Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2005, جريدة النهار, مقالات

الانتخابات أيضًا وأيضًا / السبت في 21 أيار 2005

لست أعرف صيغة تعامل بين المواطن وبلده كتلك التي نعيشها في لبنان عنيت بها الصفة الطائفية لكل منا من حيث هي جسر لا مهرب منه بينك وبين الدولة وذلك بنوع خاص في المضمار الانتخابي. في الحقيقة ان الصفة الطائفية لا تلحق بالمواطن ولكن بالمرشحين. الناخب عندنا ليس له عنوان طائفي. المرشح وحده ينتقيه من طائفته كل مواطني الدائرة. اما الناخبون فعلمانيون كما في دول الغرب. فالطوائف لا تنتخب والنائب لا يمثل طائفته ولكن يؤتى به من طائفته.

غير ان الشعور بتمثيلية هذا المرشح لطائفته أو عدم تمثيله أو ضعف تمثيله نقضية شعورية بحتة تقررها الاتجاهات السياسية في الطائفة. اما التمثيل فلا يتكون عند الانتخاب ولكن بعد الانتخاب وهو تمثيل الامة كلها ما لا يمنع في المعاملة ان يكون هذا أو ذاك من النواب ألصق بجماعته الدينية أو أقل لصوقًا. والقانون عندنا يفترض الاختلاط في العملية الانتخابية الا إذا جاءت بعض الاقضية من لون ديني واحد أو غالب في تبني نظام القضاء.

غير ان المجتمع السياسي أو الطاقم السياسي حاذق جدًا ويحاول الآن ان يتبل هذا على ذاك ليخفف الاحتدام الطائفي أو يطفئه ما أمكن تلبية للمشاعر التي برزت في الحرب وكان لا بد من استيعابها وخلط الاوراق من جديد حسب الظاهر في هذا المسرح اللبناني الذي تختلط فيه التراجيديا والكوميديا ولا تتلاقى القلوب اذ ليس مطلوبًا في لبنان ان تتداخل القلوب ولكن ان نلعب المسرحية غير الالهية إذا استعرت عنوان ملحمة دانتي «La divina comedia».

نحن اذًا معًا في ما يبدو حتى لا يسجل ميزان الحرارة ارتفاعًا كبيرًا. هنا تلفتك التعابير اللبنانية العادية: «بيرضى الموارنة أو الدروز أو السنة إذا اعطيتهم فلانًا» فان هناك من يعطي وهناك من لا يحس انه مجهول إذا انت ضممته إلى اللائحة وقد تشاركه طائفته في فرحته. هذا مثل قولك: «بترضى البلدية إذا انت خالفت قانون البناء» وعبارات كهذه كثيرة في كل مجالات حياتنا المجتمعية. حقوق الطائفة يكون قد اعترف بها إذا برز وجه تفيد منه بشتى وسائل الافادة. كل طائفة تركب مجدها كما يحلو لها.

والبلد توازن أمجاد، تلك التي يتمتع بها الكبار.

البلد ليس حلف طوائف ولن يكون ولكن البلد حلف الكبار من كل طائفة ولم ينتدب أحد العظام ليختلفوا غير ان دنياهم تقضي بالا يختلفوا. هناك رؤوس لم يمسهم اذى في الحرب وما كان يجوز ان يمسهم. وبيوتهم لم تتهدم وان انهار الحي. هذا التلاقي بينهم اساسي لقيام البلد اي لقيامهم على البلد. الاصطدام هو بين الضعفاء. فإن كنت فقيرًا تستهجنك بيئتك ان كان لك صاحبة. اما إذا كنت غنيًا فترافقك إلى كل المجالس البورجوازية وانت وهي في فخار عظيم. لبنان بلد الابداء والاخفاء وليس بلد الكيان الجوهري.

على أي أساس يلتقون؟ لا أجد تفسيرًا الا تفسير النجاح المطلوب لكل واحد أو رجاء التمتين لوضع الجميع بما يفيد التوازن وهذا لا يعني اطلاقًا انك تؤمن بالآخر ومواهبه وذكائه واستمرار ولائه لما يقول اليوم. ليس هناك علاقة داخلية اي في النفس ولا هناك اقتناع بأن لك وله قواسم مشتركة اذ كثيرًا ما تنفرط الكتلة الموقتة بعد ولوج باب البرلمان الا في حال الخوف وانتهاء ولاية اخرى. فالثوابت هي الاشخاص وتوازنات تاريخية أو شبه تاريخية ليبقى الطاقم أو خلفاؤه.

وهذا لا يعني ان الحرب قد انتهت على الصعيد النفسي فالقتال نفسه كان له ما يستثنيه اذ كان المتراس يعطي المتراس الآخر خبزًا أو ماء صافيًا لان المحاربين ما كانوا يكرهون بعضهم بعضًا أو كان هذا موقتًا ولم يرسخ في النفس. وعند راحة المحاربين في قبرص مثلا لم يكن ما يمنع التلاقي في المطاعم واتصور ان فريقًا كان يدفع الفاتورة بسبب من كرم النفس الذي لم يبدده القتال.

اذكر مرة ان سياحًا من الألمان طلبوا مني ان يحضروا جناز المسيح في الجمعة العظيمة وكانت الحرب قد انتهت فصلينا في احدى كنائس الجبل. بعد هذا قدمت لهم الشاي في قاعة الكنيسة ثم قلت لهم: نحن الآن في المنطقة الدرزية فخافوا خوفًا شديدًا ولكني طمأنتهم لما قلت لهم: اننا والدروز على أحسن حال. لماذا كانت الحرب؟ لماذا لم تنته لكنها اتخذت وجهًا جديدًا.

كُتبت عن الحرب كتب كثيرة وبعضها قيم. كانت تحليلية، وصفية. ولكني لا اعرف مؤلفًا دان الحرب اخلاقيًا. اعرف افرادًا اعترفوا لي بالخطأ ولكني التقيت لمعاملة عندي رجلاً اقر بأنه قتل 32 رجلاً ذبحًا على فخذه وسألته عما إذا كان قد ندم؟ لكنه قال لي: لم اندم. لا اذكر اسم هذا الانسان ولكني لم افهم اطلاقًا انه لم يضطرب بسبب من هذا الاجرام. مرة كنت مدعوًا عند أحد كبار القوم من بعد قداس وقربني إلى مائدة الشرف وقال لي: هذا فلان وبحركة عفوية أو لرياء اجتماعي صافحته وكان من كبار القتلة وبقيت ايامًا طويلة لا اطيق نفسي ولا احتمل خطيئتي.

البارزون منا اجتماعيًا أو بحكم مقامهم يسلمون على مجرمي الحرب ويستلذون معشرهم ولا يقدر أحد ان يخرج عن المجتمع كما يقول بولس ولكن هل استطعنا اقناع واحد ان يعترف؟ انا لست ساذجًا حتى اطلب التوبة عن كل خطيئة. ما طلبت التوبة. طلبت الاعتراف ولا مغفرة بلا اعتراف ولا يسعك ان تصير من جديد انسانًا سويًا ما لم تقر انك خرجت عن انسانيتك. لا تنتهي حرب من دون صدق.

سيبقى الطاقم أو معظمه ويحيا لبنان على حلم التجدد ولكن لا اعرف من عنده دواء. اما قال الشاعر:

وتداويت من ليلى بليلى في الهوى.

كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

يتداوى اللبنانيون من السياسة بالسياسة ومن الكذب بالكذب ولا يشفق أحد على الشعب المسكين الساعي إلى طعام أو مسكن أو طبابة. السياسة ان تجالس على الارائك من ينفعك وينفع نفسه لأنكم أنتم وحدكم البلد. يتجالسون حتى يحين وقت كب الواحد للآخر. السياسة استضعاف واستقواء عند الاكابر وتعرية الآخرين من كرامتهم فهم لا يقدمون شيئًا ولا يستأخرونه. نحن مثل اثينا القديمة ليس كل سكانها مواطنين.

غير اني لا اريد ان استبكيكم كثيرًا وانا موجع وكلكم موجع. ولست املك وصفة في هذه المرحلة سوى ان اقول: عوا واعقلوا ولا تكونوا مطية لاحد واكتبوا يوم الاقتراع الاسم الذي تريدون وامتنعوا عن الاسم الذي لا تريدون لان القيد في الورقة شهادة ومن لم يقبله ضميرك لا تؤد له شهادة. انت حر فمارس حريتك ولا تخف.

ولا تقع في خطأ الانكفاء أو التمنع عن التصويت. فلا بد ان يكون بين المرشحين احرار أو ابرار أو قريبون من الطهارة. ادل بصوتك لان الممانعة قد تكون شهادة ولكن لا تنفع هذه. كن حاضرًا في البرلمان بمندوبك وجالسه في ما بعد وانصحه أو لمه. ولا تفكرن طائفة صغيرة في الانقطاع لان هذا يزيد عزلتها وتهميشها ويوسع الشرخ بين الطوائف.

وإذا جاء المجلس على غير ما تروم فكافح في ما بعد بكل وسائل الكفاح السلمية واجهر بفكرك وحالف الصادقين واضغطوا بكل قواكم على المجلس الآتي شبانًا كنتم ام كهولاً فقد يستحي من بقي له ذرة من الحياء وقد تضطرون بعضًا إلى الصدق وبعضًا إلى العمل.

واحزن ولا تيأس لان في البشر بمن فيهم السياسيون صورة الله. قد تبدو تحالفات جديدة ويظهر في الافق عظماء فكر وعظماء عمل فهيئهم للولاية اللاحقة. ان لبنان لا بد ان يحيا. لكن الحياة العظيمة الخصبة تتطلب منا نسكًا وتطهرًا كبيرًا. وإذا لمت بعضًا على احابيلهم فلا تقع انت فيها مهما حسبت نفسك صغيرًا وغير ذي تأثير فقد تبيض وجوه وتسود وجوه ويؤتى بأمثالك إلى الحكم على قياس الاخلاص والمعرفة.

استقلالنا السياسي اخذناه منذ ستين سنة ولم نأخذ طهارتنا. وهذه تأتي من الجهد البشري في الذات وتنعكس بعد ذلك في حياتنا السياسية. ما السياسة سوى الطهر والمعرفة ممدودين في العمل الجماعي؟ ترهب في سبيل ذلك حتى تبدو الدولة كنيسة كما يقول دوستويفسكي واراد بذلك وضعًا ليس فيه قهر وكله حب بحيث تخضع للقانون بسبب من محبتك للبلد. اظهر شيئًا من هذا في الانتخابات المقبلة على رجاء قيامة لبنان.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الانتخابات / السبت 14 أيار 2005

ناخبًا تنظر إلى المرشحين الذين رشح كل منهم نفسه، أي اعتبر نفسه أهلاً للخدمة وهذا في أفضل افتراض. وعلاقتك بالمرشح تقوم على تقديرك للشخص الذي يلتمس تأييدك بناء على حدسك شخصه وثقتك بما قدم في الماضي ان مضت عليه ولاية ولكن ان كان جديدًا فعلام تبني استحسانك؟ أنت لست في حوار فكري مع الذي تنتخب إلاّ إذا اقترح على الناس برنامجًا وإذا فعل ماذا يضمن انه ينفذه ان لم يكن مرتبطًا بحزب يوفده ويأتي هو من فكره. ليس من ثقة في عالم السياسة تقوم على العاطفة فقط.

الديموقراطية ليست تلاقي أشخاص الا إذا كانوا أبطالاً عرفت بطولاتهم. عالم الشخص هو عالم المزاج وما أمكن من الفضائل في العالم الثالث وهو عالم قائم تحديدًا على المنافع الشخصية ولست أريد بذلك منافع مالية ولكنها دوائر صلات بين النواب يتساندون لاسباب هم يعرفونها وقد لا تكون بالضرورة سيئة ولكنك تحجبها بعاطفتك التي لا مضمون سياسيًا لها.

لذلك تكلمنا مرة عن هيئات ترشيحية تعرف الطامحين وتقدمهم للناخبين. ومألوف الديموقراطية ان هذه الهيئات هي الأحزاب التي لك ان تحاسبها وتنقذها وهي لا تخشى النقد لأن مواقفها موضوعية أو هكذا نحسب. المشهد اللبناني مشهد تكتلات لا نعرف على أي معيار تشكلت وكل شيء يدل على انها انتظمت وفق حساب الأصوات التي يأتي بها كل عضو في الكتلة. أذكر ان ديغول كان يكره الاحزاب ولكنه أسس هو كتلة تجمع الشعب الفرنسي أي انه بدل كلمة حزب بكلمة تجمع. ونحن عندنا تجمعات آنية أو فورية عمرها أربع سنوات تنتظر بعدها مجموعات جديدة لا معيار في نشوئها وما من شيء يدل على انها لا تنفرط اثناء المسيرة.

هذا هو المشهد الذي علينا ان نتحرك فيه غالبًا وفق قانون الألفين الذي له ما له وعليه ما عليه. دع عليك الحزن مهما كان القانون محزنا ويحمل ضغط التاريخ والتفريق ويثبت المنافع والتهميش تاليًا. ولكن علينا ان نسير وان ندرس في فترة قصيرة تاريخ كل مرشح في منطقتنا ان كان له تاريخ اي ان نتفحص صدقه وعلمه ما أمكن الفحص. وهذا يوجب عليك ان تتحرر من تراص اللائحة المقدمة لك فلا محاسب لك إلاّ ضميرك ولست تلعب لعبة التراص التي يلعبها المترافقون في اللائحة. لم يبق من وقت لوضع برامج وإذا وضعت فتأتي مسلوقة لا تقنية فيها ومسبوكة في عبارات انشائية وشعائر لفظية الا إذا شذ فريق عن الأمر وهذا يسعدني.

معنى ذلك ان تلاحق النائب اذ تدينه من فمه كما يقول الكتاب. وتصر عليه على مراعاة برنامجه إذا انت استسغته اذ تبقى أنت موكل النائب وان لم تقل الديموقراطية انه يصغي اليك اصغاء التلميذ لمعلمه أو المريد لشيخه.

أنت دخلت اللعبة الناقصة فالعبها أعرج وطالب وألح واصرخ لأن النائب ليس وليك بل انت وليه لأن الشعب مصدر السلطات وان كتب عليه ان يوكل بعدما زالت الديموقراطية المباشرة التي عرفتها أثينا. فاذا استمررت رشيدًا تكون ضاغطًا ويأتي التشريع، اذذاك، لغة بينك وبين الجالسين في الندوة وذلك على قدر ما فيك وفيهم من اخلاص ومعرفة. فالغيرة بلا معرفة لهب لا يدوم.

هذا يعني انه يتحتم عليك ان تكون حاضرًا يوم الاقتراع لأن التشريع ومحاسبة النواب للحكومة شيء من قوام البلد وهذا بلدك. أما صمتك فمجال لابتزازك والتحكم فيك وفي الوطن فيدور الحكم، عند ذاك، آلة فارغة من ضياء فكرك. أنا أعرف ان كل المواطنين لا يستطيعون الاستنارة بسحر ساحر. فهذا يتطلب تربية أجيال وتطهرًا دائمًا من أجل لبنان. أما المساءلة فهي حول كل شيء: الثقافة أولاً، ثم التربية واقتصاد البلد ودوام استقلاله والتطلع الى توحده وسبل هذا التوحد. وأنا أعلم انك لا تقدر على ان تحيط بكل هذا لكن الجماعات الضاغطة من أحزاب وكتل أخرى مدعوة الى ان تصبح موسوعة سياسية حتى ينتقل البلد من الحلم الى العمل ومن السذاجة الى العلم. وهذا الحضور الجديد فيك وفي أترابك في النضال هو الذي يكبح مزاجية النائب وفورية مواقفه وتحالفاته ليستحق الوكالة التي هي في الاخير وكالة عن كل لبنان.

هذا بسط موجز لما سماه غبطة البطريرك نصرالله صفير الحكمة. هي حكمة هذا الدهر ولكنها لا تخلو من القبس الإلهي. ومن المهم فيها ألا تستسلم للتزوير وان تعترض عليه. ومن التزوير ألا يسمح لمندوبي المرشحين ان يقفوا حول رئيس القلم ليتبينوا ما يسجل. ومن التزوير ألا تتقيد قوى الأمن بالمحافظة على الأمن فتنحاز بالمعاملة الى هذا أو ذاك. ومنه ألا تتمكن من الوقوف في العازل.

غير ان الأهم في كل هذه العملية ألا ترتشي. قد يؤتى بك من مكان بعيد بوسيلة من وسائل النقل. ليس من هذا مانع وان كان الأفضل حفظًا لاستقلال صوتك ان تذهب الى بلدتك بوسائلك الخاصة. فالرشوة هي الدمغة الفصيحة على انك لا تحب لبنان وانك ببغاء أو عبد ولا تستحق عندئذ ان تسمى مواطنًا. المواطنية ليس فيها مال. ومن الرشوة الخوف يخيفونك به أو التهديد. ساعتئذ يجب ان تدعي أمام السلطات لأن قضيتك تتضمن حربًا على الخطيئة. والنائب إذا لم يتسربل بثوب الطهارة يكون قد اشتراك وباع الوطن. والنائب ليس فقط مرآة لك ولكنه مرآة لبنان العظيم الآتي من فجر جديد نغتسل جميعًا به حتى لا ترذلنا الأجيال الطالعة بصدقها والطالعة بآمالها.

فاذا كانت السياسة فنًا عند المبعوثين الى الندوة البرلمانية فهي عندك الى ذلك فضيلة. فان لم تكن قادرا على النسك يوم الاقتراع فلا تتقدم اليه لأنك تلطخ نفسك بقذارة الكذب. وإذا ترددت بين الكذب والصدق فأن تتنحى أفضل لك من القيام بالانتخاب.

وفي الأيام المقبلة وهي قليلة تهيأ بالتوبة فالانتخاب لا يتطلب منك أقل من التوبة، وصلّ عسى يلهمك الله الهامًا مبدعًا لنفسك ونافعًا لمن تنتخب اذ يجيئون من نقاوتك وقد يتنقون بها فيتكلم النائب كل يوم وكأنه في حضرة الله.

هذا عمل مقدس بامتياز. فالسياسة في اطلاق معناها وحكمة ممارستها ليست لعبًا ولا لهوًا ولا تذاكيًا. انها شوق الى انسان جديد يطلع في لبنان ولكن من قلب الله. صحيح ان عمل التشريع ومراقبة الحكومة لا يخلوان من ضعف ولكن لا تساهم انت في هذا الضعف ولا تقل ماذا يقدم صوتي أو يؤخر. فقد يأتي هذا الصوت بنائب جيد أو غير جيد وقد يتغير وجه البرلمان بوجوه انت أرسلتها. وقد يجتمع الصالحون ليخدموا الأمة ويقوموا المسار ويشفوا العقليات وقد ترجو بفضلهم الخير للوطن ولا تيأس منه وقد بتنا على حافة اليأس.

ويتعلم الناس من أولي الأمر أو يحزنون. وكثير من القوم يسقطون إذا الدولة سقطت وينهضون في حياتهم الخاصة إذا الحياة العامة استقامت ويقتنع الناس ان الإخلاص ممكن لانه مجسد في اخلاص القادة. ويدفعون الضرائب إذا لمسوا ان السلطة تقوم بواجبها نحوهم ويحسون ان الوطن لهم وليس للمنتفعين من أهل السلطة. فالأخلاق عظيمة عند قلة ولكنها تسترجع إذا الحكام تخلقوا بها وكانوا أبرياء كالحكماء الذين ارادهم افلاطون وحدهم حكامًا للجمهورية.

ولا تقس الحاضر على الماضي فقد يمضي الماضي وتطل الحكمة من جديد بواسطة المتولين أمور العباد فهم معك بانو الوطن إذا صدقوا وان انت صدقت لما بعثت بهم فلا تبقى دائما مشتكيًا والوطن اليوم يشتكي كله وتغدو عاملاً ومنتجًا في حقلك لضمانك أن أهل السلطة ساهرون على عملك وعلى انتاجك وعلى فهمك اذ يجب ان تتم المصالحة بين الحاكم والمحكوم وعليك أنت ان تصبح حاكمًا ومحكومًا في آن وهذه هي الديموقراطية.

هكذا فقط تبقى حرًا من السلطة لايمانك بأن القانون العادل يحميك من عسف السلطة. وحريتك لا تقوم فقط على عدل الحاكم ولكن على الحاحك عليه بالعدل وعلى رفضك الظلم وعلى ان تقول أنت والحاكم معًا الكلمة الحلال في كل وضع يناقش. ولن يستطيع نائبك ان ينحرف إذا علم بأنك معه على عهد العمل المسؤول. فانت لست معه في زواج غير قابل للطلاق. ويحق له ان يشتهي السلطة بعد كل ولاية إذا عرف ان يرضيك لانه يبرهن، عند ذلك، انه لا يرغب فيها من أجل لذته فيها. ولكن من أجل خدمتك تكون قد أوحيت اليه بالنسك الذي يجرده عن الاشتياق الى منافعه. انت درب نائبك ان يسعى الى منافع الوطن اذ تفيد انت واياه منها. وتكون بذا قد حميته من ان يكون ألعبانًا وحميت نفسك من ان تكون مهرجا.

اعط الوطن حظًا في ان يقوم من محنته ومن تراكمات المعاصي في حياتنا السياسية. اعط لبنان ان يكون لبنان على مدلول اسمه أبيض.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

لبنان الجديد / السبت 6 أيار 2005

إذا عبرنا هذا الزمان الحزين سياسيًا بسلام يبقى على كل منا ان يمتحن قلبه ليرى إذا بقي شيء من أثر الله فيه.وهذا يفترض ان ينزل اللبنانيون من سطح الوجود الى الأعمق. ما ليس عندي فيه شك ان الانسان ليس مستعدًا لتغيير قلبه لأنه يحب ما يظهر، ما يبهر. يجب ان يقال عنه دائما حسنًا أي انه يعيش في رأي الناس فيه ولا يهمه كثيرًا رأي الله فيه. لا يبحث كثيرًا عن الحقيقة التي تشفيه. يرجئ بعضهم الذهاب الى الطبيب خوفًا من اكتشاف مرض مريع. ولعل فلسفة اللبناني الطاغية هي «تسوية أوضاع». هذه كلمة رسمية في ادارة الدولة تنم عن الوجه الذي نريد ان تكون العلاقات عليه بيننا. من العبارات التي اسمعها في عملي: «يا سيدنا، ها الشغلة ما الها دبّار». وكأن ثمة رفضًا فينا لكون الحقيقة تشفي أو الصدق يشفي أو المواجهة من أجل جلاء الأمور التي تنقذ.

أجل، نرجو إصلاحات في الدولة تنشئ فينا سلوكًا جديدًا معها ويحلو لي ان أعتقد ان عندنا في المجتمع المدني مؤسسات خيرية أو فنية وأدبية تسهم في تربيتنا الجماعية. يعزيك كثيرًا الرقي الذي تراه طابعًا هذا المكان أو ذاك من العمل الانساني ما يدل على ان في القلوب رحمة وأنك إذا اخذتنا شريحة شريحة نبدو أحيانًا على كثير من البهاء.

غير اننا أمام سؤال ملح: هل نحن راغبون في تكوين انسان لبناني واحد يشارك الآخر في القيم الأساسية التي تؤلف البلد وتجدده فتصنعه. ايضاحًا للسؤال تشاهد الاوروبي مثلا متعلقاْ بقيمة الحرية واحترام الآخر والتعاون الاجتماعي والتمسك بالتطور الدائم في اكتساب العلوم والتقنيات. وقد يختلف دينيًا عن الآخر أو لا يكون على دين ولكنه تبنى القيم التي يقوم عليها مجتمعه أمن المسيحية جاء إلهاما أم من عصر الأنوار أم من كليهما.

قد نواجه مشكلة كبيرة إذا ألغينا الطائفية السياسية اذ لا بد ان تقترن اللاطائفية بفلسفة ما. ان تغييرًا ضخمًا كهذا سوف يضطرنا الى رؤية جديدة للمجتمع والعلاقة بين الجماعات. هل الأرضية الفكرية لهذا التغيير السياسي تكون العلمانية بالمعنى الذي تعرفه أوروبا ولا سيما منها فرنسا، أم لن يعني هذا شيئا سوى تنظيم آخر للوضع السياسي؟

نعيش في وحدة تركيبة سياسية وإذا تكلمنا على وحدة وطنية نشير الى نوع من الانسجام بين شرائحنا المختلفة تقل فيها التشنجات الحاملة بذار التفسخ الوطني. غير ان الوحدة الوطنية تقوم في نصوص دستورية عندنا منذ 1926 على اننا امة لبنانية أضفنا اليها في الدستور الأخير، بلا توضيح كبير، الانتماء العربي. أي أننا في المصطلح السياسي قبلنا ان نكون دولة – أمة Etat – nation. وهذا لا يمس اعتقاد القائلين بأننا نؤلف مع العرب الآخرين امة. فلما اعتبرنا لبنان وطنا نهائيًا أقررنا – بمعنى من المعاني – اننا أمة لبنانية. هذا أكثر من مصطلح قانوني.

هناك غير دولة مثل بلجيكا وسويسرا مؤلفة من غير امة ومن غير لغة وأوضاعها أعظم تعقيدًا من وضعنا اذ لنا لغة واحدة ولا تفرق بيننا أعراق وقبائل كما في العراق. وانا أنفي نفيًا قاطعًا تعدد الثقافة لأن الثقافة هي اللغة. والثقافة العربية الواحدة منفتحة وليس عندنا تاليًا من كان على حضارة غربية وحضارة شرقية. هذه تسميات لا معنى لها اليوم بعدما أقبل اللبنانيون على اللغات وتساووا بالتعليم الجامعي وانتهجوا في طرق العيش والحياة العامة والمؤسسات نهجًا واحدًا.

وعندنا جميعًا موقف نقدي من الغرب ولو كنا من صميمه حضارة. ولا نختلف في ذا عن كثير من المفكرين الاوروبيين والأميركيين في انتقاد الصراعات الغربية، ولعل الفكر الاوروبي أشد انتقادًا منا لكثير من مظاهر العيش الاوروبي. ان اللبنانيين الذين عندهم شيء من تذوق ما يجري في العالم ولهم مسحة من الروحانية لا يتبنون الغرب في هذا المظهر أو ذاك من سلوكياته. وفي هذا يستوي المسيحيون والمسلمون عندنا.

ولكي نجيء حقًا من الأعماق نحن في حاجة الى نهضة روحية وفكرية في المجتمعين المسيحي والاسلامي بعدما بدونا متفقين على ما يسميه المتحررون من علماء الاسلام في لبنان المجتمع المدني. غير ان هذا يحتاج الى تفصيل الأمور ليس فقط على صعيد التنظيم ولكن على صعيد القناعات الروحية التي تمس الرقي الوجداني والحرية وما يؤول الى ديموقراطية حق في البلد. فلا بد من قراءة متجددة للإسلام والمسيحية على أساس الأصول من جهة وعلى رجاء مستقبل مشرق.

قد تكون كل ملة من الملتين على حدة أو في الحوار في حاجة الى ارساء القواعد الخلقية التي تمس الحياة العامة وارتقاء الإنسان الى كامل انسانيته. ولست هناك معطيًا دروسًا لمن كان على غير ديني الاّ اذا تكاثرت حلقات الحوار في تطلعنا الى إناسة (انتروبولوجيا) اسلامية وإناسة مسيحية وثيقتي الاتصال بالمعاصرة ولست أقول بالحداثة حتى لا نقع في لبس الكلمة. فاذا كانت بلدان كمصر والمملكة العربية السعودية وتونس وسواها تبحث في حقوق المرأة ومكانتها في مجتمع يسعى الى التحرر من الذكورية فمن باب أولى ان نبحث نحن في هذا.

غير ان القضية أعمق وأشمل. وهنا خذوا الكنيسة الكاثوليكية مثلاً. هي شطبت من طقوسها ومن معاملاتها ما يمس اليهود (ولا يعني هذا اني أشاطرها رأيها في كل شيء) فمن باب أولى ان ينظر الكتاب المسيحي الى الإسلام نظرة أكثر ايجابية من الماضي وأكثر انفتاحًا. ومن باب أولى لا بد ان تتطهر الذاكرة المسيحية من كل سلبياتها في ما يتعلق بالتاريخ. تجاهل بعض مصادرنا للاسلام ظلم تاريخي. أجل نحن المسيحيين الشرقيين لم نسئ الى المسلمين ولا علاقة لنا بالحروب الصليبية. ولكن من الناحية النظرية لا نزال في حاجة الى رؤية الجمالات الاسلامية دون مساس بصلب العقيدة.

في المبدأ لا تتعرض المسيحية للإسلام لأنه لاحق. لكن فيه قيما وحقائق دينية نلتقي معها ومن المفيد لتكويننا الروحي وسلامة نفوسنا ان نعترف بها والحقيقة انى وقعت هي من الله. طبعًا هناك دقة في تعليم العقيدة ولكن حيثما وجدنا قربى فلنعترف بها وإذا اختلفنا فلنعبّر عن هذا بسلام وهدأة في النفوس ومن أراد ان يجادل فليجادل بالحسنى كما يعلّم المسلمين كتابهم ان يفعلوا إذا هم جادلوا.

لا أستطيع ان أطلب من المسلمين أقل ما أطلبه من علماء ديانتي. فمنهم من اجتهد ومنهم من أغلق باب الاجتهاد ويريدون بذلك ما يتعلق بالفقه. نحن في هذه الأمة في حاجة الى ما كان أشمل من هذا. لا أريد ان أفرض على المسلمين قراءة تاريخية للقرآن فهم في هذا متنازعون. ولكني أطمح الى قراءة سلامية للمصادر الاسلامية لا تحتمل التحفظ عن كون أهل الكتاب هم أهل كتاب وليس فيها تحفظ تفسيري عن ان المسيحية ديانة سماوية. كيف التعامل مع آيات التكفير والتكفير يشمل النصارى وقد بينا في موضع آخر ان النصارى قد يكونون بدعة أو بدعًا في الجزيرة العربية وليسوا من الكنيسة الرسمية. فهناك تكفير لا نرى اننا به معنيون ونحن نشاطر القرآن في آيات تكفيرية عدة لكوننا لا نقول كل ما قاله نصارى عهد التنزيل القرآني. وانا في ذا لست معطلاً للآيات ولكني معطل لتطبيقها على مسيحيي الكنائس في عهد الرسول وفي عهدنا نحن. لا بد إذًا من أجل الحقيقة العلمية من تضييق الهوة التي تفصل المسيحية الحق والإسلام.

يعني هذا الكلام ومثيله انه لا بد من مواقف جديدة لا يبتعد المؤمن فيها عن جوهر ايمانه. ولكنه يتخذ مسافة من المواقف التفسيرية القديمة. الى هذا يجيء الانسان المعاصر من وسائل الاعلام وبعضها – خارج لبنان – فظ وغير صحيح وغير دقيق بحق المسيحية، خصوصًا ان معظم هذه البلدان ليس فيها مسيحي واحد. المهم ان يعتبر كل منا الآخر أخاه ليس فقط بسبب من تعليم ولكن بسبب من القلب. هذا يعني انه لا بد من معرفته ومن الغيرة عليه وهذا يفوق كل حساب ارضي وكل ترتيب سياسي. هذه هي الأمة الجديدة. هذا يتطلب ان ننشئ مجتمعًا روحيًا واحدًا لا يكبله نص ولا يأسره تاريخ مهما ظلم. المهم ان تصنعنا الرؤية. هي التي ترسم مستقبل علاقاتنا والبلد. بلا هذه الخلفية المشتركة نبقى قائلين بالعيش المشترك. القضية ليست قضية عيش على هذه الأرض بما فيها من توازنات. نحن لا نريد توازنًا بل نريد التحامًا. والقلب الذي نجعله إلهيا أعظم من البلد. اذذاك نتوطن السماء ولكنها سماء على الأرض. والسماوات ليس فيها انفعال ولا غضب ولا ردات فعل وليس فيها ديموغرافيا ولا مناصب اذ ليس فيها خوف. هل يخاف الأخ أخاه؟ السالك في الله يحسب كل السالكين فيه أخوة له. ففي الملكوت لن يبقى من نصوص وتزول الألقاب وليس فيها لأحد درجة على الآخر الا بمقدار ما كان له في هذه الدنيا من تقوى. وأمة الله في الآخرة أمة الذين اصطفاهم ربهم برحمته واستدرجهم على معارج الحب.

أجل لا بد من دولة في الوطن تكون كثيرة الشفافية وكاملة الإخلاص لشعبها. وعلى هذا سنعمل معًا في ما وهبنا الله من صدق. وفي الدولة تحسين للناس ولكن فوق الدولة القلوب، تلك التي لا تتكون الا بالذوق الإلهي فيأتي الناس أعظم من الحكم. الدعوة الى اللبنانيين ألا يظلوا أسرى القانون وان يصبحوا قائمين في الله. هكذا يكون لدينا لبنان جديد.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

في انتظار القيامة / السبت في 30 نيسان 2005

«قم يا الله واحكم في الأرض». هكذا ندعو الله إلى القيام في كنيستي اليوم. قم حرا من الأصنام التي موضعوك فيها. أصنام هي منحوتات شهواتهم وعلى رأسها شهوة البطش بالشعوب. انهم لقد ألّهوا القهر وجعلوه فيك لتدعم القهر الذي يمارسون. قالوا انك «رب القوات» وما أحباؤك الا الضعاف.

كيف تكون حاكما في الأرض؟ الآيات التالية تقول: «إلى متى تقضون بالظلم، احكموا لليتيم والفقير. أنقذوا البائس والفقير وأنصفوا المسكين والبائس». اللهم انت لا تحكم بأقوال تقال وان كان لا بد من الكلام. انت تبدو إذا الكبار أنصفوا اليتيم والعاري الذي عروا والمحروم إذا سحقوه. تبيت عند المستضعفين فتقوم بهم. هذه ايقونتك الأخيرة. ولا نعيد الا مع هؤلاء إذا شبعوا عدلا وقعدوا على آرائك الكرامة.

جعلوك قائد جيوش وهذه تغزو وتسلب فإن غايتها إشاعة الرق. استعملوك سببا للنصر وما أنت بناصر أحد. حبك وحده هو الناصر. لذلك كانت العلاقة بك في القلوب وفيها أنت خفي وفي سكناك فيها تسوس العالم. ولا تسوسها من سماء غير قائمة فوق رؤوسنا فسماؤك فينا بعد ان أخذناك في النفس أو أخذت أنت النفس لتجعلها عرشا لك وعلى هذا تستوي «لم يصعد أحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء». والحقيقة اننا بالحب الذي غرسته فينا استرضيناك فرضيت. لا إله يقر خارج الإنسان. لا تضع أبرارك في مقامات فوق. تتربع فيهم هنا. تتنزل الينا وتنبسط في مدانا وتصبح كل المدى. اذ ذاك تفرح بنا وهذا عيدك فينا وعيدنا نحن ان نراك وان نراك في المساكين واذ تنطوي أنت فيهم وننطوي نحن فيك يصيرون وحدهم هم الملوك.

عيدك اليوم هو هذه الثلاثية التي افتتحناها أمس وتنصرم غدا. ينبغي توضيحها كي لا نخطئ عمقها. قلت عيدك أيها الآب لان سر الفصح الذي نحاول اكتناهه هو سر محبتك التي كنت اياها وكانت اياك منذ الأزل لما رأيت الى ابنك حملا ذبيحا قبل انشاء العالم وبعثت بروحك إلى الأنبياء ليقولوا ذلك ورأيته فصحا أي عبورا للإنسانية اليك لما عرفت بمسيحك محبوبيتها وانها مجروحة بجرح العشق لعيسى وانها لن تشفى من هذا العشق إلى الأبد لأنك بدوت لها أبا وان هذه هي طبيعتك. وإذا كان الذي في حضنك هو خبّر فهي أيضا تخبّر انها تذوق دفء هذا الحضن فتهمس أنت في أذنيها ان المتبنى بالانعطاف الإلهي له جمال الابن المولود قبل كل الدهور.

سر الفصح تمتماته في هذا انه «لما حل ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني». واذ شاركنا اللحم والدم ولبس الناسوت نحس ان الله لا يطيق ان ينظر اليه على انه بعيد ولنشعر تاليا بقرباه. هو كان دائما قريبا ولكنه وحده كان يعلم ذلك فأراد ان يكشف لنا علمه وان «يضرب خيمته في حينا» أي ان يقول لنا انه من حينا فيما نحن عليه من لحم ودم.

وما كان يكفي ان يكون رفيقا بنا وهذا عرف قديما اذ اراد لنا معرفة له كاملة فأحب ان يكون رفيقا لنا يوآكلنا ويشاربنا ويذوق في جسده كل أحوالنا ما خلا الخطيئة. وهو يعرف ان لا شيء يخيفنا مثل الموت فما كانت مرافقته ايانا كاملة لو لم يذق الموت وهو غير محكوم عليه به لكون السيد هو البار المطلق فتطوع له حبا ليزيل عنا مخافة الموت وفساده ويقوينا باستمرار نعمته فينهضنا من بعد كبوة ويضمنا إلى صدره فنعي اننا بتنا احبة إلى الأبد.

لذلك لا حسرة على أوجاع المسيح ولا بكاء ولا تعظيم للألم ولكن التعظيم لطوعيته. وإذا سجدنا لآلامه كما نقول في كنيستي فمعنى ذلكم قبولنا لمقاصد الآب وللصليب مطرحا لحريتنا. ليس لأوجاع المسيح أية مكانة الا من حيث هي تعبير عن محبته. ولا معنى لما يقوم به بعض من حمل صلبان ثقيلة أو الاطراح عليها لتعذيب أجسادهم. فالله ليس قاهرا لأبدان طهرتها المعمودية ولا تغفر الخطايا بإيلام كياننا الجسدي الطيب ولكن الخطايا تغفر بالإقلاع عنها وصلبها هي. فالخطيئة عضو دخيل تجب إماتته بالتوبة أي باكتساب الإنسان الجديد الذي يكون على مثال يسوع.

المسيحية ديانة الفرح وليس فيها حزن البتة وما فيها مأساة والمأساة ان تنغلق الأبواب عليك وان تختنق بانغلاقها. فقد شرع المسيح كل النوافذ على «سماء جديدة وأرض جديدة» وباتت الأرض سماء وبات القلب عرش الله الوحيد. ولهذا كان القديس سيرافيم ساروف يحيي كل من التقاه بقوله: «يا فرحي، المسيح قام».

اما انه قام فيعني اولا ان يسوع لما مات على الخشبة لم يدع الموت يتسلط عليه. ففي اللحيظة التي أسلم فيها روحه للآب قام من وطأة الموت وغلبه. ولما قال لتلاميذه بعد العشاء السري: «ثقوا اني قد غلبت العالم» اراد انه انتصر على عالم الخطيئة وعلى قهر الموت فبقي حرا منه على الخشبة وتم النصر هناك. ولما قال إنجيل يوحنا: «انه أمال رأسه وأسلم الروح» قصد انه أطلق الروح القدس الذي كان مستقرا فيه الى العالم كله فبدأ، اذ ذاك، خلاص العالم.

سر الفصح سر الصليب من حيث انه مطرح القيامة من الخطيئة. في المعنى الكينوني قيامتنا هي بالصليب. ذلك ان المسيح كانت فيه الحياة كما قال يوحنا في مطلع إنجيله لأن المسيح كان يحمل حياة الله كلها في جسده. فلما انحدر إلى مملكة الموت تلقى الموت الحياة فانفجر. ظن الموت انه يبتلع يسوع الناصري فابتلعه هو وأمات في ذاته الموت لكي لا يبقى له أثر في الذين يحبون يسوع. وفي هذا قال يوحنا الذهبي الفم في عظة له فصحية: «قد أخمد (المسيح) الموت حين قبض الموت عليه. والذي نزل إلى الجحيم (أي نطاق الموت) سبى الجحيم. واذاقها المر حين ذاقت جسده… تناولت جسدا فألفت إلها. تناولت أرضا فألفت سماء… فأين شوكتك يا موت؟ أين انتصارك يا جحيم… قام المسيح فانبثت الحياة. قام المسيح فليس في القبور من ميت».

كل هذا طبعا على الرجاء ولكن الرجاء نابع من واقعة الصلب. وقبل ان حل موت المخلص سماه في غير موضع مجدا. وقد صلب اليهود رب المجد كما يقول الكتاب. في القديم كان الله إله خوف وارتعاد وغضب. اما الآن فقد صار الحلاوة كلها. كان الإله ينتقم من أعدائه ويميتهم. اما وبعد ان اخذ المسيح كل إنسان والإنسان كله على مسؤوليته فقبل ان يسفك دمه ليحمل عنا الخطايا فلا نموت فيها. وفي هذا المعنى قال باسيليوس عنه انه «يحاكم الخطيئة بجسده» أي بجسده الممحى حتى لا يبقى للخطيئة التي اتخذها على الناس وجود.

ولما قام في اليوم الثالث «طرّق لكل جسد القيامة من بين الأموات». والبشرية التي تؤمن به تتحرر. وأجساد البشر في اليوم الأخير كلها تنعتق من فسادها بفعل قيامته. انه لقد قام ليس ليأتي بخلاص تم نهائيا على الصليب ولكن ليكشف ان البلى لا يعتريه وانه باق إلى الأبد بجسده المنور والمنير في أحضان الآب. القيامة ليست الخلاص. هي انكشافه. وظهر لتلاميذه عدة مرات في أورشليم وفي الجليل ليقول لهم انهم قادرون على الشهادة له حتى أقاصي الأرض وانهم سيلدون بالتعليم وسر القرابين شهداء له في كل العالم على مد الأجيال. وقد اراد لما كان يتراءى لهم ان يوحي إليهم ان الخوف قد زال وان من أحياه يسوع لا يقدر عليه أحد فإنه معنا حتى منتهى الدهر.

هذه المعية الدائمة التي تربطنا به تجعلنا لا نخشى الدهر الحاضر ولا الدهور الآتية. فقد قاومنا الوثنية الرومانية وكل الوثنيات التي تثب علينا في كل جيل بإيمان مذهل. وكلما أماتونا كنا نزداد لأن وقفة الشهادة هي التي كانت تجذب الينا كل من راى فينا بهاء ليس مثله بهاء.

المسيحيون يعيدون لا لأنفسهم ولكن لقوة المسيح. يخطئون مثل كل الناس ولكنهم سرعان ما يتذكرون ان القيامة وضعت فيهم منذ الآن يتحررون من سلطان دنياهم ولا سلطان لها عليهم. عاشوا في الملكوت الإلهي على هذه الأرض مميتين كل شهوة مؤذية ومخطوفين إلى وجه المخلص الدامي والحي أبدا.

القيامة مسيرة. ولكنها كذلك لأنها تحققت في يسوع الناصري. وبعد ذلك صارت إرثا إلى الأبد لكل من استطاع ان يستضيء بنورها. ان الذي ذاق تعزيات القيامة وبهجتها لا يستطيع ان يرتاح إلى شيء آخر على رجاء ان يطرح عن نفسه ترابيتها حتى ينتصب قامة من ضياء. وإذا تبادل المسيحيون التحية بعبارة المسيح قام فإنهم يؤكدون ايمانا ثم رجاء على انهم هم أيضا مدعوون إلى الا يرزحوا تحت أي إغراء في هذا العالم أحياء في اعماق نفوسهم ونقاوة قلوبهم من أجل خلاص الكون.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

القضاء دائرة / السبت في 23 نيسان 2005

هذا رأيي ولست أعبر عن رأي سواي لأن كنيستي لا تتعاطى الشأن السياسي الا عند مظلومية الإنسانية، وسأحاول ان اقترب من العدالة وليس من نظام إلاّ فسدت فيه رؤية أو فسد فيه مراس. غير ان الديموقراطية لانعدام وحي إلهي يحكم الأرض تقول بسيادة الشعب. ولكن ما سيادة الشعب الا اقتراب من إحساس الفرد انه غير مهمش بتراكم المنافع وتلاقيها وتلاعبها في ديموقراطية اسمية تدعي حقوق الأفراد ولكنها تجيرهم إلى كتل متحكمة، إلى أوليغارخية مستترة تحت ثوب طغيان.

والأمثل في التمثيل اذ لا بد منه ان يحس المرء ان له مندوبا ينطق باسمه أي له به صلة وجدان ووحدة تطلعات ومشاركة ألم. وبهذه المشاركة يصير النائب في حصافة فكره وحماسته للوطن نائب الأمة كلها. هناك آلية انتداب في الأنظمة القائمة على حزبين وأكثر أو إذا كان المواطن منحزبًا، إذا كان الحزب ذا عقيدة أو برنامج معلن فلا يضطر الناخب، اذذاك، إلى ان يعرف مندوبه بعد ان يكون تبنى العقيدة أو البرنامج. ان تجريدية العقيدة والبرنامج خير من الصلة الشخصية. لكن هذا غير حاصل عندنا الآن أو قليله حاصل. فنعوض النقصان بالثقة فنعرف ان نائبنا منا واننا منه. لذلك كان الأمثل ان نصوت لشخص واحد يكون فكره السياسي أقرب إلى فكرنا وأخلاقه على صورة ما نراها في الإنسان السوي.

أما إذا كثر المندوبون ويكثرون في المحافظة نفترض ان مرافقي مندوبنا في المعركة يشبهونه فكرًا ومناقب وهذا يستحيل ان يقوم الدليل عليه. هذا نظام لائحة هي تدعي التجانس ولا شيء يثبته وتقوم على ان هذا يأتي بعدد من الأصوات وذاك بعدد وما تشاور الناخبون وليس من آلية شورى بينهم. انها لعملية استرضاء الموفد للموفد وعملية وعود بين الموفدين إذا ما وصلوا لا يعرف أحد أسبابها ولا يؤكد أحد تحقيقها فمّر القوم الجالسون على الأرائك وانقطع الجسر بينهم وبين ناخبيهم وما من مسائل اذ انت تسائل من تريده أن يجلس تحت قبة البرلمان وما أردت فعلاً زملاءه ان يجالسوه.

لما قال الطائف بتقسيمات جديدة تكثر فيها المحافظات اعتبر ان تضييق الدائرة يقرب المواطن ممن يرسل إلى المجلس، ورأى إلى شيء من التعارف بين الفئتين ولو نسبيًا. اما الآن فلا يتيح ضيق الوقت القيام بهذا والتقسيم يقام به في حال الهدوء لا عند اقتراب الاستحقاق. اما وان الأمر عاجل فلا يسوغ لنا ان نختبئ وراء نص الطائف لأن النص جعل المحافظة وتقسيم المحافظات القائمة آنذاك امرين متلازمين. عند هذا لا يحق للقائلين اليوم بالمحافظة ان يدعوا انهم يستندون إلى النص. ليس هذا هو النص.

أعرف النسبية نظريا. ولكنها لم تمارس. ويفصلنا اسبوعان أو أكثر بقليل عن إصدار قانون لها وتفسير تطبيقه ومعرفة الآلية لتنظيم الحصص الطائفية. لكن كل فلسفة النسبية قائمة على توازن الأحزاب وضرورة التلاقي للتيارات السياسية المختلفة والإفادة من التنوع الفكري. وفي أحسن حال عندنا توازن أشخاص وأهواء وانخفضت احزان الأقلية.

وليس الوقت للمعمعة ولا للتأجيل بسبب الدرس والتدريس اذ ينبغي افتداء الوقت لأن الوقت رديء. وسرعة القيام بهذا الواجب الوطني هي الإنجاز لأننا اليوم في حال تربية لأنفسنا وتقوية لعزائمنا قد تجعلنا في مجال السياسة شيئًا من خلق جديد أو هداية مذهلة.

وعندنا مشروع القضاء تقدمت به الحكومة السابقة ونص عليه قانون قديم. وتبدو مساحاته الجغرافية أدنى إلى المحافظات التي وعد الطائف باستحداثها أي يكون أقرب إلى الطائف نصًا وروحًا. وليس هذا حديثا عندي. فقد ناديت به منذ سنوات المرة تلو المرة في هذه الزاوية.

وبين السنة 1960 والسنة 1972 اعتمد القضاء وأنتج استقرارًا سياسيًا. ثم بعد 1972 تمت أربعة انتخابات على أساس القانون ذاته. وهذا كشف تماسكًا في المجلس نتج منه اتفاق الطائف.

في القضاء، أو المحافظة ممكن تبني مشروع النسبية الذي لا يعرفه بخاصة الا علماء الحقوق الدستورية وفيه حسنات في البلدان الخارجة من ازمات أهلية ولكن ليس لنا فيه مراس. وهو يفرض على العموم ان تصوت للائحة كاملة فلا يحق لك فيها التشطيب واللائحة الثانية المعتبرة خاسرة في نظام الاكثرية ينجح فيها اثنان أو ثلاثة أو أكثر بحسب عدد ناخبيها. ولكن من تختار من اللائحة الثانية أو الثالثة وكيف تعامل المرشح المنفرد؟ يسهل الأمر عندما تكون اللائحة حزبية فلا يكون فيها تفضيل اذ يأتي رئيس الحزب أو من يعينه الحزب. وعندنا نحن تعقيد آخر هو المحاصصة الطائفية. انه ميكانيزم صعب ضبطه الآن وصعب تعليمه لموظفي وزارة الداخلية. أما ما قيل عن ان العراق اعتمد أخيرًا هذا النظام فالعراق كان موزعًا على أحزاب أو حركات دينية وليس فيه نظام طائفي ولو ظهرت ميول طائفية.

أما قول بعض ان القضاء يعني نظامًا طوائفيًا فقول يفترض ان كل قضاء هو من لون طائفي أو مذهبي واحد. فالقاء نظرة سريعة على كتاب كمال فغالي عن انتخابات السنة الـ2000 يبين مثلاً ان في دائرة جبل لبنان الأولى عندنا 88,9 في المئة من المسيحيين و10,3 في المئة من المسلمين. المسيحيون من كل المذاهب والمسلمون شيعة وسنة. وفي دائرة جبل لبنان الثانية عندنا 94,1 في المئة من المسيحيين والبقية مسلمة. والدائرة الثالثة مناصفة تقريبًا وعندنا فيها دروز وسنة. وفي الدائرة الرابعة حول 60 في المئة مسلمون وحول 40 في المئة مسيحيون.

في دائرة الشمال الأولى 56,2 مسلمون والباقي مسيحيون. في دائرة الشمال الثانية مناصفة. في دائرة الجنوب الأولى 85,8 في المئة مسلمون و14 في المئة مسيحيون. في دائرة الجنوب الثانية 74,9 في المئة مسلمون والباقي مسيحيون. لا نجد دائرة واحدة – وقد قرأت كل الاحصاءات – هي من لون واحد وان كثرت جدًا هذه الشريحة أو تلك في أقضية قليلة جدًا.

غير ان القضية الحقيقية أمامنا الآن هي اننا في حاجة ماسة إلى ان نمارس الانتخابات في مواعيدها وليس عندنا وقت أو هدوء فكر لنفتش عن أحسن نظام ممكن في دساتير العالم. هذا يستغرق دراسات من شأنها ان تؤخر الانتخابات مع ما في ذلك من محاذير. العمل الانقاذي في الوضع الحاضر هو استعجال العملية الانتخابية بما لديك من نصوص أثبتت صحتها وقوتها.

ردي الأساسي على من يخشى التشددّ الطائفي من اعتماد القضاء هو ان هذا التشدّد يخف بالضبط إذا أحس الناس بالعدل وان طائفتهم غير ذائبة في قوة الزعماء لطائفة أخرى. ايهما أقرب إلى اللاطائفية ان ترى نفسك مذيلاً إلى طوائف أخرى أو ان تحس نفسك محضون طائفتك؟ هذا إذا اعتبرنا ان ثمة اكتساحًا طائفيًا في هذا القضاء أو ذلك. أين التشدد الطائفي في قضاء كسروان الكثير العلم والرقي إذا أتى بنواب موارنة فقط؟ هل إذا اختلط أهل هذه المنطقة بدروز الشوف وأرثوذكس قضاء عاليه والمتن انتخابيًا يضعف تمسكهم بمارونيتهم أو تقوى وطنيتهم؟

إلى هذا فالبلد طوائفي في كل تركيبته حتى يأتي المجلس الجديد وتتشكل الهيئة المكلفة رسم الطريق إلى اللاطائفية السياسية. فيتحرر اللبنانيون خلال عشرات من السنين من الانتساب الطائفي بمعناه السياسي. أنت لا تنشئ المواطنية في الممارسة بمعنى القفز فوق كائنات تاريخية دينية بسرعة.

نحن قوم لم نبلغ هذه التجريدية الغربية التي تجعلنا نتعامل عبر هيكليات عقلية فيها بعض من جفاف. وربما كانت الدولة لا تسير بلا هذه الهيكليات. نحن حضارة مودات وعلاقات وجدانية وعاطفية. ولم ينشئنا ديكارت ولا الشرع الروماني. ويعيش النواب الحاليون هذه العلاقات الشعورية (حضور مآتم واعراس، الخ…). وليس عندي في هذا تخلف عن بلدان العالم الأول. الحياة تعارف وتبادل والناس عندنا يحبون ان يحمل النائب قضاياهم إلى الدولة وليس هذا كله خدمات بل أمور تتعلق بالمجتمعات اليومية.

أنت ترفع إلى مرتبة عليا من تعرفه وفي الدوائر الكبرى تصوت لحليف من تعرفه وحتى الآن لم نسمع ببرنامج انتخابي صريح ومفصل في كل مرافق حياتنا الاقتصادية أو الثقافية. ما العيب في ان “تشخصن” العلاقة إذا كان نائبك موثوقا به ومقدامًا ووطنيًا؟

خارج هذه الرؤية ليس عندك في الدائرة الكبرى الاّ ناس يستقوي بعضهم ببعض آخر ويتبادلون المنافع لدعم رجوعهم إلى السلطة بحيث تصبح الانتخابات وعدًا بدورات انتخابية أخرى لقيام كتل تصبح أحيانًا رمزًا، في حين ان النائب الظاهر من القضاء ليس له الاّ قوة ناخبيه وتعلقهم بما أنجز ويعود ما أنجز. يجب ان ننتهي من آلة قائمة لتجدد لنفسها وتصير غاية لنفسها وتلتف حول الأغنى بين المرشحين. هذا نظام ينتج طفيليين.

ان المجيء بنواب جدد فهماء وصالحين قد يكون خطوة كبيرة على طريق انشاء الدولة الحديثة وظهور مجتمع راقٍ.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت في 16 نيسان 2005

غدًا لها ذكرى في كنيستي، خاطئة كبيرة تابت توبة كبيرة. ربما يجذبنا اليها توق إلى الرجوع اليه ولما نتب. هذا الحزن على نفسي في اشتياقي إلى وجه الآب جعلني ادنو من هذه المرأة التي بعد فجور كبير حلّ الروح فيها بصورة مذهلة وهو يحل حيث يشاء ويكسر كل جدار أقامه الإنسان في نفسه دون رؤية الله. حدثنا عنها صفرونيوس بطريرك أورشليم ولكني مسقط من السيرة بعضا من تفاصيل ليست أساسية.

ريفية مصرية شبقة منذ بلوغها أو بعيده تمدينت في الاسكندرية المترفة المسترخية المتساهلة، احدى عواصم الفكر الاغريقي، المشبعة بالعلم والمستطيبة الازياء، كما نتبين ذلك من متحف الاسكندرية اليوم وأعظم مكتبة في العالم القديم كانت لا تزال فيها قائمة. مزاج من الشهوة والعقل. ولعل مريم هذه تزودت، فيما كانت تتعاطى الدعارة، شيئا من هذه المعارف ومنها الغنوصية اي العرفان، وكانت الغنوصية تحتقر المادة وتاليا الجسد. فاذا انت احتقرته يجعلك هذا تقع تحت وطأته أو يجعلك تسوده. وهذا ما عرفته كل الحركات التي كانت تقول بالثنائية الجوهرية بين النفس والجسد أو باستقلالهما أو تصادمهما.

تلك كانت بيئة مريمنا على ما يبدو لي من معرفتي للإسكندرية في القرن السادس للميلاد. ربما اراد صفرونيوس ان يجعل هذه الفتاة موغلة في المعصية اذ قال انها ما تقاضت عن فحشها أجرا. فللبغاء احيانا عذر الفقر. غير ان هذه كانت بلا عذر كأن الذنوب كانت جنينية فيها وكأن هدايتها كانت من العسر يشبه المستحيل.
وكانت مرة عند المرفأ ولعلها كانت ربيبته. وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر، وفهمت انه ذاهب إلى القدس لإحياء عيد الصليب فخطر لها ان تركب البحر وهي خالية من اجرة السفينة. كيف استفاقت فيها معموديتها ثم أنى لها ان تدفع ثمن السفر؟ قالت: «اني املك جسدا، وسيستعيضون به عن المال للرحلة». كيف هذا الخليط بين السقطات واشتهاء الحج؟ من يساكن من في قلب الفتاة؟ هل يتبل الدنس والرغبة في دخول كنيسة القيامة؟ قبل التوبة العارمة التي تستأصل منا كل قباحة الماضي نبدو اختلاطا مريعا حتى نكسر الطين المتحجر فينا ونرمي التراب إلى التراب ويبقى الجسد والنفس معا قامة واحدة من نور.

بلغت القدس والكنيسة فأبى الله عليها دخول هيكله. وجدت نفسها في الرواق وحيدة فيما الحجاج يدخلون وحاولت عبثا الولوج. وحدها مقصية من رؤية الصليب الذي رُفع عليه يسوع. في هذا الاقصاء الرهيب واقتلاعها عن السجود كشف الله قلبه لها وقال لها ان ثمة فرحا عظيما ما كنت تعرفينه ولكنك ستعرفين. ووقع نظرها من بعيد على ايقونة مريم المصطفاة وسألتها ان تمكنها من رؤية الصليب ووعدت بانها لن تدنّس نفسها في ما بعد وانها ستذهب إلى حيث الله يريد.

فسجدت وقبلت ايقونة العذراء وسمعت صوتا من السماء يقول: «إذا عبرت الأردن تجدين راحة مجيدة». فسارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي على ضفاف الاردن. وبعد ادائها الصلاة أكلت قليلا ووجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الاخرى ولازمتها سبعا واربعين سنة تقتات من عشب البرية وتوغل في الصلاة.

تهاجمها اهواؤها الماضية المنثنية في كيانها كله وتشتهي طيبات الطعام والشراب وترغب في الاغاني التي كانت تغنيها على شواطئ الاسكندرية. ولكنها ذكرت العهد الذي قطعته على نفسها أمام أيقونة مريم في كنيسة القيامة وبقيت على العهد واستنارت. وسكتت العاصفة فيها بعد سبعة عشر عاما من الجهاد الضاري حتى تنزلت السماء عليها واعطتها السكينة. ونحن أهل الروحانية المسيحية الشرقية نتحرك في السكون أي ننتقل من مجد إلى مجد، على ما يقول الرسول.

هنا يدخل صفرونيوس قصة اخرى اذ يذكر راهبا يدعى زوسيما كان يظن بسبب نسكه العظيم انه أدرك البر. وصحراء الاردن منذ القرن الرابع كانت تعج بالرهابين. غير ان الرب شاء ان يوضح لزوسيما انه لم يبلغ الكمال. وهذا الظن كثيرا ما يدهم الاصلحين وخطيئتهم، اذذاك، فتاكة اذ لا يقتلنا شيء كالكبرياء.
وكانت عادة الرهبان ان يغادروا ديورتهم في اليوم الأول من الصوم بعد اداء الصلاة ويوغلوا في البرية كل على حدة ولا يجتمعوا الا يوم أحد الشعانين. فخرج زوسيما كالبقية. وبعدما مضى عليه قرابة عشرين يوما اتجه نحو الشرق وصلى صلاة الظهر، فلمح على رابية قامة بشرية. واذ حدق في هذا المنظر رأى هيئة بشرية تنحو نحو الجنوب وكانت عارية (اذ لم يبق شيء من ثياب مريم بعد اربعة عقود من الزمن)، داكنة الجلد، شعرها ابيض كالصوف «فجد في أثرها فلاذت بالفرار فلحق بها». خاطبها طالبا ان تقف فأجابته “اني لا استطيع ان استدير اليك واكشف وجهي فأنا امرأة وعارية فاليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك”. فنزع رداءه وألقاه اليها. اذ ذاك طرح الراهب نفسه على الارض ملتمسا بركتها (أي نسي بره) والتمست بدورها بركته.

اعترفت بكل ما اقترفته وصلبت وجهها وتكلمت عن توبتها وقالت له: في السنة المقبلة إذا حلت ذكرى العشاء السري أي مساء الخميس العظيم ضع القرابين المقدسة في اناء لائق واتني بها وسألقاك عند ضفة النهر المأهولة.

في السنة التالية لما حل الصوم الكبير بقي زوسيما في الدير، اذ اصابته وعكة. ولما حل الخميس العظيم ولقيها في مكان الوعد فأراد ان يسجد لها منعته فناولها. وفي السنة اللاحقة حمل اليها الكأس المقدسة إلى المكان نفسه ورآها ممددة ميتة ويداها مصلبتان إلى صدرها فوضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في أول نيسان من تلك السنة.

لعل الكنيسة وضعت الذكرى قبيل التوبة الكبرى النازلة علينا في أسبوع الآلام لندخله على الرجاء ونميل النفس إلى الاقتناع بالطهارة والتروض لاقتنائها. وهذا يتطلب اعراضا عما يعميك عن رؤية الفرح الالهي الذي ينزل عليك إذا شئت (اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم). ليست قضيتنا مع الله ان نروض الارادة على فعل الخير. انها ان تفتح القلب ليحب الخير. هذا هو الذي يدعوك إلى مكافحة الاهواء أي شروش الخطايا.

ان تؤمن بأن الصدق لا الكذب ينجيك وان ثأر البغض يمزق وحدة كيانك وسلام الغفران يجعلك بلا نتوء ومعليًا الناس عليك وان اخلاصك لزوجتك يجعلك تعيش الفردوس في العائلة. كل هذا قد يجهله ناس كثيرون، والله ان عدت اليه دفعة واحدة هو وحده يؤتيك العلم بالنقاوة.

وإذا مارست رياضة التقرب من الله ترى في لقاءات الوجد به انك بت انسانا جديدا. وإذا بلغت في هذه المسيرة مبلغا كبيرا تحس ان هذا يكفيك ويغذي ليس فقط روحك ولكن جسدك ايضا. تستقيم فيك «صحة النفس والجسد»، كما نقول للأطفال إذا تغذوا بجسد الرب ودمه. وسوف تعلم إذا اعتنقت مراس البر انك قبله كنت حجرا فتيتا وما كنت مرمرا ساحرا.

لذلك كانت دعوتك قبل ولوجك الاسبوع العظيم ان تستأصل منك أصول السوء لئلا تتعطل الرؤية وتبقى سجين الظلام. وإذا قامت مومس رهيبة في الاسكندرية بهذا التحول العظيم، فأنت مثلها قادر بنعمة ربك على ان تستضيء وتصبح وجه الله عندنا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

يوحنا بولس الثاني / السبت في 9 نيسان 2005

لن تكون هذه الاسطر مقال رثاء فقط، فإن غيري كان الافصح وسيكون، ولكن تجاربي مع الحبر الراحل تضطرني إلى ابداء تقديري ولئن مزجت اعجابي وصلاتي بشيء من رؤية قارئ أرثوذكسي لمسيرة هذا الذي يرقد الآن في سلام الرب.

لم يذهلني أحد بتواضعه كما اذهلني يوحنا بولس الثاني. لقائي الاول له كانت السلاسة فيه تأتي من البابا. جعل نفسه تلميذا في مجمع الفاتيكان الثاني فأظهرت تحفظي عن بعض ما جاء في المجمع متعلقا بفهم الكثلكة والأرثوذكسية للكنيسة. كانت تهمه التطلعات والتجاوز إلى ما سيقوله الروح للكنائس.

في السينودس لأجل لبنان وقفت خطيبا وانا على بعد عشرين سنتيمترا منه على المنصة وتحدثت عما يفصلنا عن الكنيسة الرومانية. بقي حانيا عنقه ويستمع بهدوء. ثم جمعتنا في شقته على الغداء مائدة لبنانية. وكان على بساطة مغرية واظهر لي مودة جعلتني اقرأ ان بساطة الحياة فيه كانت اقوى من الدور.

حزنت عند آخر استقبال له في خريف السنة 2003 غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع حيث رغب قداسته ان يتحدث إلى بطريركنا مرتين خلال يومين اقامهما السيد اغناطيوس في رومية مع صحبه اذ كان البابا يقول جملا قليلة. بعد العشاء قادنا يوحنا بولس الثاني لنصلي امام ايقونة سيدة قازان، تلك التي اعادها إلى الكنيسة الروسية أخيرا.

اظن ان اهم ما يلفت في هذا الحبر الكبير انه بقي انسانا وبقي كاهنا ومواجها الدنيا مما تأمله فيها ومما أحس به في مطلع شبابه في بلده. لم يطلق ظلم القهر الذي نتجت منه المعتقلات كما لم يتحمل ظلم الرأسمالية المتوحشة. ما عنى لي بالدرجة الاولى انه في الموقفين كان يأتي من ايمانه. التحليل البسيط لخصامه الرأسمالية والماركسية معا هو اننا امام رجل حر.

قلت كان انسانا وهذا لا يكونه أحد بتصنع. أحب فتاة وهو في الثامنة عشرة وكتب شعرا قرأته في ترجمة فرنسية وكان من عيون الشعر ومارس المسرح قليلا. غير انه بعد اقتباله الكهنوت وفي جديته الرومانية رفض زخرف الكلام ليبقى في حق الانجيل. بشريته في عفويتها جعلته محبا للأطفال. رأيته يلاطفهم بصدق وحنان ولا يرفض ان تقبله افريقية ببساطتها.

غير انه لم يصل إلى الانسان الا بعد ان يكون الله قد خطفه في القداس والفروض الاخرى كل صباح. لهذا قلت انه بقي كاهنا وان رعيته هي العالم. هذا من صميم روح الخدمة عند كل رسول. غير ان هذا مرتبط ايضا بدور الاسقف المسكوني ومدلولها انه راعي العالم.

الشأن البابوي دقيق جدا. يعجبك او لا يعجبك ولكنه هام. العمل في الفاتيكان جماعي مهما كانت شخصية البابا قوية. ذلك انه يحترم العلم والمواهب. واللافت أن السلطة الاكثر مركزية في العالم هي أقرب السلطات إلى الشورى ولو كان للبابا ان يهمل اي نص تقدمه له. وبات من الواضح في السنتين الاخيرتين او الثلاث من حبريته كان اتكال يوحنا بولس على اعوانه كبيرا. لكن التشاور عنده ما كان يزحزح الثوابت الاخلاقية الموروثة من اسلافه: مكافحة الاجهاض، رفض الجنسية المثلية، التركيز على العائلة وقدسيتها وديمومتها… ما علاقة كل هذا بتبجيله العظيم لشخصية مريم ام المخلص؟ كان يبدو لي أحيانا مغاليا في تعابيره المريمية. هل في هذا بعض من خشيته لاهوتيين في كنيسته يؤثرون تعابير «بروتستانتية»؟

ولكن على رغم ايغاله في الهاجس الكنسي البحت كانت تهمه اوروبا في ما احتسبه لا يزال مسيحيا فيها. وإذا صح لي اقتباس تعبير من تراث آخر لقلت انه كان ذا حنين إلى جعل اوروبا صورة عن بولونيا. أعني هذا وجود حضور للمسيحية في بنية الدول الغربية بما ينافي العلمانية او التفسير الفرنسي لها. ربما في قلب هذا المنحى الاوروبي تمنى ان تخرج بلاده من الفلك السوفياتي وكان له هذا بدعمه الكبير لمجموعة النقابات التي اتخذت اسم «سوليدارنوسك» (التضامن).

يقتحم الناس في عقر دارهم. يصافح فيديل كاسترو ويتكلم ضد الماركسية في كوبا. رجل اصابته رصاصتان ماذا يخشى؟ ما كان يهمه، حقيقة، كان اقتحام الشعوب المسيحية بالإنجيل بعدما باتت مسيحيتها باهتة. اما مع الآخرين فحوار. الفكرة ليست منه. ولدت في مجمع الفاتيكان الثاني الذي تتلمذ عليه كما قال لي. ما من شك ان المسيحية الغربية بما فيها الشق الكاثوليكي خصصت لحوار اليهود حصة الاسد. وفي علم تفسير الكتاب وغير التفسير اقوال كثيرة حولت الغرب عن التراث المسيحي القديم الذي كان يندد باليهودية. تهلل الغرب لما دخل البابا منذ بضع سنوات كنيسا يهوديا في روما. نحن المحافظين على المسيحية القديمة انزعجنا من هذا انزعاجا بالغا.

بقي الحوار مع المسلمين – ما عدا اوساطا اكاديمية في الغرب – لقاء مع شعوب اسلامية وقادتها على المستوى العملي اي على مستوى السلام. على هذا الصعيد لم يكن عند الرجل مشكلة في مخاطبة الجماهير الاسلامية في المغرب ونيجيريا وفي دعوتهم إلى جانب ممثلين لكل ديانات الارض إلى اسيزي للصلاة. كان يوحنا بولس الثاني مؤمنا بالصلاة من فم اي مؤمن خرجت. أظن اني لست ظالمه لو قلت انه كان يحمل في آن التصلب الكاثوليكي النظري وانفتاح القلب على القلب. الكثلكة منذ بيوس الثاني عشر كانت قد دخلت في مفهوم ان الكنيسة تقوم ايضا خارج كنيسة رومية بما في ذلك الاديان الاخرى.

صلابة كاثوليكية ساطعة في انه ما سمى مرة البروتستانتيين كنيسة مع انه أقام حوارات مع كل «مجموعة بروتستانتية» كما كان يقول، حوارات مؤسساتية نتج منها وثائق كثيرة ومتقدمة ولاسيما مع اللوثيريين.

تقدم كثيرا حواره مع الذين نسميهم اليوم الأرثوذكسيين الشرقيين ولاسيما منهم الأقباط والسريان كما توبع الحوار مع كنيسة المشرق (الاشورية). مع هؤلاء جميعا اكدت الكثلكة وحدة الايمان. طبعا إذا اردت الدخول في التفاصيل يدهشك هذا. لكن الواقع ان رومية وضعت نصوصا تؤكد فيها هذه الوحدة. غير ان هذه التأكيدات لم تصل إلى نهايتها أعني الوحدة العملية.

مع الأرثوذكس تابع البابا الراحل الحوار الذي شرع فيه اسلافه منذ بولس السادس وكانت ذروته في وثيقة البلمند الشهيرة في السنة الـ1993 حيث قيل ان الكثلكة الشرقية l’uniatisme كانت خطأ تاريخيا وما كانت نموذجا للوحدة. غير ان كارثة حلت في آخر اجتماع للجنة المشتركة في بالتيمور (الولايات المتحدة) حيث انقطع الحوار ولم يستطع يوحنا بولس الثاني ان يحقق أمله في زيارة روسيا. فقد أحست كنيسة موسكو ان الكثلكة تبغي الانتشار على الأرض الروسية بعد تأسيس الفاتيكان أربع أبرشيات على التراب الروسي والكاثوليك العائشون في روسيا وجلهم من أصل غريب قليلو العدد جدا.

هناك مظاهر عديدة في اوكرانيا ورومانيا بدت للأرثوذكسيين ان ما يسمى حوارا يصطدم بوقائع على الارض اعتبرها أرثوذكسيو تلك البقاع محاولات اقتناص. لكن هذا التوتر لم يمنع كنائس أرثوذكسية مختلفة من ان تستقبل البابا وان تقيم علاقات ثنائية معه. ولعل اهم تلاق ثنائي فيه الكثير من الود ذاك الذي قام بين يوحنا بولس الثاني مع الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية وذروته الخطاب اللاهوتي العميق الذي استقبل به البطريرك اغناطيوس الرابع يوحنا بولس في الكاتدرائية المريمية في دمشق.

ذهب البابا في تطلعاته العظيمة وقلبه الكبير إلى الرحمة. قد لا تجيء كل محاسنه مع خليفته ولكنه يبقى وجها كثير البهاء بما فيه من رهبانية حق والم خلاصي وفصحية نيرة. هو لا يزال من بعد احتجابه يدعو ويلح. لقد شد الكاثوليك إلى فوق واراد المصالحة بين المسيحية والحضارة. نشأ الرجل محافظا ومات محافظا ولكنه اقتحم الدنيا اقتحام القديسين لها ولم ينم لحظة. لقد ذهب إلى الرحمة حاملا سجلا حافلا بالمآثر. رجاؤنا ان ترث كنيسته الغنى الذي كان فيه فيزداد جمالها حتى نطرب له.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

إلى شباب بلدي / السبت 2 نيسان 2005

بعد أن راقبت حرائق سد البوشرية على الشاشة لم أستطع أن أنام توًا. لماذا كل هذا البغض؟ لا أجد كلمة أخرى لأعبر عن هذه الحادثة وما سبقها. كل هذا لدعم أطروحة متميزة أن جيشنا لا يستطيع أن يضبط الأمن. قد تكون الأطروحة صحيحة لو كان مصمم التخريب لبنانيا. ولكن الخراب مرتبط بالافتراض أننا وحدنا غير قادرين على سلامتنا وانه يجب أن نتكل باستمرار على آخر، الأمر الذي يفرض أن استقلالنا محكوم عليه أن يبقى مبتورًا، مضروبًا. من يعتقد ذلك لماذا يريد لبنان؟

طبعا لا يستقلّ بلد بلا إجماع بنيه على قدرته وهي لا تنفي بطبيعتها التحالف مع من يحبك ويوآزرك ويدعمك وتدعمه بالقدر الذي تستطيع عليه. أن يحالفك هو ان يعتقد انه قادر على إعطائك ما يقدر عليه وانك قادر ان تعطيه من بعض ما عندك وهذا على كل مستويات الوجود ضده الزبائنية. أنا افهم قول بعض ان هذا البلد قام على تسوية. أما اليوم فقد تجاوزها الذين يقولون ان عيشنا توافقي ولو احتاجت هذه الصفة إلى إيضاح وترتيب البيت الداخلي على قواعد المشاركة الشريفة حيث الشريك يؤمن بإخلاص الشريك. والإخلاص اتخذه هنا من صورة الزوجية وهي العهد ألا تخون الآخر وان تراقب نفسك على الدوام لئلا يغريك الشرك بالرفيق.

دائما كنا عرضة للطمع. وحدتنا وحدها ترد الطامعين بالوسائل الممكنة. وهذا يحتاج إلى ديبلوماسية عاقلة وقبل كل شيء إلى تماسك يأتينا من أنفسنا يرد على المشتهي شهوته. ما نشهده الآن ان شبيبة بلدنا أبدت انها تريد ان تعيش واحدة لكونها فهمت بعاطفة وعقل ان الآخر في الدين هو أخ في الوطنية وان فئة من الفئات أو شريحة من الشرائح لا تضع وحدها البلد وان البلد في ارتقاء إنسانيته يحفظ الجميع معا. لقد تعبنا كثيرا ومتنا كثيرين حتى لا نعود إلى جنون الطائفية وإلى إغراء الغريب الذي كان يغذيها وعرفنا ان هذه الطائفية الكثير منها مصنوع وانها ليست من أعماقنا التي تصبو إلى تعاضد الجميع وقيامهم معا ببناء الوطن. ورجاؤنا إلى الله ان يثبت فينا هذا الفهم ويذكي هذه الحماسة.

هناك إمارات) أي علامات) تبشر وسط المحنة إننا قائمون منها آجلا وهذا ليس بفضل أسطول رابض على ما يقال قريبا من مياهنا أو بفضل تصميم سياسي دولي كبير مهيأ لابتلاعنا. فمن الدول ما نصدق ومنها ما لا نصدق. فمنها من يرعى إسرائيل ومشروعا إقليميا نذوب فيه. نحن في رعاية العالم مجتمعا شأننا في ذلك شأن الأمم كلها كبيرها وصغيرها. نحن رفضنا الاستعمار القديم والانتداب وما كان على صورته وتمكنا من ذلك ولو أبطأنا. ومرضنا المزمن البطء. وما ابتغينا في كل أطوار التاريخ استكبارا ولا طلبا للكرامة وحدها وان كانت هذه تحرك كثيرا ولكنا أردنا الحرية لتعزيز إنسانية الإنسان ودفعه إلى تفعيل طاقاته وإخصاب البلد في كل المجالات ولا أحد ينفعنا في خدمته كما نفعل نحن لأن الغريب لا يحبه كما نحن نحبه. يزين لي أن أكثرنا فهم ذلك وعلى هذا نحن قائمون حتى يزول زمن التخريب وننصرف إلى البناء في كل وجوهه.

وكما أعدنا البلد من بعد الحرب التي جرت على أرضنا سنعيد بناء كل ما أنهدم مؤخرا بعد ان أعدنا اللحمة بين مواطنينا وبزغت نضارة هذا الشباب وإرادة تعايشه على اسس السلام والخير والمعرفة.

إلى الشباب أود ان اقول اننا نريد بلدا جديدا لا يتنكر الا إلى للسيئين من الأجيال السابقة فهذا البلد مليء بالصالحين الذين قد يكون لهم تأثير سياسي كبير. اعرفوهم. ولست أنكر أن ثمة خيرين بين المسؤولين. اعرفوهم أيضا واقنعوا الإنسان الجيد ان يحمل مسؤولياته ويدخل في الفاعلية السياسية إن أمكنه ذلك. ولكني اقول لكم اتكلوا على جهادكم وتهيؤا إلى المسؤولية العامة بما أنتم تتآزرون. أنا لست أقول أن كل شاب مواطن طاهر فاذا عف وحب حتى الآن فهو الشاهد على انه يريد وطنا عظيما وانه مهيأ له.

الأمر الثاني في قول علماء الاجتماع ان الدولة هي العنصر التكويني لمجتمعات العالم الثالث. غير ان الدولة عندنا لم يصل اليها هذا الخبر. ولذلك لا بد من دولة جديدة بأناس جدد يؤمنون بالحرية ويؤمنون تاليًا ان ليس امامنا في العالم العربي من نظام نموذجي. نحن نصنع نظاما لنا لا يقلد اي وضع قائم في العالم العربي وتاليا يكون الداعون إلى الأنظمة العربية متخلفين عن ركب الإنسانية الحرة المتطورة.

من الأكيد ان نضالكم يجب ان يكون شرعيا مستمدا من الدستور والقوانين والمؤسسات. انتظموا في أحزابكم أو تشكيلاتكم السياسية ولكن تفحصوا كل توجيه فيها وكل قرار بروح المسؤولية وتحلوا بالروح النقدية. شاكسوا إذا وجبت المشاكسة ولا تنقادوا لما ترفضه ضمائركم. اما غير المنحزبين فليشكلوا مجموعات ضغط ولعل هذه افعل احيانا من الأحزاب لأنها تدعكم أحرارًا من الإيديولوجيات الجامدة. آتوا بأفكار تجدد البلد فالمجموعات الضاغطة الحرة تنتج عملا جديدا لا تقيده مسبقات عقائدية. “افحصوا كل شيء وتمسكوا بالأفضل “. وهكذا تهتز الهيكليات العتيقة التي كبلت البلد أو أسرته. فضلكم على الأجيال السابقة حركيتكم التي لها ان تذهب بناس وتأتي بناس. والسياسة ليست إخلاصًا لوجوه. انها إخلاص للبلد تريدونه قائما على الطهارة والتنكر للمنافع الخاصة التي يدعمها الاستزلام. وليكن عقلكم دائما واقفا امام كل زعيم اية كانت هيبته لأن الهيبة هي فقط للحق ولا تنسوا ان بعض الوجوه يجب الا تعود لئلا يبقى لبنان مقهور العتاقة والإفلاس العقلي.

***

إلى هذا فالشباب ولاسيما الحزبي منه يكون كامل التسيّس أي مستغرقًا في الفكر والعمل السياسيين استغراقا كليا أو شبه كلي بحيث لا يتنشق هواء آخر أو لا تبقى في نفسه متكئات لروح اشمل من الهاجس السياسي. هكذا كانت عندنا الأحزاب الشمولية يرجع فيها العضو إلى مسلمات عقائدية حجارتها غير قابلة للتفتيت. السياسة لا تستغرق كل حيوية البلد. وليس الإنسان مجرد حيوان سياسي (politikon) كما حدده أرسطو. كل منا كائن إلهي أي يحتوي الكون بكل أجزائه. انه كون صغير كما عرفته الفلسفة اليونانية وآباء الكنيسة.

ما نسميه المجتمع هو مجموعة المواهب التي عند كل امرئ أو هو تلاقي المواهب وتفاعلها وبناؤه غاية الدولة. وعندما نبلغ رقينا العظيم تصير الدولة اداة في خدمة المجتمع اي وسيلة لإنماء المواهب.

لذلك قال الفيلسوف قنط ان الإنسان غاية في نفسه. بذلك كان كل قمع ضد الإنسان من حيث هو غاية. ان غناكم الروحي والثقافي هو الذي يرشد الناس اليكم ويجعلكم في خدمة شعبكم. في الفراغ الثقافي وتفه القلب لا يستقيم إنسان ولا يجتمع بلد. فللتعبير الوطني وقت وللتحصيل وقت. ولا تجعلونا نندم على اننا نريدكم الأعلين لكونكم اعرضتم عن تسلق الدرجات العلى من المعرفة التي دونها اللهو والزينة والمجد الباطل.

***

قد لا يكون غريبًا عن هذه التأملات ان فكرت اليوم في سياق حديثنا هذا ان اذكر هذا الأحد الثالث من الصوم في بعض الكنائس. في كنيستي ذكرى للصليب يطاف به ويوضع في وسط الجماعة وبعد ان يقبله المؤمن يدفع إليه الكاهن بشيء من الرياحين أو الزهور ليوحي بذا ان الزهو الذي تحمله الزهرة إنما كان ثمنه الجهد والأتعاب.

ان الثقافة لجهد موصول لا ينتهي الا ساعة الاحتضار. انها امتصاص العالم في شخص، ابتلاع جل الفكر وجل التاريخ. وقد تظهر عند العباقرة في الدنيا كلها. ولكنها تظهر أولا في الوطن.

مع هذا كله ليست الثقافة وحدها كل الإنقاذ. ان الخلاص يأتي من القلب النقي، من البساطة والتواضع ولقاء الحب بالحب على طرق العمل. ان هذه الخصائل إذا لم تتوفر فيكم لا تكونون صرتم شبانا وصبايا جاذبين لعظيم التقدير. اما إذا توافرت فلكم القيادة ليس فقط للبلد ولكن لعقولنا.

على هذا سيروا حتى يفنى جيلنا ونحن على الرجاء. اجعلوا لبنان لكم بعد ان تكونوا صرتم للبنان بالعمق والحرارة والنقاوة إذ تذكرون في اللغة أن لبنان هو البياض.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الاستقلال الثالث / السبت في 26 آذار 2005

غدًا يعيد الاخوة الذين يتبعون التقويم الغربي للفصح متجاوزين الحزن ورانين الى القيامة. قلوبنا إليهم في السلام والحب ودعاؤنا ان تتنزل عليهم النعمة من السماء لتبريكهم وتبريك الأرض بهم. من هذه الأرض رقعة صغيرة اسمها لبنان يعتريها ألم كثير ورجاؤنا اليوم ان يرفع عنها الحزن ليؤول هذا الحزن إلى تعزيات كبيرة. وهذا يعني ان الأذى يجب ان يكف والمؤذون يعرفون أنفسهم. متى يرفع الرب القهر عن الفقراء والمسلوبي الحرية حتى نلتمس من الله قيامة البلد.

«قيامة لبنان» عبارة استعملتها كثيرًا بعض من وسائل الإعلام وهذا من زمان طويل. غير ان القيامة هنا صورة المراد بها ان يصير بلدنا كبير الايمان بما دعا الله اليه الشعوب جميعًا من استقامة فكر وسلوك دروب الحضارة في العمل الدؤوب. القيامة تأتي بها رياضة روحنا على طهارة تتناول الجماعة والدولة والأفراد كل يوم لأننا لا نحصد من البلد الا ما زرعناه فيه. وأنا كلي رجاء اننا سنتجاوز المحنة الحاضرة ليس فقط إلى الاستقلال ولكن إلى اكتشاف بعضنا بعضا.

نحن اليوم في وهج التطلع الى الزمن الآتي كأن اثقالاً كثيرة ارتفعت عن كاهلنا. هناك شعور بأن تحررًا للنفوس حصل وبأن كثيرًا من المخاوف زال، كأن اعجوبة تمت والأعاجيب لا ينبئ بها شيء. اللغة التي أخذت بمجامع القلوب هي اننا نريد ان نكون أنفسنا كما أنت أنت ولست أخاك أو لست زوجتك وهذا بلا عصبية تفرد لأن التفرد لو أصاب كيانك الروحي الشخصي يقتله وإذا أصاب البلد يلاشيه.

في الفلسفة الحديثة أنت لست فردًا منعزلاً. انك شخص بمعنى انك تتكون في التواصل، في التوجه بحيث يكون الوجه إلى الوجه فتنوجد بالآخر وينوجد هو بك. الوجود هو ان تعتبر نفسك اياك لكونك واحدًا مع الآخر. ويبدو ان هذه هي المعجزة التي تحققت بيننا فتواصلنا.

تبقى هناك خطايا أولاها خطيئة الذين لا يحسون في أنفسهم وجودًا الاّ بالتبعية في أي مجال كانت. تكون في العائلة إذا قهرك والدك وأذلك واستتبعك، في العلاقة بما يسمى زعيمًا في المحلة أو القرية بحيث تلغي دماغك لتجيء من دماغه فيكفيك هذا شر الفكر وشر التحليل. ضد هذا كله المشاركة التي لست فيها صدى لصوت آخر وفيها جلاء الحقيقة بسبب من شورى. والشورى لا تعني حصرًا جمع الأفكار والأقوال بتسوية ترضي الجميع اذ يكون القوم، عند ذاك، عصابة. الشورى تتضمن دائمًا مرجعية الحق. الله هو التنقيح. وهذا ما يتجاوز الآلية البرلمانية في الوضع السياسي.

من هنا ان أفلاطون ما كان يقبل ان تكون الديموقراطية مجرد حكم الديموس أي الشعب من حيث هو جماهير ولكن من حيث هو حكم الأفضلين. ولذلك كان الحكم الديموقراطي الحد الأدنى للوصول إلى ما هو خير الشعب. طبعًا ليس عندك في السياسة مقياس للامتياز الإنساني ولكنك تسعى ولا وسيلة لك الا مجالسة المنتدبين عن الأمة في ندوة الأمة. وإذا كان طريق تشكيل المجلس هو الانتخاب فلا يعني هذا منازلة بين أصحاب المنافع ولكنها تعني التسابق بين أهل الفضل والمعرفة والطهارة والاّ جاءك المجلس صورة عن الجماهير والجماهير لا يجوز لها ان تحكم. العقل الوضاء، الحر، العالم، النقي له الحكم لأنه صورة الله.

في هذا التوجه إلى الأفضل وفي محبة لبنان الكبيرة وكدت أقول في محبة لله ينبغي ان نذهب إلى الانتخابات بعد ان يوضع قانونها. ما من شك في ان القوانين تتفاوت في صلاحها للوطن من أجل وحدته والوحدة لا تعني ان يجيء مجلس بلا مواجهات فيه. فالمواقف مختلفة على كل صعيد وهذه هي حال كل شعب في تاريخه وفي تطلعاته. والحقيقة تولد من احتكاك الأفكار ومن اختلاف في رؤية كل الأمور ما خلا الاستقلال الحقيقي للبلد. والواضح اننا بلغنا ما يسميه الكثيرون الآن الاستقلال الثاني أي بلغنا رؤية بلد يوحده أبناؤه في طلب خيراته.

ربما كانت المعجزة التي انبثقت من الألم في اننا وعينا في عمق النفس وليس في ترداد الشعارات ان المسلمين والمسيحيين واحد بحيث زالت الشكوك في اخلاص اية فئة للوطن، وفق ما يقول الكتاب: «إذا كانت عينك بسيطة فجسدك (أي كيانك) كله نيّر» والبساطة هي الرؤية العظيمة التي تعني انك لا ترى في الآخر ظلمة فلا تظن مثلاً ان فئة أخرى هي دونك في الإخلاص للبنان. اعتقادي أو رجائي انه لم يبق من شرخ بين المسلم والمسيحي على هذا الصعيد. فالمسلمون انتهوا إلى لبنان الواحد النهائي وكلمة النهائي هي لهم ومن بعد استعمالهم لها دخلت الطائف والدستور. وعلى المسيحي ان يتصرف على الأرض بهذه القناعة. والمسيحيون لا يحتاجون إلى شهادة في حسن السلوك الذي جعلهم يؤمنون منذ اعلان لبنان الكبير السنة الـ1920 بأن هذا البلد يحافظون عليه كحدقة العين. وقد خبر المسيحيون ان ليس من دولة بما في ذلك اسرائيل تخطب ودهم.

ويعلم الجميع بتحليل بسيط إذا قرأوا ان المسيحيين ليسوا على تلك القوة العددية أو غير العددية التي تجعلهم يرجحون كفة اسرائيل على العرب. ان البابا الحالي طلب من اتباعه من المسيحيين في الارشاد الرسولي ان يفهموا انهم جزء من هذا العالم العربي. والمسيحيون الذين ليسوا من اتباعه موقنون بذلك منذ الفتح العربي. وقادة الفكر العربي على مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين كان معظمهم مسيحيين. وأي اغراء حصل لهذا الفريق أو ذاك في فترة الحرب الأهلية العصيبة مرّ كالغيم ولم يترك أثرًا في النفس. وعقلاء المسيحيين فهموا نهائيًا انهم يعيشون على الأرض العربية. ولست في حاجة هنا إلى أن ابين أن اللاهوت المسيحي في هذا الشرق مناهض بطبيعته لكل عنصرية وتاليًا هو مناهض للعنصرية الصهيونية. فاذا أقررنا ان اللبنانيين جميعًا خصوم للكيان الاسرائيلي الهجين واللاإنساني لا يكون لبناني واحد في تزاوج مع اسرائيل أو تطلب نفسه الفناء في كيان عربي أوسع من حدود لبنان ولعل هذا هو ميثاقنا الجديد غير المكتوب.

أجل، هذا النفي وذاك لا يصنعان أمة ولكنهما يصنعان ثقة والأمة تبدأ بالثقة.

من بعد هذا نفتش عن النور الذي تقول كنيستي غدًا انه غير مخلوق. الكنيسة الأرثوذكسية في العبادة التي تقيمها غدًا تعلن أزلية النور الذي ينزل على الإنسان. غير ان هذا يجب ان يترجم سياسيا والعمل السياسي اقتراب من الحقيقة الإلهية، ذلك ان هذه الحقيقة تعيشها أنت على الأرض مع ناس كما هم الناس أي ان الحقيقة تصبح محبة والمحبة تصبح خدمة في واقع الوجود. ماذا يقربنا من الأزل. هذا هو السؤال السياسي بامتياز أي من قبل ان يتشوه هذا الكون بالخطيئة؟ كيف لا تكون الحياة السياسية خطيئة. كيف لا تكون مجدًا باطلاً، تناصرًا بين أفراد أو أحزاب أو طوائف.

هذا السؤال الجلل يعني كيف نعمل معًا لتكتمل في الوطن انسانية الإنسان. لا يكفي ان نقول بنهائية لبنان. هذا هو الحد الأدنى ولو كلفنا اكتشافه كثيرًا. نحن نبغي الحد الأقصى وهو أن نجعل مؤسسات الدولة وقوانينها في خدمة المواطن ابتغاء ازدهار له لا ينقطع. ماذا يعني هذا؟

أنا يأتيني كل صباح ناس من رعيتي ويثبت زائري بما لا يقبل الشك انه هو أو أحد أعضاء عائلته مريض ويحتاج إلى دواء أو يثبت حاجته إلى أقساط ابنه في المدرسة أو الى دفع مبلغ الايجارة للشقة التي يسكن. ويزين لي ان هذه حال كل الطوائف.

لبنان سيدخل منطقة النور إذا اقتنع ان حاجته الأولى هي الى العدالة الاجتماعية التي تساعده على الإخلاص الوطني وإلى انه ليس بمغبون أو مقهور. هل نحن مصممون على انتخاب نائب نقتنع انه ساع الى العدالة الاجتماعية أولاً وله ان يستمد نفوذه بسبب من هذه الخدمة لا بفضل مآتم وأعراس يحضرها. متى يترك قادتنا الحديث الإنشائي ليقوموا بتغيير اجتماعي شامل يرفع عنا كابوس البؤس فاليأس فالهجرة.

هذا الشعب لا ينقصه الذكاء ولا معظم نوابه ينقصه الذكاء. ماذا نعمل، كيف نعمل للاتيان بمندوبين لنا يطهرون الدولة. لا يعني هذا أن اصلاح الحكم ينتج منه بالضرورة شعب جديد، يشتهي عظمة الانسان وتاليًا عظمة الأمة. هنا أناشد المرجعيات الدينية أن يكون هاجسها الاول تنقية النفس البشرية. حاجتنا الى قديسين في كل الطوائف.

أنا عشت في طفولتي ومطلع شبابي الشعب اللبناني الذي كنت ألمس في معاملاته استقامة وعرفت بالخبرة الشخصية قضاء عادلاً وعالمًا وشبه نظام في الادارة. نحن لسنا في تكويننا شعبًا سيئًا ولكنا نحتاج اليوم إلى ارشاد عظيم تقوم به المسيحية والإسلام أي إلى نفحات روحية تقوّم الفرد فتقوم به الدولة. العمل في الهيكليات والعمل المجتمعي يبدأ من الشخص. وغير صحيح ان في تكوين بلدنا شحًا في الموارد ان كنا صادقين لكن استغلالها يحتاج إلى فكر وإلى صدق وإلى سهر موصول. الاستقلال الثالث هو الاستقلال عن «الشطارة» في بساطة الفضيلة في النفس وفي الكيان المجتمعي.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

انتفاضة ساحة الشهداء / السبت في 19 آذار 2005.

الاثنين الماضي لما احتشدت الجموع غاضبة مسالمة في ساحة الشهداء، كان أول يوم في صيامنا ونذكر فيه كلام إشعياء النبي: «أليس الصوم الذي فضلته هو هذا: حل قيود الشر وفك ربط النير وإطلاق المسحوقين أحرارًا وتحطيم كل نير؟» (58: 6). شيئا كهذا كانت تطلبه الجماهير التي احتشدت. لماذا عيل صبرها فانتفضت بعدما رقدت رقاد أهل الكهف؟ يظن أهل الغرب ان الشرقي ساكن ويبقى مكنونا في اللاتاريخ. كذب شباننا وصبايانا وأطفالنا والكهول هذه القراءة لأنهم لم يطيقوا ميتة رفيق الحريري. شناعتها فتوحدوا تلقائيا به اذ أحسوا ان ثمة من يبيت السوء لبلدهم حاقدًا ومتشفيًا وراغبًا في تفتيته.

شعروا ان الرجل ضحية فداء. ذلك ان في المفاصل الكبرى في حياة الشعوب قوة تدفع الى ذبح تنبعث بعده الأمة التي كان يحب ويحمل. كان لك ان تخالف الرئيس الراحل في هذه النقطة أو تلك من سياسته أو في جل سياسته. وفي خلافك معه كان يفرض نفسه عليك قويا، فريدًا. مهما يكن من أمر تحليلنا لعمله، رأينا بعد اخفاق كامل للدولة ان قوى البغض متربصة بنا حتى حولوا اغتيال مروان حماده وقدروا على اغتيال الشيخ الرئيس فقمنا توًا من الذل وجئنا الى ارادة الحياة من موت شهادة.

بات تاليًا رفيق الحريري منشئًا للانتفاضة التي كان رمزها الاحتشاد في ساحة الشهداء والطرق المؤدية اليها والطريق الى هذه الطرق كان القلب. والقلب لا يجيء الاّ من الله اية كانت المناطق التي تحرك منها الناس وأتوا من كل المناطق والذين لازموا بيوتهم شاركت قلوبهم المحتشدين لإيمانهم جميعًا بأن شيئًا جديدًا في لبنان يحدث شبيهًا بقيامة. أولاً لم يخافوا مع انهم أخيفوا. وفي هذا شهادة أيضًا بالمعنى العالي من الكلمة. ولم يدينوا أحدًا ونحن نقول كل يوم في الصوم: “هبني ألاً أدين اخوتي”. وعلى هذا اجتمع أهل هذا الحي وأهل ذاك، لان الصراع ليس بين اللبنانيين وان لم يكونوا على الحدة نفسها في قراءة الحدث.

ما هو ثابت ان النسبة العظمى من هؤلاء أتت بهم حماستهم وقناعتهم ان أمورًا كثيرة يجب ان تتغير في البلد لينال استقلالاً بات مطموسًا من أهل الخارج وبعض من أهل الداخل والمناداة بالحرية خرجت من أفواههم كما خرجت من نفوس المشاهدين الاعلام المرئي. وفي يقيني ان بعض الملتزمين ايديولوجيًا في الحي الآخر تمنوا لو أتيح لهم ان يشهدوا في الساحة التي سفكت فيها دماء لبنانيين في الحرب العالمية الاولى. بدا للكثيرين ان قلب أهل بلدنا كان واحدًا على رغم كل انحزاب.

ليس الفكر النظري الهادئ هو الذي يصنع بلدًا. البلد ثمرة ا لحب والحب لا شرك فيه. كان يحق لكل انسان ان يقول للبنان: «اني أزوجك نفسي» وأعلن رغبتي في أن ارفع علمك وأنشد نشيدك أو أضع ألوان علمك على خديّ لأقول ان وجهي مكون منك واني أطل بك على العالمين ولا أطيق ان يشارك في سريري أحد لأن الوطنية هي العفة ولذلك لا مكان لاختلاس النفس – الزوجة لئلا ينكسر العهد.

كل هذه الجموع كانت زوجة واحدة للبنان. وبرهان ذلك ان أحدًا لم يأت بطائفته في جيبه ليشعر بالشهادة ويؤديها. هذا مذهل لأنه جديد. كنت ترى الشابة السافرة والشابة المحجبة جنبًا الى جنب وكنت تسمع لهجات المناطق كلها تقول يقينها بالحرية بلا خشية لإيمانها ان الاستقلال مفتاح من مفاتيح الكرامة فنبدأ به ثم نعمر البلد بالإخلاص والفهم كما أشاده رفيق الحريري بالعمران وكثير من الحب.

وإذا استتب لنا ان نحكم أنفسنا بأنفسنا وقادة نختارهم نحن ولا يخشون الحرية ويتسلحون بالمعرفة قد نكتب نهضة جديدة في حياة العرب لأننا وان حيينا بأنفسنا لا نحيا لأنفسنا ولكن لأخوة لنا يسهمون معنا في بناء حضارة هذا المشرق العربي كما كنا نعرفه قبل ان يخترعوا لنا شرقًا موسعًا.

أما وقد ختمت الشهادة وعبر كل فريق عن رأيه يكون البلد كله دخل في مواجهة فكر سماها البعض حوارًا تجمعت عناصر منه كثيرة أولها الانسحابات التي تجري، ودعاؤنا ان تقتنع سوريا بأن هذا خير لها ولنموها ولصداقة بيننا تتجدد بسرعة اذ تبدو بهذا الجلاء المساواة في الكرامة بين البلدين. هذا إذا جاءت أدوات الحكم عندنا صورة عن النفوس المتوثبة للحرية. نحن لسنا فقط نتمنى الندية بيننا وبين دمشق ولكنا نريد عظمة الشام في دنيا العرب.

الطرف الآخر حزب الله الذي يتهمه الغرب باطلاً بالإرهاب، وهنا أود ان أقول اعجابي بكل قادة الحزب الذين اسمعهم على الشاشة، من حيث المعرفة وآداب النقاش ونباهة الفكر والنفس. من أين يأتون بهذا المستوى لست أعلم. هل يختار الحزب النخبة أم يتروضون روحيًا وعلميًا الله أعلم.

للشعب اللبناني حق عليهم لأنه آزرهم وبارك للمقاومة التي كانوا فيها الأبرزين. وللبنان الحق هو بلد صغير ان يكون لجيشه أنصار كما كانت المقاومة تسمى في الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفياتي. ليس من مساءلة تتعلق بشرعية المقاومة. غير ان هذه هي سلاح حزب له خياراته أي من طبيعته له تحالفاته وخصوماته. في أوروبا المناهضة للنازية كانوا يأتون من كل الاحزاب ولكن لم يكن أحد يحمل هويته الحزبية في جيبه. ليست المشكلة في قوام المقاومة كما يرى القرار الدولي 1559. السؤال هو في احتمال ان يكون الحزب – وهو حزب – في جبهة أحزاب لا في جبهة اخرى وتكون مقاومته يحملها الشعب اللبناني كله. غير ان هذه الاشكالية مرجأة الآن. وأنا أطرحها من ناحية منطقية لا على صعيد التزام سياسي وليس عندي التزام.

أرجو ألا تمر بنا أحداث تدخل الى الحلم الاضطراب. انا واثق من ان المسلمين والمسيحيين الذين تكاتفوا في ساحة الشهداء لن يستطيع أحد منهم ان ينسى ان كتفه كانت الى كتف أخرى وان هذا رمز للتعاضد في ما بيننا في الأزمنة الآتية، غير ان هذه الوحدة تتطلب سهرًا كثيرًا لأن أعداء وحدة البلد كثيرون. ولكن زين لي وأنا أرصد شاشة التلفزيون يوم الاثنين ان معجزة الوحدة تمت في القلوب وينبغي ألا تدخل الى هذه القلوب الهشاشة أو الشك.

لعل كل هذه الهموم التي أتحدث عنها رأتها السيدة بهية الحريري في خطابها الكثير الاتزان العقلي والكثير الحرارة في آن. استمعت اليه ثم قرأته ويحتاج الى تأمل دائم منا بعدما فرض نفسه ميثاقًا جديدًا لعيش كريم. هي أحبت ان تحيي كل الأطياف من غير ان تحجب التزامها وولاءها الوحيد للوطن ووفاءها لأخيها الذي بات بلا منازع حاملاً الوطن في تاريخه المقبل.

طبعًا يحتاج هذا الخطاب الى تدقيق كبير لنستمد منه نورًا يحيينا. ولعل بعضًا من أهميته ان هذا وذاك من المسؤولين المختلفين أحبوا منطوقه وتبنوه.

من كلمة البهية أقول عن بلادي ما قاله زاهي وهبي عن حبيبته: «مباركة كمواسم خير / نقية كدموع الأمهات/ مقبلة كمطر طال انتظاره / أترقبك كصلاة استقساء». لبنان آت. هكذا يجب ان نرجو لنستحق جباله وسهوله والبحر. ولكنه لن يأتي ان لم نعمره في كل مجال. في الحب أولا، في الفكر ثانيًا والعمل.

فيما نصوم نحن نقبل غدًا على أحد نسميه في عبادتنا: «أحد استقامة الرأي». هذه دعوة في جهاد الامساك الى ألا يبقى فينا خبث أو زغل أو أحقاد وألا نهمل الوطن فيما يكبر في كل مستويات الكبر. لا يكفي ان نطلب الحرية. يجب ان نصونها في حياة نقية. في تفان في سبيل البلد لا يبخل.

كانت ساحة الشهداء رمزًا. المهم شهادة الحياة في الصدق، في تضامن أهلنا جميعًا على الخير، بلا أي لون من ألوان الفرقة.

الوطن ممكن. وإذا كان ممكنًا

علينا ان نرجوه. وإذا أحببنا وجوده لا بد ان يولد كل يوم من نور وضعه الله فيه.

Continue reading