Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2010, جريدة النهار, مقالات

الصبر / السبت 24 تموز 2010

يرى الكثيرون اذا تكلّموا على الصبر أنه الجمود او الاستكانة عند مرض او ملمّة او موت بما هو شعور سلبي او غياب لردة الفعل، وفي أحسن حال هو برودة أعصاب عند الألم جسديا كان أَم معنويا، وبهذا يقتربون من الموقف الرواقي العملي. واذا نفذ الصبر فهناك الغضب او التشنّج او الانتفاضة. ويأتي الصبر كما يُحسّون به استسلامًا او انهزامًا امام العيش اليومي اذا تخلّف البلد او ساد فيه الفساد عندما لا يبدو أمل في الإصلاح او النهوض.

إن انعدام التأثر وضع لم تدعُ اليه الديانات التوحيديّة ولكنه أساس في البوذية التي تدعو الى موت الرغبات. التوحيد يقول بتطويع الرغبات لا الى إبادتها إن كانت جيدة اذ يفرّق بين هذه والرغبات الفاسدة.

الإنسان حركة وانت إن شئت ما هو صالح لنموّك تكون متحركا الى الله الذي فيه تُحقّق ذاتك والبوذيّة كما تعلمون لا إله عندها. للمفارقة نقول إنها ديانة إلحادية من حيث إنها تسعى الى الإنسان الحر الذي يكتسب حريته -اذا جاز التعبير- مما قد ننعته نحن انحصارا بالأنا التي لا تأثّر فيها.

وددت في هذه العجالة أن أستهلّ كلامي على الصبر في الإسلام لأنه يُكثر من ذكره. اللافت فيه أنه يرفض معنى الاستكانة اذ يقول: «فاصبر كما صبر أُولو العزم من الرسل» (سورة الأحقاف، 35). نحن اذًا مع صبر حركيّ. ويُكثر القرآن من تذكّر الذين عملوا الصالحات اذ أُوتوا هذه الفضيلة اذ «صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة» (الرعد، 24). بلا إله تطلبه وتتوخّاه لن تكون صبورا. هذا ليس فيه رواقية. الرب هو الذي يكافئ أي ان المسلم يطلبه بهذه الحسنة والرب يعضده. والصبر حركة يؤتيها الله الإنسان فيتوكل هذا عليه. هي حركة تقوم على التقوى والصابرون يواجهون الفتنة.

من الآيات التي لفتتني: «واتبع ما يوحي اليك واصبر حتى يحكم الله» (يونس، 109). لي أن أفهمها على أنك في الشدة والاختلاف تتسلح بالصبر حتى يحكم الله بينك وبين خصمك ما يدعم ما قلته سابقا انك في رجاء الى الله الذي يُنهي الخصومة الفكرية او غيرها متى شاء او في اليوم الآخر. في هذا الموقف يقول: «فاصبر لحكم ربك» (القلم، 48). ولعل إحدى ذرى هذا الكلام قول القرآن: «وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين» (آل عمران، 146) للدلالة على أننا بالصبر في مجال الحركة القائمة على الهدوء الداخلي الذي يمنّ الله علينا به. وهذا هو السلام بمعناه الأخير.
# #
#
تري المسيحيةُ أن الصبر مرتبط بالفضائل الثلاث التي ذكرها بولس أعني الايمان والرجاء والمحبة. فالصبر يسبق الإيمان ويتبعه (ترتيليانوس في كتابه عن الصبر). كذلك يولّد الرجاء ويولّده الرجاء (القديس يوحنا السلمي). ويساعد الصبر على تنمية المحبة وفي آن هي ثمرته (يوحنا الذهبي الفم في مواعظه على الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس). آباؤنا ربطوا الصبر بالهوى المؤذي وبالسلام الذي تزول به الانفعالات ونتجاوز به المحن.

هنا ايضا الاتجاه هو الى الله: «انتظر الرب وأصبر له» (مزمور 37: 7)، وهو غير محدود المدى: «انا أصبر على كل شيء لأجل المختارين لكي يحصلوا هم ايضا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجدٍ أبدي» (2تيموثاوس 2: 10). هنا تتبيّن التماسك في فكر بولس بينه وبين المؤمنين بحيث انك اذا اكتملت بالصبر يُحدث هذا خلاصا للآخرين.

ذروة الصبر في العهد الجديد صبر المسيح عند آلامه وقبوله للموت وينتج عن هذا ما يسمّيه سفر الرؤيا «صبر القديسين». هؤلاء فضيلتهم لها ركيزتان: النعمة الإلهيّة. هذه المشاركة الإلهية الإنسانية هي خلفية كل التعليم عن الخلاص. والمسيحية لا تستنكف فكرة المشاركة بين الله والإنسان. إنها نزول العطاء الإلهي للإنسان.

الصبر، إنسانيا، وقفة محبة إزاء من أبغضك واضطهدك وهو مصدر الشهادة، مشاركة الكلمة وشهادة الدم. وما كانت كذلك الا لأنها كانت رؤية. عندما اجتمع بعض من اليهود ليرجموا استفانوس، وهو أول الشهداء عندنا، «شخَصَ الى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله» (أعمال 7: 50). ما من صبر يدخل الى قلبك ما لم تَنظُر مسبقا الى حضرة الله قائمة في قلبك. هذه الحضرة الإلهية وحدها تجعلك قادرا على احتمال المصاعب كلها (الخسارة المادّية، المرض، العجز الدائم، موت عزيز، الهجاء، الشتائم). الحضرة الإلهية وحدها تجعلك متغلّبا على كل حركة غضبيّة، محتملا كل ثقيل وعدوّ لأنك بذلك تخلّص نفسك (متى 10: 22).
أخذ آباؤنا توصيات الكتب المقدسة وصاغوها تعليما. وذهب كاسيانوس البارّ حتى القول «إن أفعل دواء للقلب البشري هو الصبر».
ليس المجال لأذكر كل ما قاله آباؤنا في بهاء الصبر وقوته. غير أن القديس كبريانوس القرطاجي علّم أن الصبر ضروري لكل البشر بعد أن جعلت خطيئة آدم الوضع البشري خاضعا للألم. في الحقيقة أن الأحزان الكثيرة التي تنتابنا تشدّنا الى اليأس وتاليا الابتعاد عن الله.

منذ أيام معدودة جمعني عيد مار الياس الى أستاذ كبير في علاج السرطان في الولايات المتحدة ووصف لي الأطوار المعنوية المتناقضة التي يمر بها الواقع في هذا المرض. من الوقعات أن يتساءل لماذا أصابه المرض ولم يُصب غيره. بعد هذا يتصالح والوجود. ما من شك أن السؤال عن إصابته هو من أصعب الأسئلة التي نواجهها. امام هذه الأزمة نفهم عظمة الصبر وإلهيّة مصدره.

في هذا قال القديس مكسيموس المعترف في الفصول المئة عن المحبة: «الصابر هو من انتظر نهاية المحنة وتلقّى مجد المثابرة».

كثيرا ما ترى توقف سير الأمور التي تهمك، أن الأبواب موصدة امام جميع الناس في الوطن او الكنيسة، وكثيرا ما تلاحظ أن الأشرار كثروا وأن الصالحين أضحوا حفنة صغيرة فتشاهد أن الحلول قد ولّت وأن لا مستقبل منظورا تتوقّعه لأي شيء أنت تحبّه.

أجل يجب أن تسعى لتغيير الأوضاع مع المُخْلصين، وسرعان ما تُدرك أنهم حزانى على الأوضاع وعلى أنفس كثيرة فتفهم أن الله وحده مُمسك بمفاتيح الحياة والموت. يكشف لك الرب ساعتئذ أنه هو القدير وحده وأنه سيكسر أبواب الجحيم ليُصعد منها أحياءه ويرمّم الصالح للترميم أو يبني من جديد بنعمته ما تهدّم. لا يبث فيك صبرا جميلا إلا ذاك الذي عرفك على الرجاء. ليس للموت الكلمة الأخيرة.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الهوية / السبت 17 تموز 2010

في لغة الناس انت معروف بالنسَب لأن حياة الإنسان علاقة او علاقات. انت دائمًا الى الآخر او تكون دفين قوقعتك، فردًا معزولا اي غير قابل للكسر، للفتح، للانفتاح. اما اذا انكسرت شوقا يدخل اليك آخر. تصير واحدا به. الدنيا انتساب ليس الى أبيك وأمك ولكن الى من أدخلتهم النعمة اليك.

ولو تداخلت وانسانًا آخر لن تكونا واحدًا حقا او نهائيًا لأن كلا منكما يعوزه شيء. والناقص لا يكمل الناقص. اما اذا رأينا الى الله فيقول الفلاسفة او اللاهوتيون انه غير منسوب بمعنى ان كماله في نفسه ولكن ان نظر هؤلاءالى تجسد الابن أمكنهم القول ان غير المنسوب بطبيعته اختار ان ينتسب فصار الإنسان اليه وصار هو الى الإنسان. صلتك به باتت الهوية وعندي ان الهوية -وهي لفظة مستحدثة- مشتقة من «هو» بحيث تعرف عن نفسك بالآخر الوحيد الذي هو الله. تصبح ذا هوية اذا عرفك فتكون آتيا منه ومتكونا به.

بصورة مطلقة يصير الإنسان بكون الله يحبه. وما عدا ذلك مصطلحات دنيوية. يقال هوية لبنانية مثلا لتمييزك في الدنيا عن انتسابات اخرى. ولكنك لا تجيء من بحر بلدنا او جباله وان جاء بعض من طبائعك من تاريخه او مكوناته المجتمعية. ولكن هذا كله نسبي لأنك واحد مع البشر جميعًا وكلكم ينتمي الى لحم البشر وعظامهم وعقلهم وما فيهم من مخلوقيّة.

اما اذا عرفت نفسك محبوبا الهيا تكون واحدا مع المحبوب الآخر لأنه لم يأخذ محبوبيّته من لحم وعظام وعقل وما فيه من مخلوقية. حقيقة ما فيه او حقيقة ما هو (هوية) نزلت عليه من فوق.

ما قلته لكم الآن مؤسّس على ما نزل من فوق. على جبل سيناء يقول الرب لموسى: «رضيت عنك وعرفتك باسمك» (خروج 33: 17). اسمه النازل عليه هويته. ولما أراد النبي ان يرى مجد الله اي ان يعرف جوهره قال له الله: «واما وجهي، فلا تراه» اي لم يكشف له اسمه ولكنه قال: «واتخذكم لي شعبًا وأكون لكم إلهًا» (خروج 6: 7). يعرف الله عن نفسه بالحركة الى شعبه. هكذا تبدأ الجملة العربية بالفعل، بالحركة. في الصحراء، لا يكشف الله عن هوية له قائمة بذاتها ولكن عن رؤيته للشعب.

# #
#
هذا يؤيد مشهد العليقى الملتهبة حين قال موسى لله: «اذا ذهبت الى بني اسرائيل وقلت لهم: إله آبائكم أرسلني اليكم، فان سألوني ما اسمه: فبماذا اجيبهم؟ فقال له موسى: أكون ما أكون» (خروج 3: 13 و14). هذا ليس اسمًا، هذا فعل. الله يعرف نفسه بأنه يقوم بعمل رحمة لشعبه.

يأتي ارمياء بعد هذا ليقول الله له: «أكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا» (7: 23) ويتكرر هذا القول عند ارمياء وغير نبي ويوضح بطرس في رسالته الأولى ان الشعب هو من ينال رحمة (1بطرس 2: 10). الشعب ليس اذا عرقا او كتلة مجتمعية. انه تلك الجماعة التي خصصها الله لنفسه وارتضت ان تطيعه ليكون اليها وتكون اليه وتاليا له. فاذا قلنا «شعب الله» نعني ان المضاف اليه الله هو بمعنى الفاعلية اي هو الذي يجعل تجمعا بشريا جماعة إلهية، اي مملكة كهنة حسب تعبير العهد القديم او كهنوتا ملوكيا وفق تعبير العهد الجديد. الله والشعب حركتان احداهما الى الأخرى.

انت، شخصًا مؤمنًا، يهبك الله هوية. ولو كنت ضعيف الإيمان يهديك هويتك لأنه راحمك ويعرف انك لن تستجيب. لقد جعلك الآب ابنا له وهذه هي هويّتك. انت مسمّى كذلك منذ الأزل وقد تمّمت هذه الهوية نفسها فيك لمّا خلقك ربّك على صورته ومثاله. في بنّوة المسيح لله الآب يرفعك الرب من رتبة المخلوقية المحدودة الى المخلوقية المتحركة بالروح.

الـ «هو» يجعلك الـ «أنا» واذا انتسب اليك تنتسب اليه وتحيا حياته. – غير هذا انتماء أرضي له منافعه في الأرض- بهذا المعنى وضع امين معلوف كتابه: «الهويات القاتلة». هو عرف محدودية ان يكون من عين القبو ومن طائفة من طوائف لبنان وصفات أخرى كل واحدة منعزلة تقتل واذا اجتمعت حسنة الى حسنة تنتج، مجتمعة، انسانا حضاريا «آدميا». في اجمل حال تبقى الحسنات لدنية ولا بد من رصفها في مكان، في مديرية احوال شخصية مثلا او في نادٍ او في نقابة او في عائلة او انتخابات. وهذه كلها آتية بعضها من بعض وليست منحدرة من الـ «هو» اي من الذي يتحرك اليك بحبه ويجعل فيك حبا يحركك اليه والى أحبائه.

وهنا تبدو محدودية الأوطان والمؤسسات والعائلات واصطفافها وقرباها وتباعدها الواحدة عن الأخرى. كل ما في الأرض حيز له كلماته ومصطلحاته وعلوه وهبوطه. كل ما في الدنيا عبور من مجد الى هوان او من هوان الى مجد. ولكن مجد الدنيا باطل وهوانها باطل حتى تأخذ قوامك الداخلي من الذي يراه وتؤتى اسمك عنده من برّك. وقد لا يكون لك اي اسم هنا الا ذاك المصطلح عليه اي يحشرونك في صنف اجتماعي.

اذا كانت هويتنا تصنعها المحبة الإلهية لنا لا يبقى من فرق عنا بين الناس ما دامت المحبة توجدهم دائما من ذاتها. انت تراهم على درجات ولكن المحبة التي تشملهم تجعلهم جميعا ابناء الله أَآمنوا بهذه البنوة ام لم يؤمنوا.

هذا يؤدبه ربه ويلاطفه لأنهم جميعا واحد في عينيه.  كيف تكون مكافأته عند ذاك، هذا امر لا ندرك كنهه. الله دائما يغفر ودائما يرحم حتى ننوجد امامه في نصوع كبير وهو انعكاس نصوعه.

نقاوتنا ميراث منه. النقاوة النازلة منه تصنع الهوية.



Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الكاهن والنبي / الجمعة 10 تموز 2010

جدلية العلاقة بينهما قائمة في المسيحية فقط وقد زال الكهنوت في اليهودية بزوال الهيكل السنة السبعين ميلادية وما من كهنوت في الإسلام. المسألة في المسيحية ان فيها مدبرين ورعاة يمارسون باسم الله سلطة وتجب لهم الطاعة وينطق الكتاب بهذا ما يجعل الكنيسة في جانبها البشري تتسم بطابع المؤسسة وهذا يعرضها لأخطار لا حد لها ليس أقلّها الاستبداد.

كيف تعامل الرئيس الروحي ان نطق عن هوى او وجّه الرعية بما هو ضد الفكر الإلهي او قادته «شهوات الخديعة»؟ احتاطت الكنيسة الأولى للأخطار نسبيا بإيجاد مؤسسة المشيخة حول الأسقف بحيث يشاور الشيوخ وعلى صعيد أعلى وُجد مجلس شورى سمي المجمع او السينودوس. لكن لا شيء يضمن احتضان الروح القدس لأي تجمع بشري. يمكن أن يُجمع البطريرك والأساقفة على خطأ او خطيئة او بدعة. وهذا حدث مرّات أرّخ لها المؤرخون. ولكون الكنيسة تبغي الحقيقة لا يصح أن نعمل كمؤسسة على صورة الدولة او الجيش. ولا يؤخذ فيها مفهوم الطاعة على مقياس الطاعة في الجيش. هي لا تُشبّه بأية جماعة أخرى.

المبدأ الأساسي الذي ينقح فيه المبالغة في المأسسة او يرفع عنها روح التحكم هو «حرية أبناء الله». والمعنى ان الروح القدس يمد المؤمنين بنفحات منه إذ «يهب حيث يشاء» فإنه غير مقيد بالكهنوت او الأساقفة وهم مقيدون به. إذا أردنا تعبيرا ورد في المجادلات المسيحية الغربية لقلنا ان الروح القدس ينقي الكنيسة بناس ليس لهم مقام ولا درجة او رتبة لأن الروح القدس حرّ هو من المؤسسة وله أن يختار لكلامه أداة من بين أصحاب الرتب العليا والدنيا او من عامة الناس الذين اعتدنا مؤخرا أن نسميهم علمانيين.

إذا صح هذا اللاهوت يتراجع اي مسؤول عن قرار اتخذه لما لم يستلهم الروح ونطق كبشر او تصرف كذي هوى ويكون بذا عاد الى «الجماعة التي هي حافظة الإيمان» حسب الرسالة الشهيرة التي كتبها البطاركة الأرثوذكسيون الى بابا رومية في منتصف القرن التاسع عشر. أنت آمر مبدئيا ان كنت ذا مقام ولكنك لست أمارًا الى النهاية الا بروح الرب الذي يدلك عليه الأنبياء.

# #
#
نحن ليس عندنا إمام معصوم. ماذا يعني ان الكنيسة معصومة؟ عند خلاف عقدي أين تكون الكنيسة؟ الروح القدس يدل الأتقياء عليها. اما «انا ربكم فاعبدون» فهذا غير موجود في الكنيسة بما فيها الكثلكة. ليس عندنا تحديد حقوقي للكنيسة او مؤسسي. عندما نقول في رسامة انسان: «النعمة الإلهية التي للمرضى تشفي وللناقصين تكمل هي تنتدب فلانا من الشموسية الى القسوسية» نوضح ان القيام بمسؤولية احدنا يتحدر من حركة الروح الإلهي اي انه موهبة وكذلك التكلم باسم الرب في الجماعة موهبة اخرى سماها بولس الرسول وسفر الاعمال النبوءة ولا تختلف بطبيعتها عن نبوءة العهد القديم من حيث قوة الروح الا ان الموهبة في العهد القديم كانت متجهة الى المسيح وفي العهد الجديد تأتي منه الى الجماعة.

هنا يمكننا تصور اصطدام بين «الكاهن» والنبي اذا كانت كلمة الكاهن صادرة عن هواه. النبي، عند ذاك، يصلح الكاهن. او اذا كان المسؤولون الروحيون سقطوا الي دركات اللامبالاة والجمود او التحجر او ما الى ذلك من اهتراء واخذوا الجماعة الى دركاتهم فالله يرسل من يتكلم لاستعادة سلطان كلمته من المفروض انهم حفظتها.

هذه المواجهة مُرة أحيانا ولكنها من بنية الكنيسة ومن مسيرتها. غير صحيح ان الكهنوت بُعده تكويني وان العوام (العلمانيين) غير تكوينيين. ليس صحيحا ان هناك كنيسة معلمة وكنيسة متعلمة. التعليم موهبة من مواهب الروح القدس كما يذكر بولس في الرسالة الى اهل رومية والرسالة الأولى الى كورنثوس. غير ان من استلم موهبة التعليم او موهبة الوعظ يُجعل كاهنا لأنه خادم الكلمة. ومن لم يوهب شيئا يبقى متلقيا. العلماني ليس بالتحديد من يتلقى ويعجنه الكاهن عجنا ببشرية الأول والثاني.
+ +
+
كل هذا لا يعني اننا نتفرج على الجمود والسقوط والجهل العلمي تفرجا. لكنه يعني ان نصلح كل انسانا ايا كان مقامه بروح الوداعة كما يقول الرسول بلا استكبار وفي بكاء لأن البكاء هو المعمودية الثانية. وهذا لا يعني ان الدعوة الى الإصلاح صادرة من نفس مجروحة او اساءت اليها الغطرسة او الفوقية بالاستناد الى الله. ذلك انه من السهل جدا ان تخضع الله الى الهوى في مزاعمك.

ما يفرح ويؤلم معا ان روح التجديد ينبت في الكنيسة فانها هي حاملة الكلمة بمجموعتها. وهذا يفسر ان دعاة الإصلاح أرادوا أن يبقوا في الكنيسة او الا يؤلفوا جسما آخر يبثون فيه دعوتهم لأن هذا الجسم ليس الكنيسة ولا جزءا منها.

كما ان مشكلة التجديد لا تحل بالانفصال للذهاب الى مكان آخر لأن هذا المكان الآخر يقع فيه المسؤولون في الأخطاء نفسها التي يقع فيها المسؤولون الذين كانوا يحيطون بك.

في كنيستك تتسلح بالصبر لأن الصبر هو لله وتجهد في سبيل السلام والوحدة ومتوخيا الحقيقة بآن. المسؤولون مدعوون الى ان يصغوا الى الذين يدعون الى التجديد وإعادة كل الأشياء الى الروح القدس او استمدادها منه. هذا سلام في الروح وليس في البشرة لأن هذا تسويات على حساب الحقيقة.

اعرف ان ثمة توترًا بين وحدة الرعية والحقيقة. لا يُضحى بالحقيقة التماسا للوحدة. ولا يُضحى بالوحدة بالرعونة والكبرياء. السؤال الرئيس هو فقط هذا: ماذا يقول الروح. هو الذي يرعى الكنيسة وانت تأخذ منه ان كنت قادرا على طاعته وتسوس فقط بالكلمة. هل يعرف الكثيرون ان من نرسمه اسقفا ارثوذكسيا يضع البطريرك او المطران القائم بالخدمة على رأس هذا المدعو الراكع عند المائدة المقدسة الإنجيل مفتوحا ليقول ان من نجعله اسقفا انما لا كلمة له ولا رأي الا هذا النازل من الكلمة الإلهية.

نحن لسنا متسابقين على مواقف بشر او كلمات لهم. نحن ساعون معا الى فكر المسيح. لذلك نشاور الإخوة قبل اتخاذ قرار لأن الشورى وان لم تكن ضامنة للحقيقة فانها تقربنا منها.

هذه جدلية المحافظة والتحرك. المحافظة يمكن ان تكون فهيمة والتحرك واعيا حتى يرتسم نور وجه المسيح على الكنيسة في ديمومة حياتها على الأرض.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الطوباوي اسطفان نعمة / السبت 4 تموز 2010

السبت الماضي لمستْني نعمة الاستماع الى جوقات اجتمعت بقيادة غير راهب احتفاءً بتطويب الأخ اسطفان نعمة. الجو جو انتظار فرح او انتظار الفرح في الغد عند إعلان التطويب البابوي في كفيفان في القداس الذي كان سيقيمه غبطة البطريرك الكاردينال نصرالله بطرس صفير ويتلو فيه الكاردينال أنجلو أماتو الوثيقة البابوية التي تعلن فيها طوباوية الأخ نعمة.

ألوف من المؤمنين أحيوا الليل تأسيسًا على الترنيم وإكمالا له في صلوات الأفراد والجماعات متوقّعين كلامًا في القداسة في اليوم اللاحق. كان في هذا خشوع شاركناه في القلب داعين للمصلّين بالتبريك والنموّ الروحي اذ جاؤوا لالتماس التوبة وتقديس النفس.

لعلّ في هذا رمزًا لسلوك الكنيسة المارونية على دروب روحانية معمّقة ومثابرة تستمدّ ذكر الأبرار المطوّبين منهم وغير المطوّبين. ثلاثة او أربعة قديسين تعلن روما قداستهم إنما هو رضاء علوي عن الكنيسة المارونية.

الى هذا لفتني أن الأخ اسطفان نعمة اللحفدي كان إنسانا بسيطا لم يطلب العلوم العالية مع أن ثمّة من قال: «عالِم كراهب ماروني» لا سيما بعد تأسيس الكلية المارونية في روما التي أنتجت الحاقلاني والصهيوني والسمعانيين والدويهي ومن إليهما. ولا يزال كبار الرهبان يجيدون التاريخ الكنسي والطقوسيات والقانون ولم تنكبّ الا قلّة عزيزة على البحث العقدي. البحث عن الهوية الخاصة وتاريخ الملّة والليتورجيات دعامة من دعائم الهوية كان ما ميّز الكنيسة المارونية وأنا لست مؤهّلا لتقويم البحّاثة الموارنة في التاريخ ولكني التمست من كبارهم منذ عشرات من السنين أن يذيقونا الروحانية السريانية وباتوا قادرين على تقصّي الروحانية اليونانية اللغة أفي أنطاكية كان هذا أم في الاسكندرية. وعند التعمّق ترى أن الكنيسة في هذه البلاد تقوم على أعمال الآباء في اللغتين اذ ليس صحيحًا أن نتحدث عن كنائس بيزنطيّة التراث وكنائس سريانيّة التراث في هذه المنطقة من العالم. أنطاكية واحدة في الأصل ومسعانا أن نترسخ على هذا الأصل مع إطلالنا على حداثة التعبير ونقل هذا التراث الى أهل هذا العصر.

هل نحن راغبون في التشريق؟ صارت محاولات إصلاح ليتورجيّ في الكنيسة المارونية وليس فقط للقداس الإلهي. مرة حضرت رتبة المعمودية عمّد فيها طفل من أنسبائي المقرّبين. فرحت لها بسبب اقترابها الكبير من التراث. وكلما أُنعى الى مأتم مارونيّ مقول في شعر مقفّى وموزون أجد أنه مُركّز على لاهوت الآباء وليس فيه أثر للأُخرويات اللاتينيّة. الكنيسة المارونية ذات هيكلية ذاتية sui juris.  وهذا تنظيم أرادته روما لبطريركات الشرق الكاثوليكية ما يفتح لها مجالا في التشريق إن أَحسّت بضرورته لبنيان روحانية لها ممارسة في اللاهوت من جهة وفي الطقوسيات من جهة.

هل يحقّ لأخ مثلي أن يذكر بخفر أننا جميعا نوقّر مار مارون ونقيم له عيدا ولم تبادر روما إلى إعلان مجده وقد اقتبلنا جميعا مجده قبلها وبدونها. ألا يستطيع المقام البابوي أن يتوسع بمفهوم ذاتية الكنائس الشرقية بحيث يُفسح لها في المجال مثلا في تطويب القديسين المحليين في بلادنا؟

لقد دعانا غير مرجع ديني الى إقامة حوار بين الكنائس الأنطاكيّة كلها. كيف يتم هذا إن لم تتشرق الكنائس الكاثوليكية الى أقصى حدّ ممكن؟ إن كان الأثر اللاتيني عالقا بها فماذا تكون مساهمتها في هذا الحوار؟ اذ ذاك، يكتفي الأرثوذكسيون بمحاورة روما مباشرة كما نفعل الآن. والى هذا فالحديث يدور في الأوساط اللاهوتية الأرثوذكسية منذ سبعين سنة ودار في المجمع الفاتيكاني الثاني على الكنيسة المحليّة التي تتحقق فيها الكنيسة الجامعة. الكنيسة الواحدة المقدسة الرسولية الجامعة قائمة في كل كنيسة متّسمة بطابع استقامة الرأي. الكنائس الكاثوليكية الموصفة بذاتيتها في أمور كثيرة من المدى الروحاني ماذا تعني ذاتيتها؟

ما يبدو واضحًا مما تركه لنا الذين تابعوا مسألة تطبيق التوصيات التي صدرت عن مجمع الفاتيكان الثاني أن روما هي التي بدت راغبة في ذاتيّة الكنائس الشرقية الكاثوليكية اكثر مما هذه راغبة في هذه الذاتية في ناحية او في أخرى. هذا ليس مشكلة كاثوليكية وحسب. هذه مسألة تتعلّق برصانة الحوار القائم بين الأرثوذكسية والكثلكة كلها.

ملاحظة أخيرة أرجو ان تُفهم بالأخوّة الإنجيلية التي تجمعنا وهي تتعلق بأفراد من صحافيين وغيرهم. انا لم أُحبّ عبارة «قديس من لبنان» ولم أذق كثيرا الحديث عن يوم التطويب على انه يوم وطني بامتياز للمسلمين والمسيحيين. لماذا إقحام المسلمين بشؤون لا يتحسّسونها على الإطلاق؟ ولماذا لبننة القديسين ووطنهم السماء كما يقول بولس الرسول؟ انا لا أفرح بقديس من بلدنا أكثر من فرحي بقديس من الصين. هذا مأخذي على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي خصّصت يوما تُعيّد فيه لقديسي الأرض الروسية. الوطنية اللبنانية لا تخضع لها القداسة. إنه خفض لهذه إن جعلناها جزءًا من تلك.

يبقى القديس اسطفان نعمة ساطعًا. هنا أقول لإخوتي الأرثوذكسيين انهم اذا شاؤوا أفرادًا أن يُكرّموه في منازلهم فلا شيء يمنعهم من ذلك وأن يضعوا صورته حيث شاؤوا دون دور العبادة بسبب الانقسام القانوني القائم بيننا وبين روما.

أهلا وسهلا للأخ اسطفان نعمة ولبهائه وتواضعه في قلوبنا. ما من جامع مثل القداسة.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

التواضع / السبت في 26 حزيران 2010.

ما همّني لو اسمي / امّحى من مهجة الأرض

ما همّني لو سارت الدنيا / إياي ناسية

حنان عاد

         كيف أُعرّف التواضع وهو حسنة لا تعرف ذاتها. هي لا تتكلم إذًا. ليس لها أنا. وجودها يقول ويضع في النفوس عوالم. تبكي لأنها مجروحة إذ تُقيم في المظلومية. لا تعترف لنفسها بالبهاء. هي ثملة بالجمال الإلهي الذي يُخفيها فيه. تراه وحده ولا ترى نفسها فيه لأنها باتت كمريم نسيًا منسيًا. الخفاء سكنها. لم يمحقها أحد. لا يستطيع.

         يدخل الناس إلى الله من بوابتها. مأخوذة هي بهم جميعًا. تراهم قامات من نور ولا تعي أنها تعكسهم. يعبرون بها، لا تستوقفهم، واذا وقفوا يؤخذون إلى جلالها. اذ ذاك يعرفهم ربهم ويحسبهم أنهم اليه. ينقلهم إلى المجد لأنهم مرّوا بقربها وأدركوا المذهل وسكنوا شعره وعزفوا على قيثارته متى غارت منهم الملائكة وسكتوا. هل صعدوا إلى السماء أم هي نزلت؟ هذه الحسناء في فضائل ربك جعلها الرحمن عرشا له وعليها استوى. كل ما في دنياك ليس بشيء إن لم تتلألأ له وجها اختاره الرب لسطوعه. التجلّي أساسيّ اذا العلم اختفى. التجلّي يصبح النطق أو لغة بين مجد ومجد. الذين عندهم هذه اللغة يسكنون الدهر الآتي الذي يدين فيه الله المستكبرين الذين حسبوا أنهم آلهة فماتوا اذ لم يعرفوا أن الرب هو الإله وأنه كان عليهم أن يفهموا أنهم نسيٌ.

         كتب مرة أمير في البلقان إلى ولي عهده: «لا تشته أن تصبح كاهنا أو رئيس دير أو أميرًا (وكان سيخلف أباه على الإمارة) لأن كل هذا من مجد العالم». خلافه طبعًا مجد الله إن ابتغيته تشاركه. ولا شيء يجمع بين هذا وذاك لأنك إما أن تأتي من السماء فتسوس بها الأرض أو تأتي من الأرض فتموت بها. أهل السماء يُدفنون فيها ولكنهم ليسوا منها. إنهم لقد صعدوا.

         «مجّدني يا أبت بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم». عندما قالها يسوع كان في طريقه إلى موته الظالم. المظلومية شرط التواضع. الناس قهّارون للناس. القلة التي تقبل المقهورية تحبّ قاهريها. واذا وقع عليهم استرحام المقهورين قد يدخلهم الفهم فيستغفرون. ولا نصل إلى عالم الفهم ما لم يحبّنا أحد. ولا يحبّ إلا من توارى. المتواري وحده يعترف بالآخر. يعترف بأن الآخر، كل آخر أفضل منه. هذا شرط انتشار التواضع. هذا شرط لإثبات ملكوت الله.

*                  *

*

         عندما تقول مريم: «حَطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين»، كانت تشير إلى عظماء الأرض الذين رأتهم يستعظمون بأشيائهم. والملك ليس كيانا. أما اذا رفع الله المتواضعين فيُمتّعهم بكبر منه أي بما هو غير مخلوق، وحسب كتابنا يجعلهم آلهة وهو يدري وهم لا يدرون. وفي هذا يتألهون.

         ليس عند من رفع نفسه قدرة لبلوغ الله لأن الله لا يحب المنتفخين فيتفجرون من تضخمهم. اما الذين جعلوا أنفسهم على مستوى التراب فيرفعهم ربهم لينحتهم نحتا جديدا ويستطيبهم هو ولا يستطيبون أنفسهم اذ جوهر حُسْنهم ألا يعرفوا أن لهم حُسنا. عن هذا يقول باسيليوس: «لم نصنع شيئا صالحا على الأرض». هذا صدى لقول المخلّص: «لا صالح الا الله وحده». لذلك نبقى في جهل حسناتنا حتى ذلك اليوم الذي «يدين فيه اللهُ سرائر الناس». واذا أعلن الله آنذاك برّ الأبرار فهؤلاء ينسبون برّهم إلى الله ولا يتمجّدون بأنفسهم.

         كل القضية أن تعرف الله واهبا واحدا احدا، وأن تتخشّع له بسبب هذه المعرفة وتكون من الشاكرين. التواضع هو اعترافك بمركزية الله اي بأحديته في تقديسك. والقداسة فيك هي في اعترافك بأنك خاطئ. هذا بدء اتّكالك على الله الذي هو التماس لعطائه.

         كلّ ما قلناه هنا لا يلغي كلمة سقراط: «اعرف نفسك»، اذ يجب أن تعلم قدراتك لكي تعمل وتعاشر الناس وتُقيم معهم اتصالا. لا ينحصر هذا في قدرتك العقلية وتأهّلك لهذا النشاط أو ذاك. الحياة المدنية تتطلب أهلية وعلوما وخبرات. والإنسان يجب أن يقدر المواهب التي فيه فلا يتنطّح إلى ما ليس هو معدّا له ويلتزم المجتمع الذي هو عضو فيه وله رؤيته السياسية وربما العمل السياسيّ. وفي هذا لا يجوز أن يستصغر نفسه وأن يهمل تنمية مواهبه، وليس في هذا استكبار.

         أين تدخل مزيّة التواضع في وعي الإنسان مواهبه العلمية والمهنية؟ يمكن أن يكون أحد الناس كبيرا في عقله الأكاديمي أو الاحترافي ويعي بآن أن الرب عونه في هذا، وإن أدرك جهاده الطويل يبقى عليه أن يشكر لله هذه المواهب الطبيعية أو المهنية. نحن نعلم أن الشائع عند العلماء محبتهم للحقيقة وقبول بعضهم لبعض اذا اختلفوا على الصعيد النظري وعبّر عن هذا القرآن بقوله: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» (فاطر، 28).

         لك أن تكون لامعا جدا وفقيرا إلى الله معا. الذي يُنكر مواهبه وقدرته العقلية أو العملية يتجاهل عطاء الله اليه. أن تدّعي العلم الذي عندك أو تدّعي جهلا ليس فيك تمسكُن أقرب ما يكون إلى الكبرياء.

*                         *

*

         التواضع يحسّ به الناس توا ومباشرة. ولكن لا يبتغي أن نفهم أن المرء المتواضع يُسلّم لك بكل ما تقول أو لا ينافسك أو لا يجادلك. يمكن أن يكون إنسان مواجهةٍ ونضالٍ حتى المخاصمة الفكرية ولكن يحبّه الآخرون لرؤيتهم صدقه وإخلاصه للحقيقة.

         الامحاء لله لا يعني امحاء فكرك أمام إنسان آخر أفي الوضع المجتمعيّ كان هذا أم في الحياة الشخصية. جمال الانسان المتواضع أنه يقبل الحق من آية جهة أتى. لا فرق في هذا أن يكون من تُواجه حادّا وأن تكون قناعاته مخالفة لقناعاتك لأن المتواضع يرى أن الحقيقة اذا أتت منك تكون رسالة اليه نازلة إلى خصمه أحيانًا من الله. في هذا وجب القول إن المتواضع لكونه يستلهم الله لا ينحاز في خياراته وليس عنده جعبة أفكار معلّبة. هو لا يحيا بما جمعه من ذاكرته أو من أصحابه. من هذه الزاوية هو إنسان دائما جديد أو متجدد. يأتيك من الفجر وينصب عليك من الضوء الذي استنار به ويُحررك من التفه ويحفزك على ألا تنتفخ لأنه يكره الترّهات. يُذكّرك أن خلاصك يأتيك مما هو صحيح لتُقيم فيه على البركات. التواضع يمحو عن الانسان كل خطيئاته.

         من عادى التبجّح والادّعاء يمدّ بالسلامة كل من صادق ومن مال إلى السكينة، والله يقيم في السكينة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

السلطة / السبت 19 حزيران 2010

ليس لأحد من سلطان الا اذا أُعطي له من فوق اي اذا مارسه وهو في رؤية الحقيقة التابعة المحبة لها. في المبدأ ما كان أصحاب النظام الملوكي على خطأ في الغرب عندما كانوا يتكلّمون على أن الملك هو من حق إلهيّ، ليس بمعنى أن الملك اذا أمر من عندياته يكون الرب هو الآمر، ولكن بمعنى أن الحاكم المطلق ليس كذلك الا لإيمانه بأنه ينقل الى الناس سيادة الله عليهم بما يراه إلهيا. وعندما رفضت الثورة الفرنسية مطلقية الملك كانت ترفض أن سيادة الله منتقلة آليا الى الحاكم. بكلام آخر لا يبقى الرجل ملكًا الا اذا كان إلهيّ الإرادة.

اما الشعار الذي أطلقته الثورة بأن السيادة هي للشعب فخطأ كسيادة الملوك ما لم نؤمن أنّ الأمّة لا تُجمع على خطأ. البشر لا يُطاعون الا إذا جلسوا على أرائك الحقيقة والإخلاص للإنسان بالعدل والمحبة. السلطة تبقى لله كائنة ما كانت وسائل النقل. الإنسان تراب والتراب لا يحكم.

عندما يقول القرآن: «قلْ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع المُلك ممّن تشاء» (آل عمران، 26)، لي أن أفهمها ليس بمعنى تقلّب الحكام وحسب ولكن بمعنى أن الملك يبقى عند الله ولا يملك إلا من مارس حق الله فيزول اذا زالت عن قلبه حقيقة الله. اذًا ليس هذا الجالس على العرش مليكا الا اذا كان يتعاطى حقيقة الله في شؤون الأرض. ليس هذا الجالس مركز الحكم. الله وحده المركز. بالمقابل لست أقول ان الله وراء إجماع الشعب او ما يسمّى في لبنان التوافق اذ من الإمكان أن تُجمع الأمّة على بغض او ظلم. الحكم يبقى اقترابًا من الفكر الإلهي وواقعيًا هو دائمًا محاولة دنوّ من البهاء الإلهي. ومَن كان حاكمًا بأمره دون الرجوع الى ربه يقع في الشرك وليست له طاعة وجدان. لذلك كانت السياسة اجتهادًا بشريًا تحمل طابع الخطيئة لأن البشر يقومون بها فيما هم غارقون في خطاياهم.

اذا انتقلت الى الحيّز الدينيّ لا نرى كلامًا في السلطة الا عند المسيحيين. لا يختلف هؤلاء على اختلاف مِللِهم ونحلهم على أنّ السلطة هي لكلمة الله القائمة في الكتاب وعند بعضهم يوضحها التراث. ولكن كيف تتركّز بشريًا؟ عند أول نقاش في عهد الرسل حول اقتبال الوثنيين في الإيمان أيتهوّدون قبل معموديتهم أَم لا، عُقد مجمع أورشليم وفيه ليس فقط الرسل بل الإخوة ايضًا اي عامّة الناس. المعنى الواضح أن الخيار النابع من الحقيقة ينزل على الجماعة المؤمنة والممارِسة. انت تحتاج الى طريقة تكشف لك ما يلائم حقيقة الله. الانصياع هو لمشيئة الله. لا أحد يأمر وينهى بأمره. لذلك يؤتى الى الرئاسة الروحية بمَن كان أهلًا للقيادة وذلك اذا كان الرجل وفق قلب الله في معايير ذكرتها الكلمة بلسان الأوائل. يُطاع الرئيس لأن هذه المعايير اكتُشفت فيه وهي التي دعت أن يُجعل قسا او أسقفًا.

# #
#

وقالت كتبنا إنه ينبغي أن يكون تائبا، وفي درجة أعلى أن يكون مستنيرًا. اما في درجة الأسقفيّة وهي العليا فينبغي أن يكون مؤلَها اي انسانا إلهيا لا عيب فيه ولا لوم عليه ومدركا مقام اللاهوى اي التنزّه عن الغرض والشهوة المؤذية وغير منفعل او غضوب ولا طامعا بالمال ومخلصا لزوجة واحدة، غير شرّيب للخمر، عفيفًا على كل صعيد.

وفهم المسيحيون الأوائل أن تطيع انسانا كهذا لأنك تطيع فضائله ولست منصاعًا للحم ودم. مرة سألت كبيرا في كنيستي: «كيف تعلم أن الكلام الذي تقوله صادر عن الله أَم صادر عن شهواتك؟». تتصوّرون أن السؤال كان محرجًا ولكن هو السؤال. لذلك يجب أن يسمع الأسقف صوتا نبويا يهزّ ضميره ويدعوه الى التوبة لئلا يكون مستبدّا بخراف يسوع ويعطيها ما وسوس به له الشيطان.

إنه يقترب من المبتغى لو قرأ قول المعلّم: «ما جاء ابنُ الإنسان ليُخدم (بضم الياء) بل ليَخدم (بفتح الياء) ويبذل نفسه فداء عن كثيرين» (مرقس 10: 45). المطران خادم وغاسل أرجل. من هنا، بعض التدابير يَعرفها أهل الدنيا: أن يُحاط بمستشارين، بمجالس شورى . هذا هو الحد الأدنى، غير أنّ تقواه تقتضي أن يحيط به الأتقياء الذين ملأهم الروح بالحكمة ونزّههم عن الغرض. اما أن يتصرّف وكأنه يقول: «انا ربكم فاعبدونِ» فهذا شرك وضلالة.

أما اذا اختلطت عند الرئيس الديني المسيحي تقواه بشهوة التسلّط والتسلّط بغض فما علينا إلا أن ندعو له بالهدى ومخافة الله وأن تقوى محبته. دائما التعاطي بأمر الله رهيب. فهو إما تبليغ لأمره او تطويعه لشهوة المسؤول. من هنا أن المحلّ الممتاز للاستبداد هو الكنيسة. الدولة ايضا مكان الاستبداد ولكنه استبداد بشريّ عاديّ -إن لم تكن دولة قائمة على مشروع- أسهل تحمّله لكونه لا يدعم نفسه بالله.

الدنيا كلها استعظام الإنسان لنفسه أيا كان مقامه وأيا كان عمله المفترض، والمتواضعون قلّة، اولئك الذين يعتبرون ربهم كل حياتهم ويرون أنفسهم لا شيء. هؤلاء يُصلحهم ربهم ويُنقّيهم اذا زلّوا، ولكن التواضع الأصيل فيهم ينجّيهم من كل ادّعاء. ونحن علينا بالصبر إذ به وحده يواجه استعباد الإنسان للإنسان . من تشكو على هذه الأرض والضغوط تنزل عليك من كل صوب؟ لازم وجه ربك وحده لأن الوجود كله زائل وزائل معه المجد الباطل، وأنت تُعطى مجدا من فوق، مجدا غير منظور وتفرح بمن يعطيه لا بنفسك.

كيف نتعلّم أن البشر جميعا إخوة وأن كل أخ لك خير منك؟ الوحدة البشرية ليست ركام أجساد. انها فقط وحدة الودعاء الذين رفعهم ربهم على الملائكة وجعل قلوبهم عرشه.

التسلّط هي تلك الرذيلة التي يجعل الإنسان نفسه فيها بديل الله الذي له وحده سلطان السماء والأرض. فيها يعبد الإنسان نفسه أولاً، ويريد الناس كلهم عبيدا له، ويعيش كأن الكون كله مخلوق لممارسته نفوذه. كل خطيئة تصدر من شهوة ما. شبق السلطة قتل للناس جميعا بالفكر، إلغاء كيانهم في نفسك.

انت لا تستطيع إلغاء المتسلّطين اذ عندهم كل الوسائل ليكبروا أنفسهم ويثبتوا وجودهم. طريقك الوحيد الى التحرّر منهم أن تتمرد عليهم. أن تجعلهم يحسّون بأن الله مُلغيهم من الوجود الحقيقي. تمرّد بالمقاومة السلميّة دائما لأنك إن استعملت العنف تكون قد تبنّيت رذيلتهم. العنف كبرياء وجود. لعلّهم بالمقاومة السلميّة يتوبون. تمرّد على الأقل في قلبك. هذا يُحييك وقد يُحييهم.

الى هذا اصبر الى الله. اتّحد به وارفعه عليك مليكًا وحيدًا. لا تُساوم إن صبرت. هذا خنوع والذل لله لا لمخلوق. تخشّع دائمًا في حضرته ليمنّ على أهل الدنيا وأهل الدين أن يتقبّلوا رئاسة الله عليهم ويعترفوا بأنه الرب الواحد الأحد.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المحبة والشوق / السبت 12 حزيران 2010

ليس مِن تقابُل بين المحبة والحب كما زعم كبير بين شعرائنا. هما واحد في اللغة. لكن اذا تتبعتُ الكتاب المقدس وأدب الآباء ألحظ أنّ التقابل هو بين المحبة الإلهية او التي يسكبها الله والشوق او العشق الفائض من قلب بشر الى قلب بشر والذي عبّر عنه قدماء اليونان، ومن تبنّى استعمالهم في الأدب المسيحي بلفظة Eros.  هذه الكلمة ليست محصورة بمدلول جسدانيّ ولكن لها دائمًا مدلول تأثّريّ أو انفعاليّ. هي شعور تلقائيّ على صورة الينبوع. وعلى أنها تنبثق من أعماق النفس إنما تُقال ايضا -ولو قليلا- عن الله. واذا قيلت انه هو احيانًا مصدرها الا أنّ الشعور الصادر عن الله (خارجا طبعا عن الانفعالية) يسمّى المحبة.

الى هذا المحبة النازلة الى القلب البشري بفضل من الله وكرمه أي بحركة نعمة كما نقول في المسيحية تنسكب ايضا في قلب آخر او في حركة من هذا القلب. الإنسان، اذ ذاك، محب كما الله محب.

على صعيد البشر، العهد القديم وحده يتكلّم عن العاطفة القائمة بين رجل وامرأة بدءًا من كلام الله الى حواء بعد السقوط اذ يقول: «والى رجلكِ يكون اشتياقكِ» (تكوين 3: 16) وفي الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم) لفظة اشتياق تحمل معنى الرغبة والشهوة.

اما العهد الجديد فلا يحتوي كلمة واحدة تعني الاشتياق او حتى كلمة حب بمعناها البسيط. لا يتحدث عن علاقة عاطفية بين رجل او امرأة. يتكلّم على الزواج فقط الذي قد يرتكز على العاطفة قليلا او كثيرا وقد لا يرتكز. الزواج مرتبط بالله بطريقة او بأخرى ولو انعقد على أساس عائليّ او اجتماعيّ. ليس صحيحا تاليًا أنّ المسيحية تتطلب الحب بمعناه المألوف عند الإنسان العصريّ او في رومنسيته. ليس في العهد الجديد ما يشبه نشيد الأناشيد او ما يشبه قول هوشع في مطلع كتابه عن التملّق والملاطفة.

# #
#
هذا الإعراض عن الحديث في الحب في العهد الجديد سببه -فيما أعتقد- أن الإنجيل ما جاء ليصف الطبيعة اذ تُعاش ولا يحتاج المؤمن أن يعلّمه الله عن أمور قائمة في تكوينه الجسدي والنفسي. هذا ما يسمّيه بولس الإنسان الطبيعي اي القائم على صعيد الخَلْق، ثم يصير انسانًا روحانيًا اي مستمِدًا نفسه من الروح القدس ولو لم يفقد صفاته الطبيعية. تصير ذات اتجاه إلهيّ. الرسول لم يتنكّر للرغبات البشرية الحميدة كالجنس الممارَس حسب الشريعة ليبقى الإنسان غير مدمّر ويستطيع الارتفاع الروحي. المؤمن يتعاطى الجسد المرتبط بالنفس السائرين معًا نحو الروح القدس.

هذا الإنسان المتجدّد بالروح الإلهي يستلم من الله المحبة التي تفوق الأشواق بمعنى أنها تُشرف على الشوق وتُهذّبه وتنقّيه. بدء البدايات أن الله محبة وإذا جئت منها تكون نازلًا من عند الله. وتحيا لاهوته في إطار طبيعة لك هي مدعوة دائما أن تبصر القوى الإلهية التي تُقدّسك. وبالقداسة انت في الأرض تتحرّر من نير الأرض وليس من صعود جغرافيّ الى السماء.

هذا يقودني الى ما يقوله الرسول في رسالته الى أهل أفسس متحدّثا عن الزواج اذ يقول: «أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيح الكنيسة» (5: 25). فعل أحبّ، يُحبّ، هو لفظًا، كما في اليونانية «أغابو». وهذا يعني أَحبّوا نساءكم بالمحبة التي ترثونها من الله. هذا لا علاقة له بالعاطفة الطبيعيّة ولا العلاقات الزوجية. بولس لا يدعو المسيحيّين الى تأجّج عاطفيّ اذ يَعلم أنّ هذا لا يحتاج الى وصيّة منه. أنت تبذل نفسك عن زوجتك كما جاد يسوع بنفسه عن الكنيسة اي حتى الموت وهذا ينزل عليك من فوق.

بولس ينقلك حتى تصبح انسانًا روحانيًا في الزواج بحيث تبقى في العلاقة الطبيعية ولكن ترفعها بالمحبة (لا بالأشواق) الى أن تصير مع الناس كما انت مع الله اذ تصبح معطاءً كالمسيح. تصبح مع زوجتك كيانًا واحدًا (جسدا واحدا حسب تعبيره). هذه الوحدة يستحيل على الأشواق وحدها ان تُتمّمها لأنها تهبط وتصعد. فيها برودة وسخونة وفتور، والمبتغى أن تصبح في حدود طبيعتك انسانًا روحانيًا. ويتابع الرسول قوله: «هذا السر عظيمٌ ولكني أنا أقول من نَحْوِ المسيح والكنيسة» (5: 32).

ليس المراد عند بولس أنّ الزواج سرّ من أسرار الكنيسة. ما يريده أنّ حياتك الزوجية كلّها تصبح سرًا إلهيًّا إن عشتها على غرار العلاقة بين المسيح والكنيسة أي حتى منتهى العطاء.

العطاء هي الكلمة المفتاح. في الحضارة الإغريقية الحبّ استيلاء، سلطان على الآخر. هذا أفلاطون. في المسيح الحبّ بين الرجل والمرأة قربان تضمحلّ معه قوة السؤال عمّن هو الرأس في العائلة. صاحب السلطان في العائلة أو في أيّة إدارة هو من أَحَبّ ليس من أَمَر. الآمر عنده شوق السلطة حتى الشغف بها. المحب يطاع بلا أمر يأمر به. المحب يموت فيحيا هو والمحبوب.

الأشواق تذهب الى حيث تشاء، فإذا استطعت أن تقودها بنور المحبة الإنجيليّة تُنقذها، وإذا لم تستطع تُدمّرك. الاشتياق لا يتبنّى الآخر. المحبة تبنّانا الله بها وهي تتبنّى الناس جميعًا لأنها مبذولة من أجل من أوصى بها أَعني الله. انها تغمر كل وجود، كلّ وضع بشريّ وتجعله مقرًا لله. إذ ذاك، يزول الفرق بين السماء والأرض.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

اللبناني المرجوّ ظهوره / السبت 5 حزيران 2010

حزني لم يدرك بعد درجة اليأس لأن من أبناء شعبي من بلغ القداسة حقا. عندنا حياة روحية كثيفة. هذه تنزل من الله في كل الشعوب ولا يصنعها تراب بلد ولا مناخه ولا تاريخه. الأخلاق الحسنة ثمرة لها ولكن أعماقها تفوق الأخلاق. هناك ناس فيهم دين حقيقي والله يعرفهم ويغذّيهم. هؤلاء يتخطّون كل عقل ووصف. لذلك لا يقعون تحت قلمي. غير أن الكثيرين يصدمون بمقدار ما هم يطلعون من هذا البلد الشقيّ، من تاريخه وسقطات تبدو ملازمة له. حسبي أن أشير إليهم وألتمس من الرب شفاءهم.

يلفتني في البحث عن المرض قول الكنيسة الأرثوذكسية انها مستشفى اي يتحكّم في أبنائها أمراض روحية اذ تُقابلهم بالمسيح وتراهم على ضعف كبير. قد يصحّ هذا الوصف على الكثيرين من المواطنين. قال لي مرة أستاذ في الأمراض العقلية: لبنان بمراعاة النسبة العددية اكبر مصح في العالم. سألته عن السبب قال: مجانين البلدان الراقية يفحصهم الأخصائيون في مستوصفات للأمراض العقلية بعد خروجهم من المصحّ لمعرفة ما اذا انتكسوا. نحن ليس عندنا مثل هذه المصحّات.

أعرف لاهوتيا أرثوذكسيا كبيرا وضع كتابا في الأمراض الروحية. ليس المجال لمناقشته هنا. ولكن ما لا يترك مجالا للشك أمراضنا النفسية ولست كبيرا في فحصها. ولكن ما هو بمتناول تأملاتنا جميعا هو المرض المتصل باجتماعياتنا وأعني بذلك موروث تقاليدنا وما هو الوقوع الفردي في الخطيئة، في الإغراء وذلك في مجتمعات راقية تحسب أنها على الرقيّ نفسه في الأخلاق، واذ بك تصدم بأن الأخلاق لا علاقة لها بالعلم. هنا يظهر لك أن حامل دكتوراه في أية مادة من المواد وماسح الأحذية واحد. وبعد التدقيق يظهر لبنان مستشفى تتكدّس فيه أمراض كثيرة لست أعرف من يعالجها.

انا لست عالم اجتماع او أنثروبولوجيا لأحلل أسباب أمراضنا. ولكن روي لي ان رشوات كثيرة ارتكبت في الانتخابات الأخيرة ما يدلّ على أن عددًا من أهلنا ضعفاء امام المال اي انهم لا يُقدّرون قدسية الخدمة العامّة وأهمية بلدتهم ولا فرق عندهم بين الذين يرئسون مجلسها البلدي اي لا يأبهون بجمال القرية وحسن السير فيها ونظافتها وصحتهم وصحة أولادهم. ببساطة القول هم غير جدّيين في العمل العامّ وكأنهم محصورون في ما هو كسبهم الفرديّ فقط وهو نفسه مرتبط بوضع البلد والبلدة او المدينة او القرية. اي ان عددا رهيبا من المواطنين يظن نفسه وعائلته قلعة محصّنة من كل جانب. لا يعرف على انحصار في الفردية أن ثمة ما يؤذيه وأنه اذا ارتقى خلقيا ترتقي عائلات أخرى وربما مجموعة عائلات.

# #

#
قد لا تحتاج الى تحصين مناقبيّ لتفهم ذلك. نوع من التربية ينعش فيك هذا الوعي ليجعلك تمتدّ منه الى الرؤية الاجتماعية.

غير أن ما جعلني في حالة صداع فكرة العائلة في الانتخابات. لماذا بدءًا تصطفّ مع العائلة. هل تقول »عائلتي دائما على حق«؟ هل، بالضرورة، عائلتي ضد عيلة الجيران؟ جسامة الخطأ هنا -على صعيد التحسّس الاجتماعي- أني لست أرى أن اختلافي مع أهلي قد يفرضه الله عليّ لأن الله مع الصالحين وانت مع مرشح قد تعرفه تافهًا ولكنّ ذويك اختاروه.

بكلام آخر أنتم قبيلة. كتبت كثيرا في هذا وأخشى أن أُكرّر نفسي. ولكن ما يَحضرني الآن أن القبيلة هي تلك الكتلة التي لا أثر فيها للفرد الا اذا انسلخ عنها وارتمى في حضن قبيلة اخرى او تبدّى في الصحراء وسُمّي صعلوكا. اللبناني مرشح للصعلكة اذا ساقته حريته أن ينسلخ عن جماعته او يبقى وحيدا. ولكن بعد أن اكتشفت الثورة الفرنسية مقولة الفرد وقالت انه مساوٍ لأي فرد آخر لم يبقَ مبرر للقبائل بطاقة العدواة التي فيها. انت، فردا مستقلا، تبقى ضمن ذاتك في أُمّة الله وفي المجتمع السياسيّ عضوا في الأُمّة السياسية التي تشكّل بلدك.

كيف الخروج من الجمعية الى الفردية، اي كيف الاستقلال وأن يستوعب دماغك وقلبك الوجود ولا يستوعبك أحد؟ أعرف أن هناك تشاورا بين شخصية وشخصية وليس بين عشيرة وعشيرة.

شغف المال هو عشق الخطيئة بامتياز، والجهاد فيه ليس بالأمر السهل، ولكن إن لم نعفّ عنه على المستوى الاجتماعي (صفقات سياسيين، رشوات انتخابية وإدارية) لن تقوم للبلد قائمة. ولكن القيامة ممكنة اذا حلّت النعمة الإلهية علينا -وهذا بيد الله- واذا ربّينا أنفسنا على احترام الإنسان الآخر في عفّته ليستقيم رأيه ويستقيم سلوكه.

# #

#
تكوين مجتمع سليم عمل المؤسسة الدينية أولا، ولكني أراها محتجبة عن هذا الموضوع وهي منهكة فقط بالعبادات الظاهرة، والله نعبده بالروح والحق كما جاء في إنجيل يوحنا. تحريك النفوس لتطهر لا أراه كثير الانتشار في الأوساط الدينية. اذا استعرت الصيغة الإسلامية في الكلام أقول انت لا تقفز من دنياك الى آخرتك بسهولة العبادة المفروضة ولكن بتقويم النفس في هذه الدنيا، فإذا انت طوّعت فيها نفسك للرب تفتح لك الآخرة أبوابها.

المجال الثاني مجال العمل الوطنيّ في ما يتعدّى إطار الطوائف. روابط ثقافية مسيّسة، أحزاب، جماعات ضاغطة في سعي الى ظهور المجتمع المدني الذي من شأنه أن يقوّي الفرد من جهة وأن يُظهر الجماعة المتماسكة عضويا بلا قبليّة. هذا المجتمع نظريا بوتقة تنصهر فيها القبائل ليطلع الوطن.

المجال الثالث الذي يساعد على تكوين الأُمّة السليمة هو الدولة المفروض فيها عدم الانحياز للوجوه وإقامة العدل الذي يربّي على استقلال الفرد والثقة بأن الحاكم أب لجميع بنيه. الحكم يربّيك وانت بفضائلك تربّيه. ما يحزنني أن شعبنا لا يؤمن بالدولة لعدم إيمانه بالبنية او الهيكليّة. هو شعب ينتشي بالزجل والغناء ويعتقد أن ما يجري في خياله وأساطيره يكفي حياته النفسية. قليل الإيمان بالانضباط، بالكلمة الوافي والدقيق معناها. لا يحب حكم الله في شهواته. يحصّنه ماله او نفوذه او العيش في ظلّ الأقوياء. شعب دائم الخوف. طمأنينته الى الله لا تتجاوز حد ذكرها لأنه يظنّ أن الله يستره دون أن يبذل هو جهدا لوضع نفسه حقيقة تحت جناحيه.

هذا انسان مهزوم امام مرارة الواقع ويؤثر الوقوع على بنيان نفسه من جديد لأنه يحب أن يبكي وله في هذا انتعاش، ولم يسمع أن الحياة تقويم للنفس في جهاد مستمر اي انها تعب ووجع، ولا يعرف أن الفرح يأتي من الصبر على الملمّات وتجاوزها بالإيمان العظيم والنسك العظيم.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المسيح الوسيط / السبت 29 أيار 2010

لماذا وبأي معنى قال بولس: «يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح» (1تيموثاوس 2: 5)؟ الفكرة الأساسية انّ «الله صالحنا لنفسه بيسوع المسيح» (2كورنثوس 5: 18) اذ كنا مقصيين عن بنوته باعتبارنا ابناء الغضب. كنا من حيث اننا مثل آدم ورثة معطوبيّته منفيين خارج الفردوس الذي هو كلمة عامة تعني الوجود في حضرة الله دون ان تدل اللفظة على المتعة بالغبطة الكاملة ودون ان تشير الى مكان ولكنها بالإضافة الى هذا في المصطلح المسيحي الشرقي تصف وضعنا بعد الموت اذا توفانا الله. ففي الأرثوذكسية لا يبلغ الصالحون السماء الا بعد القيامة ولكنهم في جوار الله وفي انتظار الخيرات النهائيّة التي نرثها مع كل المخلَصين.

كنا في نظام الكلمة النبوية والأنبياء ونجونا بعد ان فضح الناموس الموسوي شقاءنا وكشف لنا الخطيئة، وهذا كان فقط نفعه، غير اننا اقتربنا من الرجاء بورود الكلمات الإلهيّة التي حاولنا ان نجعلها مسكننا ولكنا كنا نحتاج الى مسكن كامل نبيت فيه الى الأبد هو الكلمة الذي صار جسدا وحلّ فينا ورأينا مجده… ولما كنا أبناء أرسل الله روح ابنه صارخا يا أبّا اي يا أُبيّ.

في لبس المسيح ناسوته اكتسب الطبيعة البشرية ومحا صكّ العبودية بعد ان قال: «لا أعود أُسمّيكم عبيدًا … لكني قد سمّيتكم أحباء» (يوحنا 15: 15). كشف بنوّتنا لله بفضل ظهور الله ابنه بشرا وهو حامل ملء اللاهوت جسديا. بسبب من هذه الثنائيّة في كيانه استطاع ان يكون وسيطا بين الله وهو مولوده والبشر الذين هو مولودهم ايضا. وساطة المسيح بين الله أبيه وله جوهره والبشر وهو من جوهرهم باتت ممكنة لأن الابن تأنسن مع بقائه واحدًا مع الله، وهو في ناسوتيته المتسربلة الألوهة استطاع ان يكون وسيطا. ولهذا قال الرسول ان الوسيط هو الإنسان يسوع المسيح.

الوساطة اذًا هي الخلاص الذي تمّ مرة واحدة وفي زمان واحد في التدبير الصائر في الموت كما نرتل في سحرية السبت العظيم. ولكون الأمر هو هذا، لا معنى للقول الشائع في الغرب ان مريم مشارِكة في الفداء. هي لا تستطيع ان تكون فاعلة الخلاص لكونها بشرا محضًا وهي مخلَصة (بفتح اللام). ان الكلام «الشعري» عن مشاركتها في عمل الخلاص ينفي عن السيد حصرية الخلاص فيه.

واذا قالت الكنيسة البيزنطية «يا والدة الإله خلصينا» وما يشبه هذا، فهذا ايضا كلام شعري يفيد ان تفعيل الخلاص المعطى لنا بنعمة يسوع المسيح وحده تحمله الينا مريم من حيث انها تطلبه بصلاتها لا من حيث انها تكمّله كفاعلة. الصلوات ليست بالضرورة مصدرًا للعقيدة وقد كتبها أتقياء بزخم تعلّقهم بالقديسين وبلا دقة لاهوتية أحيانا.
# #
#
ان استعمالنا لجذر توسّط منطبقا على العذراء والقديسين لا يعني اكثر من ايماننا انهم في مشاركتهم القوى الإلهية يبتهلون من اجلنا. ماذا يعني هذا الابتهال وما هي دعامته الكتابية او التراثية ليس مجال تأمّلنا اليوم. انه التعبير عن وحدة اهل السماء وأهل الأرض في التوجّه الى الإله الواحد. وفي إدراكنا للكنائس الإنجيلية نرى انها غافلة عن الشعور بهذه الوحدة التي نسمّيها شركة القديسين. ان قيامة المسيح تعني لنا انها فاعلة اليوم اي بين زمانها والزمان الأخير. نحن ننظر الى مَن هم في المجد ونخاطبهم لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». نحن نؤمن بأن الزمان الحاضر، زمان الكنيسة مدى خلاص قائم ومعطى فعليا وليس فقط مُرجأ الى ما سيكون. نحن لا نتصوّر ان الزمان فارغ من حضور المسيح ولا نتصوّر أن الزمان يحكمه الموت وحده.

عندما نرتل «المسيح قام» نؤمن أن هذه القيامة تلف جسدنا هذا المائت وتلسعه لسعة فصحية. اعترف بأن بولس ذكر القيامتين فقط لأن قرّاءه اليونانيين كان منهم مَن شك بالقيامة الثانية، واما تجلي الطبيعة الإنسانية اي امتلاؤها من المسيح الحي فيعني ما قلناه والا ما معنى حديثه عن الخليقة الجديدة. الا ان فصحية الانسان واضحة كثيرا عند يوحنا: «من يؤمن بي فله حياة أبدية» «والحياة الأبدية هي أن يعرفوك» انها الآن.

أظن اننا في إطار الوساطة ينبغي أن نفهم قول السيد في يوحنا «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». هذا كلام في سر التدبير الذي تحقق على الأرض بانعطاف سر اللاهوت وعليهما يقوم الكشف او الإعلان المسيحي. انت تأتي من الأرض، من الفداء، الذي حصل على الأرض وارتضته السماء. انت تصعد الى السماء لأنك نزلت من السماء بالروح القدس. الذهاب الى الآب للإنسان يبدأ بالمعمودية التي هي امتداد المسيح الينا بروحه. هذا مستمَدّ من سر التدبير وهذا يتعلّق بالكلمة المبشَر بها. تذهب الى صاحب الكلمة إن سمعتها وهذا في حركة المسيح الى الآب. هذا كلام لا ينطبق على الذين لم يُبَشَروا بالإنجيل ولم يسمعوه.

هنا على الأرض لم يكشف المسيح «المسيحيّ» نفسه الى كل الخليقة. على مدّ آلاف الكيلومترات طولا وعرضًا في الصين لم يسمع أحد بيسوع الناصري. كيف يأتي هؤلاء الى الآب؟ فالزعم أن الإنجيل بُشّر به في كل مكان كلام هراء. الكنيسة المسيحية محصورة في الغرب والشرق الأوسط وبعض المناطق القليلة جدا في آسيا، ولم تسمع بها مناطق أفريقيّة كثيرة، فكيف يأتي هؤلاء الى الآب؟

الإيمان شرطه التبليغ، ومَن آمن من بعد تبليغ يَخلُص. ولكن التبليغ ليس هذا الذي يصل الى الأذن ولكن ما يصل الى القلب. اما لماذا يحدث عند هذا ولا يحدث عند ذاك فهذا سر غير مكشوف لنا. عندما يقول الكتاب: «ومَن لم يؤمن يُدَنْ» يتضمّن هذا الكلام أن البشارة حصلت ووصلت الى القلب وعندئذ يعلنه الإنسان باللسان.

لقد كشف المسيح ابنِيّة الإنسانِ لله. هناك من يعرف ابنيّته، وهناك من لا يعرف. هل يبطل هذا أن يكون ابنا؟
هناك افتراض ايمانيّ أسوقه هنا بشكل سؤال: هل يكشف المسيح نفسه لكل ميت من بني البشر ليتحقق قوله: «لا يأتي احد الى الآب الاّ بي»؟ في هذا لم ينزل علينا شيء من السماء. ولكن اعتقادي أن المسيح الظافر يحتضن كلّ من توفّاه الله، كل نفس مات صاحبها. لست أتعرّض الآن الى إقرار لم يرد في الإنجيل. هل يخلص الإنسان الى اي دين انتمى؟ هنا يدخل الرجاء، رجاؤنا أن المسيح يتخطى كل انتماء روحيّ في الأرض ليجمع ابناء الله من كل الحظائر الى أبيه. «لي خراف ايضا ليست من هذه الحظيرة».
انا لم أتكلّم عن مساواة كل الأديان في الحقيقة. رجائي أن تتغلّب محبة الله على كل الحدود لأن الله محبة. الله لا ينقض ما قاله. ولكن هل ما أعلنه هو كل الإعلان أم أن حنانه هو كلمته الأخيرة ولو قلت ان قول مسيحه: «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». لو قلت كلام يسوع نسبيّ وليس مطلقا أكون قد كفرت. ولكن كلامه مرتبط بسر موته وظفره بالموت اي انه ينبغي أن نقرأ كلام المعلّم على ضوء هذا الذي حدث وعلى ضوء الغفران لكل بني البشر.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

في التفجّع عند الموت / السبت 22 أيار 2010

رأيت قلّة من الرجال يتفجّعون، ورأيت اكثرهم صابرين، وهذا في الديانتين، وكأن المسألة نفسانية ومجتمعيّة. هل هذه إرادة في إظهار الرجولة، وهل في بكاء النساء وما يصحبه من غلوّ متعلّق بالطبيعة الأنثوية الأقوى عندها الانفعال؟ ما من شك أن المرأة تكره الموت. ربما كان ذلك في المسيحية والإسلام عندنا لأنها الكائن الحافظ الحياة والناقل الحياة وتاليا كان الموت ضد طبيعتها. ولكن ما من شك ايضًا أن في الأمر جانبا حضاريا، فالأوربية تعلّمت أن الغلوّ في التفجّع منافٍ للكياسة المطلوبة في المجتمع الراقي. من هنا أن المسألة تبدو بالغة التعقيد مع قناعتي أن تهذيب الطبائع ممكن بلوغه على مستوى التربية.

الى هذا أظن اننا كلّنا في حاجة الى دراسة المجتمعات الدينية لنعرف تأثير العامل الديني في موت يتحوّل الى فاجعة او موت يُزيّن بالصبر. فيما شاهدته على شاشة التلفزيون أن النسوة المسلمات يبكين ايضا والرجال المسلمون يبقون على هدوئهم. هل هذا ناتج من عقيدة القضاء والقدر ومن حكم هذه العقيدة للنفوس؟ ولكن يبدو أن موت الشهادة جعل في نفوس النسوة صبرا جميلا. الى هذا هل المشهد الشيعي أعظم إيلاما بسبب من كربلائيّته ولا سيّما في العراق؟

اما المشهد المسيحيّ فغاية في السوء حتى ولو بلغ الميت شيخوخة طاعنة. لا شك أن التفجّع في هذه الحالة أقل حدّة. مع ذلك الاضطراب عميم وحقيقيّ، ولست أظن أن ثمة تمسرحا دائما او تمسرحا كبيرا. المرأة لا تطيق الموت ولا يطغى عليها الّا تهذيب للنفس فعال.

أظن أن التفجّع واحد عند المسيحيات في لبنان في كل الطوائف، في الساحل والجبل، ولا فرق هنا بين مؤمنات يلتزمن عمل الله ويُمارسن الصلاة وربّات منازل لا يعرفن الصلاة الا قليلا، فلا قضاء الله في العقول ولا تأثر بمعزّين يَذكرون أن هذه مشيئة الرب، ولكن عند المعزّين كلمات استسلام. كلام من اللغة لا ينفذ الى القلوب كأن هناك طقس نوح وعويل. هذا هو الندب القديم على تمّوز. هذا هو الدين الفينيقيّ الذي يُفترض أن تكون المسيحية محته في سطوع ندائها الفصحيّ. هناك نسيان وجوديّ يحكم النفس حكما مريرا، ومواجهة صدامية بين الحياة والموت لا تغلّب فيها للحياة.

قبل بلوغي المسيحية في هذه الأسطر لفتني في القرآن ما جاء في سورة الزمّر 43: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». هذا يعطف على قوله في آية أخرى: «ربي الذي يُحيي ويُميت»، وهذا مِثْله في العهد القديم. الموت هو ما يحدث في الإنسان بأمر من الله ويستعيد الله النفس اليه، وهذا ما يسمّى الوفاة.

يقول الإمام الرازي في تفسيره ان الله «فوّض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال الى ملك من الملائكة ففوّض قبض الأرواح الى ملك الموت» (المجلّد الثالث عشر ص 280). دون نكران هذا التفويض الإلهي الذي هو السبب الأول اي الله ألا يسوغ أن ننظر الى الأسباب الثانية القائمة في علم البيولوجية فيكون الموت من الطبيعة بأسبابه المباشرة وليس لعلماء البيولوجية أن يبحثوا في ما يتجاوز مراقبتهم للطبيعة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سنّ الله نواميس الطبيعة. الفكر الأرثوذكسي يقول ان الله وضعها بعد السقوط وهي الآن تحكم الكون. هناك تمييز واضح عند كل المسيحيين الآن أن هناك فرقًا بين سابق المعرفة الإلهية وبين إرادته. فالله يعرف ما سيكون، ولكن هذا لا يعني أنه قرره منذ الأزل وجعل له وقتا في زمان الناس. يأتي اذًا موتي من الدورة الكونية ثم يتوفّاني الله اي يقبضني اليه.

اذا ذهب مسيحيّ عربيّ عند مسيحيّ ليعزّيه عن عزيز يقول له: »هذه مشيئة الله« اي انه لا يفرّق بين معرفة الله السابقة وبين إرادته إذ بقي وريث العهد القديم من هذه الزاوية وورث الإسلام في القضاء والقدر. ويهوّن على نفس أصدقائه الألم ولكنه لا يمنع التساؤل: لماذا كانت المشيئة الإلهية هكذا، او بتعبير آخر: لماذا أراد الله عذابي وتمزيق قلبي، او لماذا هذا التصادم بين الحكمة الإلهية والمعقولية البشرية؟ وهل نحن منتزعون شيئا من القدرة العلوية وتقويض النواميس الطبيعية التي تدور في آليتها؟

أما بعد فالمسيحية كل مضمونها قيامة المخلّص التي أبطلت فاجعيّة الموت والمسافة بين الأحياء والأموات. لقد قال يسوع عن نفسه: «انا هو خبز الحياة»، وتوسّع بهذا حتى قال: «انا هو الخبز الذي نزل من السماء. من أكل من هذا الخبز يحيا الى الأبد» (إنجيل يوحنا). يحيا فعل مستمر من الحاضر الى الآتي. الحياة الأبدية تساقطت علينا منذ موت السيد ولازمتنا أفي هذا العالم كنا أم في العالم الذي انتقلنا اليه بالموت. لذلك نسمّي الموت في عباداتنا رقادا بمعنى أنك ترقد في المسيح الحيّ اليوم وغدا والى دهر الداهرين. قيامة البشر جميعا في اليوم الأخير مستمدّة من قيامة السيد. لذلك نقول في واقعية روحية كاملة ان المسيح أبطل الموت.

السماء عندنا ليست حالة كلية الجدة. هي «كمال ملكوت السموات» الذي أُوتيناه لما «صار الكلمة جسدا وحَلّ فينا». ليست السماء مدى. انها هي المسيح ومعه أحباؤه. «قام المسيح وليس من ميت في القبور» (يوحنا الذهبي الفم). لذلك تستنير أجسادنا المدفونة في الأرض عند بعثها بالنور نفسه الذي تسربل المسيح به عند انبعاثه وتبطل نواميس الطبيعة الساقطة. هذا الجسم الذي تبدو عليه في الملكوت جسم روحانيّ.

فكر بولس الرسول يتجاوب وفكر يوحنا الإنجيلي فهو القائل: «الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات وهو بكر من قام من رقاد الموت… وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون… الإنسان الأول من التراب فهو أرضي، والإنسان الآخر من السماء… وكما لبسنا صورة الأرضيّ، فكذلك نلبس صورة السماويّ… فأين نصرك يا موت؟ وأين يا موت شوكتك» (1كورنثوس 15).

امام هذه الأقوال اذا استوعبناها، أين مطرح التفجّع اذا رحل عنا قريب او صديق او جار؟ كيف نسمح للأعصاب أن تثور. لنا أن نبكي كما بكى يسوع على صديقه لعازر. ولكن ليس لنا أن نقع في اضطراب وجود. لنا أن ندمع كمن لهم رجاء.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون ثيابا بيضاء عند موت. من أين أتت الثياب السوداء وهذا اللطم للوجوه؟ هل ظللنا على الديانة الفينيقيّة ولم يعبر المسيح الحيّ الى قلوبنا؟ الفصح يا إخوة ليس عيدا وحسب. انه حياة جديدة تُقيمنا في السلام فإن المسيح سلامنا. انه هو طبيعتنا الجديدة ونورنا والهدوء.

عند وفاة واحد منا نقرأ عليه المزامير في البيت حتى نقيم جنازة كلها رجاء. كيف نُبيّن أننا أولاد الفرح.

أيقوم رجل مقدام مؤمن بالقيامة ليُقنع أفراد عائلته بأنهم مدعوّون أن يعيشوا قياميا ويلتزموا السلام وهدأة التصرف عند حدوث موت. اذا تصرفت إحدى العائلات هذا التصرّف ويتبعها العاقلون.


Continue reading