة إلى النفوس ليصبح حيا فيها ويحييها. العيد يجعلنا بشرًا جددًا، ذائقين الله.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الكاتب ناقل الحقيقة / السبت في ٣١ أيار ٢٠١٤

أنت تكتب لتنقل ما اختزن عندك من حق، لنقل حقيقة نزلت عليك واذا كنت طاهرا لتحب حتى يحيا الآخرون بما استلموا. ما عدا ذلك حرب ايديولوجية أو تجارة مصالح. اظن ان من نسميه كاتبا بالمعنى العالي هو من شارك القراء حياته الروحية. انه رسول وان لم يكن فهو عابد نفسه.

الايديولوجيون لون آخر. يعتقدون انهم حملة رسالة. ما يحدّ هذا انهم حزبيون. الرسول شيء آخر. هو يذهب بالناس إلى الله أو ما يذكر به. من لم يكن بمقدار رسولا اذا تكلم يعكس ذاته بقوتها وضعفها اذ ليس عنده مضمون. من ليس عنده مضمون يحيا في حرب دائمة لما ينفعه لا لما ينقل الحقيقة أو المحبة.

كيف تسلم للحق؟ ما الحق؟ لا تعريف له كما لا تعريف للمحبة. اذا كنت فيهما تفهم الحقيقة مقولة حياة داخلية في النفس ثم تصير كلمة. الكلمة من الكلم أي من الجرح وبعد هذا تصير قولا مفهوما. لقد حذرنا الأقدمون من الكلام الكثير خشية ان نقول ما لا معنى له أي ما كان غير خارج من النفس.

أنت مسؤول فقط أمام الحق لأنه هو يحاكمك. اما الناس فوجوه يلعب بها هواها. أنت تسعى إلى نقل ما هو حق فيك وان لم يكن فيك تسعى إليه لتقول أو تخرس. أنت مسؤول كما يبدو لك الحق اذا تكلمت. مرجعك الحق وليس شيئا آخر عبر بك. اذا ضغط عليك ماضيك الفكري دعه جانبا واسلم نفسك للحقيقة. أنت لا تنجي نفسك. الله منجيك.

أنت ليس عندك شخصية مستقلة عن الله. صح انك تواجه الله أي انك آخر. ولكن ان اعتبرت ان لك فكرا غير فكره تكون جعلت نفسك إلها. اذا جئت من الله فكرا تكون مستقيما. لماذا هذا الإلحاح على اعتبار نفسك شيئا؟

«في البدء كان الكلمة» (يوحنا ١: ١) وفي الآخر كان الكلمة لأنه ليس من مزيد على قول الله. ليس الإنسان بخالق. ما كان غير الخلق أسلوب أو شرح. تبدو الحقيقة فيك احتدامًا لها. طوبى لك اذا تقبلتها وليس من مزيد. تظهر أحيانا مبدعا لأنك ابتلعت الحقيقة. طوبى لك، اذ ذاك. فرحك ان تأتي من الحقيقة لا ان تزيد عليها شيئا اذ ليس فوقها شيء.

هذا هو السر انك لست بشيء ان لم تأت من الحقيقة. انت تصبح شيئا ان قبلت ان تكون على صورة الله. انه لكبرياء رهيبة ان تظن انك شيء لمجرد انك تقول “في البدء كان الكلمة” وفي الاخير. يقول الادباء عن واحد منهم انه مبدع. هذا فيه غلو. في أحسن حال يكون أفضل ممن تكلم قبله اذ ليس بشر يأتي من لا شيء. ما هذا الافتخار ان نجيء من لا شيء؟

فخرك الوحيد ان تأتي من الحقيقة. ماذا يزاد على الحقيقة؟ أسلوب؟ هذا من البشرة. اما من جاء من الحقيقة فقد أتى من الله. نحن المسيحيين لا حرج علينا اذا قلنا ذلك لأننا لا نقول اننا من جوهر الله ولكنا نقول اننا نأتي من قواه. بالحب جعلنا معه منذ بدء حبّه كأننا جئنا من الأزل. هذا ليس مقولة فلسفية اذ الحب يحيا فيك ولا ينطق به.

انه من باب المبالغة الكلامية ان نقول عن كاتب انه مبدع. ما الاسلوب، ما قيمة الاسلوب؟ هذا افتخار بالبشرة وهي من هذا العالم. واما من افتخر فليفتخر بالرب. الكاتب ينقل حقيقة ليست له، تمتلكه واذا كانت عظيمة تجعله كاتبا عظيما.

Continue reading
2014, جريدة النهار, مقالات

الانتصار على الموت / السبت ٢٤ أيار ٢٠١٤

«آخر عدو يُبطل هو الموت» (1كورنثوس 1: 26). كل ما يخشاه الإنسان هو ما يقربه من الموت لأنه مفطور على محبة الحياة والحياة يشعر بها دائمة فيه. لذلك يخشى ما يهددها. وكل ما يسعى اليه هو ان يبعد عنه شبح الموت. لذلك تقول المسيحية: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت». لماذا آثر ان يذوقه ولم يكتف بالغائه بكلمة؟ ربما كان هذا لأن ذائقة الموت عند المسيح بدت الأفصح أي الأقرب منه للإنسان. موت المخلص كان مطرح القيامة قبل ان تعلن هذه عن نفسها في اليوم الثالث. في العمق قوة القيامة كانت كامنة في الصليب. تجلت في الفصح وفي عالم المعاني يوم الجمعة العظيم كان جزءا من الفصح ويوم الجمعة عيّد له المسيحيون في آسيا الصغرى في البدء.

نتيجة ذلك ان المؤمنين عيدوا للقيامة في أواخر القرن الأول بارتداء الثياب البيضاء في مآتمهم. الثياب السوداء اليوم نزلت الينا من النهضة الاوربية التي كانت عودة إلى الوثنية التي لم تعرف فكرة القيامة. لذلك طقوس يوم الجمعة العظيمة ليس فيها اللون الاسود الذي استعاره مسيحيو اليوم اجتماعيا من الوثنية. هكذا كان لون الحداد في المسيحية الاولى اللون الابيض. اية عائلة تجترئ بسبب ايمانها ان تخالف العادات المألوفة بارتدائها البياض يوم الجمعة العظيمة؟ التجدد في الكنيسة يحتاج إلى جرأة كبيرة تعود بنا إلى القديم، إلى الاصول.

ونريد هنا بالقديم الثابت والثابت قيامة المسيح التي بها نضرب الموت وليس فقط هذا الذي يحل فينا في آخر العمر ولكن كل ميتة، كل سقطة، كل انحدار وتخلف. الجديد قيامة المسيح وكل قيامة في المسيح.

نحن قياميون نحاول الانتصار على الموت وعلى شبه الموت في كل محطات الحياة وجوانبها، على البيولوجية بمعناها الشامل. لذلك كان الخطأ في التصور ان المسيحية تستلذ الألم تحببا منها بآلام المسيح. الألم عند المسيح نفسه كان يحتوي عنصر الانتصار على الموت. الخطأ الشائع ان المسيحية تمجد الألم. هي تقتبل الألم الموجود في كيان الإنسان لتتخطاه. ليس في المسيحية أي استلذاذ بالألم أو أية دعوة إلى التألم. هي ترى الألم الموجود لتغلبه بفرح القيامة.

الفرح غالبا ما كان عند الأكابر ثمرة لمعاناة مرتضاة محبة بالمسيح. اذا قادك الألم إلى فرح بالرب يكون من الرب. الألم خارج إطلالته على الرب ومشاركته لآلام المخلص ليس بشيء.

Continue reading