Category

2013

2013, مقالات, نشرة رعيتي

من الموت إلى الحياة/ الأحد 6 تشرين الأول 2013/ العدد 40

لنا في إنجيل اليوم صورة شاب ميت ابن أرملة يقيمه السيد. يلتقي السيد الجنازة خارج السوق، والقـوم قـد وصلوا الى المقـابـر، ومع هذا لا يُسلّم المسيحُ للموت، لا يُسلّم لنهائية الموت، ويأمر الفتى أن يقـوم، ويـدفـعـه الى أُمـه.

سيـّد الحياة والموت يستطيع أن يُقيمنـا في اليـوم الأخيـر، وهـو يقيمنـا دومـا. تبـدأ القيـامـة اليـوم في القـلـب البشـريّ حسبمـا أجـاب السيـد أُخـت لعـازر لما قالت ان أخاها سيقوم في اليوم الأخير، قال لها: »انا القيـامـة والحيـاة«. معنـى ذلـك أن من كان للمسيح يتجـاوز كل ترضيض وكل تكسير يُحدثهما الموت فينا والخطيئة. ليس الموت سوى تجمّع خطايا، اذا تكدست طـوال العمر وفعلت في هذا الجسد. النفس والجسد واحد. انهما متماسكان حتى الموت. وينهار الجسد، ينهار بعد أن ورث من الطبيعة فسادها ومن الكون زواله ومن النفس كل تقهقر فيها. تتوافر هذه الاشياء لتحجب الجسد الى حين، لتجعله في الرحمة، حتى اذا انقضت الرحمانية كاملة في اليوم الأخير نُبعث الى الحياة الجديدة التي لنا في المسيح يسوع.

الإيمان من شروطه أن يُحسّ الانسان بأنه معرّض للكسر بالنهاية، انه وحده لا شيء، وان الله كل شيء. الانسان الذي يتبجّح ويحسب انه شيء قد أضاع الإيمان. والانسان الذي يحسب انه لا يستطيع النهوض بعد سقطة هو ايضًا أضاع الرجاء. ولكن الانسان الذي يعرف بآن معًا أنه معرّض للسقوط وقابل للنهوض من بعد سقوطه هو المؤمن الراسخ.

إنجيل اليوم يعطي هذا حجمًا كبيرًا اذ يضعُنا أمام شاب ميت زالت كل حياته منه، وأمام مخلّص حيّ هو كل الحياة. واذا اجتمع الحيّ مع الميت، يحيا الميت من جديد، يحيا مع الحيّ.

انعكاس هذا في حياتنا شرَحَه الرسول بولس في رسالتـه الثـانيـة الى أهـل كـورنثـوس لمّا قـال أن لنا هذا الكنـز، اي كنز النعمة، في آنية خزفية، في آنية من فخّار هشة تُكسر ليكون فضلُ القـوة لله لا للنـاس. كنـز النعـمـة في آنيـة مـن فخار تُكسر ثم يجمع الله القطع بعضها الى بعض حتى يدرك الانسان انـه كـان لا شيء وانه أصبـح بالله شيئا.

ترجمة هذا في حياتنـا اليـوميـة تـرجمـة صعبة ولكنها منقـذة. ليس صحيحًا أن النـاس يعـرفـون أنهم خطأة. خبرتي الكهنوتية دلّتني أن المسيحيين لا يعـرفـون حـقـًا أنهم خطـأة. يقـولـونهـا كلمـة، لـفظـة عنـدما يقـولـون: نحن خطـأة. معـظـم المسيحيين يحسبـون انهـم صالحـون. ولكـن مـن استطـاع أن يعـرف انـه فـي كـل يـوم يـزنـي، فـي عـيـنـيـه او أُذنيـه او في قـلبه يزني، فهذا على طريق القداسة. من استطاع ان يعترف أن تعامُلـه مع الآخـرين في العمـل وفي المجـتمع، فيه سرقة واحتيال، هذا بدأ سر الموت والقيامة. أن نشعر بأننا خطـأة وأن نرى أمامنا يسوع شافيا لكل مـرض، ان نجثـو أمامـه، وأن نـؤمـن بأنـه قـادر أن يعـطـي وبأننا قـادرون ان نُشفى الآن، وأن نبقى عـارفين أن هذا الإناء الفخاريّ يبقى خزفا هشًا، وانه معرّض للسقوط من جديد. وأن نعرف ايضًا أن الفضل لله لا لنا. هذا هو إيماننا. نحن أُناس من فخّار، والله هو إله العطاء والمحبة. الله يجمع الفخّار ويجبله من جديد بالحب الذي عند الفخّاريّ الكبير.

شاب نايين هو كل واحد منا، يقيمه الرب يسوع من الموت ويُسلّمه الى أُمّه الكنيسة كي يفرح فيها وتفرح هي به. هكذا نحيا منبثقين من قلب الفجر في نور المسيح.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

من بعد موت قيامة / السبت ٥ تشرين الأول ٢٠١٣

كل نفس ذائقة الموت وذائقة للقيامة. ما هي بذائقة للفناء وحده. ما من أحد يرتضي أن يفنى بالموت ولكنا ارتضينا جميعًا أن نعبر الموت لإيماننا بأن بعده شيئًا جديدًا واستمرار الوجود. هناك لا بد من انكسار، من موت. لا أحد يحس بقيامة أو بوعد قيامة الا من بعد تطلع إلى الموت. هذا هو سرنا أننا لا نشعر بالحياة استمرارا للحياة. يجب أن يكسرها موت لتأتينا أفضل. يذهلني أن معظم البشر يخشون الموت لحتميته لانعدام احساسهم بأن ثمة وعود قيامة لأن الله وحده رازق الحياة.

ما نسميه قيامة ليس مجرد تواصل هذه الحياة وتلك النازلة عليها من طبيعتها. انها حياة أفضل. هذا هو السر أن الموت يعطيك حياةً أفضل، تلك التي ربك رازقك. هي منه وليست مجرد انبعاث للماضي الذي له دائما طعم الموت. السر أن الانبعاث فقط من الله وليس هو مجرد تجديد للقوى الجسدية التي كانت فينا. الموت أساسي لنيل الحياة الجديدة وهي ليست مجرد استمرار وضع بيولوجي. في القيامة ننال نعمة أي افتقادا إلهيا لا يموت فيه كياننا إلى الأبد. يجب أن ينتهي الفاني. «الأشياء العتيقة قد مضت. ها كل شيء قد صار جديدًا» (٢كورنثوس ٥: ١٧).

الموت طريقنا إلى الإنبعاث. الموت بعد أن كان لعنة بسبب من السقوط صار نعمةً بسبب من القيامة. لماذا كل هذه المسيرة لست أعلم. هذا هو المكتوب في كتبنا. لماذا نموت ثم نُبعث؟ الجواب الوحيد في الكتاب أننا نموت بسبب من العصيان. «أجرة الخطيئة هي الموت». ولكن الكتاب يعلم أيضًا أن البر المستعاد بالتوبة ينبوع الحياة الجديدة. الحياة الجديدة ما هي الا الله فينا.

المسيحية ديانة قيامة أي انها تقول بالموت وتقول بالانبعاث. رؤيتنا ليست انبهارًا بحياة دائمة. الحياة والموت عندنا متداخلان، في جدلية دائمة إلى ان ينتصر الله بالقضاء على الموت في اليوم الأخير. نحن نقول اننا نموت والموت نراه نتيجة للخطيئة أي عقابًا. والعقاب في حكم الله كما المكافأة. بكلام آخر الإنسان يميت نفسه اذا أخطأ. ولكن الرحلة هي إلى القيامة وهذه ليست فقط في نهاية العمر. انها تقطع جمود العمر وتحييه بنفثات حياة. عندنا ان القيامة تحل فينا أي انها قائمة في وجودنا لأن المسيح من بعد ان قام جعل قوة قيامته في حياتنا كلها.

في الواقع البشري ليس من موت واحد. هناك ميتات روحية، سقطات، انهيارات رهيبة. الموت الجسدي تعبير أخير عن كل انكفاء، عن كل اندثار. ولكن هناك كل الميتات التي تحدثها الخطيئة فينا. الموت في ثنايا ما يبدو حياة. كل انكفاء لذرة حياة نوع من أنواع الموت. هذا نصارعه نحن بوعود القيامة التي المسيح اعطانا. في الحياة الروحية نتوق إلى الخلاص من الموت ولنا في الإيمان والأسرار الكنسية قيامات حتى يخطفنا المسيح إليه في يومنا الأخير.

الحقيقة ان الموت يرافقنا وليس هو فقط حدثًا أخيرًا. كل سقطة موت. ولكن قوة القيامة في حياة الإيمان التي نحياها تتأكل الموت اليومي الذي يداهمنا حتى يبعث الله أجسادنا المائتة.

مع الرجاء نعيش تداخل الحياة والموت. الرجاء ليس ارجاء. هو ذوق مسبق للحياة العليا واذا حلت هذه يبطل الرجاء. بفضل الإيمان نذوق مسبقًا كل الآتيات. الآتيات تنزل علينا في كل حين. ذوقنا اياها يعطينا اياها قبل تحقيقها الأخير. بهذا المعنى كان كل ارتفاع روحي قيامة صغيرة إلى ان يخطفنا الله أخيرًا إليه.

Continue reading
2013, مقالات, نشرة رعيتي

قواعد الأخلاق المسيحية/ الأحد 29 أيلول 2013/ العدد 39

يقول لنا إنجيل اليوم وهو مأخوذ من بشارة الإنجيلي لوقا: “كما تريدون ان يفعل الناس بكم، كذلك افعلوا أنتم بهم”. نجد هذا القول للسيد في إنجيل متى ايضًا (٧: ١٢). هذا قول ثانٍ والقول الأول، ولم يُقرأ اليوم، كان: “ما لا تريدون ان يفعل الناس بكم لا تفعلوه أنتم ايضًا بهم”.

عندنا في إنجيل اليوم قاعدتان أساسيتان في السلوك المسيحي: القاعدة الأولى هي أن نمتنع عن أذى الناس، ألا نشي بأحد، ألا نكذب، ألا نسرق، ألا نقتل. أيّ شيءٍ لا نتمنّاه لأنفسنا ينبغي ألا نفعلـه ضد الآخرين لأن الآخرين، كل الآخرين، هم أبناء الله والرب يفـرح بهـم، يضيئهم جميعًا بوجهه الى اي حيّ انتموا ومن اي فئة جاؤوا. فالناس كلهم لله، شاؤوا أَم أَبَوا، علموا به أَم لم يعلموا. وكما ان الأبنـاء في العائلـة قد لا يعرفون أن أباهم وأمّهم يحبّانهم، قد لا يشعـرون في ذاتهم بمحبة والديهم، مع ان الوالدين يحبّون اولادهم ويريدون لهم كل خير، هكذا الله معنا: يحب، يحب من يعرف نفسه ابنًا له ومن لا يعرف نفسه ابنًا له لأن هذه هي أخلاق الله.

والقاعدة الثانية في السلوك المسيحي أَوجَزَها لنا ربنا بقوله: “كونوا رحماء كما ان أباكم هو رحيم”. هكذا اختُتم إنجيل اليوم بعد أن أعطى السيد فيه أمثلة عن تعليمه: إن أقرضتم أحدًا ولم يدفع لكم فلا تكونوا ضده. لا تنتظروا أن تستوفُوا شيئًا، فالناس قد لا يبادلونكم العطاء بالعطاء.

المسيح لم يقل لنا: إن أحببتم الناس، يُحبّونكم بالضرورة. طبعًا هذه هي القاعدة أننا إذا أحببنا بشكل صحيح وعميق، بإخلاص، يبادلنا الناس المحبة. ولكن هذه ليست قاعدة منتظرة: قد يبادلوننا البُغض. قد لا يقدر انسان أن يحب. ولكن علينا نحن أن نتشبّه بالمسيح الذي أَحبّ أعداءه وغفر لهم وهو على الصليب، لأن المحبة غلاّبة في الأخير، هي دائمًا منتصرة.

هذا يعني أن لا نُقصي أحدًا عن قلوبنا، الا نجعل واحدًا في القلب وواحدًا خارجه. كلهم في الداخل ونعاملهم على هذا الأساس. القربى نُنشئها نحن، نحن نبادر بالاقتراب الى الناس ولا ننتظر منهم شيئًا. البشر في طبيعتهم لا ينفتحون على الآخرين، يتعصّبون لعائلتهم او قريتهم او طائفتهم. يظنون أن عائلتهم خير من بقية العائلات، وأن قريتهم أفضل من غيرها، وان طائفتهم خير من كل الطوائف. والواقع أننا كلنا من هذا الطين، كلنا مجبولون بالخطايا.

ما يقوله لنا الإنجيل هو أنه ليس من مجموعة بشرية امتازت بالأخلاق، هذا غير صحيح. توجد ظروف وانفعالات، ولكن البشر، الى اي مجموعة انتموا، بينهم خطأة كثيرون، كما بينهم محبّون كثيرون. الخطيئة والبر لا يحتكرهما أحد. الخطيئة موزّعة، والقداسة موزّعة.

عندما نجتمع معا لنُقيم الذبيحة الإلهية، نُعلن اننا جميعا واحد في المسيح، واحد في محبته، موزّعون قلوبنا الى الناس جميعا من أطراف الدنيا الى أطرافها، لنبقى أمناء حتى النهاية، والحب عندنا له الكلمة الفصل.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

في الخلق / السبت في ٢٨ أيلول ٢٠١٣

الله قبل الخلق الحسي كان في نفسه ملامسا مخلوقاته بنوع من الملامسة أي كان باثا فيها ما كان غير مخلوق. يلامس بمشيئته ولا يلامس بطبيعته حتى يبقى الفاصل الكينوني قائما بينه وبين الخلق. ولكن ما تعني محبوبية المخلوق؟ ما العلاقة الداخلية بين الواجد والموجود؟ في العقل وجب القول بأن ثمة فاصلا كيانيا بين الواجد والموجود. ولكن كيف نفهم الحب الإلهي للمخلوق؟ هل من فاصل بين المحب والمحبوب؟ هل الله يتعدى ليلتصق؟ ما اللصوق الإلهي بنا؟ هذه أشياء نفهمها بالحب ولا نحتاج إلى فلسفتها. ولكنا نحيا بما لا نفهم عقليا اذ نحيا بما خبرنا.

الشيخ مهدي شمس الدين الذي أحبني كثيرًا كان دائمًا يحذرني من الحلولية. أنا أفهم ان الحلولية فزاعة المسلم لأنه يخشى ان يمس التنزيه الإلهي. والمسيحي لا يخشى الحلولية كثيرا لعلمه ان التجسد الإلهي يحفظ نزاهة الله عن المحسوس ولا يمزج بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح اذ الوحدة بينهما قربى وملامسة وتداخل بلا انصهار. أفهم ان يكون المسلم في حالة رعب من الحلولية لكونه يتهيب الكلام عن الاتحاد بين الله والإنسان. يخشى كلاما يشتم منه نوع من انحلال اللاهوت في الناسوت. نحن المسيحيين المستقيمي الرأي أقمنا قواعد تمنعنا من خلط اللاهوت بالناسوت فإذا قلنا ان ابن الله صار انسانا منعنا الكلام عن تحول اللاهوت فيه إلى ناسوت. إقامة الناسوت في لاهوت المسيح يحفظ كلا منهما على خواصهما. اللاهوت عندنا لا يصير ناسوتا. ابن الله يضم اليه الناسوت ضما أو تبنيا والخواص متداخلةً تبقى على ذاتيتها. في اللاهوت الأرثوذكسي نحن نعرف ان المخلوق يبقى خارج الطبيعة الإلهية وان كانت قوة هذه مبثوثة في المخلوق دون انصهار أو تحول أو تشوش. هذه أشياء نعرفها بالقلب. الله في عطائه لا ينتقص من كيانيته وحبنا له لا يعدم كيانيتنا. هناك تواصل حتى التلامس مع حفظ الاستقلال للكيان الإلهي وللكيان البشري.

هناك رؤية دقيقة جدًا في الكنيسة الأرثوذكسية للعلاقة بين الناسوت واللاهوت في المسيح. بين اللاهوت والناسوت في السيد ليس من انصهار ولكن ليس من تباعد. هذا هو السر الذي لا نتخطاه بالكلام. لا ينتقص التجسد شيئا من ألوهية الرب يسوع ولا يزيد في الطبيعة شيئا على بشرية الإنسان. هذا لقاء في سر الآب.

ماذا أعني بقولي ان بين الله والانسان ملامسة. الواضح عندنا ان ليس من اختلاط أو امتزاج بين الالوهة والبشرية.

الله يبث منه شيئًا في الإنسان. ولكنه، لا يشرك الإنسان في طبيعته. هذا يكون شركا أي اختلاطا أو تمازجا أو انصهارا بين الطبيعتين. في اللاهوت الأرثوذكسي هذا غير ممكن. ما التلاقي اذا بين الله والإنسان اذا تجاوزنا التعبير الشعري لنقول شيئا كيانيا؟ في ما اجتهدنا فيه في المسيحية الأرثوذكسية ليس هناك اندماج بين الطبيعة الإلهية والبشرية. نحتنا في الأرثوذكسية كلمة جديدة ان ثمة تلاقيا بين القوى الإلهية والقوى البشرية على نحو لا نفهمه عقليا ولكننا نختبره في الحب. بين الله والإنسان لقاء إلهي من حيث ان ثمة فينا شيئا غير مخلوق يتقبل الله وأتجاسر ان أقول ان فينا شيئا يحتضن الله.

في المخلوق قوة إلهية هي ليست حلول أو انصباب طبيعة في طبيعة. واضح في اللاهوت الأرثوذكسي وهو لاهوت آباء الكنيسة ان الإنسان يتأله كما ان الله تأنس في المسيح ليس بمعنى ان طبيعته تتحول إلى طبيعة الهية ولكن بمعنى انه يكتسب قوى إلهية. اللاهوت دون ان ينفطر (ينكسر) يلتقي الناسوت فينا. يداخله ولا يتحول إليه من حيث الطبيعة. اذا كان عندك حب لله حقيقي تفهم هذا. كل منا على صعيد الخبرة الروحية وليس على صعيد القياس العقلي.

هذا صعب الكلام فيه لأنه ذوق إلهي. النفس ذائقة الله والا لما استطاعت ان تتحدث عنه. الله ليس موضوع إنشاء. انه خبرة حب يصورها اللسان كما يستطيع. والقديسون يعرفون كل هذا في ذوقهم لله وينقلون إلينا الحق من قلوبهم وتتقبله قلوبنا. مشكلة اللاهوت الحقيقية انه لا يسكب في قوالب عقلية. اللاهوت الحقيقي حسنا بالله ولا يأتيك من كلام. ينزل اليك أو لا ينزل لأنه من الله الذي لا توضع حقيقته في قوالب. اللاهوت قداسة وهذه ليست زينة كلامية. اللاهوت في كنيستي ليس معلومات عن الله اذ الله لا يعرف بالكلمات. مشكلة اللاهوت الذي نكتبه انه حديث في الله وليس الله. لذلك كان اللاهوت الذي تؤمن به كنيستنا قداسة وليس علما تتلقفه من الكتب أي ان اللاهوت حياة تقرن بكلام او لا تقرن بكلام. بعض من كبار القديسين لم يكتب شيئا ولكنهم تكلموا. المسيح لم يكتب شيئا ولو كان قارئا للكتاب الإلهي.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الشيخوخة والعتاقة / السبت ٢١ أيلول ٢٠١٣

الشيخوخة مرحلة من العمر او هي قدمه وكثيرا ما رافقها هبوط الهمة والحزن احيانا حسب قول الشاعر: يا ليت الشباب يعود يوما. حزن على النضارة وربما اللذات التي فاتت والحس باقتراب الموت، حسّ يرافقه حزن عند الكثيرين شغفا بالحياة. ربما لم يإلف الكثيرون ان الشباب مرحلة تنقضي لكونهم يحسون ان الحياة هي اللذة ولكونهم لم يدخلوا بعد مرحلة الفرح المقيم المستقل عن تقادم الزمان. الناس معظمهم من هذا اللحم وليسوا فقط في هذا اللحم. يذهبون بذهابه: لذلك يحسون ان الشيخوخة عتاقة اي انقضاء الطيب من الحياة مع ان اصحاب الحس الرهيف يرون جمالنا في كل مرحلة من مراحل الوجود.

الشيخوخة معنويا تعني الحزن على ما انقضى وكأنه بالضرورة الأفضل او الأكثر متعة. هؤلاء لم يذوقوا ان الفتوة ليست بالضرورة الأجمل او الأعمق وان القدرة الانسانية في أعماقها وأبعادها لا علاقة لها بالسن. هناك شبان عتقت همتهم ويئسوا من وجودهم وثمة مسنون ينظرون الى غدهم وما عتقوا. الأحياء الأحياء من لا يحسون ان شيئا منهم انقضى وان شهادتهم لا علاقة لها بالأعمار لكونهم يجيئون من الحق. الشيخ من نظر الى الموت يفنيه. الحيوية لا علاقة لها بالأعمار. الحياة هي الرجاء اي انها ان نذوق الغد في يومنا. الشيخوخة هي الشعور بالفناء قبل ان يأتي الفناء. ان كنت حيا فماضيك ما مضى، انت في موصولية دائمة.

تبدأ الشيخوخة اذا شعرت انك أدركت المرحلة الأخيرة من عمرك. اما اذا أحسست ان لك غدا فما انت بشيخ مهما انقضت الايام عليك. انت حي اذا شعرت بالغد. واذا تخيلت انك انتهيت فأنت منتهٍ. ان رأيت انك آتٍ من الله فأنت حي. واذا أحسست بهمة اي بإقبالك على الحياة فأنت حي. استعد للموت كل يوم ان كنت مؤمنا لأن لك بعده اقاء مع الله ولكن اعمل كأنك تعيش ابدا. لا تحسب للموت حسابا. لا تحتاج الى هذا ان عشت في التوبة. فكر بالموت ابدا لكي تبقى ابدا تائبا واذ ذاك لا فرق عندك بين موتك والحياة.

ليست الشيخوخة دائما حسنة. تصبح كذلك ان رافقتها التوبة لأن التوبة تجديد. انت شيخ اذا انطويت اي اذا ترسخت على ماضيك. لا تبقى شيخا ان أحسست ان لك غدا تنتظر فيه احساسا بالله وبالآخرين. القضية ليست قضية عمر. هي قضية حيوية. ويمكن ان تجربك الأوجاع وتحس انك موجود وفاعل. ولكن انتظار الغد لا يكفي. يحوجك الرجاء.

العمر هو في العطاء. هناك شبان انتهوا وشيوخ لم ينتهوا. الحياة تطلع من رجاء اي انتظار التحقيق لوعود الله في عمرك. المهم الا تسقط مع تقادم الزمان عليك. توثب دائما ولا تستسلم للعمر. الرب آت. آتٍ مع وعوده وكرمه. تيقن ان وعيك ممكن حتى منتهى الشيخوخة وان رجاءك ممكن.

لا تمت معنويا قبل ان تموت جسديا. هذه خطيئة. ليس المهم فقط ان تعيش. الأهم ان ترجو. لا تسقط في اليأس. لا تسقط في الحزن. لا يمكنك ان تنتج بلا فرح. سر دائما، لا ينقطع سيرك لأن الرب آتيك غدا. هو ينتظرك وكثيرا ما كانت الشيخوخة اطلالة على الفرح. وليست فقط اطلالة على الموت ولو كانت كذلك فالموت يحمل وعود حياة ابدية. تقول لله «لست اخشى الشر لأنك معي. عصاك وعكازك هما يعزياني. ملأت قلبي فرحا».

العتيق من انتهى. الثوب العتيق هو الثوب المعد للرمي. الانسان لا ينتهي. لا تقبل ان تعتق. في العطاء لا فرق بين شاب وشيخ. العطاء من الروح. والحياة الروحية لكونها نازلة من فوق لا علاقة لها بالسن. تأتيك متى تتقبلها. الشيخ حي اذا أبدع، اذا تجدد … الناس وكثيرا ما عتق الفتى بالضجر. لا تخشَ تقادم الزمان. انت لا تعتق بالجسد. تعتق ان كففت عن العطاء، ان وقعت باليأس. العمر لا يقاس بالسنين. يقاس بنوعية الوجود.

الجسد اذا شاخ له ان يحمل نفسا متجددة. في الامور الكبرى ليس الجسد شيئا. الوجود وعيك لله فيك ووعيك للعطاء. تنشأ الأشياء حولك بهذا الوعي. لا تخشَ إقبال الشيخوخة عليك. كثيرا ما كانت نعمة لانها كثيرا ما كانت وعيا، وعيا لله فيك وفي عطائك.

الانسان ليس بعمره. انه بتوبته اي بمعرفته انه يجيء من فوق وانه يصنع حياته بما ورثه من فوق. الحياة لا تأتيك. انت تأتيها بما نزل عليك من ربك. الوجود نوعية وجود. انت تذهب من داخلك الى ما حولك. لا تأتي انت من الخارج. لا تخش شيئا. اخش فقط ان تصبح انسانا سيئا، ان تسمي الخير شرا والشر خيرا. هذه هي نهاية وجودك الانساني. واحدة اسأل الرب واياها التمس ان تبقى امام وجه الرب طوال ايام حياتك. الدنيا، اذ ذاك، تعطاها كزيادة.

لا فرق، عند ذاك، بين شيخوخة وشباب، بين غنى وفقر، بين صحة ومرض. لا تسع الى شيء من الارض فالرب يعرف حاجتك اليه ويمن عليك على قدر حاجتك. «الرب يرعاني فلا يعوزني شيء». لا زيادة على الله. وربك رفيقك في كل مراحل عمرك. لا تطلب لنفسك منه شيئا محسوسا. هو يكللك بكل نعمة منه.

أنت لا تنطوي في أي سن لأنك منفتح على العطاء النازل عليك. ليست الحياة سعيا فقط. انها تقبل نعمة اي انها رجاء. والرجاء ممكن في كل مراحل الوجود. حياتك يصنعها الله معك. اقبلها منه عطية. لا تخشَ الشر. انه غير قادر على المؤمنين. سر راجيا مجيء الله اليك. انه يجيء متى شاء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

آلام وقيامة / السبت ١٤ أيلول ٢٠١٤

ليس من حزن في الكنيسة منغلقًا على نفسه ومنتهيًا ومهما يكن من أمر لسنا مرة في موقع وجع معنوي نهائي. الرجاء دائما لاحق بالألم. هذه مسيرتنا على صورة ان يوم قيامة المخلص كان لاحقا لموته. ليس عندنا انفصال بين الموت والقيامة. باللغة الفلسفية هذه جدلية الموت والانبعاث. لذلك كان فصح الكنيسة الأولى يتضمّن الثلاثة الأيام الأخيرة من الأسبوع العظيم وما كان المؤمنون آنذاك واعين انهم يعيدون ليوم الجمعة العظيم ويوم الفصح مفصولين أو منعزلين احدهما عن الآخر.

الأهمية لهذا الثنائي ان آلام المخلّص ليست نهايته ولكنها انطلاقة إلى قيامته. المسيح كان حيا يوم الجمعة العظيمة كما كان حيا في الفصح. المسيح غالب في آلامه وحي في موته. لما قال: «أنا القيامة والحياة» لم يكن يتحدث عن قيامته من بين الأموات. كان يعني ان شخصه – في صلبه وانبعاثه – هو الحياة لأن الموت ولو حصل جسديا لم يقهره وما أخضعه. الرب حي في كل مظاهره الجسدية.

الأمر العجب ان القيامة في معناها العميق وفي مداها كانت مرافقة للسيد في كل أطوار حياته على الأرض. أجل مات المسيح في الجسد ولكنه ما أبيد. في موته كان حيا لأن ألوهته كانت مرافقته وكانت تحيي جسده. بصورة ما كنا نراها. مات يسوع ولم ينقرض. ما فني الرب لحظة واحدة. هذا سر يفوق العقل ولكن هذا هو ايماننا. يسوع كان دائما حرا من الموت ولو كان في قيده المنظور. موته كان عربون الحياة التي أعطانا اياها. لذلك نقول عن كل أمواتنا انهم راقدون على رجاء القيامة والحياة الأبدية.

نحن في آلامنا الجسدية والنفسية ذائقون موت المخلّص وقيامته بآن. حياته كانت في الصلب كما كانت في انبعاثه من بين الأموات. لذلك في عباداتنا في الجمعة العظيمة لا نتغنى بآلامه منتهية بنفسها ولكن نعرف اذا ذكرناها انها مطلة على القيامة. في آلامنا يغرس المخلص حياته فينا. واذا ذكرنا صلبه عندما نتوجع ينبغي الا ننسى ان هذا الصلب نافذة على القيامة. الفصح في كل طور في سيرة السيد. غلبة المسيح للموت كانت عند صليبه أيضا. ما انطوى المسيح في الصليب. عاش عليه. لذلك نقول صباح كل أحد في صلاة السحر انه في الصليب جاء الفرح لكل العالم.

نحن لا نبكي على المصلوب في صلاة الجمعة العظيمة. نندمج بموته لنحيا حياة جديدة. اذا تأثرنا بالبكاء قليلا فهذا من الطبيعة ولكنا نذوق في الإيمان اننا حاصلون بموت الرب يسوع على حياة جديدة.

نحن قياميون، قلناها مرارا. وذلك ليس فقط يوم الفصح ولكن يوم الجمعة العظيمة. ليس من حقيقة فعالة عندنا الا حقيقة الفصح وهي ظاهرة في كل يوم من الأيام وفي يوم العيد. اذا تكلّمنا في العبادات عن آلام المخلّص لسنا ناسين اننا بهذه الآلام مسافرون إلى انتصار الفصح. في آلام يسوع أنفسها نحن ناظرون إلى غلبة القيامة. نحن لا نتوارى بالآلام ثم نبعث. نحن قائمون مع السيد دائما ولسنا راقدين في قبر الأحزان.

القيامة كامنة في كل أعيادنا. الأعياد تصب في قيامة المخلص. كل ترتيب في الكنيسة صار عندنا استعدادا لفصح السيد ولفصح كلّ منّا ثمرةً فينا لفصح الرب.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الانسان الجديد / السبت ٧ أيلول ٢٠١٣

قد يشيخ الانسان في شبابه ويحيا في شيخوخته كثافة روحية. ليست الأعمار بشيء أو الفتوة نعمة. نحن نوعية وجود وعمق كيان. العتاقة هي الخطيئة فقط والتجدد ممكن في كل مرحلة من العمر. ما أتفه الكثير من الشباب الذين يعطون قيمة للحمهم. الحياة فجر اليوم الآتي بالتوبة. الأعمار بيولوجية فقط ليس فيها مضمون. الأعمار بما ينزل عليها من الأبدي.

تشترط سن لأصحاب المناصب. هذا افتراض نضج ولكن نابوليون فتح ايطاليا وهو في العشرينات. الحياة العظيمة تنزل عليك نعمة ولا علاقة لها باللحم والعصب. أنت تكوين الله ولست وليد امك وان لم تكن منذ مولدك سماويا لن تصير ذلك ما لم تحل عليك نعمة تنعشك من جديد ذلك ان الله يحتاج ان يقيم فيك متى شاء وتكون السماء لا أمك قد ولدتك. في إنجيل يوحنا يقال انك مولود السماء أو مولود من جديد. يحار في هذا المترجمون. ليس الفتى دائما شقيا ولا الشيخ بالضرورة ناضجا. أنت تصير انسانا سويا ان ولدتك السماء. مولدك من امك ليس بشيء.

ليس الانسان مجرد ثمرة لتاريخه الشخصي. انه انصباب قوى تنزل عليه أو ترده من هنا ومن هناك. الانسان سر لكونه فريدا. الفرد لا ينتج نسخة عنه. ليس في الشجرة ورقة تطابق اخرى في حجمها. هذا ما نعنيه بكلمة حرية. من هذه الزاوية صح ان نقول عن الانسان انه خالق. هو لا يجتر. حتى اذا كرر قول آخر يبقى في كلامه شيء من ذاته. يبقى على الأقل الصوت أو الاداء وهما ينقلان معنى وللمعنى دائمًا طابع شخصي. ما يبدو موضوعيا يحمل دائما طابعا ذاتيا نبرة تأتي من الشخص، من خلفياته العاطفية أو الدينية، من تاريخه وتاريخ مكوناته.

اذا قلنا ان الانسان حي لا نريد فقط نموه البيولوجي. نريد تحول ذاته الحاصلة كل يوم في أي اتجاه يختاره. الانسان روح، ارادة عيش، توق ويكون سويا اذا تاق إلى الصالحات الباقيات. من اتى فقط من زمانه لا من فوق أسير زمانه.

ممكن بفضل الله ان يبقى الانسان طوال عمره على حيوية الشباب وعلى قدسية خياراته. ممكن للانسان الا يحول شيخوخته إلى عتاقة. ممكن له الا يهترئ بتكرار خطاياه، ان يخرج منها بتوبة صادقة.

الجدة الكاملة نبلغها في الحياة الابدية. ولكن لنا ان نذوق الجدة هنا. هذه سيرة يومية وجهد دائم. الجدة الا تعتق والعتاقة تراكم اشيائك التي اهترأت. الانسان الجديد من صنعه ربه كذلك. هذا لا علاقة له بالسن. هذا بُعد عمق. الله وحده لا عتاقة فيه. أنت تحل من ماضيك القديم والجديد. القوة الروحية أنت عليها ان انصهر قديمك بالجديد الذي تريده.

الله وحده لا عتاقة فيه. أنت اذا تشبهت به تصبح مخلوق ربك في اللحظة. معنى التوبة الحقيقي ان تقف الآن امام الله بنسيان ماضيك. الحقيقة دائما حاضرة ووجهك يتكون برؤيتك وجه الله الآن اذ هو دائما في الآن. أنت تصير انسانا جديدا ان أتيت من ربك. هذا فيه عمل النسيان لما هو عتيق فيك. أنت مرتبط بماضيك ان اتى من الحقيقة. وترمي ماضيك الذي من خطاياك.

الآن هو ان الله فيك. بهذا المعنى ليس الله في ما انقضى منك. هو فعله الدائم الرابط بما مضى منك وما هو كائن وما يجيء. التوبة هي عينا ان تنسى ماضيك وتقيم في الله الحال فيك اليوم. عمل الرب فيك انه يفرغك مما ليس هو فيك ليصبح كل شيء فيك.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

فكرة الموت / السبت ٣١ آب ٢٠١٣

ان نألف ليس فكرة الموت وحسب ولكن حادثة الموت قد يكون من أجمل ما لنا ان نحققه لأن الموت نداء من الله حتى نذكره كل يوم. اذا فهمنا ان لا شيء ينتهي بالموت الا خطايانا نفهم ان الحياة قبل ان يحل الموت وبعده واحدة.

اذا رحبنا بالموت لأنه ينهي مصاعبنا أمر ليس فيه جمال روحي. ان نرحب به إمكانا لحياة جديدة هذا فيه سمو. اجل ليس من كائن بشري لا يخشى الموت لكوننا في الطبيعة نحس به معاديا للحياة. ولكن ان قرأنا الحياة عطية من الله فيما نحن على الأرض وفيما نحن بعدها لا تبقى لنا مشكلة مع الموت وجدانية، عميقة. ليست الحياة فقط الحركة البيولوجية فينا. انها في عمقها تجاوز هذا الوجود. انها تَلقي افتقادات الله لنا في شتى تعابير هذه الافتقادات.

الحس البيولوجي يقول لنا نحن لا نقدر ان نستقبل الموت بصورة هيّنة لأنه ضدّ مسيرتنا البيولوجية التي نعتبرها دوام حياة. نحن لا نستطيع ان نصالح الموت. هناك ذوو حس روحاني كبير يتقبلون على انه يحمل تجاوز الحياة الدنيا إلى ما يتنزل عليها من نعمة. من لم يحصل على هذه الرؤية لا يقدر ان يتقبّل الموت. وهذا ليس ضد نسيانه اذ لا ينسى. ضده الايمان بالقيامة أي بشيء لم يحصل بعد ولكنا اخذناه وعدا. والوعد فيه كل الحقيقة ان أتى من الله.

هناك ذكرى للموت يرتجف عندها غير المؤمن اذ هذا يعرف الحياة البيولوجية ونهايتها فقط ولكن ان فهمنا التلاحم بين موت المسيح وقيامته نكون تخطينا الفهم البيولوجي لوجودنا. في المسيح وحده يلتقي الموت والحياة. ويلتقيان فينا اذا انعكس المسيح فينا.

أفهم ان نرتجف اذا ساورنا الشعور باقتراب الأجل لكوننا نحب هذه الحياة ولا نعرف بالعقل وحده ما يعقبها. ولكن تتغير مقاييس الفهم عندنا ان قدرنا ان نستشرف بالإيمان الحياة التي نحن مقبلون عليها. الايمان وحده هو الذي يغير بالعمق تعاملنا مع وجودنا الشخصي بمعنى انه يعطينا رؤية لا يقدر هذا الجسد توفيرها.

فكرة الموت الخلاصية لا تأتي من الموت. ايماننا بالحياة الأبدية ينقذنا وحده من وطأة الموت. الموت صامت ما دمنا غير ذائقين مسبقًا للحياة الآتية. هذه هي الحياة الأبدية التي عرّفها السيد على انها معرفته ومعرفة أبيه. تصور الموت قتال ان لم يرافقه تصور القيامة فنحن لم نخلق للموت ولا نؤهل له. نكتسب الإيمان بالقيامة فننتعش. هو وحده غالب للموت وللخوف من الموت.

إيماننا بإنبعاثنا وحده يغلب خشيتنا للموت لذلك أتت صلوات الدفن عندنا تغنيًا بالقيامة ورجاء. أنتم مخلَّصون على الرجاء.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

الله والإنسان / السبت 24 آب 2013

الإنسان توق لا إلى أوهام ولكن إلى وعد والوعد هو الله نفسه. والله آت. انه فيك وأمامك وفي غدك. كان حضوره الحقيقي الأول بمسيحه وهو عائد به في اليوم الأخير وهو يبث ذاته في كل يوم بك. اقتبله ما دمت يقظًا. وهو حاضر في كل زمان فيك تشاؤه له.

وهو لا يأتيك الا بالحب وبه يتجلّى فيك. اسهر على ان يكون ساكنا فيك لئلا تتصحّر. لا تنخدع بأنك تأتي من ذاتك. اذا لم تمتد إلى فوق تنطوي أي تنتحر داخليا. تُق دائما لتنوجد. أحببه يحبك اذ يعطيك أكثر مما تعطيه. لا تتأمّل بما تظن انك تحويه. ثق انك فقير وانك تأخذ منه ما طلبت. يصير لك هذا ان آمنت انه يغنيك.

وأنت تستغني فقط به. ان ادركت هذا تخسر فقرك وتقيم فوق. بهذا الفقر العظيم تشعر انك مقيم في السماويات، «حرّ بين الأموات» مكمل ناسوتك. الألوهة تصبح ساكنة فيك إلى ان يبدو وجهك وجه إله.

أنت مدعو إلى ان ترث الله نفسه أي كلّ ما فيه من قوى. لست شيئا عظيما ان تقت إلى ما هو دون الله. هذا لا يشبع شوقك إلى الحق. واعلم ان ليس من حق خارج الله وما هو اليه. السموات ليست فوق. ما هي بمكان. هي في روحك اذا امتدت أو اقامت في الرب الذي هو مسكنها لأنك ان سكنتك المحبة تكون ساكنا في الله. أنت لا تتوق إلى اوهامك، تتوق إلى موجود تنوجد به. يقال انك ساكن في السماء. معنى هذا انك ساكن في ربّك.

ربك هو المحبة نفسها. هي اسمه. ليس لها وجود خارجا عنه. من قال انه يحيى يقول ان الله فيه أو هو في الله. لأن الله اذا رفعنا اليه يكون في حق ساكنا فينا اذ ليس له مدى الا القلوب.

ان أنت تحوّلت من محب إلى ان تندمج بالمحبة ذاتها تكون قد استدعيت الرب ليجعلك مسكنا له. أنت فيه وهو فيك لأنه هكذا يشاء. وأنت تحقق إنسانيتك ان أردت ما أراد.

أنت مدعو بحضور الله فيك وليس له أفق آخر. كل رؤية أخرى هي من هذا العالم ولكن ربك يريد ان تراه هو لا ان ترى العالم. كل ما تختبره في العالم غاية الله منه ان يدنيك اليه. هو يريدك متشبها به لكي يرى ان وجهك إطلالة من وجهه عليك. واذا رآك وجهه لا يبقى فاصلا بين الوجهين.

المعرفة تبدأ بالمحبة. فإن أحببت ربك تعرفه أي تتحد به اتحادا هو يذوقه أولا ويعرفه. ولكون ربك يعرفك ويعرفك ذلك تذوق انك عشيره. هذه كلمة لا تنتقص شيئا من كرامة الله. فالله بالقربى والا كان إلها وثنيا. قرباه تثير فيك الايمان به اذ الايمان ايمان بكائن قريب إلى درجة الاتحاد.

اذ ذاك، لا يعوزك شيء لأنك تكون قد فهمت ان ربك في كل شيء وانت به تحب ما يحب وتقيم حيث يقيم.

Continue reading
2013, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت 17 آب 2013

صمنا مع مريم لله في هذا الصيف لأننا اذا ذكرناها في إقامة أعيادها انما نختلي بهذه الصوامة الكبيرة لتطهير النفس والشوق المريمي الى الله. مريم تنتظرنا للتطهّر معها اذ ليس لها انتظار آخر. لكونها كانت اما للسيد امست أم جميع الذين يحبونه من اي حي روحي كانوا. نحن جميعا حيزها وبها نتقبل الله اي ننقطع عن اي ما كان غير إلهي. المسيحيون منا مريميون وبعض من الموحدين الآخرين يذوقون مريم لكونهم لامسوا المسيح. هي تجالس الناس اذا دنوا منه او هي معهم اليه لأن من ذاقت نفسه الحب الإلهي يقدر ان يذوق مريم.

يلفتني دائما ان لوقا لما تكلّم عنها قال الله به: «وأنتِ سينفذ سيف في نفسك» اي انك ستعرفين الآلام برؤية ابنك مجروحا. ستكونين شريكة المصلوب في القدر الذي يعطيكِ. وأنت معنا في كل اوجه حبنا له. لما كنتِ واقفة عند صليبه كنت تتألمين من اجلنا. مشاركة الآلام هي مشاركة الفرح. في وجه لا يعرفه الا الخاصة انت تحمليننا كما حملته.

نحن نقول في الكنيسة ومع الآباء انك حواء الجديدة. في الدقة اللاهوتية نحن مولودون من المعمودية ولسنا مولودين منك الا اذا قلنا اننا لما كنا في المسيح عند ولادته رجونا ان نجيء منك. فأنت مع كونك والدة السيد في الجسد جئت منه بالروح القدس ونحن في صورة سرية ننحدر من احشائك. لا يفهم هذا الا من تمرس في الحياة الروحية ونما في الذوق الالهي. وكل مقاربة اخرى باطلة.

أنت تلديننا بعذريتك والعذرية وحدها تلد. والمراد بهذا انك ان جئت فقط من الله فأنت أُم لذرية جديدة هي ذريته. عندما نقول ان العذرية وحدها تلد نريد بها عذرية الروح اي مولوديته الوحيدة من الله. من جاء من غير الله لا يلد. لا يلد الا الذين «وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجل بل من الله» (يوحنا 1: 13). الذين يضعون أولادا من أجسادهم هم ككل الكائنات الحية. اما المولود من الله فيلد ناسا إلهين.

الأجساد أجساد. اما من جعلته النعمة ابنا لله فهو مولود من فوق أي ليس من جسد أمه.

مريم تعلمنا اننا نقدر ان نولد من جديد بلا أب وبلا أم، بمشيئة النعمة وان نبقى في الحضن الإلهي. نحن لا نحتاج الى نزعة انثوية فينا لنقيم لمريم مكانة عظمى في نفوسنا. نحن نحتاج الى بتولية الروح اي الى الانضمام الكلي الى الله بلا شرط ولا إضافات عليه. ان اللقاء بالله وحده هو الذي يؤهّلنا لنجعل لمريم مكانة علينا في نفوسنا وهي التبتل لله وحده. التبتل له لا يعني العذرية. انه يعني الانضمام اليه بلا شرك ولا انصهار. بلا شرك بحيث لا نجعل احدا مع الله وبلا انصهار لأن الله لمحبته ايانا يريدنا امام وجهه لا ذائبين فيه.مريم امام المسيح لا تطوعه ولا تطوعنا. ليس في الحب تطويع. انها هادئة، محبة، حاضنة. لذلك نرجو ان يفهمنا اولئك الذين يشكون بأن المسيح عندنا هو المعبود الوحيد. ان يكون السيد لنا كل شيء لا يفضي الى إقصائنا احباءه من حوله. هم لا يضيفون اليه بهاء. هم يكشفون بهاءه.

كل القول اننا نعبد مريم حكي يحكى. نحن لم نكتشفها حقا الا لكونها مختارة الله. ليس لها وجود ازاءه. لها وجود معه اي منه وبه. فمن احبه يحبها ويتعظ بها. من ذاق المسيح حقا يحب مريم ويجلّها ويبجّلها. هذه اشياء متماسكة ان كنا عالمين.

محبتك للمسيح مشعة. هو لا يفصلك عمّن أحبهم. وهو احب امه وتلاميذه. فأنت مخلص له ان أحببتهم. نحن لا نكلّمهم في صلاتنا الا لأنهم هم يكلمونه. نحن لا نخترع صلة روحية بيننا وبين القديسين. هو اخترعها. نحن ورثناها. فاذا شعرنا بمريميّتنا لا يضعف ايماننا بانتمائنا الى الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي هو يسوع المبارك.

Continue reading