Category

2006

2006, جريدة النهار, مقالات

أحد مرفع الجبن / السبت 4 آذار 2006

كنا أمسكنا يوم الاثنين الماضي عن مشتقات اللحم اي أمسكنا عن ذبح الحيوان وما ينتج منه تعبيرا عن رفضنا للعنف والحقد والبغض والغضب وكلها تعابير من رفض الآخر، إقصاء الآخر الذي هو نوع من انواع إماتته ولو بقي جسدا حيا. ان كنت للآخر في قلبك مقصيا فهذا ناتج من كونك غير غافر للناس زلاتهم. تقطع عنهم في فكرك الوجود. نظريا انت تقيم الله ولكن منفصلا عن ابنائه.

أنت لا تغفر للناس لكونهم أساؤوا اليك فإن لك عليهم حق الاحترام والتوقير. فاذا لم يحسوا بهما تجاهك فأنت مصدوم ومجروح. تقيم عليهم خطاياهم، اي تريد ان تحبسهم فيها ولا تهتم لشقائهم، لحريتهم، المهم انت وجرحك.

هل الغفران يعني ان تنسى الاساءة. سمعت هذا وذاك يقولان انا اغفر ولكني لا انسى. هذا كلام ليس له عندي معنى. ان تحفظ ذاكرتك سيئات الآخر سنين طويلة يعني انك لم تصل الى حبه لانك لا تزال تحب جرحك اي انك مركز على جرحك اذ تراه عظيما ولا تستعظمه الا اذا رأيت نفسك عظيمة جدا.

ان تغفر لا يعني فقط ان تزيل التأثر والانفعال الهاتك ولكن ان تنتقل الى بناء الآخر، الى خدمته، الى التفتيش عنه اذا ضل في الطرق الوعرة، الى السعي الى ترميم نفسه الممزقة وانعاشها والى الفرح بالسلام الذي حل فيها من بعد غفرانك. ان تغفر هو ان تجعل الآخر يحس من جديد انه من ابناء الله اي انه اخوك وانكما ضربتما العزلة التي فرقت بينكما.

ولعل من أسوأ ما في الحقد او البغض انه يغذي نفسه اذ يسيء الظن بالآخر فيتفاقم تصور سيئاتك عنده. قد يلقي عليك السلام وتحسب انه ذو غرض. كل فعل له يبدو لك رديئا لانك اقتنعت ان شيئا صالحا لن يخرج منه.

ثم ينتقل السيد الى الحديث عن مظهرنا في الصوم أكان من الاصوام القانونية عند اليهود ولاسيما منها صوم يوم الغفران ام كان صياما طوعيا كهذا الذي ابتدعه الفريسيون مرتين في الاسبوع. لا يأخذ المعلم موقفا من الصوم الطوعي ولكن شجب الذين ينكّرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين بحيث يصطنعون التجهم لكي يبدوا صائمين اي لكي يتحدث عن تقواهم الناس وليس ليمجدوا الله. الصوم علاقة بينك وبين الله وتختفي انت في هذه العلاقة. في الكنيسة يولد الصوم فينا فرحا وفي بيئة كنسية لنا ان نقول اننا صائمون وممسكون عن هذا الطعام او ذاك لو قُدم لنا.

واخيرا يأتي الحديث عن المال: “لا تكنزوا لكم كنوزا على الارض… اكنزوا لكم كنوزا في السماء… لانه حيث تكون كنوزهم هناك تكون قلوبكم”… قصد هذا الكلام ان علاقتك بالمال مؤسسة على علاقتك بالله فاذا جعلت الله كل شيء في عينيك لا يكون المال شيئا وان كان لا بد من استعماله. المسألة هي هذه: هل تضع شيئا ازاء الله او الى جانبه او يضاف اليه. المال له وجود انت تحركه واذا عدمته كليا تموت. مع ذلك ليس له قيمة. له ثمن وقوة شراء ولكن انت تضفي عليه قيمة اذا اشتهيته. الشهوة منشئة من العدم وما انشأته على صعيد القيمة يبقى عدما.

لذلك قال بولس في الرسالة التي نقرأها غدا وهي الرسالة الى اهل رومية: “ان خلاصنا الآن اقرب مما كان حين آمنا. قد تناهى الليل واقترب النهار”. ثم يذكر جملة من الخطايا ينهيها بقوله: “لا تهتموا لاجسادكم لقضاء شهواتها”. ويذكر ايضا الخصام والحسد حتى لا ننسى اننا نخوض حربا غير منظورة تتطلب تغييرا كاملا للسلوك يشير اليه بعبارة “البسوا الرب يسوع”، ويعني بذلك اللصوق به كلصوق الجسد بالثوب. فاذا عطفنا كلام بولس على كلام متى يكون جهاد الصوم ان نخلع عنا كل اشتهاء مؤذ يمزق المسيح كتمزيق الثوب.

أجل ليس في العهد الجديد تصنيف للخطايا وما من حديث عن جسامة هذه وجسامة تلك ما خلا قولة لبولس: “محبة المال اصل كل الشرور”. فالشهوات تتوالد فيتوالد الكذب من السرقة غالبا ومن الزنا ضرورة كذلك الفضائل فالصدق والمحبة والتواضع متماسكة وتقوي احداها الأخرى. من السرقة مثلا. والكذب من الزنا بالضرورة. بنى بولس على هذه الرؤية او هذه الخبرة ليقول: محبة المال اصل كل الشرور. فما من بخل لا يباعد بين الرجل والمرأة اذ يكشف ان الفريق البخيل غير محب. كذلك فسق الاغنياء مرتبط دائما بمبالغ تعزز الروابط. هناك لحمة بين الجنس والمال تختلف قوتها بين شريحة مالية وشريحة.

لا يمكننا فهم ان المال اصل كل الشرور وعلاقة ذلك بالصوم الا ان فهمنا ان إتمام الشهوة ناتج من خوف الموت. لقد جاء المسيح ليبطل خوفنا من الموت او كما يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين: “ليعتق كل الذين كانوا طوال حياتهم في العبودية مخافة من الموت”. نحن نرتاح الى الخطيئة اذا توهمنا في لحظة تحقيقها اننا لا نموت. ثم نرى نفسنا اسرى العبودية من جديد دائرة مفرغة حتى نعرف ذاك الذي حررنا من مخافة الموت لما ذقنا حياته واصبحت هي حياتنا. قبل ان نتحقق هذا نخترع مسيحا لنا كاذبا وهو الشهوة كل حسب ما يجنح اليه. المسيح الكاذب هو من نظن انه يعطينا طمأنينة. ولكون المال هو مصدر الطمأنينة العظيمة اذ يحول دون الموت اذ نأكل ونكتسي ولنا به مسكن وزواج او معاشرة اعتبر بولس اشتهاءه اصلا لكل الشرور.

واذا الغينا في الصيام شهوة الطعام اي شهوة الوجود الجسدي وما قد يتماسك بها من شهوات اخرى واستعففنا فلا تبقى أية شهوة. مبدئيا هذا مبعث الى ان المسيح هو المتوكل عليه.

ورمز هذا التجرد عن الاشياء والتحرر منها الامساك – كماً وكيفاً ورياضة صلاة واستدرارا للكلمة – فنضع المال في موضعه اي في العدم القيمي على رجاء ان يتراءى لنا السيد القيمة المطلقة.

أنت لا تصوم الا في رؤية ان المال ليس شيئا وانك تاليا فقير الى الله. لا يمكنك ان تصوم الا بدءا من احساسك بهذا الفقر. سئل واحد من كنيستي مرة: كيف تستطيعون الا تأكلوا خلال هذا الموسم والا تستطيبوا اللحم وما اليه. اجاب: نحن نأكل صلاة. السؤال هو ماذا في القلب اذا فرغ الجوف. في الكنيسة الارثوذكسية عندنا دعاء نسميه صلاة القلب نقول فيه: ايها الرب يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني انا الخاطئ.

هذا الدعاء ممكن فقط اذا صرت الى المسيح فقيرا. يكون، اذذاك، ساكنا فيك ونفسك عند ذاك لا تبقى ذائقة الموت لانها بعد يومين تتمتم الفصح.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

كنت جائعًا فأطعمتموني / السبت 25 شباط 2006

العبارة تعني – والكلام للمسيح – اننا يوم الاثنين المقبل يمسك المسيحيّون الأرثوذكسيون عن أكل اللحم في استعداد للصيام الكامل، والقراءة الانجيليّة غدًا هي إنجيل الدينونة كما ورد عند متى. والمقول فيه إن المسيح يدين كل الأمم، التي تدين له والتي لا تدين له على قياس واحد وهو قياس المحبّة. الناس خراف وجداء، أي ناس عاشوا المحبّة (وفق قوله: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم) وناس أحبّوا أنفسهم ولم يحبّوا أحدًا آخر.

وهذا يذهل الأتقياء اذ لن يسأل يسوع أحدًا – في الظاهر – عن صلاته وعن صومه وقد نادى بهما. ليس لأن أعمال الرحمة أهم من الصلاة وهذه لا أقوى منها ولكن لكون المحبة هي كل الشريعة ولا تؤتاك ما لم تكن مع ربّك في تواصل دائم. وقد يذهل الأتقياء كون السيّد يسمّي نفسه ديّانا ونراه في أقدم الفسيفساء ذا نظرات حادّة ولا نراه على الوجه الليّن كما يبرزه الفن الايطالي اذ يقول الكتاب عن الآب إنّه «أعطاه سلطانًا أن يدين لأنّه ابن الانسان» (يوحنا 5: 27). إن من أحب كما هو أحبّ له الحق أن يدين.

ماذا يقول لمن أجلسهم على يمينه أي الذين كانوا يحبّونه وبسبب من هذا أعد لهم الملك؟ يقول: «إني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني» الى آخر الأقوال المتشابهة. يقول: هؤلاء المعوزون الى طعام وشراب وإيواء وافتقاد اذا أعطيتموهم ما كانوا في حاجة إليه، فإنّكم قدّمتم هذا لي. السيد يتماهى والذين نهملهم على ضعف عاطفتنا. فأنت فعليّا تقدّم لهم ليس شيئًا من هذا العالم ولكن تقدّم لهم نفسك. واذا أنت أعطيتهم وسألت عن أحوالهم حافظًا لهم كرامتهم تكون قد قدمت هذا للمخلص نفسه اذ ليس عندك معيار لمحبتك الله الا اذا أحببتهم هم. الفضيلة التي ترى أنك جعلت نفسك بها أعني حفظك الوصايا هي سعي الى طهارتك وقد يكون هذا خشية على صيتك وقد يكون إطاعة منك لله. لا أحد يستطيع أن يكشف لك أن ما يبدو عندك فضيلة آت من قلب نقي. أما اذا أعطيت الفقير ولم تشهر عطاءك ولم تتفاخر به في نفسك وأصررت على أن تعطي الكثير الكثير حتى يسعد المحتاج أو يتعزّى أو ينتعش بمحبوبيّته عند الله الذي يراه دافعك الى العطاء فأنت لا تعرف نفسك شيئا ولكنّك تعرف أن كلمة الله هي كل شيء.

العلاقة تبدو أنها بينك وبين المحتاج ولكنك قد لا تعرف وجهه أو اسمه وأنت لا تنتظر منه جميلاً ولا شكورًا. تراه مشوهًا بالمرض وحط الدهر من قدره ومعذّبا بسبب من أولاد له لا يأكلون عند جوعهم ويجب ألا يحقدوا وألا يحسدوا الغني أو ابن الغني لتبقى نفوسهم سالمة. أنت جائع الى راحتهم وألا يروا أنفخسهم مهمّشين لأنّ الحرمان تهميش صارخ في الترتيب المجتمعي.

#   #

#

إننا كثيرًا ما نستعمل كلمة رحمة بلا فهم. أجل الرب رحيم ولكنّه لا يعطي الرحمة اعتباطًا ولا يمسكها عن قلوبهم اعتباطًا. نحن لا نستطيع أن نتكل على رحمة الله إن كنّا فارغين من الرحمة ولا نتكّل على غفرانه إن لم نتشدّد بالتوبة فلا مغفرة بلا استغفار.

لماذا وضعت الكنيسة هذا الإنجيل قبل الصوم؟ ذلك أن بعضًا من الصائمين يظنّون أنهم «يشترون» المسيح. ليس من رشوة فوق. كل ما تريده الكنيسة منا في الصوم أن نتروّض على محبّة القريب. ففي الكنيسة الأولى في روما كانوا يمسكون ليعطوا الجائعين. لقد تأسس الصوم ليس فقط للتقشّف أو الاستعفاف. هذا ركن من أركانه. لكن الركن الذي انطلقت منه الكنيسة هو الإحسان ونقول اليوم المشاركة. فأنت اذا أعطيت تبدّد مالاً وتعطي محبة من الله والإنسان. ما عدا ذلك يكون صومك حمية نافعة ولكن هذا لا يكون نزل عليك من قلب الله.

قال أحد القديسين في القرن الرابع: لم يبقَ في روما بسبب الإحسان فقير مسيحي أو وثني. والمحبّة لا تميّز بين الأديان. العقيدة شركة بينك وبين من يؤمن مثلك لكن المحبّة شركة بين جميع البشر. الرحمة من حيث أنها عطاء من جوهر المسيحيّة. ولو اهتممنا للعدالة الاجتماعية التي تقيمها الدولة أو تسعى وانشغلنا بتغيير البنى الاجتماعية وحسنّا أوضاع الفقراء الا أن الدولة ليس القلب من اختصاصها. نحن نعمل على خطّين. خط العدالة الاجتماعيّة وخط المحبّة الشخصيّة لأننا نريد بين الناس عاطفة بين شخص وشخص.

كذلك حال المريض: هو توّاق الى عضد روحي. هذا يذكّرني بأنّي كنت من سنوات مريضًا في احد مستشفيات باريس وعولجت. فجأة رأيت سيدة دخلت علي وقالت لي: «أنا عضو في إحدى الجمعيّات الخيريّة» وسألتني عن صحّتي وعن هويّتي الوطنيّة. شعرت أني لم أكن مرميّا في بلد بعيد وأن إنسانا يهمّه أمري وكان لي في هذا السرد الانجيلي يقول السيّد للذين كانوا بلا قلب: «كنت جائعًا فلم تطعموني وعاريًا فلم تكسوني وسجينًا فلم تأتوا إليّ فيقولون له متى رأيناك جائعًا فلم نطعمك وعاريا فما كسوناك» الى آخر الحاجات التي عدّدها. فيقولون له متى رأيناك هكذا. فقال لهم: ما لم تفعلوه بأحد إخوتي الصغار فلي لم تفعلوه. كان ينبغي أن يوحّدوا بينه وبين المحتاجين الى افتقاد.

طلب المسيح اذًا اليهم أن يروه في الناس فاذا هم لم يروا الناس لا يكونون قد التقوه. القصة هي هذا أن من الناس من له قلب ومنهم من ليس له قلب. على هذه القاعدة لا ينقسم البشر بين من اعترفوا بأن المسيح مخلّصهم ومن لم يعترفوا. القاعدة هي أن القلب يتحرّك الى المسيح المجسّد بالمحتاجين أو لا يتحرّك.

#   #

#

أجل «الفقراء معكم في كل حين». الرب يقرع على أبواب قلوبنا ويكتفي بأن نستضيفهم فيها حتى لا يحس نفسه مطرودًا منها اذا أقصينا عنها أحباءه. في الوطن تجنّدنا الأساسي هو رفع شأنهم. إنّهم الأولية الاولى. والسياسة التي لا تعنى بهم ثرثرة. يبقى أن الدولة قد لا تتغيّر. ولكن كل شخص منّا يستطيع أن يغيّر نفسه بالحنان. أنت لا تفتدي نفسك ما لم يصبح المحتاج فاديا إياك أي اذا جعلته أخا لك. أيّ معوز. مؤمنًا كان مثلك أم غير مؤمن. هو معك في ما نسمّيه نحن جسد المسيح.

لا يكفي أن تعطي اذ ينبغي عليك أن تعلي المحتاج على نفسك وأن تعتبره ملكا عليك. إنّه عند ذاك يقيمك في الملك على نفسك وربّك لن ينتزع عنك هذا الملك. فقد تصبح بالكرم العظيم مشرّدًا وعند ذاك يستقيم ملك الله عليك. واذا قبلت فقرك بسبب الحب المجنون يتحنّن الرب عليك بالطرق التي هو يعرفها وعندئذ لا تحتاج الى شيء من هذا العالم الذي لا يقدر على أن يغنيك وتصح فيك كلمة الانجيل كما يرويها لوقا: «طوباكم أيها الفقراء لأن لكم ملكوت الله».

اذا أنعم الله عليك بالغنى واحتفظت به لنفسك يصبح الغنى سجنًا. لا تتحرّر الا اذا انفتحت قبضتك وصار ما فيها في قبضة سواك. اذذاك توحّد بين القبضتين وتمسي يدك يدًا لآخر وتضحي أنت واحدًا مع الآخر وكل كيانك كيان الآخر فأنت لست فردًا منعزلاً. لا تضرب العزلة الا في المشاركة. تكون، اذذاك، قد اشتريت قلبك لأنه يصير مسكن الله.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الكتلة الطاهرة / السبت 18 تشرين الثاني 2006

في خضم المجهول الكبير سأحاول أن أتأمّل في جديدنا وفي ما يرجى أن يكون إن سلّمنا بوحدة بلدنا كما تفهم البلدان الراقية نفسها. قلنا غير مرّة في هذه الزاوية إنّ البلد لا يقوم الا اذا جعل المرء صلته بالدولة فقط غير قافز حدود طائفته أو غير عابر واقع طائفته. هذه نظرة حقوقيّة لم يخطىء الذين قالوا إن العقدة في أمر كهذا هي في النفوس وليست في النصوص. الحقيقة ان العلاقة بينهما علاقة جدليّة هي غاية في التعقيد ولست في معرض نقاشها.

السؤال المطروح أمامي الآن ليس فقط كيف ننمو معًا لأن النمو الواحد الذي لا يلغي الكيانات يعني اننا نتجاوز ان نكون بعضنا ازاء بعض بحيث نبقى على كل مواصفاتنا الخاصة ونحاول أن نتشارك بلا اختراق أي يبقى التعدد وهو في جدليّة مع الوحدة. فليس صحيحًا ان التعدد هو وحده الغنى ولكن الوحدة يجب أن تنال منه. أي ان التعدد القائم انثروبولوجيّا قانونًا وقضاء وسياسة يجب أن يخسر كثرته أو كثافته من طريق التوحّد.

هذا عمل إبداع وانصهار بلا خسارة التمايز. أنت أنت إن آمنت بصليب المسيح وهو إياه إن لم يؤمن. ومن هذا القبيل عندكما مضمونان في العقيدة وتتجاوزان تباين العقيدة بالحب. أتكلّم هنا في العلاقة الإناسيّة بينكما وهذا هو التحدي اللبناني ان تظهر والآخر بشرًا واحدًا على رغم اختلافكما العقدي والقادر على ان ينشىء نموذجًا انسانيًا واحدًا أو يكاد يكون واحدًا. هذا غير العلمانيّة الفرنسيّة التي تريد تفريغ الانسان من محتواه العقدي. لنا أن نتبنى نظامًا قائمًا على فصل صفة الانسان الدينيّة عن وظيفته الإداريّة في الدولة أو المصرف أو الشركة أو كرة القدم ولكن لا يعني هذا اننا جردناه مما هو ملتصق به أي الايمان.

لذلك لست أقبل بما يسمّى عندنا تعدد الثقافات. هذه خرافة الخرافات لما أصر الاستعمار على القول إن للمسيحيين ثقافة وللمسلمين ثقافة ليفرّقهم بعضهم عن بعض. كيف يصل صلاح ستيتية المسلم والعارف بالإسلام الى ثقافة أوروبيّة دونها مئات من المسيحيين. وكيف يعرف اللاهوتي المسيحي الإسلام كما يعرف نفسه ويمكن ان يطلق عليه –على مستوى العقل– انه مثقّف إسلامي.

أنطلق من هذا لأقول إننا قادرون على بناء ثقافة واحدة في هذه البلاد ومع ايماني ان العقيدة الدينيّة جزء كبير من تكوين الانسان الا انها ليست حاجزًا دون ان يمتلىء عقله من غير دين وان يتأثّر به في الكلام وفي الطبائع ويبقى على ايمان غير متزعزع.

#  #

#

ما يسمّى أحيانًا فيديراليّة طوائف مؤسس على انّ دعاة هذا التنظيم لا يريدون التناضح بين المسلم والمسيحي ويريدون انفصال المناطق بعضها عن بعض لإيمانهم ان التداخل بيننا «طبخة بحص». لست أدخل في تفاصيل المسألية الناتجة من الأحوال الشخصيّة فهذه معضلة تبقى ولو جعلت مناطق اكثريتها من هذا اللون أو ذاك. لا يمكن ان تهرب من الزواج الديني في هذا البلد ولو دعوت الى زواج مدني اختياري. انا أصّر على أن يتزوّج المسيحيون في الكنيسة ولست اعتقد بقدسيّة الزواج المدني ولو اعتقدت بقانونيّته. ولكن هذا قيد وليس سرًا إلهيّا. إستمرار الأحوال الشخصيّة يقيم فاصلاً بين المسلمين والمسيحيين على مستوى القانون أي على المستوى الداخلي لحكم كل منطقة.

روحيا الدعوة الى الفيديراليّة دعوة ناتجة من التعب، من تعب التلاقي واحتساب ان الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والأرمن في طوائفهم الثلاث والسريان في طائفتيهم والكلدان واللاتين والأقباط والأشوريين لا ينقلون الى منطقتهم الموحدة الخلاف الذي كان قائمًا في البلد الموحد بين مسلمين ومسيحيين. ليس من شيء يدلّ على أنّ هذه الأقوام متحابة الآن أو انها على عهد الحب الى الأبد.

الخلاص هو في هذا أنك ان كنت متفوقًا ان تشرك الناس من خارج طائفتك في هذا التفوّق. الخلاص ان ترى انّ طائفتك تخلّفت لو تخلفتَ أو انها عظمتَ أن عظمتَ وأن توزّع هذا إرثًا للجميع هذا يتطلّب ان تذيق الآخرين بهاء مجدك. وهذا لا ينحصر على تماس بين المثقفين. غير انّ هذا يفترض أن أحدًا منا لا يشعر بأنّ الآخر مسّه في كرامة دينه ولو مسّ في هذا الدين تافهَّا. هذا هو التحرر من التعصّب.

أنا لا يصدمني إطلاقًا لو حلل مفكّر صادق صارم أخلاق الروم الأرثوذكس كما يراها وطبائعهم وتخلّفهم ومستوى تديّنهم أو قوّة بعدهم عن الممارسة أو جهلاً عميمًا لديانتهم في طبقات واسعة منهم. لا يجرحني ان يقول عن أخلاق الروس واليونان والصرب والبلغار ما يشاء اذ قد يكون على حق وغير متعصّب لأهله. ليس عند العقلاء من حماسة لتاريخ أحد أو لوضعه المجتمعي. ليس عندنا ما يشبه القانون الفرنسي الجزائي الذي يعاقب من شك في مجزرة اليهود في المانيا أو حجمها. كل شيء يجب ان يكون خاضعًا للنقد بما في ذلك المقدسات. ان المقدسات تحمي نفسها في القلوب.

والتاريخ يتقلّب ونلاحظ ان العظمة كانت لطائفة في حقبة من الزمن وان هذا الزمان ولّى وأنّ طائفة أخرى صارت أبهى. هذا البهاء الذي حلّ بنعمة الله على بشر وبفضل جهودهم هو ملك للجميع. والطائفة التي ترى أنها أنجزت على الصعيد الحضاري شيئًا عظيمًا يجب ان تورثه الآخرين. وهذا غالبًا ما يحصل بالتلاقي الفكري بين الجماعات المختلفة. وهذا حاصل في العيش بالتأكيد. فالمدن والقرى المختلطة المجموعات الدينيّة مفتوحة مبدئيًا بعضها على بعض.

هذا يذكّرني بأنّ الاكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة طلبت إليّ بعد حرب الـ1975 أن ألقي درسًا في عمارة المساجد. وأحسست بعد إلقاء محاضرتي أن المستمعين أتوا جميعًا مما كنا نسمّيه الشرقيّة فسألتهم هل رأى أحد منكم مسلمًا؟ قالوا جميعًا لا فكلّفت الإدارة ان تنقل في اليوم التالي كل هؤلاء الشبان الى طرابلس ليروا أن المسلم بشر مثلهم وأنه لا يخيف.

اذا شاء الرب ان تنمو طائفة نموًا فكريًا عظيمًا أو ان تزداد ثروتها أو ان يكثر فيها الشعراء والأدباء أو الذريّة فهذا يكون لمجد الله ويفرحنا جميعًا ونتقبّله مائدة أنزلها الله من السماء تكون لفرح اللبنانيين جميعًا. هذا لا يوليها حقًا على مستوى الحكم لأن الحكم للفاهمين من حيث أتوا.

نحن نتكتّل مع الذائقين الجمالات من ايّ صوب ظهروا. أعرف ان الكثيرين من المواطنين يحزنون ان خسرت طائفتهم موقعًا في الدولة وأرى قلّة تغتبط لو وصل الى هذا المكان إنسان رائع من طائفة أخرى. أما اذا أتي بالتافهين فأفهم الحزن. بتعبير آخر نحن مجتمع واحد مدني لا صفة دينيّة له الا في قلوب الناس.

أن نكون وطنًا واحدًا يعني أن نفتّش عن الإنسان المتخلّق بأخلاق الله وإن كان من العالمين ونحسّ إحساسًا داخليًا صادقًا انه يؤلّف معنا طائفة الطيّبين. انت تنتمي الى الحق والخير ولا تنتمي الى من استولدك أمّك. هذا يبقى من باب المشاعر الإنسانيّة الحلوة. أمّا الوطن فينشأ من الكتل الفاهمة الطاهرة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الابن الشاطر / السبت 18 شباط 2006

هذا فصل من لوقا نقرأه غدًا في كنيستي. وهو مثل من الامثلة التي كان يعلّم المسيح الانجيل بها. حكاية يؤلفها ويأخذها من حياة الناس. روايتها تقرب البسطاء والانقياء من الملكوت ولكنها ترسخ الفريسيين في رفض يسوع. هي كشف لاسرار الملكوت الذي دعا السيد الشعب اليه وليست تيسيرًا لتعليم لاهوتي دقيق عسير.

عندما يدق هذا الفصل الانجيلي باب مسامعنا نتذكّر ان الصوم آت ونفهم ان النص اريد له ان يضعنا على طريق نباهة النفس والاستغفار بغية استقبال المسيح من خلال كل النسك الذي يتطلبه اقترابنا من الرب. الكيان لا يستريح الا بعد ضجة فيه. وحكاية الابن الشاطر تحدثها في مستمع متقبل هذا اطول سرد في ادب الامثال ومن ابلغ صور التوبة التي جاءت على لسان المعلّم. ليس العنوان واردًا في الكتاب. وضعه المفسرون هكذا او قالوا الابن الضال وفي بعض اللغات الابن المسرف. الفتى هذا يحب العيش الواسع بما يتضمن ذلك من تحرر. طلب نصيبه من الارث من ابيه وهو على حياته الثلث. ولكن ماذا وراء هذا الطلب لو احببنا الدخول في علم النفس. قد لا يكون اصل هذا الالتماس ان يضل الصبي لكنه اشتهى الذهاب من البيت والبيت رمز لسلطة ابيه وهي في كثرة الاحوال سلطة متعسفة، مستبدة لا تقبل استقلال الشاب الذي يقبل على الحياة نهمًا.

هذا سافر الى بلد بعيد ليدل على انه لا يطيق القربى من ابيه او لا يحتمل ان يدفعه الشوق الى الرجوع. الأنا اشتهت ان تؤكد نفسها. الترجمة المعتمدة في الكنيسة الارثوذكسية تقول انه في الغربة عاش في الخلاعة. الترجمة الاميركية «انه بذّر ماله بعيش مسرف». وفي اليسوعية ايضًا التأكيد على الاسراف. اخوه الاكبر اتهمه بأنه «اكل معيشته مع الزواني». ما اراد الانجيل التركيز عليه انه بدد كل نصيبه من الثروة. وانه لم يبق عنده ما يقتات به. طلب عملاً عند واحد فاستخدمه راعيًا للخنازير. والخنزير حيوان نجس عند اليهود وحرمت الشريعة اكله. لعل لوقا استعار كلمة خنزير ليوحي ان الولد كان موغلاً في الخطيئة.

ثم «رجع الى نفسه»، الى ذاته العميقة الى حيث يسكن الله صوتًا خفيًا او ضميرًا او نباهة. اخذ يمتحن قلبه كما يقول آباؤنا. هذا يعني ان الأنا المستلذّة لم تبق طاغية. ثمرة هذا الفحص ان وعى الشاب ان اباه عنده ما يكفي لاعاشته. وتصوّر ان اباه سيقبله. اهتزت قناعته الاولى بأن اباه مستبد. لكنه ادرك ما هو اعمق وهو انه اخطأ الى السماء. الخطيئة هي جرحنا لله قبل ان تكون جرحًا للناس. لكن الوعي مع الندم لا يكفي. الندم حسرة حسب الانسان ان ينطلق منها لا ان يبقى عندها لانها من الماضي. اما الآتي فهو التوبة اي الحركة الى امام والى فوق. فالنور اذا هبط عليك لا يبقيك في حدود الندم ولكنه يغيّّر كل كيانك وينزل الى عقلك رؤية جديدة فتتغير قناعتك ويصحح عقلك المتجدد بالنعمة المواقف التي اخذته الى الخطيئة.

#     #

#

«لك ابنًا فاجعلني كأحد أجرائك». التوبة وضوح فاعتراف في النفس فإقرار اللسان بالاذى لدى الذي آذيناه. اذا كانت التوبة صادقة نبعت من اعماق وجودنا.

«فقام ورجع الى ابيه». لم يقل لوقا قط عاد الى ابيه ولكنه قال قبل ذلك قام. قام من قذارته. تخلّص منها بنكرانها، بقرار الانسلاخ عنها. بعد هذا الانسلاخ تحرك نحو والده. التوبة فرضت التزام ابيه كما فرض التمرد الذهاب عنه.

ثم يقول الكتاب: «وفيما هو غير بعيد عنه رآه ابوه». كيف رآه ان لم يقف على مطل من البيت، على شرفة او وراء نافذة ولعلّه كان يهمل الكثير من عمله ليرى هذا الشبح يعود. اي انه كان في اوقات كثيرة من النهار يحلم بأن يحل على قلب ابنه شوق. كان هذا الرجل تائقًا الى الشبح، على يقين يقوى حينًا ويضعف حينًا. فجأة اطل الوليد. «فتحنن عليه واسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». ما قال لوقا انتظره كي يدخل. الشوق دفع الوالد الى الخروج. وربما كان شيخًا. لم ينتظر ان يقرع ابنه الباب او ان يفتح له الباب. لم يحتمل ان يؤخر وقت القبلة. وقبل ذلك قال الانجيلي: «ألقى بنفسه على عنقه».

كان ينتظر هذا الضم. كان يحيا بأمل هذا الالتصاق، وأخذ يفرح هو والخدم برجوع الخاطئ. لم يعاتبه. لم يوبخه على انه أنفق المال. لم يلمح له انه عاش مع البغايا. لم ينعته بالضال. انه هنا، نهائيا. يكفي انه حي يرزق وانه سيتمتع بكل غنى والده وبحنانه. وهذا الحنان سوف يحس به الفتى ويحس بأنه دواء لقلبه المجروح وما كانت اللذات بدواء.

ويتابع السرد: «لأن ابني كان ميتا فعاش وضالا فوجد». هذا القارئ لكلمات الله كان قد تعلم معها ان الخطيئة موت وان الوجود عودة من الضلال، ثم كانت الفرحة مع ا لغناء والرقص وذبح العجل المسمّن. شارك الرجل ابنه بما هو افضل ما عنده.

لم تنته الحكاية هنا. فهناك ابن أكبر. كان في الحقل. «فلما أتى وقرب من البيت سمع أصوات الغناء والرقص». فسأل أحد الغلمان ما الامر. كان الجواب ان قد قدم أخوك «فذبح أبوك العجل المسمّن لانه لقيه سالما». ما غاص الخادم على أعمق من هذا. كانت سلامة جسدية ظاهرة. في البدء عند مغادرة الصغير المنزل واستلامه نصيبه من الارث. ما حلا هذا للبكر، ربما كان يريد وحدة العائلة وكسرها الفتى الاصغر. فعند تلقيه الخبر «غضب ولم يرد ان يدخل». حاسب أباه على تصرفه المحب. لا يراد الحب للخاطئ، فخرج الاب وأخذ يتوسل الى البكر. فعاتب أباه قائلا: «كم من السنين أخدمك ولم أتعد لك وصية وانت لم تعطني قط جديا لأفرح مع اصدقائي». كان يريد مكافأة لبرّه. كان يريد ان يعترف له أبوه بهذا البر وان يؤثره بسببه على الصغير. ثم اردف يقول: «ولما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمن». هو لم يسع الى البغايا. انه عفيف باستمرار. فهل يستوي الطاهر والفاسق؟ لم يطق الوالد استعلاء الطاهر على الفاسق فأجاب البكر والده: «يا ابني انت معي في كل حين وكل ما هو لي هو لك» فانك لم تقسم الثروة وعشت في طاعتي وهذا يسجل لك في كتاب الحياة عند الله. غير انه بار فتشدد على الساقط والله وحده في عمق محبته يعامل كل أبنائه بأبوته ويشرق بشمس واحدة على الصالحين والطالحين ويمطر عليهم بالسواء لأن الأب لا يستطيع الا ان يكون أبا وكل أولاده خرجوا منه وبقوا جميعا في صلبه وسيبقون فيه ما داموا أحياء. وأخيرا، ينتهي الفصل بقول الوالد لابنه السابق في السن: «ولكن كان ينبغي ان نفرح ونسرّ لان أخاك كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد».

هذا المثل عنون: مثل الابن الشاطر او الضال او المسرف ونسي الاقدمون ان الفريق الهام في هذا الثالوث العائلي ليس هذا الولد ولا ذاك ولكنه الوالد. هذا مثل الاب الحنون. هذه اذا حكاية الاب السماوي معنا جميعا. هذا حديث عن المحبة الالهية لنا. وعودتنا تتأسس على معرفة هذه المحبة وهي تجعلنا نذوق محبوبيّتنا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

«نفسي حزينة حتى الموت» (المسيح) / السبت 11 شباط 2006

لم يقلقني كثيرا التحقيق الذي اجرته جنى نصرالله عن طائفية اللبنانيين المنشور في عدد 3 شباط على خطورته. ما يكشفه اننا نرى الآخر في طائفته ونحصره فيها لتكوين رؤيتنا ولا نراه في الحركية الوطنية. وهذا قد يدنينا من شعور فيديرالية الطوائف ولكن لم يكشف التحقيق ان ثمة عداء دينيا بين الناس.

غير ان عداء دينيا ظهر في هذه الصحيفة الدانماركية التي سخرت من النبي محمد بتصوير كاريكاتوري يرافق مقالا لم ينقل الى لغتنا لأقرأه. ما اقلقني اننا نحن العرب لا نتفاهم واهل الغرب على امور اساسية في الحياة. نحن لا نحتمل ان يهين ناس اتباع ديانة اخرى في مقدساتهم، نقبل ان تناقش تصرفات سياسية لاهل دين آخر ولكن لا نرتضي سب الانبياء وحزننا الا يفهم الغربيون ان انبياءنا هم من صميمنا واننا قد نؤثر الموت على ان نرى الآخر يشتم من كان عندنا اعلى من هذا العالم ومقدسا اكثر من اي شيء آخر.

كنت منذ ايام في عشاء جمع ارثوذكسيين فقط وأُتي على هذا الحديث. وسمعت القوم في الاجماع يقولون: هذا معيب. وقالت سيدة بصوت غاضب: “فلقنا” الاوروبيون بالكلام على حرية التعبير التي تسلحت به حكومات اوروبية مختلفة. ماذا تعني هذه الحرية عند هذا المقال السيئ؟

كتبت هذا قبل حوادث الاحد الماضي وكتبت غيره حتى شاهدت على الشاشة ما شاهدت. وقرأت في اليوم التالي تعليق هذا وتعليق ذاك. وقرأت عن غير اللبنانيين الذين قيل عنهم انهم اندسوا وفي يقيني انهم لم يندسوا ولا يهمني ان اعرف من بعث بهم. فالشغب كان مقصودا لان هذه العناصر كانت كثيرة وكان لهذا الجمهور قيادة مختصة باثارة النعرات الطائفية وقوى الامن كانت تتبختر وترافق المتظاهرين ويبدو ان اوامرها كانت ان تتصرف بالحسنى او بالرفق ظانة ان المتظاهرين سوف ينصاعون لمجرد الايماءة او مجرد الترجي والامن لا يقوم على التراضي بين المعتدي والسلطات المولجة بالقمع.

في هذا البلد لا يجوز إمرة السلطة التنفيذية للجيش فقد قيل السنة الـ1975 انه اذا أُرسل ينقسم البلد ويقال منذ سنوات انه إذا أُرسل فإنه يحمي العدو وقد قيل – يوم الاحد الفائت – بالتصرف لا بالكلام انه ارسل ليخشاه المتظاهرون وهم لم يخشوا احدا. اذا كانت السلطة لا تستعمل الجيش فما نفعه؟

بان العقل او التعقل من الفريق المعتدى عليه وما اعوزته شجاعة ولكنه من جهة غير مسلح ومن جهة اخرى كان يعرف ان الدولة لا تحمي احدا وان تصدي مدنيين لمدنيين يحرق البلد. نحن كنا قاب قوسين او ادنى من فتنة طائفية لم يتوقعها المحللون السياسيون الذين كانوا يرون ان المسيحيين لا يعيشون تشنجا ضد احد وانهم باتوا عائشين شعورا وطنيا حقيقيا بالمسلمين وان كانت من لعبة سياسية فيها توتر فهم خارجها. يبدو اذًا ان المخططين لحوادث الشغب ارادوا زج المسيحيين في اللعبة ولكنهم لم يفلحوا. هذا كان انتصارا للبنان كله وانتصارا للمسلمين قيادة روحية وقيادة زمنية وغدا نعمة من السماء لاهل لبنان جميعا.

ومع كوني استنكرت في مستهل هذا المقال الاساءة الى النبي العربي، السؤال الذي يطرح نفسه بصورة تراجيديا يونانية هو كيف ربطت هذه الجماهير حادثة الدانمارك وكنيسة مار مارون والمطرانية الارثوذكسية في بيروت ومدى كنيسة مار نقولا في الاشرفية. ما علاقة هذه المقامات الثلاثة بالامة الدانماركية! هل احس المتظاهرون انهم بمعاقبتهم اهل الاشرفية يعاقبون اهل كوبنهاغن لظن هؤلاء المتظاهرين ان المسيحيين امة واحدة. وهل احتسبوا ان مجد الاسلام يعظم بتحطيم اجزاء من بيوت ومعابد؟

هناك امور لن تكشف الا بعد التحقيق في هذا الحادث واذا اتى التحقيق مهنيا وصادقا تأتي معه التهدئة ويعذر من اعتقد ان معاقبة الدانمارك تتم بتكسير رموز دينية في مار نقولا وعلى باب مطرانية الروم. بانتظار ذلك لا بد من شكر سماحة مفتي الجمهورية والمشايخ الافاضل الذين عرضوا انفسهم لمنع الشبان من الاذى ولا بد من تحية اهل السياسة والقلم الذين استنكروا هذه الانحرافات. غير ان الرؤية الموضوعية تقضي بالقول ان الشبان اللبنانيين الذين ألفوا الاكثرية الساحقة من المتظاهرين يعرفون ان الاشرفية لا يسكنها دانماركي ولا نروجي وان اهلها لبنانيون مثلهم وانهم في الزمان الحاضر لا يبتغون سوى ان يستر الله ذنوبهم ويغفر خطاياهم وان يحيوا بسلام لاطعام اولادهم.

لقد اقتنع المسيحيون في لبنان ان مبادرة منهم لاصطدام مع المسلمين غير معقولة. لم يكن في مشاغبة يوم الاحد اذًا مروءة. كان المشتهى ان يرد المسيحيون على التحرش لترمى على اجسادهم القنابل المحرقة بانتظار اعمال اضخم لكن الله الهمهم حكمة حمتهم وحمت المشاغبين بآن.

قلوبنا على الذين قاموا بتدمير لأن عقولهم لم تكن تعلم. لكن قلوبهم كانت تحس بأن انتهاك المقدسات في بيروت يقدم لهم تعويضا للاساءة الى النبي. ما يقلقني ان الدولة اللبنانية ان لم تكشف المحرضين والمخططين بالغا ما بلغ حجمهم لن يطمئن الناس الى ان الفتنة وئدت. واذا كانت عارفة ان قوى الامن عندها عاجزة فمعنى ذلك انها تكون هي قررت ان هذا البلد في حاجة الى حماية وتكون السلطة قد ادخلتنا في عصر التدويل. الاستقلال ليس اهم من استمرارنا الجسدي لأن عطاءنا الروحي والثقافي اهم منه.

ان هؤلاء الفتية الذين اخترقوا شوارع بيروت لتخريبها لم يكونوا ادوات غبية في ايدي من تلاعب بهم. انهم عاشوا حقدا دفينا نرجو ان يطهرهم الله منه. لعلهم لم يقرأوا في رسالة الامام علي الى مالك الاشتر النخعي: «ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق».

انا لست معلمهم اصول دينهم. ان علماءهم كثر وافاضل وارجو ان يأخذوا جماعات الشباب ليعلموها المحبة او على الاقل الحكمة التي تقول بأن لا مصلحة لأحد في هذا البلد ان يكفر به شريحة من شرائحه. نحن الملمين بالاسلام نعرف ان فيه سموًا وجمالات كافية لتجعل المؤمنين به مسالمين وعلى خلق كريم. ولا يكفي ان يعتذر المفكرون بقولهم ان الاسلام براء من هذا التصرف. ليس في المصف المسيحي من يتهم الاسلام. المسألة هي مسألة بعض من المسلمين تحركهم اهواؤهم او ما كان اقوى منها من اعداء هذا البلد.

القضية تهذيب اجيال ولكن هذا لا يتم الا على الرجاء برحمة الله على كل الناس. واملي ان نفهم جميعا ان ما قمنا به في السنة الـ 1975 وما بعدها كان غباوة مطلقة وانتحارا جماعيا. نحن اهل البلد قد فهمنا ان ليس من استشهاد على هذه الطريقة وان قدرنا ان نعيش في معية صادقة في بلد نريده لجميع ابنائه. لقد اقتنع العقلاء من قبل الطائف ان فئة من الفئات لا تستطيع ان تعيش منعزلة، ومعنى ذلك ان نصغي بعضنا الى بعض وان نتخاطب باستمرار ونصلح امورنا معا فلا يبقى متبوئا او ممتازا الا على قدر اخلاقه واخلاصه للبلد.

كل فريق منا في عهدة الآخر ومفوضة اموره الى نفسه والى الآخر ومن كان لله يكون لجاره او اخيه في الخلق. العمل المشترك في كل مرافق الوجود الذي لا تفريق فيه ويديره اهل لبنان وحدهم هو الذي يقضي على الفتنة. لكن ذلك يقتضي سهرا طويلا وحقيقة حب.

انسانا «الاحد الاسود» حرق الكنائس في العراق. هذا مخز ومخجل. المسيحيون قلة لا تهدد احدا وتسير في العروبة. هناك غير بلد يُداس المسيحيون فيه. ماذا يُطلب منهم؟

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الوحدة المسيحية: هل من رجاء؟ / السبت 4 شباط 2006

انقضى أسبوع الصلاة من أجل الوحدة بين المسيحيين وبوركنا بالأدعية ورؤية أن الآخر الذي كان أمامنا هو الينا وأنه على رغم النصوص لم يكن آخر بالكليّة على كون كلّ منّا يتحسّس ما يتحسّس من تاريخ قاس واطلالات من السماء مختلفة من انتقادات لقوم آخرين والشوق عند كل فريق يدفع الى العناق لكن التفاسير المتباينة تجعل في العناق تحفظًا بعض الشيء.

سمعت تأفف من هم خارج الاحتراف اللاهوتي: بعضهم يريد الإنصهار اليوم بلا قاعدة ولا شروط. هكذا عندهم أنّه ينبغي أن نذهب معًا الى المائدة المقدّسة ومعناها أننا بهذا الإندماج نقول إننا واحد ولسنا بواحد والوحدة ينجزها الشعب، يقولون وبضغط الجماهير نذوب جميعًا بعضنا ببعض. طبعًا هذه قراءة لبنانية للانقسام القائم. يسوس أحدنا الآخر فتنتهي المشكلة لأن المشكلة كانت عند هؤلاء تسابقًا على الكراسي. إن أحدًا منهم لم يقرأ كتابًا أو مقالاً عن التباعد الذي تم بين الكنائس منذ تسعة قرون بين الشرق والغرب أو منذ خمسة عشر قرنا بين شرق وشرق وربما لم يحسب أحد أن هذه معضلات لا تحل باحتساء القهوة بالمعية.

أنا لا أستخف بالأشواق من هذا الصوب أو من ذاك لكن الخصام ولو داخله توتر أعصاب بين روما والقسطنطنية الا أنه اشتد بسبب من نزاعات فكرية لها أصول هنا وهناك. ولا تنتهي بتوقيع بروتوكولات مصالحة كما بين الدول. نحن بتنا مفترقين جديًا وبعض افتراق تبيّنا سطحيّته كالافتراق بين السريان والأرمن والأقباط من جهة والأرثوذكسيين من جهة. هؤلاء عرفوا أنّ إيمانهم واحد لكن هذا استغرق عقدين من المناظرات العلمية ليظهر. من البديهي اذًا أن تكون عتبة الدخول الى الحل كلمة العلماء وأن يأتي الحل على لسان المجامع المقدسة.

#    #

#

كلّنا يسلّم أنّ ثمّة عوامل غير لاهوتية في الخلاف القائم. فعسير عليّ أن أتصوّر أن يرتضي بابا روما الرؤية الشرقية التي لا تلقي على الرجل وشاحًا إلهيّا أي لا تقول بأنّه مفوّض إلهيّا لرعاية العالم المسيحي بل تقول إن ما يعتبره هو سلطانًا إلهيّا ليس سوى ترتيب تاريخي لحسن تنظيم الكنيسة بحيث أن ما يراه الكاثوليك أولّيّة البابا وعصمته ليس في نظر الشرقيّين عقيدة ملزمة للخلاص. لنفرض أن الغرب اهتدى الى الرؤية الأرثوذكسيّة. يعني هذا أنّ بابا رومية يكون أسقف مدينة رومية ومتروبوليت ايطاليا وبطريرك الغرب. هذا التقلّص ليس سهلاً عليه.

هبوا أنّ البابا صار فقط أوّل البطاركة كما يريده الأرثوذكسيّون ينتج من هذا أنّه يتّصل بمطارنة الشرق مباشرة أي في الندية وأنّ مجمع الكنائس الشرقيّة القائم في الفاتيكان يزول واذًا تصير الكنيسة اذذاك، مؤلفة من كنائس محلية أو إقليميّة كما نادى بها نظريًا مجمع الفاتيكان الثاني وكما تفهمها الأرثوذكسية منذ الألفيّة الأولى فمعنى ذلك أن لا حاجة الى أي “مجمع” أو مكتب يدير أي نشاط على مستوى عالمي عند ذاك تحكم اللامركزية كل العمل الكنسي.

ربما ما كان هم عامة الناس هذا. همّهم الفصح وتعييده. يقولون يريدون أن يكونوا واحدًا. كان هذا هاجس الكنيسة في بدايات القرن الثاني. لكن الكنيسة كانت واحدة. سؤالي هو هل يحسّون أنهم واحد اذا أقاموا العيد في يوم واحد؟ أم يريدون على الطريقة اللبنانية أن يقول عنهم المسلمون ذلك؟ هذا آخر همّ عند المسلمين. فاذا كانوا ينكرون صلب المسيح وقيامته فلماذا يريدون أن يهتمّوا لذكرى حادثة يقولون إنّها لم تحدث؟

السؤال الثاني: هل هذا يقرّب بين الكنيستين؟ لقد اعتمد الأرثوذكسيّون في هذه المنطقة وفي اليونان ورومانيا وسواهما الحساب الغربي في الأعياد الثابتة (الميلاد، الغطاس وغيرها). هل اقتربنا بذلك من الوحدة؟ هل اقترب الإنجيليّون والكاثوليك بعضهم من بعض باقامتهم العيد منذ خمسة قرون في يوم واحد؟

ففي اليونان اليوم حوالي مليون مؤمن أرثوذكسي يرفضون الحساب الغربي للأعياد الثابتة. من يقنعهم باعتماد حساب آخر للفصح؟ من يقنع الصرب بأنهم باتوا واحدًا من الكروات بعد أن ذاق مئات ألوف من الصرب مع مطالع الأربعينات من القرن الماضي عذاب الشهادة.

#     #

#

غير أن عامة النّاس الطيّبين الذين يولون أهميّة قصوى لتاريخ للعيد واحد أن يزيدوا اطلاعهم على المصاعب الحقيقية وهي تتلخّص بأن كل تفسير كان رؤية عن طبيعة الكنيسة الجامعة وعن طبيعة وحدتها تختلف عن رؤية الكنيسة الأخرى. فالرؤية اللاتينية التي تجلّت في المجمع الفاتيكاني الأول (سنة 1870) تعود في جوهرها الى القرن الخامس وتركتها الكنيسة الشرقية تعبّر عن نفسها ولم تكن تكفّرها ربما لاعتقادها أن الوحدة الكنسية والمحبة كفيلتان بألا يتحول هذا الاعتقاد الغربي الى عقيدة ملزمة لكن ذلك تم سنة الـ1870 فهل تم بذا تكفير الارثوذكسيين؟ غير أن لاهوتيًا لاتينيًا كبيرًا أكد لي أن مجمع الفاتيكان الأول أراد تكفير أهل الغرب الرافضين للعصمة ولكن لم يرد حرم الارثوذكسيين الذين كانوا غائبين عن المجمع. ولذا كتب كونفار أن الارثوذكسيين هم من الكنيسة. وبهذا المعنى تكلم البطريرك مكسيموس الرابع (الصايغ) والمطران نيوفيطس أدلبي والمطران الياس الزغبي وهم أركان في كنيسة الروم الكاثوليك الملكيين.

المخرج الوحيد الذي يراه بعض من كبار اللاهوتيين الغربيين ولكن لم يكن يراه الكاردينال راتسنغر (البابا الحالي) أن ما حددته الكنيسة الكاثوليكية في الألفية الثانية أي لمّا كانت تجتمع منعزلة عن الكنيسة الشرقية لا نعتبره الاّ قول كنيسة الغرب المحليّة أو الاقليمية. وفي فهم بعض من كنيسة الغرب أن الغرب يفرق بين conciles generaux التي لم يحضرها سوى الغربيين. فقد أوضحت الأدبيّات الكاثوليكية على سبيل المثال أن مجمع ليون ومجمع فلورنسا كانا عامين. فاذا طبقنا معيار هذا التمييز على مجمع الفاتيكان الاول (رئاسة البابا على العالم وعصمته) يكون هذا المجمع عامًا وليس مسكونيًا ولا تكون الرئاسة والعصمة عقيدة بل رأي لاهوتي لا يلزم كل الناس.

وأما الرئاسة البابوية فيقول كل المؤرخين الكاثوليك الكبار (Duchesne Congar وسواهما) أن الآباء الشرقيين الكبار لم يفهموها يوما كما فهمها أهل الغرب وقد أجمع مؤرخو العالم المسيحي على أن أسقف روما لم يقم بأي عمل اداري في الشرق القديم وتاليا لم تعش الكنيسة الشرقية النظام الذي عاشته الكنيسة الغربية لتتمرد عليه في عملية الانشقاق ويجب أن تعود اليوم الى بيت الطاعة في تفسير لطبيعة الكنيسة وقوامها ونظامها لم تعرفه يومًا.

اذا ذهبنا هذا المذهب فلك أن تقول ما تشاء على ألا تكفرني. ويكون عندنا، اذ ذاك، مذهبان في المسيحية: مذهب غربي ومذهب شرقي مع تعديل النظام الاداري بحيث تبقى الكنيستان في وحدة ايمان ولكن ليس في وحدة تعبير لاهوتي وليس في وحدة تنظيم اداري.

هذا النوع من الوحدة كان قائمًا قبل الانشقاق وكان كل فريق حرًا مع وعي الاختلاف ولكن من دون وعي الخطر. يجوز الاختلاف في العشق والبيت واحد.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

زكا الجابي / السبت 28 كانون الثاني 2006

في علاقة يسوع الناصري بالناس شيء لافت أن السيد كان يأكل مع العشارين والخطأة (متى 11: 9) والعشارون هم جباة الضرائب، ولامه على ذلك الفريسيون المنتسبون الى حركة دينية متزمتة لأنه خالف بذا أحكاما صارمة للربانيين. غير أنه قال: “ليس الأصحاء بمحتاجين الى طبيب، بل المرضى”. الواضح أنه كان يكلّمهم على الله. في خط التهمة ذاتها قال عنه هؤلاء: “هوذا رجل أكول شريب للخمر صديق للعشارين والخطأة” (متى 11: 19). الداعية اليهودي يرفض أن يكلم الساقطين لئلا يعتبر ذلك معاشرة. بخلاف ذلك كان المسيح الذي لم يتحرج أن يقبل دعوة الى مائدة أقامها له لاوي العشار الذي هو متى الإنجيلي وكان اليه جماعة كثيرة من العشارين وغيرهم.

شيء شبيه بهذا صار بين المعلم وعشار اسمه زكا. هذا كان رئيسا للجباة في أريحا أو منطقة أريحا وكان غنيًا. كان المخلص أحيانًا يقبل دعوة الأغنياء لأنه على انتمائه الى الفقراء وشدة كلامه على الأغنياء كان يسعى الى خلاص الجميع. هذا الرجل “قد جاء يحاول أن يرى من هو يسوع، فلم يستطع لكثرة الزحام، لأنه كان قصير القامة. فتقدم مسرعًا وصعد جميزة ليراه، لأنه أوشك أن يمرّ بها”.

هل يطلب كل منا أن يرى في قلبه من هو يسوع. قد تكون هناك عوائق كثيرة دون هذه الرؤية. كل منا قصير القامة الروحية. يظن الكثيرون أنهم مع المسيح وهم مع شهواتهم. لا يرون أن هذه عقبات دون التواصل به. كثيرون يقبلون كلمة يسوع مع ما هو ضدها. فهم لا يسلمون له النفس.يريدون رغباتها المؤذية والرب معًا. الجديون في الجهاد الروحي قلة. الإلتصاق بالله يكلف كثيرًا.

عودًا الى النص: “فلما وصل يسوع الى ذلك المكان، رفع طرفه وقال له: “يا زكا انزل على عجل، فيجب عليّ أن أقيم اليوم في بيتك”. زكا تعني المزكى. قد تكون التسمية من لوقا راوي هذه الحادثة ليدل على المعنى الروحي الذي يحمله هذا اللقاء. فالمهم نهاية اللقاء. غير أن المعلم ابتغى أن ينقذ الرجل من الخطيئة. “انزل على عجل” مع أن الجميزة ليست عالية ولا يتطلب تركها وقتًا طويلاً. الا أن المعلّم يريد لقاء عظيما يتطلب كل جهد الإنسان. ترجمة أخرى مألوفة تقول: “ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك”. المعنى واحد في الترجمتين. لماذا ألحّت نفس يسوع عليه ليقول: يجب أو ينبغي أن أقيم عندك؟ المعنى واضح بالتأكيد وهو أني لن أرتاح حتى آتيك بالخلاص. أنا لا أتحمل أن أتركك على خطيئتك. هذه توجعني. لن أدعك ترتاح اليها.

“أن أقيم في بيتك”. سأمكث معك ساعات يحلو لي فيها الحديث عن ملكوت الله. وسأتعشى معك. فسوف يضع أحد تلاميذي على لساني هذا الكلام: “هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت اليه وتعشيت معه وتعشى معي” (رؤيا 3: 20).

#   #

#

وبعد أن أمره أن ينزل على عجل “نزل على عجل وأضافه مسرورًا. فعل كما أمره السيد. لم يبطىء. سرعة الهداية جزء من الهداية. هذه لا تردد فيها ولا مفاوضة في النفس بين طهارة تدعى اليها ونجاسة هي غارقة فيها. ذلك أن الطهارة على الصعيد النفسي جذابة كالخطيئة واذا أنسكبت حقيقة في النفس تعطيها فرحا أعظم من اللذات التي كانت مستحكمة اذ يقول باسكال العظيم: “لا يترك الانسان لذة الا ابتغاء لذة أعظم”. غير أن الغارقين في الخطايا لا يعرفون ذلك ولا يعرفون كيف يتحرك البار ويحسبونه غبيًا. البار وحده يفهم منطق الشرير، والشرير لا يدرك منطق البار. ولا يفهم اذ ليس عند الخاطئ ذكاء الله.

هذا الرجل اضاف يسوع مسرورًا مع أنه يعلم أن المواجهة لن تكون سهلة لكونه يعرف وضعه ويعرف موقف يسوع من الخطيئة. المعلم لطيف بالخطأة وكاره لأعمالهم لا يتشنج أمام الخاطئين لأن التشنج استعلاء ويبعد المرتكب عن التوبة. والبار لا يدين ويخشى الزلة اذ ليس من انسان محصن الا بالدعاء والنعمة التي يستجاب بها الدعاء. النعمة النازلة علينا من فوق هي العصمة ونحن دوما فقراء اليها ولا نعتبر أنفسنا شيئا”.

كما هو منتظر، تذمر الفريسيون لكون يسوع “دخل منزل رجل خاطىء ليبيت عنده”. هم لم يكونوا فقط ضد الخطيئة ولكن ضد الخاطئين، تحت كل سماء وفي هذه الحقبة أو تلك من الزمان كان يقع القمع على هؤلاء. ويخترع بعض المدعوين أبرارًا خطايا ينسبونها الى خصومهم. يتهمون بعضًا بالبدع وليس من بدع ويتهمون كثيرًا من الناس ولا سيما النساء بالزنا وليس من زنا. هناك دائمًا من له غيرة مزعومة على الدين واذا كان الدين قويًا فمن يهدده؟ هل هو زجاج يسقط عند رمية أول حجر؟ هل هو مجهول الى حد أن الناس اذا قرأوا كتابا ضد الإيمان أو يبدو كذلك ينهار ايمانهم؟ هل الدين قسري أو يقوم على الإكراه؟ كل هذه المؤسسات الرقيبة واقعة هي في الخوف وتريد أن يتفشى الخوف. هل العقيدة بلا قناعة هي رسوخ النفس فيها؟ الفريسيون ليسوا فقط حزبًا قديمًا في بلاد اليهود. الفريسية نمط ينمو في النفوس القامعة التي تتخذ الدين قوة لها تفرضه على العوام الضعفاء حتى تسيطر هي لا إلهها.

#   #

#

بعد ان دخل السيد هذا البيت قال له زكا: “يا رب، ها إني أعطي الفقراء نصف أموالي، واذا كنت قد ظلمت أحدًا شيئًا. أرده له اربعة أضعاف”. في الشق الأول من الاعتراف: “اعطي الفقراء نصف أموالي” فهم الرجل أن التوبة تعبّر عن نفسها بالعطاء لأنك تتوب ليس فقط لتقيم وحدك في البر ولكنك تتوب لأجل المشاركة. فلعلّهم يعودون الى ربهم اذا كنت عدت اليهم بالحنان. هناك قضية بين الميسور والفقير لا تنتهي فقط بالعطاء. تنتهي عند الميسور بالتواضع أمام المحتاج وبالحنو. العطاء لا يجعلك دائمًا محبوبًا لأنه يحتمل خطر المنة.

والشق الثاني من الاعتراف: “اذا كنت قد ظلمت أحدًا شيئًا…”. هذا لم يكن من باب الإفتراض اذ الواقع المعروف أن العشارين كثيرًا ما كانوا يتقاضون من المكلف أكثر مما فرض عليه فالسلطة كانت تحميهم ولا يحمي أحد الفقراء وكثيرًا ما كانوا يتعاطون الربا. كان عندهم اقتناع بعض أنّ من سرق الدولة ليس بسارق وتبرير ذلك أن الدولة لا تنفق ما هو مطلوب منها بالموازنة ولكن أنّى لها أن تنفق إن سرقها الكثيرون. ولعل هناك اقتناع عند بعض أن من سرق الغني لا يسرق.

أنا لا أخشى السارقين اذا سرقوا ولكني أخشى تزكيتهم لما يرتكبون. هذه هي الخطيئة الكبرى أن تقتنع بالخطيئة.

بعد هذه السماحة الكبرى عند العشار، بعد تحسسه العظيم بما فعل من شر “قال يسوع فيه اليوم حصل الخلاص لهذا البيت”. فالله لا يرجىء الغفران. فاذا تحرك قلبك الى الله ينزل الله اليه توًا ويتم خلاصك ولا يقيم ربك عليك خطيئة وتحلو في عينيه كما يحلو البار ولا يعلّي الرب البار عليك.

ثم يقول السيد “فهو أيضا ابن ابرهيم”. ليس معناها أنه تحدر من ابرهيم هذا ليس له قيمة. انه ابن ذاك الذي قيل عنه: “آمن ابرهيم بالله فحسب له ايمانه برّا” (رومية 4: 3 وسواها). ثم يتابع المسيح: “لأن ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلّصه وفي ترجمة أخرى: “عمن هلك”. لا أحد مكتوب اسمه في سجل هلاك لأن التوبة تمحو كل تسجيل للخطيئة وينتقل اسم هذا الإنسان الى سجل الحياة توًا?

يقّرأ هذا الفصل في الكنيسة الارثوذكسية غدا واذا سمعناه نعرف أن الفصح قد اقترب واننا سنمنح في الصيام وقتًا طويلاً لنعرف محبوبيتنا عند الله ونرد له محبته اليه بارتمائنا على دفء أحضانه.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

قلبنا على لبنان / السبت 21 كانون الثاني 2006

قلبنا على لبنان كما لم يكن لان وحدته تتعسر ولعل تركيبته الطوائفية تجعله صعب المراس حتى يشبه مراسه استحالة اذ يتعذر اكثر من اي زمان مضى ان توحد ناسه عليه. وحدته مرجوة عند الخيرين ولكن لا تبدو معالمها مهيأة لتصوير وجه له يرضي كل ابنائه. فلا يبدو اننا متفقون على ثوابت وعلى اصول فما هو تحت النقاش عندي ليس كذلك عندك. ولما افترقنا كثيرا في الحرب قلنا اننا تجاوزنا ميثاق 1943 ولست ارى اننا تفاهمنا حول ميثاق آخر. كلام البيان الوزاري لحكومة المغفور له رياض الصلح ان “لبنان ليس للاستعمار مقرا ولا الى جاراته العربيات ممرا”. وكان ذلك ليتباعد بعض عن فرنسا وبعض الا يؤذي بلدا عربيا آخر بتصدير الاستعمار اليه. غير ان هذا الميثاق بسبب الوحدة العربية لم يخطر على بال اصحابه آنذاك بسبب الاخاء العربي اننا قد نكون مطمعا لعرب آخرين ولم نصنع ميثاقا جديدا يقول هذا فأتت الرياح بما لم تشته سفينتنا فاستصغرونا بسبب من صغر حجمنا.

والوطنية تعني ان البلد ولو تحالف يصر على ذاتيته لانه لم يكن عنده او فيه ذات تأتي احلافه غير صادقة او غير متينة وانه يفوض امر مصيره او مساره الى آخرين. وتترك كل كتلة او شريحة الى هواها التاريخي او الى ما تريد ان تستقوي هي به وعندئذ تتلاشى الوحدة.

ان تكون هذه الطائفة او تلك قوية فهذا جميل اذا وضعت قوتها في خدمة الوحدة واذ ذاك لا تكون الطوائفية مشكلة او لا تكون مشكلة مستعصية. نحن اذا في حاجة الى ترويض روحي لكل فئة لتحس بأنها تحيا بالفئات الاخرى. وهذا يعني ان ليس من وطن يكون فيه لأية طائفة سياسة خارجية وتبقى السياسة للدولة التي تبطل تحديدا سياسة الطوائف منفردة. وهذا هو الميثاق الجديد الذي يكمل ميثاق الدولة في عهد الثنائي بشارة الخوري – رياض الصلح.

كنت شابا لما قرأت البيان الوزاري الذي صدر في 8 تشرين الثاني 1943 وتظاهرت بعد ثلاثة ايام في طرابلس مع من تظاهر احتجاجا على الفرنسيين ومشت على اجساد رفقائي هناك دبابة فرنسية ومات منهم احد عشر شابا. وتحولت تحولا كليا بعد ان شاهدت بحرا من الدماء وأشلاء رفاقي من شاب مسيحي يرتضي الانتداب الى رافض له رفضا عضويا وأحسست أني واحد مع هؤلاء الشبان المسلمين الذين قتلهم عسكر الانتداب وشعرت ان الدم المراق وحّدنا انا وهؤلاء الشبان.

لا يستطيع الوطن ان يقوم على احتدام عواطف وهي اليوم نار تحت رماد. هناك أسس موضوعية مشتركة لا تتبدل بتبدل الاحوال السياسية. ان يكون لبنان الى الابد صديقا لاحدى الدول ليس من الثوابت. ان ننهي الحرب مع اسرائيل أمر خاضع للنقاش. ان نرفض التعامل مع اسرائيل الى الابد مع توقيع ما للتهدئة أمر مقبول. هناك تفاهمات داخلية بين أطياف الشعب اللبناني تؤسس لاجماع وطني.

الدستور كرّس العيش المشترك أمرا تاسيسيا لا يجوز الخروج عليه. عبارة “العيش المشترك” تتضمن في تصوري فكرة تلاقي الطوائف على نوع من الوحدة الاجتماعية وعلى توافق وتعاون بينها ينفي وجود حكم ديني ويفترض حكما مدنيا كما سماه بعض العلماء المسلمين ومفكريهم ولا سيما الشيعة منهم.

خارجا عن التوترات الحالية أفهم ان تستمر الزبائنية السياسية في لبنان. كانت عندنا زبائنيات كثيرة وذلك منذ أجيال ولعل ذلك يعود الى ان بعض الجماعات كان لها في الدول الكبرى مرجعيات سياسية تحميها وتدافع عنها او يظن ان هذه الدول كانت على مقدار من الفاعلية. ربما صح القول اليوم ان لبعض منا ما يجعله يستقوي بالغير. هل الاحزاب اللبنانية المدعومة من الخارج قادرة على ان تقول لا عند الاقتضاء؟ ما طبيعة العلاقة بين كتلة صغيرة من البشر ودولة في الخارج؟ هل هذا حلف أم تطوع أم ولاء؟ امام الاختلاف في التطوع بين اللبنانيين هناك أكثر من قراءة للبنان وليس ثمة عيش مشترك.

اذا هدأت العاصفة التي هي في قوتها أشد من عاصفة الـ1975 لا مفر من ان نرى الى الاحزاب والتيارات نظريا وذلك بما ينفع منها لبنان. عند الأمم التي سبقتنا في نظام الاحزاب مع مشابهتها الاحزاب المماثلة في البلدان الاخرى كانت كلها تتكيف بتاريخ بلدها وطبائع أهله ولانهائيته. كان الحزب الشيوعي في فرنسا مثلا قائما على الماركسية ويتعاطف والاتحاد السوفياتي بسبب من العقيدة الماركسية وشيء من التآزر العملي ولكنه كان يسمي نفسه الحزب الشيوعي الفرنسي. وكذلك كان الايطالي.

لم يكن في تلك البلاد حزب ذو عقيدة دينية. الاحزاب المسماة ديموقراطية مسيحية لم تكن تطلب من اعضائها ان يشاركوا في القداس يوم الاحد. الحزب يدعو، يقيم مؤتمرات ويلتقي وفودا من بلدان اخرى ويرى ان من صالح البلد ان يتفاهم وبلدانا اخرى من طريق الدولة.

وفي التأزم الحالي لن اتكلم على حزب اذ قد يعد هذا انخراطا والوقت للتهدئة. في وقت مناسب لا بد للبنانيين ان ينظروا ناضجين الى كل الاحزاب وليس من مقدس. كما ان النظام الحزبي القائم عندنا على غرار الجمهورية الرابعة في فرنسا قد لا يكون نظاما مؤسسا في المطلق. هناك بلدان تقوم على حزبين وليس عند المواطنين فيها احتدام سياسي خارج زمن الانتخابات التشريعية. فالاختلاف السياسي الحقيقي بين الناس ليس فيه تعدد لا يحصى. طبعا لا ادعو الى تشريع اعتباطي في هذا المجال ولكني ادعو الى نقاش المقدس في الحياة الوطنية اذ ليس من مقدس على صعيد الحياة الحزبية.

في هذه الايام العصيبة يبدو لي لبنان ثمرة صلاتنا اجمعين بسبب من هروب تكويناته منه. غير اننا اذا قلنا القول الواحد في قوام الوطن والتزمنا طاعته وحده قد يكون لنا ان نبقى معا في صدق. لقد استلمنا هذا الوطن واستمتعنا به وما من بديل. ارجو ان يبارك الله له ويحفظنا فيه مع اولادنا بكرامة ومحبة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

رعاية الله ورعاية الدولة / السبت 14 كانون الثاني 2006

ان يوجدك الله برضاه والنعمة وان تقوم على تراب الارض وهمك الناس والدولة، ان تنوجد من فوقك ومن جنباتك هذا مأمنك في الدنيا قبل ان يجتاحك الملكوت بدفئه في اليوم الاخير. فاذا كنت عظيم الايمان تحيا في كل الاوضاع التي يوفرها لك مجتمعك. بالحق والظلم، في الحاجة والبحبوحة، في الصحة والمرض. لكن الناس ليسوا كلهم عظاما في الايمان فتسندهم لقمة عيش وتبعث فيهم عدالة الدولة طمأنينة ويرتاحون الى جسد سليم. حياتهم مجموعة هذه العناصر، يرصفونها في ما بينها ويأملون ان الدولة تسهر عليهم بحيث تتوافر لهم طبابة ومدرسة وطريق واضاءة وماء حتى يدركوا ان هذه العناصر ليست كلها متوافرة او ليست متوافرة بالمقدار المبتغى. ويرجون قيامة دولة تعي هذه الامور ولكن ليس من دولة فيرتدون الى رعاية انفسهم وبعضهم بعضا بلا حكم قائم ولكن على رجاء ان يقوم المجتمع الطيب، اللطيف مقام الدولة بمقدار.

مشكلة الدولة او احدى مشاكلها انها ليست مؤلفة من حكام الهيين. ومن ليس إلهيّاً يقيم وزنا لذاته وربما لمنافعه فلا تكون الدولة راعية. وفي هذا قال حزقيال: “لم يكن راع ولا سأل رعاتي عن غنمي ورعى الرعاة انفسهم ولم يرعوا غنمي “(34: 9) ويتوسع النبي في الكلام حتى ينسب الى الله انه يرعى بعدل ثم يبين ان الرعاة ظلموا الرعية وشتتوها.

بأي معنى يرعى الله بعدل؟ المعنى انه لا يحابي الوجوه وفي هذا كلام كثير في وصف العدل الالهي. فالميزان الذي يزن الله به الناس واحد. وعقاب الخطيئة الواحدة واحد حتى نبلغ المستوى الاعلى للعدل الالهي وهو المحبة اي اننا نكون قد تجاوزنا نظام المحاسبة ودخلنا الرأفة. يهم الرب اولا ان يقضي للمظلومين لئلا ييأسوا من رحمته ويفقدوا، اذا ذاك، كل ملجأ.

الا ان الله يكشف عدله في هذه الدنيا ليس فقط مباشرة ولكن بالعاملين معه في حكم الارض ما يعني ان معيارهم هو معياره وانهم لا يحابون الوجوه ولا ينقادون الى هوى فلا يؤثرون غنيا متسلطا على فقير ولا ابن طائفة على ابن طائفة اخرى وما الى ذلك من فروق، وفي الادارة لا فضل من منطقة على منطقة لان البلد يعيش بهذا التوازن ولان العدل البشري اذا اقيم في كل مجلس انما يكشف لك ان بهاء العدل الالهي قد هبط على الارض فكما ان الله محبة يمكن ان يمارس المسؤول هذه المحبة الالهية بوسائل الناس.

#   #

#

في بلدنا العدل بين البشر عسير لكوننا منقسمين عشائر او طوائف ولان الحاكم قد يحس نفسه قريبا من ابناء عشيرته فيحيد عن سواهم والجهد الروحي – وليس بسيطا ولا هينا – يتطلب منك ان تقف على مسافة من طائفتك في التركيبة الاجتماعية دون ان تنأى عنها روحيا او ثقافيا لئلا تفتقر. ويتصور في نفسك المجتمع المدني وتنضم داخليا اليه لكي تحكم بالانصاف ولا تنقل احساسك بطائفتك او شريحتك الى الحكم اذ يفوتك، اذ ذاك، ان تنظر الى الناس في وحدتهم.

هكذا يرى الله الى ابنائه البيض والسود والرجال والنساء وابن هذا الدين وذاك ولا يفرق في ابوته بين الصالح والطالح وان اختلفت اساليب تربيته. هكذا في العائلة انت تمارس ابوتك بحيث تحب ابنك الطيع وابنك المشاكس حبا واحدا ولو تباينت طرق ترويضك لهذا وذاك.

الا ان الدولة ليست بالحاكمين فقط لكونها ثمرة المجتمع وليست فقط راعيته. فأنت لا ينبغي في المعاملات والتلاقي الوجداني ان تفرق بين شيعي وسني او ماروني وارثوذكسي ومن اليهم لأنك تنوجد بالعطاء والخدمة كائنا من كان المعطى له، اذ المحبة لا علاقة لها بالوجوه، انها حركة قلبك الى القلوب. واذا عامل المواطنون بعضهم بعضا بتهذيب ولطف يصعد هذا الى صعيد الحكام والقضاة لكونهم من طينة هذا المجتمع الذي يكون قد تآلف على العدل الذي فيه دائما رأفة ورحمة.

واذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجا كما يقول يوحنا الانجيلي فهي تتأكل التباعد القائم من حين الى آخر بين هذه الطائفة وتلك وهذا على المستوى السياسي اذ لا بد ان نتربى على ان المواهب التي ورثتها هذه الطائفة او تلك من تاريخ آلامها ومجدها انما هو ارث لنا جميعا. ما هو جميل عند الماروني والشيعي والسني والدرزي هو جميل في إن انا اقتبسته. وهذا خاضع للدراسة العلمية وليس فقط للخبرة التي كسبناها من تعايشنا. عندنا ناس هادئون او هدوئيون – كما يقول الروحانيون الارثوذكس – انعزلوا عن اهوائهم وعصبياتهم يستطيعون ان يصفوا لك حسنات كل طائفة في طبائعها واخلاقها بحيث تفرح لما تسمع وتتمنى ان تكون انت على الجمالات التي توصف لك. وربما جعلك هذا تفهم تباين مواقف سياسية تتصل بتاريخ الطوائف وليس فقط بمنافع زعمائها ولك ان تفرق هذا عن العصبيات وان ترى محللا الايجابيات المحتواة في هذه المواقف.

لست اعلم اذا استطعنا ان يقبل بعضنا نقد طائفته من انسان خارج عنها هذا على الصعيد السياسي. ايضا وايضا اريد ان اشهد لمثقف ماروني بحث في الحرب في الروم الارثوذكس على صفحة كاملة في احدى الجرائد وكان هذا نقدا علميا نزيها لو استثنيت هنة او هنتين بسبب من قلة اطلاع. ربما نحتاج الى مستوى في معرفة التاريخ والعقائد الكبرى وفلسفة السياسة لننقد ذواتنا للآخرين في سبيل بناء للوطن مشترك وهذا مما يساعد على تبديد الخوف من ان الاخر ظالم لنا او لا يعرفنا فنرفع الخوف الى مستوى الحكم.

عندنا بعض العلماء القادرين على ان يبحثوا في الدين الاخر بهدوء وعلم ويتلاقى هؤلاء العلماء في صدق وصداقة عظيمين واخذنا نلمس هذا التقارب في برامج متلفزة. ربما كان الحديث في العقيدة بسبب من الاحترام المتبادل اسهل من تعاطي السياسة لكونها تمس مصالح الارض. ولكن لا بد من تروض عظيم لكي ادافع عن السني ولست سنيا او عن الشيعي ولست شيعيا او عن الاكثرية وانا من الاقلية.

غير اننا في الفكر المحض وفي السياسة في حاجة الى رؤية الله في رعايته فانك عاجز عن ان تنصف الاخرين بتقديرهم وتعظيم تاريخهم في مكامن العظمة ما لم تكن قريبا الى الله لترى رعايته لعباده جميعا.

في الظرف الذي نعيشه القناعة الاساسية عندي ان الله يريد لبنان حرا ليتسنى لابنائه ان ينموا ويتعاضدوا وينتجوا ويبدعوا ويتنقّوا ليتمكنوا من رؤية الله. استقلالهم في حسباني هو من رعاية الله اياهم. الاستقلال في هذا الظرف التاريخي عدل الهي قبل ان يكون عدلا بشريا. ذلك ان الله يريدنا ان نعيش وان نربي اولادنا وذلك غير ممكن ان بتنا بلا كرامة.

غير ان الحرية ان بدت منه من السماء تحتاج الى ان تحفظها وتحبها وتموت من اجلها وما من قيامة بلا موت. هناك نقاط تلتقي في نفسك بين رعاية الله اياك ورعاية جهاد لنفسك. وهذا شيء من الفردوس.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

لبنان المرتجى / السبت 7 كانون الثاني 2006

ما لم تكن من كبار الاثرياء فالعيش في لبنان متعب. ومتعب ايضًا للاغنياء اذا اندس احدهم في مجالسهم ولم يراقبوا لسانهم ولا يستطيع احد منهم ان يبعد عنه خطر الوشاية فقد تحسب انك لا تستحق الموت ولكن الذي يصمم قتلك له حسابات اخرى وقد لا تُغتال لاهميتك اذ المبتغى ان يشل البلد وان نيأس ونرحل. المصيبة مما يحل بنا ان الكثيرين منا يحسون بعبثية هذا النوع من الميتات والتعب الشديد يجعلك لا ترى فداء بل تمسي بلا فهم، يبدو لك عند الرعب ان الحياة على تعسها افضل من الشهادة وابلغ. الشدة الغليظة المكثفة لا تُنشئ صبرًا الا عند الذين تحرروا من وطأة الارض كليًا فلا يتوطنون في مكان والابدية فيهم تأكل زمانهم.

مع ذلك لا بد ان نعيش ولا نشترط على لبنان ان يكون فندقًا بخمس نجوم على قولة غسان تويني. ولكن ان نعيش هو ان نعيش معًا. لقد قلناها مرارًا ان الآخر ضروري لوجودي. ان اقرأ الآخر فيما انا اقرأ نفسي بحيث اقرأ الاثنين في وحدة. الوحدة الوطنية لا ترثها لانها مصنوعة ابدًا بجهودنا بحيث لا اطلب لنفسي شيئًا فأطلب كل شيء للمعية. انا معك وانت معي لا تعني اننا نعيش في اختلاط بحيث ألغي نفسي بالانصهار بك ولكنا نحيا معًا بالحجة والسماحة التي ابدع فيها اخي فيحب ابداعي اياه واحب ان يبدعني بدوره لتوليف مجتمع جديدة ابدًا وحدته ومكوناتها متآنسة لاكتمال صورة البلد المرتجى.

البلد من اصعب الموجودات لانه مركب تريد ان تجعله واحدًا بحيث لا تلغي العناصر التي تركبه اذا فني بعضها ببعض وتتكامل وتسعى الى صورة عن الوحدة قد لا تكون في بلد آخر وتصنع هذه الوحدة من بعد خبرة الواحد للآخر بحيث تشتهي ان يبقى الآخر ولو تعبت من التلاقي بين فترة وفترة. هناك صور للتلاقي تختلف بين بلد وبلد فقد تتعدد اللغات كما في بلجيكا وسويسرا والصين وقد تتعدد الاعراق كما في العراق وتختلف المذاهب كما في لبنان. هناك على رغم التنوّع قرار المعية مهما كلف ذلك من تضحيات.

هذا التوق الى الوحدة والجهاد في سبيلها لسنا نرغب حقًا فيهما كما يبدو لي. وذلك بسبب خوف الماضي او خوف المستقبل واحيانًا هما واحد. وكل هذا يتعلق بالقوة التي انت عليها او بما تحس به من تهديد. كان لك دفء في طائفتك الكبيرة العدد او اطمئنان الى ان طائفتك الصغيرة لا تزلزل احدًا اذ لا تدخل في الموازين. وليس من طائفة قليلة قادرة عندنا على ان تتحالف وقوى خارجية اذ لا تقدر قوة خارجية على ان تمطها او تعطيها حجمًا لا تقدر عليه.

#    #

#

تشذ عن هذه القاعدة طائفة الموحدين الدروز التي تعوض قلة عددها بعظمة تاريخها وبارتباطها العضوي بجبل لبنان محور لبنان. هي الطائفة الوحيدة التي لا يلعب العدد فيها دورًا حاسمًا. لا مهرب لك اذا من تعاطيها.

هناك مجموعات قد لا يكون لها فعل تاريخي حاسم يذكر وهي لم تندرج في النظام الطوائفي اندراجًا عندها محبوبًا ولكن لها نكهتها الروحية والثقافية وفعلها التقويمي وانفتاحها على المنطقة وتحسسها المشرقي العربي يجعلها حرة من الخضات نسبيًا ولو تألمت من البلد وفي البلد لكنها تلازمه لاحساسها بأنها ساهمت في انشائه حضاريًا ولو لم تتحمل عبء تمزقاته. ربما صح هذا الوصف على الجماعة الارثوذكسية التي لم تستطع او لم تشأ ان تتخلى عن لا طائفيتها لتساعد على فتح البلد على التاريخ. انا لست وحدي لاقول هذا القول. عثرت على مثله عند ميشال ابو جوده، جهاد الزين وسمير عطالله لما تكلموا على الروم. انهم رأوا ذلك في تتبعهم السياسي قبل ان يقرأوه في حلاوة صداقاتهم.

الطوائف الصغرى من مسلمين ومسيحيين لم تربح شيئًا من وطنيتها على حساب لبنان بل احبته مجانًا رعاها ام لم يرع ولا مهب لها منه ولا تريد مهربًا. يبقى الوزن للموارنة والسنة والشيعة ولكن ليس بالاستقلال عن مؤازرة “الصغار”. وليس لي ان اوصي احدًا بشيء او ان اوحي بحكم مدني كامل لم يظهر بعد. فنحن وراء تذليل الصعاب ولسنا في صدد بناء حقوقي لم تكتمل عناصره. النظري في السياسة لا يسبق الواقعي وقد يتقاطعان. ينبغي ان نبدأ من مسلّمة اساسية وهي ان احدًا منا لا يخفي علاقات مع اسرائيل اذ لا يسعنا ان نعالج اي امر من امورنا ان لم نوقن يقينًا كاملاً ان ليس بيننا عميل للصهاينة.

تاريخ القهر في بلدنا وفي المشرق لا يعذر فريقًا ان يحالف وحده دولة خارج لبنان اذ نكون بهذا جددنا نظام الحمايات الخاصة. انا تساءلت عن امكان حماية للبلد كله تأتينا من حيث نتفق عليها وعلى مصدرها. مصلحة الكل تتعدى مصلحة الجزء، ان أي طائفة لا يجوز ان تبغي سلطانها على البلد ولست اتهم أو أظن السوء. ذلك لانك لا تتحلل من الجزئية الا بالتوحد والتوحد هو في الموقف الذي نتخذه معا وهذا يمكن ان يكون شرعة.

أظن أننا في حاجة الى ما يشبه ميثاق الاستقلال المسنون في الضمائر السنة الـ1943. خلاصته كانت ان نجتمع حول لبنان بحيث نأتي جميعا ومعا منه ولا نأتي من أي بلد آخر لاننا كما أعطينا مجد لبنان معا نؤدي كلنا ومعا خدمة للبنان واحدة.

أقول هذا بعد ان عيّد المسيحيون معا لاصطباغ المسيح في نهر الاردن على يد يوحنا (أو يحيى) وهذا ما تدعوه العامة الغطاس. معنى ذلك ان السيد نزل في مادة الحياة التي هي الماء ليبث الحياة في كل الوجود والحياة هي الحرية والحب وان نتلاقى في الصدق والعدل ودوام العطاء. والمعمودية عندنا صورة مزدوجة للموت والحياة اذ تغرق في الماء ثم تخرج منه. وبهذا المعنى الرمزي اذا سيسناه نعمد لبنان تعميدا كبيرا بحيث نزيل الخطأ الذي يعرقل نموه ونسمو به الى حياة عظيمة تسكبها عليه النعمة وجهد ابنائه معا.

أشياء كثيرة فينا وعندنا ان لم تمت لا تفيد هيكليات للبلد جديدة. الله روح وانت روح اذا تنقيت. هل أريد أن أجعل اللبنانيين أمة الله؟ ان لم يشتهوا ذلك فمن هم عابدون؟ وان لم يعبدوا الاله الحقيقي الذي ينقذ الانسان من الرشوة والدولة من السرقات فماذا تنفعهم معابدهم وعلام يقوم البلد؟

قال الله ليسوع عند صبغة يوحنا اياه: “انت ابني الحبيب”. آخذها الان سياسيا لأقرأ هكذا: كذا يقول الله لأي مسؤول لبناني ان أمات شهواته في الحكم: “أنت ابني الحيبب”. انت الهمك مسعاك الصافي وأعضدك وأحفظك وأعمدك كل يوم بمعنى اني أزيل عنك خطاياك وأرحمك وأجدد رضاي عنك وأجعل من هذا البلد الصغير كبير التطلعات وقادرا على رفع الانسانية كلها بعدما بات لحمة أبنائه بسبب تبتلهم الواحد وتبديد فوارقهم وكشف تجليات فيهم.

انا واثق من ان مشكلتنا الاساسية مشكلة أخلاقنا. نحن لا يعوزنا ذكاء، ولو أعوزنا الجهد أحيانا. ونحن قادرون على ان نعقل أمورنا بفهم واخلاص وان نضيء عقولنا بالايمان ولو كان هذا في حاجة الى تجدد وتعمق. أظن ان الليل يتناهى والنهار يقترب. والاعداء يتربصون بنا حتى نزل ويضمحل البلد. والبلد مسؤولية لا لنفيد منه مآرب في الارض ولكن لنزداد فيه حياة فنحيي الآخرين.

نحتاج الى عقل عظيم وهادىء معا في جوانية القناعات الكبرى من أي تراث جئنا اذ نستطيع ان نتكامل وتشتد سواعدنا متآزرة وقلوبنا متوافقة في صدق لنرقى الى ذرى المجد ونصبح واحدا ما أمكن ذلك البشر ونسير على دروب منتهاها بركات الله علينا وضياؤه.

Continue reading