Category

جريدة النهار

مقالات النهار، هي افتتاحيات يكتبها المطران جورج (خضر) في جريدة النهار منذ العام 1970. هذه المقالات كانت تُنشر في مرحلة أولى بصورة غير منتظمة. وابتداءً من العام 1986 صارت تنشر بانتظام صباح كل يوم أحد، ومع توقف الجريدة عن الصدور يوم الأحد، صارت تُنشر صباح كل سبت وذلك حتى أيامنا الحاضرة. نُشر معظم هذه المقالات في كتب «الرجاء في زمن الحرب»، «مواقف أحد»، «لبنانيات»، «الحياة الجديدة»، «مطارح سجود» و«سَفَر في وجوه»، الصادرة عن دار النهار للنشر والتوزيع.

2010, جريدة النهار, مقالات

لبنان الطيب / السبت 2 تشرين الأول 2010

قسوت عليه كثيرا في هذه الزاوية. وددت اليوم ان ألاطفه. الموقفان لا يتناقضان. مرة قبل أربعين سنة كنت أقتبل اعترافا من احد المؤمنين. قال لي انا لست حسنا كما قلت لي. قلت له انا اعرف ذلك ولكني اردت تشجيعك لأهون عليك الخروج من الخطيئة.


لو أتيح لي التحدّث عن بلدنا بأقرب ما أكون من الموضوعية لقلت ان ما يمتاز به هو الكياسة في التعامل. القاعدة الإسلامية: «لا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي أحسن» (العنكبوت، 46) كنت أتمنى ان يتبع الأكثرون هذه التوصية. التعدد عندنا يفرض المسالمة. دائما اذكر الإنجاز العظيم الذي قام به المغفور له السفير عادل اسماعيل في نشره الوثائق التي كان يرسلها القناصل الأجانب الى وزارات الخارجية عندهم وهو كتاب يقع في اكثر من ثلاثين جزءًا. نشر فقط الرسائل التي كان يبعث بها هؤلاء الموظّفون وبيّنت قراءتها ان ما من حادثة دموية جرت عندنا بين الطوائف الا وسببها الدول الأجنبيّة. وعادل اسماعيل لم يعلّق. حسبه كانت النصوص اي ان قناعة اللبنانيين في ان دياناتنا ومذاهبنا قائمة الى يوم القيامة وان كان الناس مقتنعون ان الجماعات الدينية قائمة لتبقى. الكياسة كانت قناعة.


انت تتعرف بالمعاملة على شخص. تربطك به منفعة عمل. بعد اول لقاء او لقاءين تدعوه لتناول الطعام عندك. اللبناني مضياف وهذا لا تجده على ارطلاق في البلدان الأجنبيّة. بينك وبين الغريب عندنا خبز وملح. التعاطف عن طريق مائدة مشتركة هو التلاقي في هذا المشرق. المسيحيون تقوم ديانتهم في عمقها على القداس الذي يفهمونه مائدة تنزل عليهم من السماء وتقيم ارتباطا بينهم وبين ربهم من جهة وفي ما بينهم من جهة ويحسبون انهم بهذا التحاب يصيرون امة مقدسة اي امة تأتيهم قداستهم من الله. المسلمون يعتقدون ان لهم مائدة تنزل عليهم من السماء تجعلهم في عيد لأولهم ولآخرهم. أليس الغريب هو الذي تستضيفه أخا لك في الله ولو لم تشعر بهذا في صورة واضحة. أليس الحب من الله؟

# #
#


العائلة عندنا حب ومن فككها يعتبر مخالفا لقواعد إلهية. هي حتى الآن وبعامة محفوظة ومكان السلامة والتراحم كما يقول القرآن والأولاد فيها يضربون الانغلاق الذي يوتر احيانا العلاقة بين الوالدين. هي نظام جماعي يسودها إخلاص الواحد للآخر. هي مسؤولية الكبير للصغير والصغير للأكبر اي انها تقوم على التضامن والتكافل. تصيبها الخطيئة احيانا ولكن تسودها التوبة في أحايين كثيرة. واذا انحرف احدهم يعود الى بيته لأن مطلب النفس الاستقرار في تلاقي القلوب وفيها تعطي وتأخذ واذا ما جفّ قلب تدخل اليه الطراوة. واذا فهمت التربية تهرب من الغنج لأنك تريد ان يتقوّم الآخر.


صحيح ان الحزن يغلبك احيانا ولا سيما عند حدوث موت. غير اننا بعامة شعب فرح مقبل على الحياة ومسراتها ونعنى بالحياة وبحفظها الى درجة الخوف من انتقاصها. النزهة عندنا امر أساس كذلك الطرب وسائر انواع الغناء. عندنا كثافة التغني للخروج من ضيق وكأننا نريد ان نعيش ابدا. ربما لهذا عظمت الأغنية في هذه الحرب الأهلية الشرسة مع اننا لا نجهل ان «كل نفس ذائقة الموت». لقد كثر المطربون في هذه التجربة التي جربنا بها ولكنا نحس ان السلام هو مستقرنا الحقيقي وتعزيتنا الكبيرة. ويلفتك ان اللبناني يشعر انه مقصّر ان اهمل تقديم التعازي الى أصدقائه والى عائلات ليست منه قريبة جدا. هذه عادات ينبغي ان نحافظ عليها ان ابتغينا الا تجف قلوبنا. الى هذا ممارسة التهانئ في الأعراس او عند نيل شهادة علمية. التعازي والتعانئ صور عن المحبات المتبادلة. هذا مألوفنا في التلاقي البشري. هذه هي القربى عندنا.


الذين ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية لا يعرفون اننا كنا شعبا مستقيما في المعاملات. انا عشت فترة كانوا يستدينون مبالغ كبيرة دون كتابة سند ويردونها في الوقت المحدد. واذكر في هذا وفي غيره ان الصدق كان سائدا وسقط بعض الصدق لما عظمت الثروات قبيل الحرب وأثناءها. هل نحن عائدون الى الصدق؟ الكثيرون منا يعيشون في هذا الأمل.

# #
#


كذلك عاش بعض منا فترات كنا نؤمن فيها بالدولة ولا سيما بالقضاء. بسبب من التصاقي المهني بدنيا الحقوق كنت أقرأ الأحكام التي لم تكن دون الأحكام الفرنسية علما وكنت أعرف ان محامي الجزاء مولعون باللغة العربية كما كنت أعرف ان الرشوة يفيد منها بعض من صغار الموظفين وان كثيرا من كبارهم كانوا يكتفون بمعاشهم. ليس من شعب سيء في جوهره.


اللبنانيون على اختلاف عقائدياتهم السياسيّة يحبون بلدهم ويعتبرونه اجمل بلد في العالم. لنقل انه من أجمل بلاد العالم. يذكرون كثيرا اذا هاجروا وينفعون عيالهم التي لم تغترب. شعب عاطفي جملةً. وهذا جميل اذا قرن بالعقل. مواطنون لنا كثيرون باعوا أراضيهم ليعلموا أولادهم. عند بعض من الذين لم يتعلموا تعلق بأن يعلوهم اولادهم قدرا اجتماعيا وازدهارا. ما أعرفه في بلدان الغرب ان الولد يتخذ مهنة ابيه عادة. نحن لا نسأل عن التسلسل المهني. هاجسنا لذريتنا ان تصبو الى الأحسن.


بعضنا يحب متاع الدنيا، اهل الدنيا كذلك في كل صوب. ولكنا الى هذا نحب العطاء ولو موسميا او ظرفيا. ولكنا نتحسس لحاجات خيرية في كل الطوائف. في هذا لا نفرق. من المسلمين من يتبرع لبناء كنيسة ومن المسيحيين من يتبرّع لمشاريع إسلامية. تفسيري لذلك اننا محبون للجماعات الدينية الأخرى.


منذ أربعين سنة تقريبا طلب اليّ مسلمون من بلاد بعلبك يبغون بناء مسجد. من ملابسهم عرفتهم فقراء ولكني أدركت توا انهم يحبون ان أشاركهم عاطفتهم. عرفت تقواهم وبساطتهم وانهم سيفخرون بمعبد لله يكون اجمل بناء عندهم في القرية ويجدون هويتهم فيه. وفهمت انك لا تستطيع ان تخذل الفقراء لأنهم عيال الله.


من كل هذه المقاربات وانا لائم شعبي على عيوبه أقول اننا نستلم من الرب إحسانه الينا ونحوله الى الآخرين ليفرحوا. والفرح هو الذي يصنع شعبنا.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الضعاف / السبت 25 أيلول 2010

دخلت منذ أيام كنيسة فرأيت خادمها مقوّس الساقين وقد أقبلت عليه الشيخوخة فأتعبني المشهد. هذا ليس من الفائقي البشرية كما يلتمسهم نيتشه. بأي معيار هو ناقص؟ لماذا المتقوّم الأعضاء بات نموذجا؟ ماذا تعني لنا الإنسانية المستقيمة على مستوى الجسد؟ لماذا الإنسان المتلألئ العقل افضل من الغبي؟ كل ما في الأمر ان الأذكياء يقضون الحاجات التي يتطلبها العقل اي عندهم أدوات أنجع في مستواها ممن ساءت أدواتهم ولكنهم قادرون على الإنتاج في صعيد آخر ليس أدنى من صعيد الفكر ولعله أعلى اذا اتخذنا الإنسان في قرباه من الإنسان الآخر وجدانيا او عمقا او حبا.



لا يقدر أحدنا ان يعطي في كل المجالات. ان تكون في آن مفتول العضلات، جذاب العينين، حاد الفهم، مفيض العاطفة، ثريا، هذا يعني للناس انك دنوت من الكمال. ينقصك، اذ ذاك، شيء واحد ان تكون محبا. وان كنت كذلك على نحو عظيم لا يهم عظماء الحياة الروحية شيء من قوتك البدنية وما اليها ومن ثروتك. كل هذا عندهم «باطل وقبض الريح«.



وان كنت مبصرا وضعيف البصيرة هذا ينفع بعضا لأن البصر هو الإحساس الأهم. والناس كلّهم حساسون للأحاسيس وقد لا يعيشون على مستوى يفوقها. انهم من هذا العالم وكفاهم. هناك مثقفون يعيشون الفكر ولكن الفكر ايضا من هذا العالم. انهم لم يعرفوا يوما ان القلب اهم من العقل ان لم يكن هذا في إحياء القلب.


واذا تأملنا في أمر الحسناء فهذه غالبا ما ظنّت أن الحُسْن قيمة وانه يُغنيها عن أشياء كثيرة. تهتز لها البلاد ان دخلت مباراة ملكة الجمال. تحسب ان هذا ذو قيمة في حد نفسه يمكن إضافتها الى قيمة العقل التي يمكن إضافتها الى الأخلاق ودليل ذلك ان لكل مجال من هذه المجالات علامة في المباراة.


هل خطر على بال حسناء ان المرأة القبيحة، الكثيرة القبح، قد تكون ذات بهاء وجلال ليست الحسناء عليهما وان أسياد الحياة الروحية حساسون للجمال الروحي الذي قد تكون عليه القبيحة وان الجمال العظيم قد يكون باطلا وقبض الريح وليس فيه ذهول بحيث ان سوء الأخلاق يلغيه إلغاء كاملا؟


لا مقارنة ممكنة بين العظمة الروحية وعظمة الجسد، بين ثروة وفقر اذ كثيرا ما يكون الفقير اعلى شأنا من الغني. وما من مقارنة ممكنة بين الذكي والغبي فقد يكون الغبي أعظم شأنا في مقاييس الروح من الذكي. ليس من سُلّم قيم الا اذا اتفقنا على القيم.


# #

#

معظم الناس يشكرون لله صحتهم. في مفهوم الإنجيل انها هبة اذ كان يسوع يعيدها لمن فقدها ويذهب الى أبعد من هذا اذ يقول بأسلوب او بآخر ان الشفاء من علامات اقتراب الملكوت. غير ان الناصري كان يوجّه من نجا من مرض الى التوبة اي يقرّبه مما كان يفوقه وما كان أتباعه يسكرون بالأصحاء. العامّة عندنا تقول: «صحتك بالدني»، وما سمعت احدا يقول: «توبتك بالدني». هذا المعطى البيولوجي موروث الحضارة الكنعانية عندنا وتجده في أثينا وروما وفي كل أصقاع المعمورة. وهذا ما يقدره المصابون بالأمراض المزمنة او المصابون بأوجاع دائمة. وأفهم كثيرا ان يأمل السقماء بمجيء يوم لا يتعاطون فيه الأدوية لكونهم ملّوها وملّوا استعبادها لهم.


كل الإنسانية في نطاق المرض وليس سلامة كاملة عند اي مخلوق بشري. ولئن تقنا جميعا الى السلامة فهي ليست بالضرورة الهناء فأنت، ضرورة، في عصاب او في خلل نفسي كبير وهنا يأتي جسدك عاجزا عن منحك الفرح. انت اذًا مكسور الجسم او معطوب النفس وتوقك الى سلامة لن تأتي كاملة ويدعوك الأطباء الى التأقلم اي ان تعيش كما قيّض لك ان تعيش.



لك ان ترجو ولك ان تربي نفسك على معايشة السقماء. الصحة والمرض كلاهما حالة في الحياة. وانت، مريضا او مصابا بأوجاع تُلازمك، كاملُ الوجود الإنساني وكاملُ السلامة الروحية إن طلبت ان تنزل عليك مائدة من السماء. وقد يكون المريض في وضع تذمّر او تأفّف او ضجر او رفض لله اي يكون قد خسر من قيمته الإنسانية مع انه قادر على الشكر لأنه لا يعرف الحكمة في ابتلائه. يسمح الله بالبلى ولا يسبّبه. انه للمريض ظرف حكمة وتقديس نفس واعتلاء روح. المقارنة بين السليم والمريض متعذّرة كليا.


# #

#

يقلقني جدا هذا الفصام القائم عند ناس يعتقدون أنفسهم مؤمنين بين إيمانهم وإعجابهم بالمال والجمال وصحة الأبدان. أفهم انخطافهم الى الفكر النيّر العظيم وقليلا ما كانوا مثقفين. الذكاء المفرط شيء يُسكرهم ولو كان صاحبه عاديا جدا على مستوى الأخلاق. يزكّون سوء أعمالهم بقولهم: «نحن لسنا قديسين» ويريدون بذلك انهم لا يبغون ان يصيروا قديسين. هم يعرفون موقف الدين من المال والسلطة والقوة ولكنهم يفصلون بين العبادات التي يمارسون وحفظ الوصايا الإلهية. يحافظون بلا حدة، بلا لهب، بلا تضحية كبيرة. إن أردت أن أُغالي لقلت ان دينهم لا يكلّفهم سوى الطقوس. هذا اذا مارسوا. الى هذا تراهم واقعين في حزن لا يوصف عند فراق عزيز اي انهم لا يزالون على الديانة الكنعانية التي منها البكاء على تمّوز. وبسبب من شغف الكنعانيين والفينيقيين بالحياة الدنيا، الكثرة من شعبنا لا تزال على هذا الشغف وكأنهم لا يؤمنون بالقيامة. المسيحيون منهم يتلون في الكنيسة: «وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي» ولكن أدب المآتم لا يدلّ على انهم يؤمنون بهذا الكلام.


الخوف من المرض ومن الفقر ومن الموت شيء واحد. الفرح عندنا ليس الفرح بالكلمة الإلهية ولكن بالأعراس. الغلوّ في الأشياء المترفة، الغنى والضجة والإنفاق الرهيب على حفلات الأعراس كلها خارجة على قدسية الزواج وعلى الصلاة فيه. رأيت بعض العرسان يصلّون أثناء الإكليل ويتابعون الكلمات الإلهية ولكني قلّما وجدت الحاضرين مأخوذين بالكلمة.


بضعة ايام بعد مولدي مرّ جدي بأمي ورأى أمتعة مهيأة لترسل على الشاحنة الى الجبل فقال لأمي والدها: «ان هذا الصبي غير معمّد فكيف تأخذينه في هذه الحال الى الضيعة؟». قالت سأعمّده في تشرين اي بعد رجوعنا من المصيف. قال لها أخشى عليه من اختلال صحته هناك. عندئذ أحضر الكاهن فعمّدني بين الفراش الملفوف بالسجاجيد والكراسي والطناجر قبل حملي الى المصيف. كان جدي اذًا يهتم للبركة الإلهية لا الى الاصطياف.


هناك أشياء في دنياك خاضعة لكلمة الله وهي القيمة الوحيدة عند المؤمن الحقيقي. ليس من سلّم قيم. هناك فقط ما يراه ربك قيمة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

علم الدين / السبت 18 أيلول 2010

في النهاية كل دين كتاب والمعابد هي لمعرفة هذا الكتاب وتنقيحه او تجويده والألحان كُتبت من اجل كلمات. والصلوات تأتي مقابلة لكلماته او التقاء بها ومدّا شعبيا لها. الصلاة وسيلة إعلام بهذا الكتاب. العمارة نفسها، بطريقة او بأخرى، حيث آيات مكتوبة او أيقونات موضوعة هي تجاوب جميل مع هذا الكتاب. والأديان التي تستعمل الرموز كثيرا مثل المسيحية لا تخرج عن النص ولكن تقدّمه بطريقة أخرى.


اجل النصوص المقدسة يتدارسها المؤمنون جميعا على قدر استيعابهم الفعلي وذلك في بيوتهم. هي جاءت من اجل معرفة الله وفكره وصفاته وأعماله، ومن عرف الله يعرف نفسه والآخرين. ولكن نصوص الصلوات عميقة وتحتاج الى إعداد لاهوتيين او علماء كلام ووعاظا. يحتاج المؤمن الى معرفتها بمعانيها المقصودة والمعاني التي ولدت في التاريخ لأن الكتابة الملهمة فاعلة. من هنا أن عندك مناهج التفسير والاطلاع على تاريخ التفسير وتاريخ الإسلام او تاريخ الكنيسة ودراسة العقيدة والعبادات وأصولها والسيرة. هي مجموعة علوم مترابطة، متناسقة، متكاملة.


وفي هذه الرؤية لا بد للمسؤلين المفوّضين بالتعليم أن يعرفوا كل هذا على أعلى مستوى ممكن، وإلا تكون كلمة الله قد ذهبت سدى ويبقى الناس على جهالتهم اي يبقى إلههم محجوبا عن عقولهم ولو مسّ قلوبهم.


عند هذه النقطة أتكلّم عن المسيحية بخاصة. هي تسمّي الإيمان مستقيما في الشرق والغرب، والإيمان ينتقل بالسمع «كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به. وكيف يسمعون بلا كارز» (رومية 10: 14).


المضمون الإيماني لا يصل اليك اذا لم يبشّرك احد. وكيف يبشرك المبشر إن لم يدرس؟ لذلك قالت قوانيننا القديمة ان الموعظة واجبة في كل خدمة إلهية (صلاة سَحَر او غروب او قداس او إكليل او جنازة إلخ). هذا الأمر يدل على أن العبادة بلا موعظة توضحها لا تبلُغ العقل. ولذلك عندنا منذ القرن الرابع تعليم عن العمادة وعن القداس الإلهي. قد تبلُغك المعاني الإلهي الكثيرة بالطقوس، ولكن الطقوس لا تُغني عن الشرح والتفسير، وإلا لما أمر الآباء القديسون بالوعظ في كل صلاة.


# #

#


وإن كانت تعني وحدها لما سُمّي الكاهن عند رسامته خادما للكلمة. الكاهن العيّ، الأخرس غير موجود في رؤية مرجعياتنا القديمة. المؤسف حقا أننا في عصور غير متأخرة انتخبنا رجالا للكهنوت لا يعرفون شيئا من التفسير او أي علم من علوم اللاهوت واكتفينا بإعدادهم لإمامة الصلاة. وهنا أعترف أن الكثير من المؤمنين اتصلوا بربّهم عن طريق هؤلاء الناقصة معارفهم. ولكنها مغامرة كبيرة أن نتّكل فقط على حنان الله ورأفته بعباده ولا نتّكل كثيرا على معرفتنا بالنصوص. أنت لا تُقامر بشؤون الله. هذا ليس توقيرا له. هذا اتكال على صدفة المعرفة. والدين لا يقوم على الصدفة. دائما أقول لمن أرعاهم: هبوا أن سائحا أجنبيا جاء الى قريتكم شغوفا بالعقيدة التي انتم عليها وهو مريد أن يزداد علما بها، لمن تقودونه. هو يتوقع أن تذهبوا به الى الكاهن فإن كان أُميّا او شبه أُميّ كيف يحترم هذا الأجنبي ديانتكم؟


مرة طلبت إحدى الرعايا الى القديس يوحنا الذهبي الفم أن يقيم احد الناس كاهنا لهم فسأل الوفد: ما صفات هذا الإنسان؟ قالوا إنه لتقي. فأجابهم قديسنا هذه فضيلة أتوقّعها من كل المؤمنين. أمّا من تقدّمونه للخدمة الروحية فينبغي الى التقوى أن يكون عارفا بما تُعلّمه المسيحية.


لا يمكن تاليا أن يكون طالب اللاهوت مجرّد إنسان ورع اذا تخرّج. هذا أمر مفروض فيه لأنه بلا ورع يُعثر الرعية. ولكن الورع اذا جذب الى الله بعضا فلا يجذب الكل. الكلمة حظنا الرئيس للانجذاب الى الله.


لا يُطلب الى إمام الأُمّة أن يصنع عجائب فالأعجوبة تُحرّك ولكن ليس في كل حين. وسيلة الرب الأساسية ليست المعجزة ولكن الكلمة.


# #

#

واذا طلبنا المعرفة من القساوسة فبالحري نطلبها من الأساقفة لأنهم المولجون الكبار بالتعليم بل مراجعه. بتعبير بسيط لا بد للأسقف من أن يؤخذ من كبار الأكاديميين لأنه هو الذي يوزّع المعرفة العليا على من لم يستطع أن يحصّلها. والمناقشات الكنسية في مجمع الأساقفة كثيرا ما تدور حول مواضيع لاهوتية ولا تنحصر في بحث أمور إدارية بحتة كالمال والأوقاف. لا يستطيع أسقف في مجمعه إن طُرح عليه سؤال أن يقول دعوني أراجع مكتبتي لأجيبكم عن أسئلتكم. ماذا كان يعمل بمئات او ألوف من الكتب في مكتبته؟


ليس الأسقف زعيما لملّة. هو مسؤول عن تكوين أُمّة الله بالتعليم. أحيانا أبسط النقاش يدور حول اوضاع الرعاية والأوقاف وما اليها. وهذا يتطلّب منك موقفا لاهوتيا. لا فصل عندنا بين اللاهوت وتنظيم أحوال الرعية.


واذا كانت شؤون الكنيسة تأتي بالشورى بين القادة الروحيين فهذا يعني أن كُلاّ منهم واقف على ما هو مشترك بين العارفين. المعرفة وحدها تؤمّن الهدوء والوئام والمحبة بين المشاركين في الرئاسة الروحية التي وظيفتها الوحيدة خدمة المؤمنين. وإن لم تتوفّر المعرفة ينساق الرؤساء الى مهاترات او خصومات سرعان ما تتحول الى خلافات شخصية والى شغف السلطة او المال او السياسة التي لها أربابها عند العلمانيين الذين كنا نسمّيهم عواما منذ بضعة عقود.


العلم القليل يولّد العجرفة والانصراف عن الأمور الجديّة في تسيير سفينة المسيح في عالم مضطرب. وهذا العالم يثير دائما أسئلة صعبة لا يواجهها المسؤول بلغة خشبيّة وحديث يليق بالأطفال.


لا تستطيع أن تبقى الكنيسة غير مطّلعة على هواجس البشر في دنيا مليئة بالفكر. لماذا يجب أن يبقى الفكر الديني وحده ركيكا؟ الكنيسة، اذ ذاك، بيئة الجهل. والجهل يبيع المسيح ويخونه.


لم أفهم مرة أن سعة العلم دعوة الى إهمال التقوى.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المجموعات الدينية ولبنان / السبت ١١ أيلول ٢٠١٠

الكثير من هذا المقال افتراضيّ ولكن قد يكون الافتراض فيه متصلا ببعض الواقع. انا لست من القائلين ان كل مشكلة لبنان تختزل في النظام الطائفيّ ولن أتطرّق الى الجانب الطائفي إلا من حيث هو تركيبة تقوم عليها قراءتي للبلد.

                      هذا بلد صنعه سياسيا البطريرك يوسف الحويك بسبب من الأهمية الكبرى لطائفته في ذلك العهد وشمول لبنان فيها كائنة ما كانت الأدبيات الوطنيّة آنذاك. في الفلسفة السياسيّة صنعه ميشال شيحا الذي لم يكن مارونيا وأقامه على الطوائف حفاظا على المسيحيين في البحر الإسلامي. إلا أن المسلمين كانوا عروبيين وأنصار الوحدة السورية بآن. ثم بعد انقضاء عقد على إنشاء دولة لبنان صارت الوحدة السورية قضية قوميّة-فلسفيّة قامت سوسيولوجيّا على عدد هائل من المسيحيين.

                      أخذ المسلمون يتلبننون بعد حوادث ١٩٥٨ حتى انتهى تلبنُنهم مع الطائف. لقد اختلّ التوازن الذي رآه شيحا لصالح المسلمين ولم يبقَ سبب بعد تضاؤل الحركة العربية بموت عبد الناصر لعدم انضمام المسلمين الصادق الى لبنان ولا سيما أن شرائح كبرى منهم عظمت ثرواتها وبطلت الدعوة الاشتراكية العربيّة أن تستهويها.

                      نعيش الآن في بلد لا خلاف على هويّته الوطنيّة ولا حول حدوده ولا شوق حقيقيا الى تجزئته او الى إدارته بصورة تهدّده بالتجزئة. غير أن هذا البلد في محيط إقليميّ لكل بلد فيه مواقف من لبنان او على الأقل أحاسيس ذات فاعلية وكذلك شاء أَم أبى هو حجر في لعبة الأمم.

                      استنادا الى فلسفة كيسنجر في الحفاظ على الأقاليم كما هي مرتّبة وكما هو مرتّب كل بلد تنتفي فكرة ضمّ لبنان الى مساحة أكبر. اولًا سوريا ليست في هذا السعي أيّا كان رأيها في ذاتية لبنان الوطنيّة او أصالته التاريخيّة. إسرائيل طامعة وهذا في نصوصها التأسيسيّة، ولكنها طامعة ايضا وفق هذه النصوص بما هو أبعد من لبنان. غير أن الواقع السياسي Realpolitik لا يتعدى طمعها بالمياه والنفط. بمعنى آخر لا أتوقع، في نهاية المطاف السياسي أن يتجاوز الكيان الصهيوني معاهدة السلام المرتقبة. فتلاقي الفكر الدولي والتحرك الإقليمي يجعلاني أعتقد أن حدودنا محفوظة في الموقف الإقليميّ منّا والموقف الدوليّ.

#                                         #

#

                      هذا يتلاقى واستقلال سوريا الكامل في نظر الدول. غير أن قراءة الولايات المتحدة لمجموعة دول الشرق الأدنى هي أنه يجب ان تبقى سوريا دولة قوية بالنسبة الى لبنان والأردن وفلسطين المحررة مع تمسّك أميركا بأن تبقى إسرائيل الدولة الأولى على كل صعيد. ذلك أنه لا بد من دولة قادرة نسبيا أن تقف في وجه إسرائيل حتى بعد معاهدة السلام.

                      وحتى تبقى سوريا دولة تُواجه إسرائيل لا بد لها أن تمارس نوعا من رعاية لبنان وهذا أسلوب غير اسلوب الوصاية. فإذا مورست هذه الرعاية بلين ومودّة (الندّية من هذا المنظار غير واردة) ترى السياسة الدولية تحركا لبنانيا مدركا لرعاية الشام. هل يمارس في فلسطين الآتية والأردن رعاية ما لطرفٍ ما لست أَعلم.

                      أما الداخل اللبناني فكيف تتحرك فيه القوى السياسيّة المرتبطة بالطوائف؟ أظن أن عامل التوازن الرئيس سيكون لأهل السنّة والجماعة لأن الموهبة السنّية موهبة هدوء لطالما بُنيت على التجارة والقربى لدول سنّية تريد الاستقرار للبنان او هكذا تبدو تركيا حتى الآن. وما يدعم هذه الرؤية أن أهل السنّة والجماعة هم الذين ارتضوا المناصفة في مجلس النواب ويلحّون على بقائه والسلم الأهلي ضروري لتبوّء لهم واضح.

                      واذا جئنا الى الشيعة فليسوا يضعون تحت السؤال المناصفة البرلمانية، وما يبدو منهم أنهم سالكون مسالك الديموقراطية بمعنى أنهم لا يريدون أخذ الحكم عنوة ولكن عددهم يفرض نفسه فإنهم الطائفة الأولى ولو لم يتجاوزوا السنّة الا بعدد قليل.

                      والشيعة عندهم نوعيّة فكرية لا يجهلها أحد وهي ليست دون أية نوعية أخرى أي انهم في بضعة عقود قليلة أدركوا أعلى درجات العلم ومقامهم في المهن الحرة ومؤسساتهم التكنولوجيّة راقية بامتياز. وفي المدى المنظور ليس ما يشير الى إمكان زرع الفتنة بين المذاهب الإسلامية.

                      كل ما قرأته ضد المقاومة الإسلامية لم يُقنعني حتى الآن. أن تُضمّ الى الجيش أمر مستحيل. يبدو لي أن الشيعة غير مقتنعين بأن الدولة اللبنانية صائرة الى دولة مدنيّة في المدى المنظور. وقوّتهم العسكرية مرتبطة بإيمانهم الديني. وحماستهم في القتال مرتكزة على صوفية الجهاد ضد العدو، إذا خسروها يخسرون حدّة قتاليّتهم. وقد برهنوا في حرب تموز أنهم قادرون أن يُرعبوا إسرائيل. إن تغيير تنظيمهم يرميهم في المجهول ما يُعطي الصهاينة قدرة أن يدوسوا لبنان. ليس للبنان الرسمي أية إمكانية وحده أن يقف ضد اجتياح للعدو.

#                                      #

#

                      يبقى هنا التساؤل عمّا اذا كان السلم بيننا وبين إسرائيل ممكن مع وجود المقاومة. هذا مستحيل اذا بقيت المقاومة بعد تحرير الأرض اللبنانية.

                      الى هذا  المارونية السياسية لم تمت لأنها تُلازم الإثنية المارونية وتاريخها ولم تُنتجها الحرب في لبنان. وليس من شيء يمكن تسميته المسيحية السياسيّة لأن الأرثوذكسيين الذين ليسوا إثنيّة لم يواجهوا الإسلام السياسي اذ ليسوا هم كثافة سياسيّة وعاونوا الحكم الإسلامي القائم في عهوده المتعاقبة. عندهم اذًا مسلك كنسيّ او روحي تجاه الإسلام ومعايشة للمسلمين بلا كيانية مجتمعية لذاتهم ومع أمل ما في العصر الحديث أن يصبحوا مع المسلمين أمّة واحدة كما جاء في دستور المدينة الذي وضعه الرسول.

                      ليس همّنا أن تتّفق الزعامات المارونية بل سؤالنا هو على اي شيء يتّفقون. هل يريدون أن يستمرّوا إثنية تُواجه الشعوب الأخرى وفق تعبير سركيس نعوم أَم يذوبون في مجتمع لبناني مدنيّ ويكملون طريقهم الى الله ككنيسة تجد نفسها في مشرق مسيحيّ ويزداد تشريقا في وجوده الكنسي وتصوّفه السرياني أي يتحرر من منحاه اللاتيني ليعود الى أصوله الشرقية. هذا هو شرط اندماجه بالمسلمين كما أرى.

                      المارونية السياسية قائمة في القلوب ولكن ضعفت فاعليتها وغادرها أكثر المسيحيين غير الموارنة الذين كان بعضهم منها في الحرب. الموارنة في حاجة الى أطروحة أهم وأعمق من المارونية السياسيّة أسمّيها أطروحة التشريق اي التجذّر مع المسيحيين الآخرين في كل مدى الشرق مع المحافظة على لبنانية لا يحتاجون الى أن يتعلّموها من أحد. لهم ميراثهم وتطلّعاتهم. السؤال كيف توفيقها مع تطلّعات الآخرين. شهادتهم لا يقدرون أن يؤدوها إلا مع كل مسيحيي لبنان والمنطقة. كيف نكون معا مسيحيين في قوة روحية عظيمة هي شرط خدمتنا لكل أهل الوطن دون أن نبني مسيحية سياسية جامعة؟

                      للموارنة ولسواهم من المسيحيين نكهة الإنجيل. هذا ما نستطيع معا أن نقدّمه، وهذا ما ينتظره المسلمون الصالحون. لا يستطيع أحد ان يفهم لبنان بلا مسيحية قوية، نضرة، خادمة.

                      كان في هذه السطور تأملات فيها افتراضات وقراءة تستطيب كل مكوّنات لبنان العظيم في رؤية.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

تأمل في الأعمار / السبت 4 أيلول 2010

هل يسوغ لطاعن في السن أن يتأمل في كل مراحل حياته أو حياة الآخرين وهو لا يعيش إلا بالذكرى والذكرى فيها استخدام العقل في وقت تأمله أي إنك لا تستطيع أن تحياه الآن ولا أن تحييه فإن ماضيك فاتك والأعمار ليست منقطعة بعضها عن بعض لقد تداخلت فيك وأنت لست حزينا ومع ذلك لا يقدر الشيخ أن يدفن كل ماضيه لأنه ليس مجرد شرائح زمنية. هنا سر الإنسان أنه واحد.


وهناك من لا يعيش كل أعماره بالكثافة الواحدة فقد يكون مبتور الطفولة او قافزا فوق شبابه وقد لا تأتيه شيخوخته متعبة فلا يستطيع ان يقول مع الشاعر: «سئمت تكاليف الحياة» فيظل متوئبا في زمن ينتظر فيه الموت. مع ذلك لا بد من جمع كل المراحل في خطاب واحد. وهذا ما سوف أحاوله لمنفعتي وربما لمنفعة بعض.


راقبت الطفولة منذ بضع من سنين وأفادتني المراقبة لأن تذكر الطفولة الحقيقي غاب عني كثيرا اذ لا اعرف خيطا موصولا بين آخر طفولتي وشبابي والكهولة. فجاءت مراقبتي الحالية بديلة عن ذاكرة غائبة . وفي احتسابي ان من يسمى الراشد لا قدرة له ان يفكر في رشده بالأطفال الذين ليسوا قاصرين اذ لهم رشد خاص بهم. لهم لغتهم وعلاقتهم بالكون وصلة حقيقية بالله كما يحلو له ان يلهمهم والكلمات التي يستعملون هي كلماتك ولكن لها مدلول عندك فيه حدس فقط ولكنك لا تقدر ان تستعمل ازاءه آلتك العقلية الحالية. ان لهم مقولات تختفي وراء كلماتهم. لذلك انت في تنقيب عنهم لأنهم لا ينسخون الفاظك انت ولو قالوها.


عندما تقول لي طفلة في الخامسة من عمرها لا تدرس في مدرسة دينية وذلك بفرنسية بليغة حرفيا: «الأطباء يعالجون المرضى ويسوع يشفيهم بحكمته ومحبته» لا اجد عندي منهجا عقليا حتى افهم هذا القول. في فحصنا لفكر هذه الطفلة لا أجد إمكانا لاستعمالها لفظة «حكمة» ولو فهمت استعمالها لكلمة محبة. ثم كيف تفرق بين معالجة الأطباء للمرضى وشفاء المسيح لهم والكثر من الراشدين لا يعرفون هذا الفرق؟ هل أتت هذه الطفلة بمعجزة لا تقع تحت الفحص العقلي؟


أترابها الذين لم يبلغوا هذا المبلغ مع انهم لم يصلوا هذه الذروة عندهم لسانهم احيانا لا افهمه وعندهم ايضا علاقة بالله تختلف عن علاقتنا نحن به.


# #
#

حادثة اخرى تركت فيّ غموضا كليا. أتى اليّ بطفلة أبوها كانت في الثامنة. حدثتني هي في الفيزياء والخيمياء والفلك. بمفردات علمية دقيقة كما عرفناها نحن في الرابعة عشرة او الخامسة عشرة من عمرنا. هذه افهم ان ذويها كلموها بالعلوم والتقطت المعاني كلها في سن مبكرة جدا، ولكن طفلة الخامسة التي ذكرت لم تسمع شيئا مثل هذا في عائلتها ولا مدرستها. هل لنا دخول معقول الى دنيا الأطفال اذا تجاوزوا الحديث المألوف عن لعبهم وطعامهم ومألوف الحياة البيتية.


اذا عبرت من هذه الحال الى حال الشباب من نافل القول ان عندهم جموحا وآمالا وكثيرا مما نعتبره اعتدادا بالنفس حتى العنفوان وعقدا موروثة من الطفولة الأولى واكتشافا للجنس الآخر بما يتضمّن هذا من شاعرية تذهب بهم احيانا حتى اللهب كما تلحظ احيانا قدرة علمية كبيرة وتوقا الى المعرفة الواسعة.


هذه سن كاملة بذاتها يبقى فيها احيانا اثر من الطفولة عاشوها منتقصة. وقد تبقى الطفولة والشباب حتى آخر الحياةبشيء من الابتسار فتأتيك الكهولة صبا مخفيا محضونا. واحيانا كثيرة يطل رشد كبير على سن الشباب وكأن الأعمار لا تتابع بصورة منطقية او لا تراصف فيها.


يقال هنا وثمة ان الإنسان لا ينضج فكريا الا اذا بلغ الأربعين. اذا كان الأمر كذلك كيف تفسر ان هناك من انتهت عبقريّتهم الشعرية وهم في العشرين. ويقال ان التدين العظيم مرتبط بسن متقدمة نسبيا وقد لاحظنا ان الحماسة الدينية حتى التصوف بادية على شبان كثيرين وان هؤلاء لم يعرفوا الجهالة الخلقية في هذه الحقبة او قاموا بدعوة روحية لاهبة قصر عنها المسنون. هل كان داود النبي يتكلّم عن قلة من الناس لما قال: «خطايا شبابي وجهلي لا تذكر». واضح في رؤيتي اجيالا كثيرة ان محبة الله لا علاقة لها بمرحلة من مراحل العمر والا كيف بلغت تيريزا الطفل يسوع قداسة لا شك فيها وقد توفيت وهي في الخامسة والعشرين؟ هنا يبدو لي ان الله ينير من يشاء ويسطع بقوة فائقة حيث يشاء.


# #
#

الكهولة سن محببة اليّ مع انها في بداءتها تحمل إحباطا كبيرا وهذا ما سماه صاحب المزامير «شيطان نصف النهار». غير انها تحمل صبرا جميلا بعد ذهاب الإحباط. هي سن الحضن للشباب والرأفة بالكل والسماحة الكثيرة ربما بسبب من الهشاشة التي يتعرض لها الكهول او الإحساس ببدء الانهيار او التخاذل امام صعوبات الوجود التي تأتيك من كل صوب. هنا يخطر على البال قول الشاعر: «تعب كلها الحياة». لعلّ عظمة هذه المرحلة انك تمحص دينك فيها وتفتش عن العقلانية فيه. قد لا تفهم العقيدة فهما عميقا ولكنك تسلم لله ربما لأنك لمست تفه الجسد والمال والسلطة وانك لا تنتظر الكثير من الشيخوخة المقبلة.


ولكن ما من شك على وجه العموم ان الطاقات تتجلى في هذه الحقبة وان الكلمة تصبح اكثر نضجا واتزانا لأن الاعتزاز الشبابي كثيرا ما يضعف. غير ان شيئا لا يمنع الكهول من ان يقتربوا من الرب اقترابا كبيرا وان كانت الشهوة لم تنطفئ وليس للشهوة عمر.


الشيخوخة ليس لها بداءة ولا لها انتهاء. جسديا هناك اتعاب كثيرة قد نستسلم لها حتى ما يقارب اليأس وتستمر بعض خصال الكهولة كالسماحة التي تعاش احيانا كتسوية مع ضعف اهل الحقبات السابقة. يغريك القول ان الناس هم هكذا وغالبا ما سيظلون وانك غير نافع لكثرة لا شيء يدل على انها تائبة اليوم او غدا.


واذا بقي عقلك صافيا كليا لا يعوزك الإبداع العقلي. العقل وحده لا سن له واذا كان هو مقر إلهام اساسي فلا يعتري الشيخ حزن بالضرورة. غير ان رتابة الناس وأقوالهم ومناهجهم وعاداتهم من شأنها ان تدفع الحس الى المحافظة على ما ألفه الشيخ في هذه الحياة بلا رغبة جامحة الى التغيير. وفي هذا خطر كبير . كيف يغلب الشيخ جسده المتهاوي وكل جسد يتهاوى؟ كيف يمنع تخلف الصحة في جسده ونفسه لئلا يخسر اندفاعه؟ كيف يبقى حيا في جدة روحه فيستأثر الله في يوم حكمته به ليظل ايقونته للأجيال اللاحقة؟


كيف يبقى الله حيا في كل حقبات حياتنا هذا هو السؤال.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الله والألم / السبت 28 آب 2010

الإنسان موجع نفسه ويرمي على الله مسؤولية ذلك لأنه يعتبره مصدر الخير والشر ويراه معاقبا لخطاياه. سأنظر الى ذلك من زاوية مسيحية. في الحقيقة ان المسيحية الغربية روّجت لهذا الطرح منذ أوغسطين والقائلة ان ثمة خطيئة قائمة في طبيعة البشر من جراء ما سمي بالخطيئة الأصلية وهي عبارة لا يستعملها الشرق وينتج عنها أن كل البشر مذنبون منذ تكوينهم في أحشاء أمهاتهم. ولهذا كان هذا التأكيد المفرط لآلام المسيح. بخلاف ذلك تأكيد الكنيسة الشرقية على قيامة المخلص وليس فيها فكرة «الفداء» على انه فدية دفعها المسيح عن آلام البشر بمعنى انه احتمل الألم بدلا عنهم ويبدو الفرق بين اللاهوت الغربي واللاهوت الشرقي على ان الفن الشرقي مأساوي والفن الشرقي انتصار على الموت.


في التقوى الغربية سعي الى الألم باعتباره تحررا من الخطيئة مثلا عن طريق جلد الإنسان لذاته او ارتداء ما يوجع.


الواضح في الفكر المسيحي الأصيل ان الله لم يخلق الألم. «ورأى الله ان كل ما صنعه حسن جدا» (تكوين 1: 31). عند الاباء الشر الأدبي (الخطيئة) والمرض والفساد والموت ليست من عمل الله. على ضوء هذا كفّرت المسيحية المانوية القائلة بأن للوجود مبدئين الخير والشر. الله عندنا صلاح كلّه واعتباره مصدرا للشر هو نفي صلاحه اذ يرى آباؤنا الشر واقعًا نافيًا للطبيعة الأصلية التي ولدنا عليها ورأوا انه نقص في الخير او غيابه. الشر من هذا المنظار طارئ وليس مبدأ في ذاته ويذهب الآباء الى التأكيد ان الإنسان في حالته الفردوسية لم يكن يعرف الآلام النفسية ولا الآلام الجسدية وان حياته كانت خالية من الحزن والخوف وما كان جسده خاضعا للفساد.


# #
#

الأصل ان الانسان خلق حرا ومالت حريته الى الشر. الحرية هبة من الرب عظيمة ويرى بعض آبائنا انها صورة الله فينا. اشعر ان بعض الناس الذين يتحدثون اليّ يقولون: «لماذا أتانا الله بالحرية». جوابي انها انتماؤنا الى النوع البشري ولولاها لانتمينا الى النوع الحيواني او الجماد. بلا حرية لسنا بمبدعين ولا مسؤولين ولا نحب ولا نسمو اي لا جمال روحيا فينا. انت تتبنى حالة الوجع لكونك تتبنى حريتك اي تتبنى ذاتك الإنسانية وفرادتك في المخلوقات وتعترف ببهاء عقلك وجمال العاطفة فيك.


الحرية لها ثمن وهو إمكان الخطأ والعثرات الى جانب العطاء المحب. نقبل الألم كما يصل الينا ولا نجعل الخالق باعثا الينا به. نقبله لنعرف كيف نتدبّره بالنعمة الإلهية النازلة لتشفيه لأن مشيئة الله نجاتنا منه. غير انه اساسي لخلاصنا ان نؤمن ان ورود الألم -خطيئة كان ام مرضا- ليس عقابا على معصية. «اجتاز الموت الى جميع الناس اذ أخطأ الجميع» (رومية 5: 12). لقد ورثنا الضعف البشري ولم نرث خطيئة.


نحن نرث ضعف آدم ولا نرث معصيته. لهذا لا نستطيع ان نقول ان كل ألم ثمرة خطيئة شخصية. «لا هذا أخطأ ولا أبواه» (يوحنا 9: 3).


الشر الشامل الذي صرنا اليه هو حب الذات الذي يدفعنا الى التماس اللذة على أنواعها. كل خطيئة هي شغف بالذات، هي ان نجعل أنفسنا مركزا للوجود بدل الإيمان بأن الله مركز الوجود. حب الذات هو انقلاب القيم فينا. واذا استغرقنا هذا نعدم رؤية النور فنهيم على وجوهنا ونلتطم بالوجود ونحزن ونقلق ونتشنج ونذوق بدايات الموت الروحي وقد نصل الى كامل الموت الروحي في الجهالة وهذا هو العذاب الأكبر. ليس وجع الجسد شيئا اذا قيس بأوجاع الروح التي تعذبها المعصية لأن المعصية في جوهرها إلحاد اذ الإلحاد هو انفصال قرارنا عن القرار الإلهي.


# #
#


عند هذا السقوط ليس من خلاص. ان السقطة الروحية هي الدمار عينه للكيان. والدمار أمامه بناء جديد اذ ليس من شيء يسمى الترميم الروحي. ليس للنفس من ترقيع. امامها القيامة فقط والقيامة بدءها اقتناع ان الموت لا تزيله الا حياة جديدة مع الاقتناع ان الذنوب عتمات تفضي الى ارتطامات لا نهاية لها وكسر للنفس لتصبح كلها شظايا نفس. وهذا ليس فقط يلغيها معناها ولكنه يدخلها في فراغ رهيب.


اما اذا أصاب الإنسان ألم جسدي وهو في حالة انهيار روحي كبير فلا مهرب له ممكنا من الوجع الا توبة كبرى. هي ليست ضمانة للشفاء أكيدة ولكنها على الأقل سلام في الوجع. السلام ممكن في الشدة الكبرى والسلام ذروة الوجود وهو اسم من اسماء الله اي انك مؤهل به لتصبح مسكنا لله ولا يؤلمك الألم، عند ذاك، في العمق. وهذا اختبار إلهي اي افتقاد من فوق.


اذا كنت طريح الفراش او على مرض مرير، طويل الأمد لا تسعَ اولا الى شيء ولكن الى البر. كل ما كان غير البرّ لهو. ومن ابتغى البر كان لا يقلقه الألم مهما اشتد لأنه أمسى مقيما في كمال البرارة ويعرف ان أوجاعه من هذا الجسد الضعيف وان بره ليس له فيه فضل اذ سينزل عليه من فوق. ويحس بأنه قد انخطف اذ يسمع من ربه كلمات لا يسوغ النطق بها.


اذا نزل البرّ علينا ينزل معه المجد. مجد مع ألم جسدي أمر حاصل عند المتقين الرب، الخائفين فقط من الخطيئة لكونها المصاب الكبير. المجد يحلّ على المنهوكة أعضاؤهم اذا كانوا في حالة الصلاة الدائمة اي اذا أدركوا مع الرب الوصال. ولا شيء بعد الوصال.


الفردوس دخلوه في هذا الوجود الحسي. ماذا بعد الفردوس للسليم وللمريض؟ المرض، اذ ذاك، ليس بشيء. في أفتك أتعابك تستطيع ان تلقى وجه ربك وتدشن بهذه الرؤية في نفسك الملكوت.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المريض / السبت 21 آب 2010

كل مولود يولد مهيأ للعطَب. آجلا أَم عاجلا لا يبقى الإنسان سليمًا. وكلما كبر يوما يدنو من الموت. يحلم أن يعمر وقد لا يصحّ الحلم. ويحسّ في وقت مبكر نسبيًا أن هذه المنطقة او تلك من جسمه فيها هوان او خلل. هذا ضعيف الصدر وذاك ضعيف الجهاز الهضمي. ويكافح لأن هاجسه ألا يتألّم، والهاجس الكبير الموت الذي خشيه يسوع الناصريّ نفسه.


وتبقى النفس تحت وطأة هذا الهبوط. وقد يتمرّن كالرواقيين على الجبه وقد لا يستطيع. يحسّ بانهيار ما فيه. وما الدواء سوى دفع للنهاية، لنهاية هذا المركّب البيولوجي او هذا المختبر الخيمائي الذي هو الإنسان. «ما الإنسان حتى تذْكُره او ابنُ الانسان حتى تفتقده» (الرسالة الى العبرانيين 2: 6). الى الوجع، صعوبة المرض الحزن الذي هو انكفاء وجود. لا يصيب الحزن مَن مات فجأة، ولكن غير صحيح أن الإنسان يرضى بهذه المفاجأة اذا كان مُطلا على آفاق واسعة، على مشاريع يظن انه يحقّق بها نفسه. الإنسان مشدود الى المستقبلات. يظن أن له غدا وأن هذا الغد يأتيه بما يشتهيه من عمره.


تأتيه دائما نفحات وسلوة من الأصدقاء اذا أتوه وعادوه. هؤلاء إن عرفوا أن يكلّموه يجعلونه في هذه الشراكة التي تسمّى المودّة. النفس المعزّاة كثيرا ما شفت الجسد اذا أُصيب. هناك تشابُك عظيم ودقيق بين وظائف النفس ووضع الجسد حتى يُقال مثلا ان آلام الظهر نتيجة لتفاعلات نفسية بحيث إنك اذا لازمت نفسًا متوترة لا شفاء لعظمك، واذا عمق حزنك ولم تفرح تعشش آفات كثيرة فيك فيبدو جسمك تسجيلا لما في داخل أعماق الذات فيك. كل شيء يدلّ على أن النفس والجسد لا ينفصلان أبدا. ربما لذلك آثر المسيح مرة أن يقول لمشلول أُتي به اليه: «مغفورة لك خطاياك» قبل أن يخاطب جسده، ولم يقل الكتاب ان الشلل كان نتيجة لخطيئة في هذا المريض إنما قال بوضوح ان تنقية المسيح لروح المريض كانت أهم من تقويم صحته واستعادة عافيته.


لماذا يصاب هذا هكذا وذاك بصورة أخرى؟ يقول لنا الأطباء ان الكثير الكثير من تدهور الجسم موروث. لذلك قبل أن يعالجوك للسكري يسألونك إن كان انتقل اليك من أحد والديك.


ومعروف اليوم أنّ العلماء يستطيعون أن يعرفوا عند فحص الجنين أنه مهيأ لهذه العلّة او تلك ما يطرح أسئلة معقّدة في نطاق أخلاقيات الحياة عن شرعيّة التدخّل في الجنين. مهما يكن من أمر هذه الشريعة في هذا البلد او ذاك يبدو أن النوع البشري موصول بين جيل وجيل أي ان الإنسانية واحدة صعودا ونزولا وينصح بعدم الزيجات بين الأقرباء خوفا من توارث مؤذٍ.


# #
#


كانت العناية بالصحة اذًا واجبا خلقيا لأنه إن كان الانتحار جريمة وفق قول الله: «لا تقتل» يكون إهمال العافية قتلا بطيئا للذات ولا يسوغ إهمالها بدعوى تركها للرعاية الإلهية. وقد كتب لهذا القديس باسيليوس الكبير للرهبان أنه لا يحقّ لهم أن يهملوا دعوة الأطباء فالجسم شبيه بنبتة اذا زرعتها تسقيها ولا تكلّف ربك فيها تكليفا. هذا لا يستتبع أن تصرّ على العلاج في الحالات المستعصية جدا. دلّتني خبرة تفرّدي بالعلاج مرة أنه لأبسط وعكة عليك باستدعاء طبيبك وهو يشير عليك بالأخصائيين.


هذا لا يمنع -إن كنت مؤمنا- أن تلتمس رعاية الله لك. وهو وحده يتدبّر أمرك بلا معالج. ولكنك لست بديل ربك لتقرير ذلك. الجسم مجموعة أسرار ليس لك أن تسبر غورها، فالعلم شيء رتّبه الله في خلقه. «إن الطب آتٍ من عند العليّ وقد أُفرغت عليه جوائز الملوك… الرب خلق الأدوية من الأرض… إن العليّ ألهم الناس العلم لكي يمجَّد في عجائبه… اجعل موضعا للطبيب فإن الرب خلقه ولا يفارقك فانك تحتاج اليه. إن للأطباء وقتا فيه النجح على أيديهم» (يشوع بن سيراخ 38: 2-13).


# #
#

المريض المؤمن يصلّي ويدعو لأن الرغبة في الحياة أمر إلهيّ والكنيسة عندنا تصلّي من أجله. «أمريض أحد منكم فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يُقيمه وإن كان قد فعل خطيئة تُغفر له» (يعقوب 5: 14-15). وهذه الصلاة لها رتبة في التراث الشرقي والتراث الغربي تُدعى مسحة الزيت ونمارسها نحن في وسط الجماعة في الأسبوع العظيم. هذا لا يمنع أيّ علماني إن عاد مريضًا أن يصليّ من أجله ويضمّه هكذا الى رحمة الرب. كذلك في القداس الإلهي يذكر الكاهن المرضى دائمًا. الضعيف البنية إن كنت اليه وصلّيت كثيرا ما تشدّه الى التوبة. ولا تقل في نفسك داؤه مستعصٍ. ليس يعصى على الله مرض.


لا تُرجئ عيادة مريض من معارفك لأنك قد لا تجده حيّا بعد ذلك. تشدّه التعزية دائما. عندما قال يسوع: «كنتُ مريضا فعُدتموني» وحّد نفسه بالضعيف. جعل نفسه كأنه هذا المريض.


اذكر مريضك كلّ ليلة تكن حامله في حضرة الرب ولا تقل في نفسك هذا ينتهي. هذا أمر تجهله إذ ليس من طبيب جدّي يؤكّد أبدا أن هذا الإنسان يبقى له أيام معدودات ليموت. هذا سرّ الله فيه. لا يكفيه أن تزوره مرة لتُبيّن له قرباك. زره مرات إن استطعت. هذا يشدّده. هو في حاجة اليك. «ليس من مرض، هناك مرضى«. لا تكذب على صديق مريض ملاطفًا إيّاه بتعزيات غير صحيحة كقولك: »ليس معك شيء». لا تجعل نفسك طبيبًا. طبّب خاطره فقط بكلمات الإيمان. قد يقتنع بها ولو بدا لك في الماضي ضعيف الايمان. فالمرض حالة يعطي فيها الرب نفحات إيمان، وهذا يشفي نفسه، إن لم يشفِ جسده. لازمه إن تيسّر لك الوقت او ابعثْ برفقائك المؤمنين إن كانوا يعرفونه. هذا خير له ولهم. هذا يجعل في نفوسهم حنانًا، وربما أَدخل الرجاء الى قلب العليل فيفارق ونفسه أَضحت سليمة.


المرضى إخوتنا الأوّلون وأهمّهم المرضى الفقراء. إن كانوا في حاجة الى دفع أتعاب الطبيب، ابذلْ ما استطعت في سبيلهم دون أن يعلموا لأن الرب يكون قد استخدمك لتقوية سلامتهم. من المرضى الذين تعينهم تأتي سلامتك انت وينزل عليك الغفران ويرضى ربك عنك.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت 14 آب 2010

أنّى لي أن أدنو الى سرّ مريم في عيد رقادها غدا وهذه لا يتحدّث عنها الا المطهّرون وانا عي امام بهائها مع أنها أخذتني أخذًا فريدًا قبل بضع من سنين. إن اجترأتُ على الكلام يسحرني صمتها وهي الماكثة في صمت مذهل لأنها كانت تؤثر أن «تحفظ كلام الله في قلبها» اي أن تنتظر إلهها يُكلّمها حتى تتكوّن هي بالكلمة.

من المعروف أن العهد الجديد لم يذكر موتها لأن الإنجيل ليس سيرة مريم، والقليل الذي ذكره عنها له علاقة بسيرة السيد، والإنجيليون همّهم أن يكشفوا قوة المسيح وجلاله. لم يظهر حديث عن هذا الموت الذي نسمّيه في الشرق رقادًا اذ المؤمن لا يفنى. لم يظهر حديث عنه قبل القرن الخامس وبدا هذا في كنائس الشرق عيدًا اي تقوى في أناشيد وتلاوات غير مسكوبة في عقيدة. مريم لها أثر قبر في القدس الى يومنا في الجثسمانية في حمى دير راهبات روسيات. بعض الآباء على رأسهم يوحنا الدمشقي كتبوا عمّا حدث بعد موتها فتكلّموا عن انتقال جسدها الى السماء. تحديد الانتقال الجسديّ جاء فقط عند الكنيسة الكاثوليكية في اواسط القرن العشرين. الأرثوذكسيون متروكون لأناشيدهم التي تبدو قائلة بالانتقال الجسدي. هذا نسمّيه في اللاهوت رأيا ولا نسمّيه عقيدة.

ولكن تفحّص هذه النصوص يدلّ على أن مريم ساكنة المجد الإلهي بحيث تكون غير خاضعة للدينونة، وتراها الكنيسة البيزنطية أكرم من الملائكة، وقد يعني هذا فيما أرى أنها تتمتع بكمال الرؤية الإلهية اي بكمال الغبطة التي ليست بعد من حصّة القديسين. ربما جاز لي أن أَستند في هذا على ما قالته لنسيبتها أليصابات: «ها منذ الآن تُطوّبني جميع الأجيال». هذا أقرأه قراءة بسيطة على أنه يعني تقديرك لها تقديرا عظيما ولكنك تعترف أنها نالت الطوبى التي لا يحظى عليها الا المقرّبون من العرش الإلهي. وهذا في فهمي يعني أنك تخاطبها وتقبل أن يجعل الله صلة بينك وبينها تتجاوز التقدير العقلي الى حالة حبّ مريميّ لا أعرف حتى الآن كل جماله وكأنها تحملني كما حملت المسيح. واذا أَكرمتني بهذا أُصبح رائيا لوجهها.

# #

#

سأتوقف عند ثلاثة أحداث. أولهما البشارة كما وردت عند لوقا. الفتاة كانت عذراء ومخطوبة ليوسف اي انها كانت «مزوّجة» شرعا ليوسف ولم تكن بينهما مُساكنة. يأتيها جبرائيل ويبشّرها بأنها ستحمل وتلد ابنا ويطلب اليها أن تسمّيه يسوع. فقالت له مريم: «كيف يكون هذا ولا أَعرف رجلا». ماذا أرادت بهذا الكلام وهي متزوجة شرعًا اي مقبلة على زواج فعليّ بالمساكنة؟

زواج بلا اتصال لا يعني شيئًا عند اليهود وهم لا يُمارسونه. جوابها لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا أنها فهمت أن الملاك يقول لها بأنها ستحمل فورا قبل المساكنة. فهم الملاك أنها فهمت هكذا. لذلك قال لها: «إن الروح القدس يحلّ عليكِ وقدرة العليّ تظلّك» الى آخر الكلام. كشف لها جبرائيل أنها ستكون مطرح معجزة ليس لها سابق ولن يكون.

عند ذاك، قالت: «أنا أَمَةٌ للرب، فليكن لي حسب قولك» أي اني أتقبّل هذه المعجزة لإيماني بالله. كانت هذه طاعة لم يكن للعقل فيها دور. هذا إيمان غير مبنيّ على تأمل لاهوتي ولا على آية من العهد القديم. كان هذا ايمانا مطلقًا.

الحادثة الثانية الهامّة في حياة مريم هي عرس قانا الجليل الذي كانت فيه أُمّ يسوع. ولما نفدت الخمر قالت ليسوع: «ليس عندهم خمر». فقال لها يسوع: «ما لي ولكِ يا امرأة». رأى يوحنا الذهبي الفم أن هذا القول يتضمّن لومًا للسيدة العذراء. أقرأ هذا النص كبعض من قارئيه أن وجود الخمر وغيابهما أمر لا يعنيني. لماذا انتِ مهتمّة بأمر تافه؟ لم ترفض مريم قوله ولكنها آمنت أنه لن يترك المدعوّين الى العرس بلا فرح. لهذا قالت للخدّام: «مهما قال لكم فافعلوه». ثم كانت أُعجوبة تحويل الماء الى خمر.

تجاوز الكاتب الحديث عن الحوار الذي جرى بين يسوع وأمه. كان همّه أن يقول: »هذه أُولى آيات يسوع أتى بها في قانا الجليل فآمنَ به تلاميذه«. الأمر أعظم من أن نقول ان السيد قبل أُمنية والدته. ما كان همّ الإنجيلي أن يُظهر أهميّة هذه المرأة المتواضعة. كان هاجسه أن يكشف مجد يسوع وأن يربط بين المعجزة والعشاء السري. قانا كانت محطّة أولى في ذهن يوحنا الى آخر الطريق الذي هو موت المخلّص بعد مناولة التلاميذ كأس الخلاص. اختفت مريم لإظهار مجد يسوع. إنها دائما متسربلة بالخفر ليتمجّد ابنها. هذا دور كبير.

# #

#

ما يختم المريمية في الإنجيل هو وجود مريم والى جانبها التلميذ الحبيب عند صليب يسوع. «فرأى يسوع انه التلميذ الحبيب فقال لأمه: «ايتها المرأة هذا ابنكِ» ثم قال للتلميذ: «هذه أُمك» ». هذا تعليم وليس مجرد حادثة. يقول التراث ان التلميذ الحبيب الوارد ذكره هنا في إنجيل يوحنا هو يوحنا نفسه. ولكنه خفرا او تواضعًا او بأسلوب خفاء أدبي لم يذكر اسمه. قراءتي تتجاوز هذا لأتمسّك بالنص لأقول أن يسوع لم يكتفِ بأن يجعل مريم أُمّا ليوحنا. هذا صار ولكنه دون عظمة إنجيل يوحنا وقوته. لقد جعل يسوع مريم أُمّا لكل تلميذ حبيب.

ماذا تعني هذه الأمومة؟ أحسب أننا لن ندرك ذلك إلا اذا جعلنا هذه العظيمة حاضنة لكل قلب اشتهى أن يرتمي على حضن المسيح. تكون هي الى هذا القلب بحنان لا نعرف كل مداه قبل أن نُعاينها بعد القيامة لصيقة العرش الإلهي.

لذلك كله، نحن نُعيّد غدًا لرقادها العجيب.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الغفران / السبت 7 آب 2010

فعل غفر، يغفر يملأ القرآن. الله هو الغفور او الغفّار. والانسان يستغفر. اذ ذاك، ينال المغفرة. وفي مواضع كثيرة الله غفور رحيم. استعمال الكلمتين معًا يدلّني على أنّ المغفرة الالهية ثمرة الرحمة عند الرب. المسلم منجذب بشدّة الى كلمة الرحيم الواردة في البسملة.

في الآية 17 من سورة التغابن يقيم الكتاب رباطًا بين مغفرة الله للانسان وغفران الانسان للآخر بقوله: «وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم». هذا قريب جدا من انجيل لوقا: «كونوا رحماء كما ان أباكم ايضا رحيم» (6: 16).

غير ان اله القرآن يبقى على حريته الكاملة «فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» (البقرة 384). وهناك معصية لا مغفرة بعدها وهي الشرك وفق قوله: «ان الله لا يغفر ان يُشرَك به» (النساء، 48).

«فيغفر لمن يشاء» يقول محمد جواد مغنية صاحب التفسير المبين ان ليس لأحد ان ييأس من عفو الله فلعلّه مغفور له. «ويعذب من يشاء» ولا يأس من غضب الله، فلعلّه مغضوب عليه. اما مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي في قول (يغفر لمن يشاء) يعني انه يغفر لمن يشاء منهم رحمة وفضلا وفي (من يعذب من يشاء) يقول: ممن يستحق العقاب اذا صار الاثم من افعال القلب. عند الطبرسي (يغفر لمن يشاء) تعود المشيئة فيه الى الانسان لا الى الله ليرفع عن الله فكرة التعسف كما اظن ذلك «ان المحاسبة انما تقع على ما كسبته القلوب إما في نفسها وإما عن طريق الجوارح» كما يؤكد السيد محمد حسين الطباطبائي. الغفران الالهي او عدمه مرتبط اذًا بموقف الانسان من الله.

لا بد من العودة الى لسان العرب لنعرف تحديد المغفرة او الغفران. فالغفور (اي الله) هو الساتر لذنوب عبيده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. وفي هذا يقول داود النبي: «طوبى لمن غفرت ذنوبه وسترت خطاياه» (مزمور 32: 1). يعني ذلك انه تغاضى عن اقتراف الذنب لأنك صرت قريبا اليه بالتوبة، لأنك عدت اليه. فاذا كنت لديه لا يحسب ربك عليك خطيئة. هل يحفظها الله في ذاكرته؟ الله يعلم ما ارتكبت ولا يقع عليه النسيان ولكنه -اذا صح التعبير- يحفظك في قلبه نقيًا وكأن شيئًا لم يكن.


#             #
#

في الكتاب المقدس في عهديه الله هو الغافر. غير ان العهد الجديد بسبب من وحدة المسيح والله بنسب المغفرة الى المسيح ايضا (راجع كولوسي 3: 13). مثلها قول يسوع لمريض أُتي به اليه طلبا للشفاء: «مغفورة لك خطاياك» (متى 9: 2) في حين انه لم يسبق لنبي في اسرائيل انه غفر خطايا. هذا كلام لا لبس فيه اذ فهم الكتبة انه ينسب الى نفسه القدرة على الغفران وأكد هو ظنّهم اذ قال: «ان لابن الانسان سلطانّا على الأرض أن يغفر الخطايا» (متى 9: 6). قول المسيح هذا يجعل قدرته من قدرة الله نفسه ويبقى مضمون الغفران واحدًا وهو تجاوز الله للخطيئة او الاثم.

في العهد القديم فكرة خاصة لا نجد لها أثرًا في العهد الجديد واضحًا وهو ان الله يغفر اثم شعبه (مثلا في المزمور 85: 2)). هذا ناتج في تصوّري عن فكرة «شعب الله» الذي يقابله الله شعبّا وهو يقابل الله ويتكوّن شعبًا باختيار الله ايّاه في حين أنّ العهد الجديد لا يقول انّ الله يغفر للكنيسة. ربما لأن الكنيسة قيل عنها انها عروس المسيح ورآها الوحي بامتدادها الأخروي. ربما كان هذا ايضًا ناتجًا عن رؤية الرب للانسان في شخصيته المستقلة المسؤولة.

أجل سبق لحزقيال أنّه تكّلم على المسؤولية الأخلاقيّة للانسان الفرد مستقلاً عن القبيلة او الشعب ولكن ما من شك أنّ المسيحيّة كشفت أهميّة الشخص بصورة لم يسبق لها مثيل لا في اسرائيل ولا في الحضارة اليونانية.

على هذا الغفران العميم الذي هو من صفات الله يقول الكتاب في سفر الملوك الثاني (24: 40) ان الرب لم يشأ ان يغفر لمنسى «لأجل الدم البريء الذي سفكه لأنه ملأ أورشليم دما بريئا». هذا الحديث عن جسامة القتل وليس حديثًا مطلقًا، نهائيا عن غضب الله.

الى هذا يتحدّث الانجيل عن غفران الانسان للانسان. في الصلاة الربيّة في الترجمة الأرثوذكسيّة: «واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه» (متى 6: 12). توضحها آية لاحقة: «إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي». غفران الله لكم مشروط بمحبّتكم لمَن أساء اليكم. هذا لا يعني أنّ للانسان قدرة على الغفران بمعنى محو خطيئة الآخر. الخطيئة في أنّه لم يسامح واذ ذاك، لا يستطيع قلبه تقبّل الغفران الالهي لأنّ من أغلق قلبه عن الانسان يغلقه بالضرورة عن الله.

#                            #
#

انها طمأنينة للانسان ان يعرف محبّة الله له ولا سيما في الغفران. ماذا يحرّك الله الى هذا؟ أبوّته. المسيحيّون واعون أنّهم أبناء الله وأنّ الآخرين هم كذلك وإن لم يعرفوا البنوّة لله لفظا او تعليما.

كل هذا لا يعني انّنا نصرّ على الخطيئة متّكلين على رحمة الله. رحمة الله  شأنه وشأننا نحن التوبة. الخطيئة المتكرّرة تقسي القلب وقد تجعلنا بعيدين عن استرحام الله. الاسترحام يعني حوارًا والتجاءً الى الله. والرحمة من طول أناته. انت لا يحق لك ان ترمي نفسك على طول الأناة هذه. تقيم نفسك في التوبة ثم تأتي المغفرة وتنشأ بينك وبين ربّك مودّة وتستطيب بعد هذا حلاوة الرب.

«ليس احد يحيا ولا يخطئ». هذا تعليم الكتاب ونستعمل هذا القول في الجنازة الأرثوذكسيّة. هذا وضع وجد القديسون أنفسهم فيه. ولكنهم عرفوا أنفسهم في مقام المغفرة واللطف الالهيّ. عرفوا أنفسهم محضونين في الروح القدس الذي يطهّرنا من كل دنس وينقلنا الى ملكوت المحبة الذي يرى بولس انه ملكوت المسيح. هذا هو العشق الالهي الذي جاء الكلام كثيرًا عنه في تراثنا وعلى لسان المتصوّفين المسلمين. لعلّ صفة المغفرة في الله من أهم الرؤى التي تجمع المسيحيين والمسلمين وتقيمهم في مرتبة المحبوبيّة معا.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

لماذا أكتب؟ / السبت 31 تموز 2010

لمن أكتب؟ لمن يستطيع أن يقرأ، لمن يريد أن يحرّر ذاته من فكر له مغلوط او شبه مغلوط، ليرتقي بروحه الى الله الذي ينبثّ اليه من خلال ما يقرأ او الى المسيح الذي لم يكتب، ليرصف نفسه مع الذين فهموا، ليقدر أن يتوثّب الى روح الذي يكتب ومنه الى كل العقول التي تجيء من قلوبها لأن القلب هو المصدر الحق للعقول والمتخيّل. ومجموعات العقول في كل الحضارات المتلاحمة في الحق وبالحق هي مطرح العقل الإلهي الذي هو المحبة. أقول هذا طاعة مني لما جاء في رسالة يوحنا الجامعة الأولى في العهد الجديد القائل ان الله محبة. وحدسي أمام هذا التصريح اليوحنائي أن المحبة ليست صفة من صفات الله التي تملأ كتبنا المقدسة ولكنها اسم الله، الاسم الكامل الذي لا يعلوه اسم اذ الله يُنشئك من كونه يحبّك وقبل انعطافه عليك تتلقّى انت خبراتك بالفكر. اما خبرة الله لنفسه فهو أنه يحبك ويُلهمك المحبوبية. وعيك البشريّ لنفسك يأتيك من ذوقك لمحبوبيّتك فتصير واحدا مع الإنسانية كلها المكوّنة لرؤيتها نفسها محطّ الانعطاف الإلهي.

ومهما اختلفت وجوه الناس ودياناتهم ولغاتهم فالأمر الأكيد أنها واحدة كيفما عقلت الوجود. والمسيح لم يمُتْ لفئة او فئات متبعثرة ولكن للكتلة البشرية الكاملة، والإنسانية هي التي تزوّجها المخلّص لنفسه واحدةً مهما كان انتسابها اليه في معرفتها اذ الحقيقة في تصرّف الله تجاهها من حيث إنه ينسبها الى ذاته او الى أفعاله وأفعاله ضياؤها وما عندها من نور الا النور الذي يُشرق به عليها. لفتني مرة أن يسوع قال لأتباعه: «انتم نور العالم» (متى 5: 14)، ولكنه ما قالها إلا لكونه قال في مطرح آخر «أنا نور العالم» (يوحنا 8: 12). كلّ منا يجيء من إشراقة له عليّ وعليك.

من هذا الاتحاد بيننا وبينه أكتب لأُوقظ الناس الى الحق الذي فيهم، ليعرفوا أنفسهم إلهيين او متألهين، وهذا حوار لأن القارئ يتلقّى الحقيقة الصادرة عن الكاتب ويكُونها اذا الكاتب كانها أي أن القارئ يكتب نفسه بما قرأ، هذا إذا تواضع ليتقبّل هذا الذي نزل عليه. وفي نهاية التحليل الكاتب والمكتوب وما يصدر عنهما في التفاعل شيء واحد.

حُبّا بمن يُطالعني أُعطيه نفسي ولكني أُحاول ألا أُعطيه خطاياي. ومن هنا أنك لست بكاتب حق الا اذا تحررت من وطأة نفسك عليك اذا أتتك الوطأة من هذه الدنيا . ولكن اذا اخذ ربك أصابعك حينما تضع سطرا او مقطعا فهو المؤلّف وانت مكتوب. بكلام آخر لا تضع حرفا على الورق، حرفا مقدسا الا اذا نزلت عليك الحرية من نفسك الموطوءة او المدنّسة لأن هذا لا يحرّر من يقرأك بل يسجنك في الدنس الذي فيك. من هنا أن ليس الفن للفن، ليس للجمال المسطّح لغة او زخرف. الجمال ليس الجماليات المتعارف عليها. انه جمال الحقيقة التي تعرف دائما أن تنتقي منك ما يُطهّرك ويُطهّر الآخرين. الجمال جلال وبهاء من فوق حتى لا تقع في عبادته اي في عبادة نفسك والانتحار فيها. الجمال الذي تظنّه أدبيّا اذا لم ينتقل بهاءً الى نفوس الآخرين إغراء ووقوع الكاتب وقارئه في هذا الإغراء.

# #
#
مسألة الكتابة الأدبية أنها ليست وعظا اي تعليما دينيا مكررا بألفاظ تختلف. الموعظة يمكن أن تكون جميلة أدبيا لأنك تحتاج الى أن يعبُر النص إلى القلب. والشكل التفه لا يعبُر. الوعظ يجوز فيه التفنّن ولكن دائما للحقيقة التي يحيا بها حافظها ويحيا بها المتلقّي. الخطر في الوعظ عبادة الكلمات القديمة المكرورة، والقديم لا ينزل على الإنسان الذي يعيش عصره. تغيّر له الكلمات ليقتبل الحقيقة الأبدية الكامنة في الكلمة الموروثة. ولكنها لا تصبح روحا إلا اذا التقت روح المستمع. الكلمة هي الحقيقة المختبَرة (بفتح الباء) حتى تقدر أن تنشئ نفسًا تذوق وتتحول.

أُمّة الله او الكنيسة كما يسمّيها المسيحيون هي مجموعة المتحوّلين وبالتعبير الدينيّ مجموعة التائبين الذين يعرفون لكونهم خاطئين أنهم ليسوا بشيء إن لم يأكلوا الكلام الإلهي الذي ينسكب عليهم من بشر أحياء حاولوا أن يهتدوا ليصيروا وسطاء الكلمة القديمة، اذا تحوّلت أشخاصهم وليس فقط أسلوبهم. فالأسلوب تقانة اي انه آلة في يد من أعطى كلاما جديدا ولكنه أمين. من لم يصبح وليد النعمة ينقل اليك كلاما ميتا، وهذا ليس ببليغ. مهما اقتبست من علوم اللغة، لا يستخدمك الله إن لم تخدمه انت بالرجوع اليه. لست وسيطا إلا في طاعتك له، ومن سمعك يبقى ميتا لأنه يأخذ كلاما ميتا، اما اذا غدوت إنسانا جديدا تصنع به ناسا جددا. والجديد قديم اذا نقلَتْه نفسٌ تجدّدت بالحب والتواضع.

# #
#
لماذا أكتب اذًا؟ الجواب الأصحّ أني أكتب لأتطهّر، لأقترب من الله الذي أعرف أنه يستكتبني، لأقول كلمته لا كلمة صادرة من رغبات بشر. أكتب لأنقل ما جعله الله على قلمي وليس لي فيه شيء، فإذا لم أصر واحدًا مع المكتوب أكسر قلمي، وإن لم أسعَ الى أن أصير واحدا مع من يقرأني، من أحسبه قابلا لله أكون مخطئا إلى القارئ، أكون قابلا لخطاياه، متآمرا وإياه على ربي، مؤلفا وإياه كتلة متفذلكة تدعى المثقّفين. هذه الكلمات تكون «أزهار الشر» كما سمّاها بودلير اي أزهارا سامة.

هذا يجلب عليّ دينونتي، والصمت في هذه الحال نجاتي من السمّ. انا كاتب مسيحيّ واذا أحسست نفسي متمرّسا بالمسيحية يكون عندي شيء أقوله لجميع الناس لأن المسيح يمسّ كل القلوب فتأخذ ما تستطيع أن تأخذ والنفس البشرية مؤهلة للمسيح. ولكن هذا لا يعني أني تنقّيت بالكامل. لذلك قد لا يكون المسيح عبر بكماله الى هذه الكتابة التي أستخدم. القديسون يحيون حياة الرب وما استطاع الكثر منهم أن يكتبوا. إنهم أنارونا واستضأنا بنورهم. الكاتب عنده دائما شيء من بشرته فإذا كان مؤمنا هو معذب بسبب من ذلك. يحاول مع هذا أن يكون رسولا ويغفر له الغفّار اذا أخطأ وينتقل ما ينتقل. ولكن وُضع النير على كاهل من أُعطي أن يكتب، ويكتب لأنه يطيع. ومن لم يُطِع يكون قد بدّد الوزنة التي عليه أن يستغلّها ليتمجّد الله به.

الكاتب الأمثل هو اذًا مَن تطهّر كليا، مَن وصل الى الفرح الإلهي. والفرح يكتب كما يكتب الوجع. ولكن الوجع يأتي من الخطيئة احيانا او يأتي من صعوبة التخلّص منها. هناك دائما خضّة في النفس نؤتاها من سقطاتنا او من محاولة التوبة عن سقطاتنا.

الحزن يكتب والتهليل يكتب. وفي كل حال تأتي الكتابة من الدهشة، وعند القديسين تأتي من الذهول، ذهولك امام المجد الإلهي. هذا يعني أنك تجاوزت ألم المعصية. من غرق فيها لا يبقى له قلم لأنه لم يبقَ شاهدًا او مُشاهدا للجلال. اما من بقي عنده شيء من المحبة فلا بد له أن يحب قارئا لا يعرفه.
من كتب لا يعرف قارئيه. يكتب كما يكتب، كما يسري قلمه لأنه هكذا يعيش وهكذا يتحد. قيل لأبي تمّام: «لماذا تكتب ما لا يُفهم؟» أجاب: «لماذا لا تفهمون ما أكتب؟». انت تكتب بطريقتك لأنك هكذا تحب وتصل الى المجاهدين في الفهم، واذا أَحسّوك بعض المرّات يصلون الى ما أردتهم أن يتبلّغوه، وعزاؤك في هذا أن بعضا من الناس صاروا من أُمّة الله.


Continue reading