Category

2006

2006, جريدة النهار, مقالات

وجه الله / السبت 20 أيار 2006

آخذ الصلاة هنا حسب المصطلح المسيحي أعني ارتفاع النفس الى الله أكانت صلاة في الجماعة المقامة في أوقاتها أم الدعاء الفردي المؤدى ظاهرًا خارج الجماعة ولكنه مقرون بها لكون قلوبنا متناغمة متلاقية اذ الانسان المنتصب في حضرة الله واقف دائمًا مع الإخوة.

فمما أمره الرسل أن تلقى أخاك في الايمان في مكان واحد، أن تنتظم معه بقول وحركة في عمارة ولحن وكلمات تخرج من القلب والعقل في فصاحة التجويد والانشاد طلبًا لجدية الجمال. فأنت تقوى بأخيك اذا التمستما الحقيقة معا وأن انشأتكما الكلمة لتصير معه ومع الآخرين الأمة المقدسة. والذين يتركون عباداتهم انما يحيدون الى اعتزال الحب المصلي ولو لم أنكر على واحد منهم قدرتهم على الامتلاء من الله في عزلتهم.

طالما استعمل بعض كلمة «طقوس» بمعنى انخفاضي يصل أحيانًا الى حد الاستعلاء على المصلّين في بساطة نجواهم وكأنهم يتهمونهم بالسطحية أو الشكلية أو اللافهم وقد غاب عن ذهن هؤلاء ان العابد الصادق انما تدفعه طاعته لله ورغبته في ان يكون مع أحبته والاستمتاع بالكلمات التي صاغها القديسون وتروض بها الناس جيلاً بعد جيل.

ان التقوى مراس أو فيها مراس. ان تكون محصنًا بصلاتك صباح مساء وظهرًا وعند المغيب يحيطك بأسوار قد تمنع عنك غزو الخطيئة وتقيمك في حالة التلقي الحاضن لكلمات الرب. قصتك معه أو بعض من القصة ألفة كلامه. ومعناها العميق ليس فقط أن تتقبل الكلمة تضاف الى كلماتك ولكنها تلغي الكلمات الناهدة اليك من شهوتك فان كلمة الرب اذا غذتك تطهرك من إثم كلام لك خداع.

مصليًا في الجماعة وفي انفرادك انت واقف أمامه، لا ترى سواه فاعلًا. مع ذلك قد يحيد بك جمال الطقوس عن مضمونها وروحيتها. وهذا، بخاصة، في الكنائس الجميلة عباداتها، الغني تنظيمها، المكثفة والمتنوعة نصوصها. دائما أزعجني قول بعضهم: «كان القداس جميلا» اذ عند تحليل هذه العبارة تجد ان الناس استساغوا اتقان الترتيل والناحية الفنية بعامة. فاذا تفحصنا نوعية اقبالنا على العبادات ولا سيما اذا كنا غائبين عن المعاني نرى أنفسنا أمام هذه الكارثة أن المسيح دفين الطقوس. ولكن هذا لا يستتبع انه عليك ان تلغيها لتجعل لنفسك صلوات جماعية هزيلة الشكل والاداء. ليس من معنى لا صورة له، لا يتسربل كلمات مجودة اللفظ. وفي المسيحية التراثية يجمل المعنى بالايقونة والترتيل وفق التراث ولو قبلنا تجديدًا معقولا».

#  #

#

والفهم يتطلب ترويضًا على المعاني والرموز خارج المعبد وعلى معرفة الكتاب المقدس الذي هو نفحة العبادات وأصل تركيبها وتعابيرها. هناك شبكة مفاهيمية وتراث ينقل الكلمة الالهية. هناك أجيال صلّت قبلنا ودفعها الى صلاتها الروح الالهي وتركت لنا كنوزًا من المعاني لا تفنى. وانت تبدأ مما ورثته عن الابرار ولا «يوضع أساس غير الذي وضع».

وتدخل أنت على الميراث اذا شئت ان تصلي أو تدعو ولا تؤلف اذا دعوت على انفراد ما ليس متصلاً بمفردات الخلاص الذي نزل عليك وأنشأك ورباك وأصلحك. واذا دخلت صلاة الجماعة فأنت وحدك ماثل في حضرة الله أي أنك انت تصلي ولا أحد يقوم مقامك. الاصفياء من الاخوة يقيتون روحك اذا هي ارتفعت وانت تقيتهم ولكنك واقف في ما عندك من ضعف وقوة، في ما تستغفر انت وتتوب ولا ينوب عنك أحد بالتوبة ولو قوى صلاتك بما تراه عليه من حرارة. انت لا تذوب في الجماعة واذا وقفت فيها لن تقف حارًا ما لم تكن عظيم الانتباه على صلاتك الفردية.

في الكنيسة أو في بيتك مبتغاك ان تجيء من الله لعلمك بأنك لست على شيء. كثيرًا ما سمعت في أوساط الكسالى: هذا مرتكب ومع ذلك يذهب الى الكنيسة في الآحاد وكأن هؤلاء المتباعدين عن الصلاة غير مرتكبين. الخاطىء الذي يرتاد الكنيسة انما يقر ضمنًا انه انسان خاطىء. وانه جاء ليستغفر ويطلب من هذه الجماعة حبها له اذ يقر بأنها أخوية قلبه. يعرف نفسه مكسورًا، مريضًا، وجاء ليستشفي. دائمًا في المصلي اعتراف بالخطأ ضمنيًا كان أو صريحًا. من صلى مع الجماعة أو في بيته كان على شيء من التواضع، من الامحاء أمام الوجه الالهي الذي يطل عليه.

عمق الصلاة أن يحس المؤمن انه فقير الى الله، انه يتكون برضائه وانه دون ديمومة ذلك ليس بشيء. بدء الصلاة في هذا الاعتراف. وهذا يتضمن الاقرار انك لن تصير شيئًا الا بالتفاتات الرب اليك. واذا تكونت سنين طولى بهذه الالتفاتات لا يبقى فيك شيء منك ولا هذا الغرور الذي يدفع الأكثرين الى ان يحسبوا ان ما لديهم انما هو ثمرة جهدهم وقد علّمنا آباؤنا الكبار اننا ندخل الملكوت برحمة الله. المصلي الدائم هو ذاك المسترحم الدائم الذي يريد أن يمشي على دروب الرب ليبقى له من الرب نصيب.

#  #

#

من صلى وفق قلب الله أي التماسًا للملكوت لا طلبًا لهذه الدنيا انما تكيف النعمة قلبه وتزيده احساسًا بمقاصد الله فيصبح بصلاته الموصولة لله مجانسًا أي يقتني ما يسميه بولس «فكر المسيح». فاذا اكتسبه يصلي حسب عقل المسيح أي ينسج كل صلواته وفق «الصلاة الربية» ويطلب مشيئة الله فقط. فاذا نظر الله اليه بعد طول مراس يراه لنفسه مرآة. طريق هذا الانسان تصبح طريق الرب. بهذا المعنى قال الكتاب اننا ذرية الله اذ بسبب هذا التكوين الداخلي لنا نصير أبناء الله.

بعد هذا تدعو بكلمات أو بصمت عن كلمات العقل. يدخل قلبك في النجوى. أجل. لكونك أخًا للمؤمنين ولكون كلمات الكنيسة هي اياها كلمات الرب وسهرًا على تواضعك تمارس الخدمة الالهية التي تؤدّى في البيعة. هذه ضمان لتصلي بروح الله وهذا يقين انك تخلص مع الآخرين وبالآخرين. وهذا ما يؤهلك – اذا كنت خارج المعبد – ان تعبد الله بروحك أي بلا كلمات. فالكلمة الوحيد للآب يسكن فيك بالروح فإن «المولود من الروح هو روح». حياتك كلها تصير نطق الروح فيك.

هذا كلّه يسيل فيك دموع التوبة الدائمة حتى لا ترى وجها غير وجه الله وتصير انت بدورك كلمة فمن رآك يحس انه يرى المسيح.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الصدق / السبت 13 أيار 2006

في لسان العرب الصدق نقيض الكذب. ويبدي هذا التعريف القاموسي ان الكذب أكثر شيوعا لأن الكذب سببه الخوف، ومنه خوف العقاب عند التلميذ أو الموظف أو اي خائن لأية أمانة أو المرتكب لأية معصية أو الواقع في أي مأزق. هؤلاء كلهم مركزون على الأنا التي تبغي إنقاذ نفسها أي الاستفادة من هذه الدنيا. وفي هذا قال الأعشى: «فصدقتها وكذبتها/ والمرء ينفعه كذابه». وهل الخطيئة، كل خطيئة، غير الاستمرار في ما نحسبه الوجود، هذا الذي يظهر ويجعلك قائما في أعين الناس الذين هم من الدنيا وقد ارتضوها مسكنًا لهم أو مسكنًا فيهم.

أما الصادق فهو الذي انتصر على الخوف لأنه يحيا بالحق ويقوله. هو الذي يقابلك ويعايشك برؤيته أو بهذا الإله الذي يحييه. هو قائم في اليقين ويؤمن ان عليه ان ينقله الى الآخر ليحيا هذا به بدوره اذ الحقيقة مشتركة ولو اكتشفها واحد. الأنا عند هذا الانسان ليست منغلقة وتنوجد من انفتاحها على الأنا الأخرى، الصادق يدرك انه يتكون ليس فقط بمعرفة الحق ولكن بانتشار الحق. فاذا أتيت من الحق الذي تعرفه تشتهي ان يأتي منه الآخر. في النهاية الانسان الصادق رسالي، مسكوب ويعرف أن الله نصيبه اذ قد يأتيه الضر من اشاعته للحق ولكنه يعرف انه لا يثبت الا في النور ولا يهمه الا ان ينزل عليه البر من الضياء العلوي.

واذا نحدرنا من الرؤية الى الأرض يمكن تصور سوسيولوجية الكذب. لماذا يقول المتنبي: «لا تشتر العبد الا والعصا معه»؟ لا شك في ان الوضع الاقتصادي يلقي ضوءا على الطبائع. ما من شك في ان مجتمعًا ينتج عبيدًا بظلمه أو اشباه عبيد يدفعهم الى التملق والاختباء واخفاء بعض تصرف ما من شك أيضًا في عالم اليوم في ان المجتمعات التي تعيش على شيء من الرخاء أقرب الى الصدق في مجال التعاطي العام ويبقى اخفاء الخيانات في الحياة الخاصة. يبقى وضع التقرب من اكابر القوم للحصول على منافع أو للتسابق في المرافق السياسية في الحزب الواحد. ويبقى في المجتمعات الكنسية وهي قائمة على الهرمية ان يتقرب الادنى الى الأعلى بالكلام المنمّق او المديح. الترقية في تجمعات كهذه ليست مبنية فقط على الفضيلة ولكن على بعض من تحزّب وتكتّل لا علاقة له بالله.

#  #

#

عظيمة هي تعزية من يرجو قولاً صادقًا من صاحب مقام واستمرار الصدق عنده. انت تتقوّى دائمًا بانسان ركن أو ببعض من أركان لتخرج من ضعف أو حيرة وليزداد صدقك.

واذا عثرت على صدق في بيئة ملوّثة بالكذب تتشجع كثيرًا ويقوى رجاؤك. يبدو ان الكثيرين لا يحلمون ان يختار الصادق له مقامًا في الوسط السياسي. أنا لست مختلطًا بهذا الوسط ولا أميل بطبعي الى أن أدين أحدًا ولكن في متابعتي صحيفة أو صحيفتين والإعلام المرئي كل يوم، يتبين لي أن هذا أو ذاك من أهل السياسة ينقض نفسه في فترة وجيزة جدًا لم تتغيّر فيها الأحوال السياسية ليتخذ موقفًا معاكسًا بالكليّة في يوم آخر.

أفهم أن يتوب ناشط سياسي، أن يتراجع عن مواقف سابقة بصراحة كاملة ولكن المواطن يحتاج الى أن يسمع لماذا يخطئ هذا السياسي وبماذا يخطئ نفسه في مواقف له سابقة، ذلك إن تسبب بأذى للأمة كلّها ولا يكفي أن يقول: «عفا الله عما مضى». الله لا يعفو اذا استغفرته فقط. يعفو اذا فضحت سلوكك الماضي ببساطة وتواضع وفسّرت طريقك الجديد وأثبت صدقك. يجب أن تعرف الأمة كلّها سبب قناعاتك الجديدة.

السياسي لا يخرج اذا كذب عن القاعدة العامة. انه يكذب لأنه يخاف. ان يكذب النائب لإصراره على العودة الى المسؤولية الحاضرة يعني انه يخاف على أن يبذل نشاطًا خارج النيابة يكفيه وسائل العيش. ان يتملّق الأعلين من القوم بغية الوصول الى مقام أعلى يعني أنه يسعى الى منافعه الخاصة. لما قال يسوع الناصري: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا» أرسى قاعدة تقيّد الجميع بالصدق في كل ظرف وفي كل زمان. وغاية القول ان تريد النعم اذا قلت نعم وان تريد اللا اذا قلت لا.

#   #

#

سياسة أيضا هي الحياة العادية عند أصاغر القوم وأكابرهم الذين يجب أن يتعايشوا بصدق حتى يطمئن أحدهم الى الآخر ويأمن مسيرته في الوجود. أنا عشت زمنًا قديمًا في لبنان حيث كنت تستدين مبلغًا كبيرًا بلا كتابة سند وكنت ترد المال في حينه. كان جو الصدق في ذلك الزمن مسيطرًا على المعاملات واذا أردت أن تدعم قولك كنت تقول: «فلان قال لي كذا وكذا». لم يكن هذا مستغربًا وما كان أحد يظن أنك انسان ساذج.

أنا لست أقول إن الصدق يفرض عليك التصريح بكل ما تعرفه. الصراحة فضيلة اذا وجب التصريح، والكتمان واجب في مقامات الكتمان. انت لا تخبر بأخبار الناس في ما يؤذيهم ولكنك تشهد حيث وجبت الشهادة على ما قاله بولس: «الايمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص» (رومية 10: 10). لذلك أوجبت المسيحية الشهادة حتى الدم حتى لا تقوم هوّة بين القلب واللسان أي حتى لا تقع الشخصية في فصام. الموت، اذذاك، يصير فيك وفي الآخرين حياة.

واذا ساغ السكوت عن بعض من وقائع لأن السائل قد يكون فضوليًا بلا مسوغ فلا يحق لك ان تخفي الحقيقة الالهية اذا طلبت اليك لأن من واجبك أن تدعو اليها لكونها تخلص.

أجل في الكتابة أو القول لك احيانًا أن ترجئ قول الحق الى حين اذا كان الآخر لا يستطيع تحمّله. قد لا تصد الآخر صدًا كليًا ولكن لا تشوّه الواقع. قد تنتظر في تخطيط حكيم خلاص الآخر وقتًا مناسبًا لتنبيهه أو تنتظر وصوله الى نضج عاطفي أو ذهني لتقول له الحقيقة كاملة. هذا من باب رعايته وحبك له. أعرف ان الخيار بين المواجهة وإرجاء القول صعب جدًا… ولكن أذا كنت مليئا بالنعمة الالهية ومتروّضا على الشهادة يلهمك الله أن تؤدّيها في زمن مبارك.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الخيبة والرجاء / السبت 6 أيار 2006

من طلب البهاء الروحي لكل الناس يصاب بصدمات من معظم الناس. يطلب ذلك اذ يريد ان يصبح كل انسان حوله صديق الله لايمانه بأن النور الالهي يجب ان ينزل على كل أبن امرأة ليتمجد الله به عسى نذوق معًا هذا المجد العلوي الذي يجعل الله ساكنًا السماء والارض معًا. غير ان القوم لا يريدون اقتحام السماء للارض او اشرئباب الارض الى السماء لئلا تختل ترتيبات صنعت لأهل الارض لتعزلهم عن ذائقي حلاوة الرب.

القناعة السائدة أن الله لا يبلغ اليه أو يعسر جدًا عليك ان ترتقي اليه ولكنك لا تعرف انك من الناكرين ولا تريد ان تعرف لئلا يتشوه وجهك في عينيك والاهم ألا يراه الآخرون مشوهًا اذ يهمك ان تنوجد في اعينهم وان تكون على صلة بهم هربًا من الوحشة. واذا عرفت نفسك على شيء من القباحة فتستتر. غير انك لن تستتر طويلاً اذ ليس زملاؤك اغبياء لتغشهم. لذلك قد تحتاج الى النفاق محافظة منك على قراءة من اصحابك لك حسنة فأنت لا تريد ان يذهبوا وقد تظن نفسك حسنًا عند الرب وحسنًا عند الناس لانك تتكل على سذاجة اصحابك وحسن قراءتهم لك لتبقى لهم عشيرًا.

وقد لا يكون صاحبك ساذجًا وقد يكون له ما نسميه في لغة آبائنا روح التمييز فيصل الى اعماقك وتنكشف امامه في عرائك. لكن هذا الانكشاف قد لا يحصل سريعًا اذا كنت لا تعرف ان تنفذ الى قلب الغير لانك من البسطاء او البلوريين الذين يحتاجون الى خبرة طويلة ليعرفوا الآخر اذ الآخر محجوب بلطفهم واللطيف بالآخرين يحجبهم احيانًا لأنه يأمل ان يعلو أو هو لا يريد ان يسمرهم على سوئهم خوفًا من ان يغرقهم. وقد دعانا الآباء ألا نتحجر على رؤية الإثم فينا وفي الآخرين وان نستر عيوب الناس عملاً بقول الرب: «طوبى لمن غفرت ذنوبهم وسترت خطاياهم. طوبى لمن لم يحسب الله عليه خطيئة». فنأخذ هذا بدورنا ولا نقيم على احد خطيئة ونغفر للآخر عساه يفهم ويرجع. هل الطيبون على عيونهم دائمًا غشاوة؟ هل انهم، في النهاية، غير فهماء؟

الا ان الانسان في افتضاح. لا يمكنه ان يختبئ الى الابد في عينيه او في اعين الناس. والسذاجة نفسها قد لا تدوم. والبلورية الحلوة قد لا تدين ولكنها تبصر اذا فحصت لتعرف او لم تفحص بشدة. ويل للمبصرين اذا ابصروا اذ ينكشف الناس امامهم في عوراتهم واذا كانت العلاقات قائمة على ما كنت اظنه نورا في الآخر وبان لي ان ما سميته في الآخر نورا كان ظلاما ينقطع الخيط الذهبي الذي كان يربطني به وتزول التعزية بما كنت احسبه صداقة.

هذه هي الخيبة الآتية من الفضح واذا بالاصدقاء يموتون في نفسك الواحد تلو الآخر. مشكلة من مشاكل الحياة انك تكتشف الآخرين على مراحل ان كنت طيبا شفافا او غير ميال الى التفحص والتعرية. لكن المعصية تعظم احيانا كالسرطان فترجو ان تبقى في النفس زوايا او ثنايا لا يصيبها المرض حتى تبقى متعزيا. واذا فحصت كثيرا ترى احيانا ان النفس تآكلت وانك لا تقدر على ان تعول على حسنة او انك امتعضت كثيرا وجُرحت كثيرا فبطلت رؤيتك لشيء من الحسن فتنزوي ويكون الشر في الآخر او فيك قد طواك في الحزن.

ليس كل من تحب يحدث فيك خيبة. هناك الاصحاء الذين لا يسقطون وتعرف جاذبيتهم وان اتكالك عليهم يحييك وانهم لا يموتون ابدا قبل ان يقبضهم الله. ما عدا هذه القلة العزيزة، معظم الناس اموات. طوبى لك اذا لم تمت ان هم ماتوا. كل فترة تتكدس في نفسك الخيبات وترى نفسك في صحراء الحب كما يقول مورياك. ولكن قد يُحكم عليك ان تعيش في الصحراء وان يتهاوى الناس امامك. وان كنت تعرف ان البهاء الروحي الله مصدره يزداد حزنك اذ يغدو الله لك غير معروف او معروفا قليلا. كنت تحج الى هذه الوجوه. واذا اقبل الزمان فلا يفيد شيئا لان الخيبات تتكاثر ويكون الكثير قد تأذى ولكن عند موتك يجيئون ربما لانهم لم يدركوا انهم جرحوك وربما ليكفروا عن خطاياهم عند جثمانك فيرتقوا قليلا بعد رحيلك.

ليس من مجتمع مهما صغر تتوهج فيه المحبة على الدوام. تتهشم عند هذا وعند ذاك. لذلك قال ارسطو لاصحابه: «يا اصدقائي ليس من صديق». انا لا اردد هذا القول ولكني اقول مع اصحاب المزامير: «لا تتكلموا على الرؤساء ولا على بني البشر لان ليس عندهم خلاص». هم يسقطون وانت تسقط وانت اول خياب لنفسك ولا تعلم لحظة اذا كنت مؤهلا لان تمثل في حضرة الله. انت تذهب اليه على الرجاء. واذا ذهب الاحبة ونأوا تسلمهم الى الله لئلا يظلوا وتظل انت بلا رجاء. ليست المصيبة ان يتركك اصدقاؤك او الا تقدر ان تدنو منهم الا قياما بالواجب. ان تركنا للعلاقة العاطفية ليس كارثة. فقد يبقى التعامل في الحياة اليومية قائما على تهذيب اذ لا نستطيع ان ننقطع عن كل الناس. انت تتحرك على رغم كل الصدمات وضمنها. وهذا محسوب عليك او انت محسوب عليه ولا بد ان تمشي فبركة الجامعات او فبركة الدولة او فبركة الجماعة الدينية على طريقة التراكم، بروح او بلا روح.

امام هذا قد يجعلونك وحيدا او شبه وحيد وبسبب من خيباتهم لك او خيباتك لنفسك ترى نفسك وحدك. يبقى الله، اذذاك، في رجائك. فأنت «مخلّص على الرجاء» بما لك من اله فيك الآن وبما يكون لك من اله فوق. انت والله مجتمع صغير جدا ولكنه يكفي ولا تستطيع ان تعتزل لان معظمهم قد يبقى هكذا وانت تتعامل على صعيد المنظور والناس قد يرون تهذيبك محبة. هذه دنياك ولا ينفع الحزن وتمشي في الصحراء ولا بد من واحة ولو بعد تعب شديد.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

عجائب وظهورات/ السبت 29 نيسان 2006

اليوم أحد توما في كنيستي. قصته تبدأ بهذا ان التلاميذ رفقاءه كانوا مجتمعين لسبب الخوف من اليهود وظهر لهم السيد يوم القيامة مساء وما كان توما معهم ولما عاد الى البيت الذي كانوا فيه واخبروه بأنهم رأوا المعلم قال لهم: «ان لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا اؤمن». ثم في الاحد اللاحق حضر يسوع وقال لتوما: «هات اصبعك الى هنا وابصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمنا». فأجاب توما وقال له: «ربي والهي». والكلمتان معرّفتان باليونانية وتدلان على ربوبية يسوع والوهيته بما هو اقوى من آيات كثيرة.

ما همّني اليوم من ايراد هذه الرواية ان المعلم لم يأنف ان يتنازل الى شك توما فيدعه يفتش أثر المسامير والجنب المطعون ويأتي يقين توما هنا من تفتيشه جسد المخلص ما جعله أعظم شاهد للقيامة.

يتراءى السيد لهذا التلميذ من اجل رده الى الايمان. وهذا يطرح مسألة معنى العجائب التي اتمها يسوع. لم يرد في الكتاب انه قام بأعجوبة ليثبت قدرته. السبب الوحيد لانعطاف الناصري على المرضى انه تحنن عليهم مثل قول الانجيل: «فتحنن يسوع ومد يده» (مرقس 4: 41). والمصدر يرد مرات في الاناجيل.

الثلاثة الاولى وعندما يقول: «صدقوني اني في الآب والآب فيّ . والا فصدقوني لسبب الاعمال نفسها» (يوحنا 14: 11) فمن الواضح ان الاعمال اي المعجزات تأتي بالدرجة الثانية بعد الكلام. المعجزة صورة من صور البشارة.

#   #

#

ينسب التاريخ الكنسي عجائب الى الرسل واردة في سفر اعمال الرسل ليدلل على الامتداد لفاعلية القيامة عند من شاهدوها وفي المنطق المسيحي الذي كشفه بولس بنوع خاص ان المخلص ممدود الى احبائه وانهم يؤلفون جسده وفي المصطلح الحديث كيانه او حضوره. ويقيننا ان الكنيسة في ما نسميه الاسرار مثل القرابين او مسحة المرضى هي مطرح الشفاء. وهذا لاحظناه في كل اجيالنا وكل بلدان العالم والكلام في هذا كثير. وقد يحظى المريض بشفاء إذا استشفع احد القديسين او استشفع سواه من أجله.

وأقرباء الشخص المعافى او أصدقاؤه يلحظون هذا لعلمهم بأن المرض ثابت. ومع ذلك لا تفرض عليك الكنيسة ان كنت من الجوار او كنت بعيدا ان تصدق ان معجزة حصلت لسبب ان هذا ليس في الانجيل والانجيل انت تؤمن به وكل فحواه. وغير هذا وغير ما ورد في المجامع المقدسة ليس موضوع ايمان ولكنه موضوع قناعة بشرية. انت تؤمن بما هو كشف إلهي يلزم الضمير. وما لا يلزم الضمير هو من باب تقديرك وانت تحيا حياة الايمان. من هنا ليس من تكفير ممكن بين المؤمنين اذا قال قوم ان الاعجوبة المنسوبة الى هذا القديس او ذاك اليوم حدثت ام لم تحدث. التكفير يقع فقط على من أنكر العقيدة.

الى هذا موضوع الترائيات او الظهورات المنسوبة الى السيدة العذراء او غيرها من القديسين. بادئ بدء في الكنيسة حذّر من الظهورات ومن كثرتها في حقبة تاريخية خشية الاختلاط بين الترائي الحقيقي والتخيل الإبليسي. ومن الواضح حرص الكنيسة الكاثوليكية على امتحان هذه الظاهرات اذ فيها يكثر الحديث عن الظهورات. هي قليلة في الكنيسة الارثوذكسية ولست أعرف ادبيات عن ترائي مريم في الكنيسة الشرقية ولو عرفنا ذكر معجزات مريمية وغير مريمية. في الواقع الكنيسة الغربية تستمع الى ما يحكى عن ترائيات وتقبل القليل منها.

أما لبنان فقد أضحى بلد الظهورات المريمية في بعض الاوساط النسائية واللافت وحدة الكلام الصادر عن هذه الاوساط. وحدة الكنائس، سلام لبنان وبعامة حديث مسكوني ولبناني. لماذا رسالة واحدة من السماء؟

أما موقف الكثلكة الرسمي من هذه الترائيات فهو ان موافقة الكنيسة على رؤية خاصة لا يتعدى الاذن بتعريف هذه الرؤية لتعليم المؤمنين وخيرهم.

ثم هذه الرؤى وان قبلتها الكنيسة لا تعني قبول ايمان ولكن قبول اعتقاد بشري. وتاليا يمكن الا يقبل الانسان بحدوث هذه الرؤى.

هذا باختصار موقف الكثلكة كما عبّر عنه البابا بنديكتس السادس عشر.

أن يخترق أولياء الله بإذنه حجب المدى والزمان فهذا وارد. غير ان الأمر في قراءتي هو أولاً لخير من يشاهد الظاهرة كرسالة له من السماء. اذا اثبتها العارفون الاتقياء بعد تدقيق وفحص الشخص وقدسية حياته ورجاحة عقله وتوازن شخصيته يمكن ان يفيد منها المؤمنون الآخرون. ولكن أية محاولة منه أم من فريق داعم له لفرض التصديق لهذه الرؤية يدخل شكًا كبيرًا في الأمر كله لأن تصرفًا كهذا ليس من روح الله. ما لم يرد في كتاب الله متروك لتقدير المؤمنين الكبار والأسقف المحلي.

#  #

#

في هذا الصدد ما يقلقني أولاً ان عند بعض الناس سعيًا لا يهدأ الى العجيبة ودعوة الى تصديقها واخراجها الى الاعلام وفي هذا تحويل الانظار من الكلمة الى الاعمال الخارقة وديانتنا تقوم على الكلمة أولاً كما خرجت من فم الرب… أرجو ان يعود الذين يزورون الأماكن المقدسة تائبين وقد رأيت بعضهم يتكلمون باسهاب وحماسة عن هذه الظاهرة او تلك وما رأيتهم يعرفون كلمة الله ويتلون آية واحدة من الكتاب الالهي. اليست كلمة الرب نورًا وحياة كل يوم؟ اليست المائدة المقدسة التي عليها الخبز السماوي اعجوبة الاعاجيب وغذاء أوفر دسمًا من كل رؤية؟

شكواي أبدًا من الذين يهملون الكلام الذهبي الخارج من فم الله ليعوضوه برسائل – والكلمة لهم – تنزل من السماء على هذا الانسان وذاك.

ولئلا يساء فهمي أنا ما انكرت بصورة قطعية ظاهرة او ترائيًا وما انكرت اعجوبة تحدث عنها هذا او ذاك بصورة حاسمة ولكني وصدقت مرات وما صدقت مرات وفي هذه الأمور ليس من جزم. ولكني أخشى ان يحجب نور الانجيل بروايات التقوى التي لا أشك في طهارة صاحبها ولا يهمني ان أفحص طهارته أو ألا أفحصها ولكني أقرب الى تصديقه عندما أعرفه ممتلئًا من الكتاب الذي لا يزال المصدر الاول للاعمال الصالحة.

لما قال يسوع لتوما: كن مؤمنًا أراد ان يؤمن بصليبه وقيامته الرسول، وأن يبشر بهما ويحملهما، الى أقاصي الارض. هذا ما يخلص.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الفصح / السبت 22 نيسان 2006

أنت تعيّد وسط آلام شعبك والانسانية ولا تنسى ليس فقط لأنك لا تقدر شيئا على عذاب جسدك ونفسك والوطن وستة مليارات من الناس معظمهم فقير ومرمي على هامش التاريخ. ولست أنت ازاء هذا ولكنك في وسطه ان كنت مؤمنا وتحس بما يجري لان هذا الذي يجري انما هو في لحمك وعظامك وأعصابك وعقلك ورؤيتك للكون.

في وسط هذا تقيم العيد وهذا ليس غريبا عما جرى للمسيح لانه انتصر وارتفع الى المجد فيما كانوا يرفعونه على الخشبة. ولم يدرك المجد حسب كتبنا لما أنزل عن الصليب ولكن فيما كانوا يسمّرونه ويطعنونه بحربة ويسقونه خلا ومع الخل يذوق مرارة العالم الجاحد لان العالم كله صلبه ووجد قبولا لصلبه، حبا لم ينقطع منذ تلك الايام. الفصح من حيث هو عبور يسوع الناصري بنفسه وفكره وصلاته وجسده الممزق الى الآب بما يرافق كل ذلك من ضياء وتضميد لجراحنا نحن، الفصح هذا يتم للبشرية المعذبة اذا لطف بها المسيح وحملها على كتفيه وضمها الى قلبه الجريح واستدخلها كيانه ليصعد بها الى أبيه وأبيها وإلهه وإلهها حتى تركن على الرجاء. واذذاك يمسح الله كل دمعة عن عيونها.

فمن الناس من يعرف انه فصحي لانه استدخل هو ايضا آلام السيد وارتفع بها الى وعود حياة أبدية. ومن الناس من لم يقرأ هذا او لم يفهمه او رفضه. ولكن المسيح يجعله فصحيا بحيث انه يتبنى آلامه ويضمها الى آلامه بتعزيات لا تنقطع. وفي وحدة الالم والرجاء ليس أحد قادرا على ان يرسم حدودا بين المسمّين مسيحيين والمسيحيين شيئا آخر او المسمين فقط على عذابات الفقر والمرض والعزلة واليأس.

لفتني فيما كنت أتأمل في سر الفصح قول بولس: «سلّمت اليكم قبل كل شيء ما تسلمته انا ايضا (أي من الشهود) وهو ان المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (أي تحقيقا للعهد القديم) وانه قبر وقام في اليوم الثالث حسب الكتب وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر.

نحن أمام عقيدة اي نتعامل أولا مع حدث ثم يأتي تفسير الحدث. لذلك كان «إنجيل يهوذا» غير المبني على شهود لا قيمة له. أثار تساؤلات لأنه سمي «انجيلا». نحن نعرف ان ثمة عشرات الكتب المنحولة أي المنسوبة الى الرسل وهم ما كتبوها ولكن هذا كان اسلوب التزوير انك تضع انت مؤلفًا وليجد قرّاء له تنسبه الى شخصية هامة. وهذا امر معروف في كل الاجيال.

#   #   #

الى الاناجيل المنحولة رسائل منحولة. وهذه منشورة في اللغات الاجنبية. والكنيسة لم تعترف بهذه المصنفات لكونها لا تستند الى مرجعية وما عرفها المسيحيون في القرن الاول وهي مليئة بالاساطير. اما السؤال لماذا لم تعترف بها الكنيسة (وليس فقط ايريناوس) كما يدعي هذا الفيلم الذي شاهدناه فلكونها الى جانب عدم تاريخيتها او ضعف تاريخيتها تحتوي على مضمون عقائدي غريب عن الكنيسة. فالكنيسة الاولى اي الجماعة التي اخذت روح يسوع وروحية الرسل والحلقات الاولى من الشهود اعتمدت اناجيل اربعة فقط. طبعًا لو اردنا ان نبين للقارئ كيف تختلف الاناجيل الاربعة القانونية عن انجيل يعقوب او انجيل العبرانيين او انجيل توما مثلاً وكلها منحول لامكننا ذلك.

الاطروحة التي لخصتها «لوريان لوجور» جعلت المسيح يكلف يهوذا ان يسلمه الى اليهود اذ يقول له المعلم ما معناه اني اريد ان اتخلص من هذا الجسد. اي قارئ للعهد القديم يفهم توًا ان هذا انتحار وان يسوع لا يمكن ان يكون تلفظ بهذا الكلام كما يعرف ان المكيدة ضد الناصري ابتدأت منذ بداءة بشارته وان رؤساء اليهود ما كانوا في حاجة الى ان يشجعهم يسوع على اقتراف هذا الجرم.

#   #  #

الامر الآخر الذي يرافقنا في هذا العيد هو محبتنا للكنيسة القبطية الشقيقة. انا اعرفها جيدًا منذ خمسين سنة واعرف تقوى شعبها المذهل الذي يقضي ساعات في الكنيسة في الآحاد والاعياد بلا كلل ولا ملل. واعرف النهضة التي قامت بها شبيبتها منذ ستين عامًا وقد اعطت عددًا من الرهبان والاساقفة والقسس كبيرًا. هذه الكنيسة متألمة الآن مع المخلص بعد ان اعتدي على ثلاث كنائس من كنائسها في الاسكندرية.

انا لست اقول ان ثمة ملفًا للكنيسة القبطية لم يفتح بعد. انا مسرور بالمناقشات التي تجري في الاوساط المصرية المسيحية والمسلمة الراقية ومن كل الاشكالية المتعلقة بمشاركة الاقباط في الحياة السياسية وذلك بصرف النظر عن المخاوف التي انتابت مسيحيي مصر عند نجاح الاخوان المسلمين في الانتخابات الاخيرة. ان صعوبة خوضنا هذه المسألة ان الأنباشنوده بابا الاسكندرية للكرازة المرقسية ما شكا اية فئة من المسلمين وما تأفف وما نسب تقصيرًا، الى السلطات ويعتبر المصريين جميعًا مواطنين ويرفض دوما ان يبحث الاجانب في موضوع الاقليات في مصر اذ يأبى اطلاق صفة الاقلية على الأقباط.

قد أفهم ان أي احتجاج من شأنه ان يؤزم الوضع وقد أفهم ان انخراط الاقباط من جديد في احزاب وطنية من شأنه ان يعزز موقعهم الوطني الذي لا شك فيه من حيث الجوهر ولكنه يحتاج الى تفعيل أعظم.

غير اني لا استطيع ان اقتنع بأن مسألة حرق كنائس تحل بمجرد قول المحقق ان هذا الذي قام بهذا العمل وقتل قبطيًا مصاب بخلل نفساني. سيصدر حكم المحكمة وننتظره. وللمحكمة ان تقول اذا كانت قوى الامن مسترخية (وما قلت إنها متواطئة). وفي هذا مسؤولية.

غير ان ما لم يبحث فيه هو اذا كان هذا القاتل يجتمع الى مجموعات تكفيرية (تكفير النصارى والمسلمين المعتدلين) وهي ليست قليلة في مصر. هل مصر العزيزة خالية من كتل تشحن الناس بتعليم عدائي عن المسيحية؟ هذا هو الملف الحقيقي الذي يجب ان تفتحه لا السلطات فقط ولكن النخب المثقفة. لم يبق كافيًا في خطب التودد بين الازهر والرئاسات الروحية القبطية ان يقول كل فريق حسنًا عن الآخر وان يأتي بآيات القربى والحب ولا يعالج النفوس كما هي.

واذا كانت عامة المسلمين لا تعرف شيئًا عن المسيحية فعامة الاقباط لا تعرف شيئًا عن الاسلام والقربى الفكرية التي نعيشها في لبنان ظاهرة خاصة بلبنان. ولكن هذا لا يعفي المسؤولين في الدولة ان يطلعا على الادبيات ووسائل الاعلام المتعلقة بالدين الآخر وان يعمل المثقفون على وجود أدب رفيع يجمل صورة الآخر في مصادره وفي كل ما يحلو فيه.

عودًا الى القاتل، ربما لم يحرضه أحد. لب المشكلة هو التحريض الكامن في نفس هذا الرجل من وراء ما سمع وقرأ اي من وراء التعبئة الفكرية والانفعالية. حرية البغض هي مصدر حرية القتل.

غدًا سيعيد الاقباط الفصح ويغفرون كما فعل معلمهم. ان يقووا روحيًا بلا طائفية لا تعرفها مصر وان يخدموا كثيرًا كل الشعب المصري هو فصحهم المقيم. الاقباط ليسوا مشكلة مصر. المسيحيون ليسوا مشكلة العالم العربي. القليل عدده يبتغي كرامته وحقه في التعبير. هل يريد العرب ان يدخلوا حقًا في التعددية وتاليًا ان يجعلوا انفسهم تحت كل سؤال؟ اذ ذاك يكون رقيهم.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الدخول إلى أورشليم / السبت 15 نيسان 2006

لقد تسربل المسيح المتواضع في بشريته ليقول للناس انهم قادرون عليه في بشريتهم، وان كل ما حققه في جسده انما كان هدفه ان يرتسم في اجسادنا واذا رآها الله هكذا لا تبلى. أعرف كل الجمالات الروحية في القديسين وكل جمال ساحر ولكن لا اعرف ميزة تجذبني مثل هذه ان رأيت انسانا عليها اذ تدلنا على ان وجه هذا الانسان الى الله وحده. هذا الانسان لم يبق له وقت او قدرة لينظر الى بهاء فيه ولو حاول لا يرى لأن عينيه الى الرب في كل حين. يشاهد عند الآخرين تواضعا ليقينه انهم جميعا افضل منه وان أنوار وجه الرب ترتسم على وجوههم التي لا يقرأ عليها مكتوبا الا الله.

قد يلبس المتواضع الموهوب في نفسه قدرات ولكنه لا ينسبها الى نفسه اذ يعيد كل ما يراه فيه وفي الكون جميلا الى الاله الجميل لينطلق في الشكر والتسبيح. انت ترى هذا الانسان منسحقا ولكن عندما يلامس الارض فهو في حالة اختطاف والجميل انه لا يعرف ذلك اذ لا يعرف انه متواضع.

ليس قصدي الآن ان اتحدث مليا في جزئيات سيرة المعلم لاكشف تواضعه. حسبي اليوم الذي نحن فيه ان يدخل اورشليم اي مدينة السلام وهو ملكها راكبا جحشا في رواية مرقس ولوقا ويوحنا والجحش صغير الحمار. لا يركب الخيل الذي يركبه الملوك اذ لا تُعلن ملوكيته إلا على الصليب. وتأكيدا لانسحاقه يقول عنه الكتاب انه في هذه المسيرة كان وديعا. انا افهم بصعوبة الفرق بين الوداعة والتواضع. في الحقيقة لا يمكن ان تكون خاليا من كل نتوء الا اذا تحررت كليا من العدوانية بادراكك التواضع إذ النتوئية تعني انك لا تزال معتقدا نفسك شيئا.

لست أعلم لماذا في العيش الطقوسي نبرز استقبال الاطفال له مع ان هذه الحصرية ليست في الكتاب ولكن الانشاد يبرزها وكأن الانجيل اراد ان تواضع الطفل ووداعته هما اللذان يستقبلان تواضع المسيح ووداعته. اما اليوم وبعد مضي الفي عام على الحدث فلا دعوة منك له الى قلبك الا اذا انكسر. لست في مجال المقارنة بين يسوع وقواد العالم. ولكنه حقق هذا النوع من القوة انه جمع ثلاث ميزات غير متوافرة معا بصورة مألوفة عند الناس: الوداعة الى التواضع، مواجهة السلطات الدينية على اشرس ما تكون عليه المواجهة، كون الرجل فقيرا حتى البؤس واعزل. وقمة القوة انه يدخل المدينة ليموت وهو كان عارفا بالمكيدة منذ بدء رسالته ويجبهها بلا تراجع ولا استرخاء.

#   #

#

هل يذهب عاقل الى موته طوعا؟ العهد الجديد يؤكد انه تطوع للموت وانه لم يخش المواجهة مع السلطة الدينية ومع روما. المواجهة كانت كبيرة حتى لم يحلم احبار اليهود ان الرجل قابل التراجع. لذلك لم يكن بد من الا يموت.

كان واضحا عند يسوع انه يحمل قضية الله ضد سلاطين العالم. ما كان ممكنا ان تنحل عقدة اليهود الا اذا امحى هذا الانسان من الوجود.

كان عليه على طريق الموت ان يكمل مشوار التواضع: الضرب واللطم واحتمال البصاق عليه والهزء والمحاكمة امام الوالي. وقمة التواضع في هذا هو هذه المحاكمة. يقول الحاكم: «ألست تعلم ان لي سلطانا ان اصلبك وسلطانا ان اطلقك؟» ويجيب السيد: «لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق». يعترف المخلص هنا بسلطان الحاكم الظالم. هذا لم يكن اعترافا بالسلطة الرومانية. قراءتي لجواب يسوع ان الاب الذي يريدني ان اموت من اجل حياة العالم خولك ايها القاضي الظالم ان تقتلني. انت اداة سيئة جدا ليضم الله الى حنان ابوته الانسان المارق. حسن انك هنا يا بيلاطس حتى يكتمل البر. اذلني قومي وتذلني روما. وتمحقني الديانة والسياسة معا لاكون لا شيء حتى يتم قول اشعياء: «وكنعجة امام جازيها هكذا لم يفتح فاه». يجب ان ادفن في الصمت قبل ان ادفن في الارض ليتحقق سلطان الظلام.

وبعدما أكملت القرية الظالمة عتوها قلت: «يا ابتاه في يديك استودع روحي» لتشير الى انك اقتبلت الانسحاق حتى المنتهى لشعورك انك انت بت كاملا في يدي الاب بعد امحاء جسدك في الموت وقد تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر بمظهر الانسان فوضع نفسه واطاع حتى الموت، موت الصليب».

#  #

#

ولعل من اهم مظاهر تواضعه انه لما ظهر لتلاميذه عند الفصح مساء اراهم يديه وجنبه المطعون ليقول شيئين اولهما ان هذا الذي تراءى لهم انما هو اياه الذي رفع على الخشبة وثانيهما وهو المضمون في الاول انه في المجد يحمل آثار الانسحاق. وتاليا ان الاتضاع من شيمه الاصلية والتي ليست فقط صفة من ناسوته. لماذا تطغى علينا صورة الاله الجبار والقدير الذي يزلزل الجبال ويجعلها تدخن؟ لماذا يبدو لنا عزيزا قابضا على السماوات والارض؟ ما اوحى الينا انه لم يقبض على العالمين الا بهاتين الذراعين الداميتين المبسوطتين على الصليب. ما بانت قدرته للرائين الفاهمين عظيمة الا بعدما تلاشت قوته الجسدية كامل التلاشي على الخشبة.

الواضح اننا لم نستطع ان ندرك تواضعه الا لكونه اتخذ جسدا. ففي هذا الجسد تجلى ابن الله الوحيد وبلا هذا الجسد يقول الله لنا كلاما. ان انكشاف التواضع في جسد المسيح ما كان الا لكشف الله نفسه متواضعا. فقبل بدايات الخلق اي في الظهور الابدي للآب والابن والروح القدس كان الآب مفرغا ذاته في الابن والابن في الآب لانك ان احببت تموت شهيدا ولا يعني هذا الكلام شيئا لمن لم يذق ان الآب دائم الانسكاب في الابن والابن دائم الانسكاب في الآب أي ان كلا منهما يزيل نفسه في الآخر وبذلك ينوجد ويدوم انوجاده. الاله يفنى ليبقى. الآب يثبت نفسه لانه يقول للابن انا فيك والابن يثبت نفسه لانه يفني نفسه ابديا في الآب.

هذا ليس كلاما في قالب فلسفة كينونية. ليس عند الله كلام في كينونة طبيعته. هذا كلام في الحب ولا كلام ثابتا الا فيه. واذا قلنا هنا ان المسيح تواضع امام الناس في البشرة فلنقول ان الله غير المنظور يتواضع امام الناس لانك انت لا تستطيع ان تحب الها ضخما، قهارا، يزلزل الاكوان. انا أعبد إلها ذا قلب اي يمحق قلبه لأحيا بحبه.

عندما يقول الله في العهد القديم: «سأكون لكم الها وتكونون لي شعبا»، لم يكن يستخدم فلسفة الكيان بل فلسفة الحركة. ولما سأله موسى: ما اسمك اي ما طبيعتك لم يجب بما كان يتوقعه موسى اذ قال الله: «سأكون ما سأكون» اي سأكون معكم وتعرفونني بحركتي اذ لا يستطيع احد ان يرى وجه الله اي طبيعته ويحيا. لذلك ليس هو موجودا على صورة الانسان او الصخرة او الشجرة. انه كان وكائن وسيكون بكونه كاشفا نفسه بوحدانية الحب الذي فيه ومتغنيا بالبشرية العروس اي رافعا اياها على نفسه لانه اذا رحضها بالماء والروح بانسكاب ألوهيته عليها يراها جميلة به، دائمة بجماله المسكوب تحيا معه في فصح أبدي.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

ما مصير لبنان؟ /السبت 1 نيسان 2006

هو كذلك في دستوره الذي وضعت مسوّدته بالفرنسية السنة 1926 ولم تكن كلمة امة في تلك اللغة شتيمة لاحد ولا تبريكا. ودخلنا في مبادئ الثلاثينات في التمييز بين القومية والوطنية بحيث تكون الوطنية صفة لكيان قائم بحدوده وشرعيته الدولية وتوحيد شعبه. وشك الكثيرون فيه لما اكتفوا بتسميته كيانا.

نهائية لبنان، غير واقعي ان تقتنع بها سوريا واسرائيل معا. ولا يكفي لإحقاق هذا الحق ترسيم الحدود. ولعلي أسرّ لو انتصر في اسرائيل من يريد لها صادقا حدودا معنا كما تفعل كل الدول ولكن سوريا مترددة. واذا الححنا على ذلك لا يمكن اتهامنا باننا نتخطى حدود القلوب الى دنيا الحقوق.

امنيتي ان تكون علاقاتنا قائمة على القلوب لئلا يأتي حديثنا عن روابط التاريخ والجوار لغوا. والى القلب علاقات مميزة ولكن الحب لا يكون من طرف واحد.

الا ان اللبنانيين وكلهم مؤمن يجب ان يصلّوا كل يوم ليوحي الله الى الطرف الآخر ان يزداد عشقا او يبدأ عشقا.

ليس الحب امرا مقضيّاً بالمعنى القضائي وكل خلاف قضائي ينهيه الابرام، هل الحب بيننا وبين الشقيقة لا يزال في حاجة الى احتدام؟

ليس من مسألة سورية – لبنانية لتبحث حول طاولة. هناك الاعتراف الصريح بنا بمقولة القانون الدولي مثل اعتراف دمشق باستقلال زيمبابوي فتكون هي في الف خير ونثبت لها حرارتنا في عشقها.

#  #

#

الى هذا ماذا تعني عبارة دستورنا ان لبنان ذو انتماء عربي؟ هو عربي على مثال قولنا ان فرنسا لاتينية او ان روسيا سلافية. هذه صفات يطلقها علماء الإناسة (الانتروبولوجيون) على اي بلد ولكن هذه لا تعني التزاما سياسيا لأي قطر. فاذا اختلفنا مثلا مع موريتانيا أيعني ذلك اننا فقدنا الانتماء العربي؟ أنا افهم الصفة سلبيا بمعنى اننا نرفض اسرائيل. فقد اصابني نوع من القشعريرة والدوار لما رأيت علم اسرائيل يرفرف فوق القاهرة. وان عربا كثيرين يتبادلون واياها الاعتراف. ولكن ازاءنا نحن الشقيقة تتردد كأن التمثيل الديبلوماسي اذا طالبنا به يعني اننا فاترون في العروبة. انا لا افهم ان لبنان في حاجة الى تأكيد عروبته وان اية دولة من الجامعة العربية لا تحتاج الى مثل هذا الصك.

نحن لسنا مع احد في وحدة مصير. ليس من امة يعرف مصيرها الا الله. بين يديه وحده مآل الشعوب. تعلو الشعوب وتهبط. ويذريها الرب كما تذري الريح الهباء عن وجه الارض. نحن لسنا في مسيرة واحدة مع احد اذ تبدأ انت من نقطة يحلو لك المسير منها لان مسيرك من كيانك وهو من نقطة وتستهدف نقطة ويستهدف هو اخرى. السياسة تجربة متواضعة لا تدعي تحريك التاريخ وعلى طرقه تسير اقوام البشر بكل هزالتها.

#   #

#

في سذاجتي اطرح هذا السؤال: جيشنا من يصد اذا اقتحمتنا اية قوة عسكرية جدية، اية كانت جبهة الاقتحام؟ ليس من المستبعد كليا ان يقتحمنا جيش غير عربي من حدودنا الشرقية الشمالية اذا بلغها. سألت مرة ضابطا كبيرا: من نستطيع ان نصد؟ قال: لا احد. ثم سألته ما وظيفة جيشنا؟ قال تهدئة الاضطرابات الداخلية. قلت هذه وظيفة قوى الامن المختلفة، فلماذا لا تعطي الاسم للمسمى؟ ولكن حتى في الحالة الداخلية اي بمعنى تمرد مدني في منطقة اسلامية او في منطقة مسيحية من ترسل؟ هل زال خطر الانقسام، كهذا الذي خشيته الحكومة السنة الـ1975؟ هنا يأتي فهمنا لدور المقاومة المرتجى.

ليس مرادي ان اسائل حزب الله على صداقته منفردا لايران ولكني اخشى المال على نفسي وعلى كل فرد وبالحري على جماعة تعيش منه. اتمنى ان يذكر حزب الله لو قرأني اسطرا او فقرات في عدة مقالات كتبتها عن مفكريه واركان فيه باعجاب كبير ومودة منذ ما قبل التحرير وبعده. في هذه الروح اطرح سؤالي: اذا قدر الاخوة في المقاومة ان يقوموا بمناوشات او بحرب انصار بصورة مؤذية للعدو سببت طرده، ما قدرة المقاومة وما قدرة الجيش الذي يدعمها لرد اسرائيل غازية؟ من يحمينا من اسرائيل؟

السؤال الاعم المطروح على الدولة في هيكليتها هو، ماذا اعدت عسكريا ضد العدو، بما يحتوي من قوة نظامية وغير نظامية متناسقتين؟ اقرأ ان المقاومة يحلو ان تنضم الى الجيش، اي الى ان تنتظم عسكريا وهي تحديدا غير نظامية. هناك دولة في العالم هي سويسرا لا جيش فيها ولكن كل شعبها مدرب على السلاح والمواطن يحفظ سلاحه الحربي في بيته ويشكلون جيشا عند الاستنفار فقط. غياب الجيش قد يدعمه الحياد السويسري الذي تضمنه الدول المجاورة. هناك حل آخر عندنا: ممكن ان يؤلف اللبنانيون جميعا جيش انصار في كل مدينة وقرية، وهذا مخيف لأي جيش اجنبي الا اذا دمّرَنا تدميرا كاملا من الجو. اما الجيش الرمزي في عدده فمعمد للذبح اذا نمونا جديا.

ليست القضية الا تكون المقاومة الحالية اسلامية. اذا انوجدت نخوة عند مجموعة كبيرة أفهذا يؤذي؟ كلام انشائي ان تقول ان لبنان كله مقاوم. ماذا يعني هذا عسكريا؟ هل عندنا تربية ومحافظة بعضنا على بعض حتى لا يستعمل الانصار – اي نحن جميعا – السلاح الا عند إمرة قيادة مسؤولة منبثقة من كل الشرائح؟ لا احد يؤمّن استمرار اي بلد ولكن هناك ترتيب مدني – عسكري يعطيك الحد الادنى من الطمأنينة او حلم البقاء.

اذا لم نواجه قضية الدفاع الحقيقي عن انفسنا نكون كبقية العرب ظاهرة صوتية.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

صوم وسياسة واقتصاد / السبت 25 آذار 2006

الاحد الماضي دعاني الى العشاء صديق مسلم مع ستة مسيحيين، خمسة منهم ارثوذكسيون وهيأ لنا مائدة صيامية على الطريقة الارثوذكسية اي نباتية مطلقًا لا لحم فيها ولا مشتقات اللحم تحتوي على ما لا يقل عن عشرة اطباق على جودة عالية. كان واضحا ان الضيافة التي تعني ان تحب لضيفك ما يحبه لنفسه كانت كاملة. وسبق المائدة وتبعها الاستماع الى موسيقى كلاسيكية.

يقابل ذلك ان المسيحيين ينتظرون شهر رمضان لانهم يتحسسون صعود المسلمين على معارج التقوى ومن المسيحيين من يشتهي الافطار وهذه الشهوة فيها شيء من التقوى لانها تقوم على مشاركة الوجدان واللقاء في الفرح.

ما ينبغي التذكير به ان صيام المسيحيين مؤسسة كنسية وليس فيها امر الهي في العهد الجديد ولو اشار الانجيل الى مبدأ الصيام بلا تحديد فترة. من هنا، ان الكنيسة حرة في تنظيم هذا الامساك وفكرة التعديل واردة عند الارثوذكسيين على المستوى العالمي. والكنيسة الكاثوليكية اخذت تميل الى تخفيف من الحمية باتجاه اباحة اللحم في معظم الايام. ما يجمع ممارسة الكنيستين ان المسيحي الذي كان يأكل في البدايات وجبة واحدة بعد صلاة الغروب اخذ يفطر عند الظهر. ان يمسك الانسان الذواقة عن اللحم ومشتقاته ليس بالامر السهل.

الكنيسة الشرقية مع حبها الكبير للصوم تقبل في الفصح من صام ومن لم يصم. الى هذا نلاحظ ان الصوامين كثروا من حوالى ثلاثين او اربعين سنة اذ قوي الشعور بالتزام الحياة الكنسية بالنسبة الى عقود خلت. كذلك تكاثر عدد الذين يؤمون الكنائس في الآحاد فصار هؤلاء يستلذون الصوم وينتعشون به.

الاتجاه الكاثوليكي ان التقشف الروحي او مكافحة الرذائل افضل من التقشف الجسدي. لا احد منا ينكر ذلك لكن المؤمنين العاديين في الكنيسة الارثوذكسية يشعرون ان الانسان الملتزم مدعو بعمق الى ضبط اهوائه على الطريقة القديمة وانك لا تقدر على ان تفصل بين الجسد والروح في رؤية لاهوتية صحيحة.

#   #

#

مهما يكن من امر – وهذه الكلمات ليست جدلية – فالصوم ممارسة تجمع المسيحيين والمسلمين في السلوك الروحي غير ان المسلمين يلتمعون روحيا في الزكاة ايضا. هذا الركن من اركان الاسلام ليس معروفا في المسيحية بمعنى ان الاحسان فيها طوعي وغير محدود حسابيا. لكن مراجعنا القديمة تدل على ان الصوم كان دوما مقرونا بالصدقة عند المسيحيين والان يبدوان منفصلين. فتبقى الدعوة المسيحية الى الصوم متصلة بتكثيف الصلاة كمًّا وعمقًا.

ما يجمعنا بعضنا الى بعض من هذه الزاوية اننا نسعى في هذه الرياضة النسكية الى ان نصير حبا بالله، احرارا من وطأة الجسد ومن تحكم الشهوة وساعين الى وجه الله الكريم. اولية الرب او مركزيته او محوريته هذا ما نطلبه في هذه المواسم. فان كنت خاليا من العزم الروحي تحول هذا الى حمية. ان انتظامنا في هذا المنحى ينفعنا في تربية النفس على التماس الله.

في هذا التأمل ما يؤلمني ان الفقير صائم الدهر قسرا لان الحرمان كثير عليه ونحن بتنا اليوم شعبا محروما نرتضي قسوة فرضت علينا لان تحسس آلام المحتاجين ضعيف جدا في مصف الحكام. ان يرتضي المرء حرمان نفسه تخشعًا وتعبدًا هذا له موسمه. ولكن ان يحكم على الشعب بأسره ان يكون قليل الدخل، وان يفرض هذا على الاطفال فأمر لا يطاق. تعيش الدولة وكأن رعايتها للمحتاج ضعيفة جدا. نحن نشتكي من الهجرة ولكن الكثيرين بسبب فقرهم ليسوا قادرين على ان يدفعوا عن كل افراد العائلة ثمن تذاكر السفر. ويدعي هذا المواطن الفقير انه يتمسك بالارض ولكن اي ارض. هي لا تعطي ثمرا او لا تصدر الفاكهة او ليس لها حماية كافية والبطالة في قطاعات كثيرة متصاعدة وهبوط الدخل ينذر باقترابنا الحقيقي من الجوع.

#   #

#

ازاء ذلك لست ادعو الى ان نترك المسائل السياسية الحادة التي يتحاور فيها الكبار لننصرف الى اولية الاقتصاد. هذه كلها امور متماسكة طائفيا. الحرمان ينتقل بسبب من السياسة من منطقة الى منطقة. ورجاؤنا ان يزول من كل الشرائح وكل الملل حتى يتوحد الناس بالوفرة والرخاء.

هذه هي الوحدة الافقية ولكن لسنا على وحدة عمودية بين الحاكم والمحكوم. حسنة الحاكم انه يعترف بالهدر عند زميله ولكن لم اسمع احدا أعلن في وسائل الاعلام انه كان من الهادرين. هذا بلد ليس فقط خاليا من المحاسبة ولكنه خال من الاعتراف. ليس احد في لبنان مستعدا ليتخلى عن صداقاته. كل منا يعاشر كبار الهادرين. الكثير منهم «مهضوم». من قال ان السارق ليس خفيف الروح؟

اجل اقرأ في صحف العالم ان هذا او ذاك من الرؤساء ارتشى. ولكني اقرأ ايضا ان المرتشي اذا انكشف امره يقع تحت المحاكمة. انا اعرف محترفا ان لبنان عظيم في تشريعه ولكنه ضعيف في قضاته هنا وهناك وهنا لا اتهم احدا فقد يكون معظم القضاة نزيها ولكن التشكي من الهادر لا يصل اليهم. هل اذا اتينا ببعض القديسين الى الدولة يتغير الحكم عندنا. هل امنيتي هذه تأتي عن سذاجتي؟

قال لي اكثر من عالم مالي ان بعضا من التدني بوضعنا المالي نتج في هذا الامر او ذاك من ضعف في العلم الاقتصادي. هذا ما علمته في غير لقاء جمعني مع كبار العلماء ولا استطيع ان افصل المنطق الذي اتخذه هؤلاء لانني مقصر في هذا العلم. ولكن ما اجمع عليه هؤلاء هو هذا. جهل وهدر اذًا اجتمعا لنكون على هذا القحط الذي نحن عليه اليوم. هل اذا اتانا رئيس جمهورية في يوم رضاء الهي قادر على ان يطلق تحريرنا من هذا الكابوس؟

يبدو انه يجب ان نصوم اي ان نقلع عن ابتلاع اموال المواطن. ترجمة هذا اننا اذا لم نحسن المحاسبة فأقله ان زمان التوبة قد اقبل. هل يتناهى هذا الليل لنعيش في وضح النهار واذا ساغ في الحلم ان نحيا في فجر ابدي. «انما الامم الاخلاق» بداهة. من يصرخ، من يصفع، من يحرك الضمائر. قد يكون السلاح الوحيد في بلد صغير تحريك الوجدانات الحاكمة والمحكومة معا. «الاولاد جياع وليس من يقدم لهم طعاما»، هذا جاء في كتابنا.

ألا ألهم الله المتحاورين حتى ينكبوا على هذه المسألة دون ان يتركوا المسألة السياسية. من تسوس اذا لم يبق احد؟ كيف يبقى من لا يقتات بدنه؟ تلك هي العقدة الكبرى التي تنتظر فكها في تجلي القلوب.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

الارثوذكسيون في لبنان / السبت 18 آذار 2006

لست اعرف عددهم على وجه الدقة. هذا سؤال ممنوع الاجابة عنه في لبنان الذي يخشى الارقام لخشيته خللاً في التوازن. ولكني قلت – منذ عدة سنين – وقال غسان تويني ومنير ابو فاضل، رحمه الله، بلا تشاور بيننا ان الارثوذكسيين اربعمئة الف واذا انجبوا يكونون اكثر من ذلك، اليوم. “تعيرنا انا قليل عددنا  “لا يؤخذ بها هنا.

هذه الطائفة تمتاز من بعد معركة ميسلون وارتحال فيصل عن دمشق بانها، جملة، لم تتردد بين لبنانيتها وغربة لها عن لبنان في الازمات الحادة مثل حوادث السنة الـ 1958 حتى اليوم ومرورا بالحرب الاهلية حيث التزمت خطا وطنيا وبقيت، في وثيقة رسمية صادرة عن المجمع المقدس في تموز من السنة الـ 1975، متبنية القضية الفلسطينية.

غير انها لا ترتاح الى النظام القائم في البلد او لا تستعذبه ولا تستسيغه. وهذا بخلاف ما يظنه البسطاء له علاقة بتاريخنا وبلاهوتنا. تاريخنا، نحن منبسطون في كل الرقعة الجغرافية التي تقيم عليها الكنيسة الانطاكية. ولنا مع هذه الرقعة صلة تعود الى الرسل والى الآباء القدامى بمعنى اننا ملأنا كل البقاع التي تؤلفها بلاد الشام ولا نتعقد من اي امتداد جغرافي لان كل جغرافية الكنيسة الانطاكية جغرافيتنا الروحية واعطينا شهداء في كل مكان ووضعنا مؤلفات روحية في كل مكان. ووجودنا في لبنان يرافقه ولاء لهذا الوطن بلا شرط نفرضه وبلا مطلب لنا دائم او مؤقت. نتقبل لبنان من التاريخ ونعمل له وفيه. وبعثنا بأساقفة من لبنان الى كل الابرشيات في هذه المنطقة من العالم وفي بلاد الانتشار.

لاهوتياً المثال البيزنطي لعلاقة الدولة والكنيسة سمي سمفونيا اي التناغم بينهما وليس سلطة الكنيسة على الدولة ولا الدولة على الكنيسة معنى ذلك ان الدولة كان لها نطاقها الخاص ولا تتلقى اوامر من بطريرك القسطنطينية. اي ان الحكم لم يكن حكما إلهياً بل حكم بشر يستلهمون الانجيل لانهم كانوا مسيحيين. لم تكن دولة الروم دولة دينية بخلاف ما ذهب اليه المستشرقون. لذلك يندمج الارثوذكسيون بسهولة بدولة لبنان خصوصا انها مدنية لا رأي فيها بالاديان ولو قالت باجلال الله. فالفلسفة السياسية الارثوذكسية تحمل بذار التمييز بين الدين والدولة وتحمل بذار الاعتراف بنطاقين مختلفين. لذلك كان الارثوذكس قابلين بسهولة الانتماء الى احزاب علمانية او تقدمية او قومية او اشتراكية. وكانوا في طليعة بعض الاحزاب او مؤسسين لها. في خلفية تفكيرهم ربما او في فكر ابناء كنيستهم ان هذه لا تمارس السياسة او لا تحترفها. وان كانت توجه المؤمنين الى التمسك بالوطن والدفاع عنه والى رفع شأن الفقراء. ولئن عرف الارثوذكسي ذاتية الشأن العام وذاتية الكنيسة اي التمييز بين نطاقين الا ان النطاق الوطني والسياسي تسوده عند المناضل وجدانيات تأتيه من روح الانجيل.

• • •

في هذا المنطق يسلك الارثوذكسي الاصيل في السياسة غير رهين لها الا اذا كان نأى عن تراثه ولم يعرف من اين اتى. هو يعرف انه في العالم وانه تاليا في السياسة وليس منها ويعرف على الاكثر ولوج ابواب الدنيا الا انه ليس من الدنيا وعلى قدر استقلاله عنها يخوضها بسلامة من اجل المواطنين جميعا. لذلك ليس من سياسة ارثوذكسية بمعنى ان الطائفة لا تطلب ما لنفسها ولكنها تطلب ما هو للمجتمع الوطني. من هنا ان الارثوذكسي ولو ارغمه الدستور اللبناني على ان ينتمي الى طائفة بمعناها المجتمعي السياسي الا انه يحس بانه ينتمي الى الوطن كله ولا يعبر بطائفته ليصل الى الوطن. الدستور يريدها جزءا من الوطن فتخضع لمنطق الدستور عمليا ولكنها روحيا تنتمي الى ملكوت الله.

اعرف طبعا ان ثمة مواقع مفروضة علينا اذ لا بد لك في عالم الحقوق من اصطفاف لتسجل على انك واحد بين كثيرين لكن قلبك او مثالك ليس في هذا. ليس انك غدوت علمانيا بالمعنى الغربي ولكنك حر داخليا من ضغوط الممارسة السياسية اللبنانية لتعالجها بروح الاخوة للمجتمع.

هذا لا يعني – كما قال لامارتين – اننا في السقف لما سئل في مجلس النواب الفرنسي اذا كان عن اليمين او عن اليسار. لا يفهمن احد من كلامي ان شأنا من شؤون الوطن لا يخصنا وتضطر احيانا ان تختار حلفاء لك ليس عندهم منطقك المتعالي عن التحزب وتصطف احيانا وانت حر لتكون ابعد ما يكون عن ضغوط اللعبة السياسية. لكنك تذكر انك طائفة بالمعنى السياسي لان واضعي الدستور رأوا ذلك.

ولكن على رغم دخولك اللعبة يبقى قلبك مستقلا عن الالاعيب وتحاول ان تكون طاهرا ما امكن في هذا العالم الساقط. انت ملتزم الشأن العام ولكن في روحيتك انت ووفق تراثك الذي يجعلك ترى كل مواطن اخا لك، ابنا للارض التي تتحرك عليها ومتطلعا الى آفاق تفوق توقعات الكثيرين وحساباتهم.

• • •

تحالف او لا تحالف ضمن ثوابت ايمانك وتراثك التاريخي. على مستوى المشرق العربي هذا يعني انك منه وانك حملت الدولة وهمومها ومنذ مطلع القرن العشرين كنت من طلائع الاحرار لتخرج العالم العربي من سكونيته بروح وحدة فيه وذاتية فكرك بآن. ومن هذه الزاوية تحيا حريتك وحرية كنيستك في دنيا العرب وازاءها بآن. ترى نفسك للعرب وليس دائما مع كل العرب لانك منهم وناقد لهم. انت للمصير التاريخي الذي يتحررون فيه ليكونوا عاملين في حضارة العالم.

ولا شيء يمنع ان تكون من لبنان في كل اطيافه اذ ليس هناك كنيسة لبنانية. هي في لبنان ولكنها من الله. ايمانك يجعلك واحداً من الذين يؤمنون بيسوع مخلصا للعالم. لذلك تتألم معهم وتفرح معهم وكل شيء يدعوك ان تحاورهم سياسيا ليكونوا مشاركين في تحرير العالم العربي باعتبارهم منه وله ولو كان العرب حاليا يعانون ازمات كثيرة تهدد تقدمهم في معارج الحضارة.

الى هذا اقول انه من التكاتف العربي من جهة وتوقا الى الرسالة المسيحية في لبنان من الضروري ان ينشأ تضامن مسيحي على اساس الندية بين الجماعات المسيحية التي لا تريد ان ترى نفسها ازاء المسلمين. نحن لسنا ازاء احد. فالحوار المسيحي السياسي مطلوب الى جانب الحوار الكنسي في هدف ايجابي بناء وهو بناء الوطن مع المسلمين وذلك لاقامة بلد موحد في خدمة الجميع.

انا لا ادعو الى مسيحية سياسية. هذه مقولة لا معنى لها بعدما تجاوزنا الوطن المسيحي. هذا واقعيا لا يمكن ان يقوم وليس مستحبا ان يقوم. ذلك لاني اعتقد ان طائفة مسيحية منفردة لا تستطيع ان تبني مسيحية دينامية في الحقل السياسي تكون في خدمة كل لبنان. ان يكون لهذا الوطن نكهة مسيحية مميزة ونكهة اسلامية خير لتلاقينا جميعا في خدمته. واني لاظن ان للارثوذكسيين نكهة خاصة في اخصاب التوحد المسيحي والوحدة اللبنانية الشاملة.

لقد برهن الارثوذكسيون انهم لا يريدون او لا يستطيعون ان يكونوا كتلة سياسية واحدة. هذا آت من تاريخهم ومن لاهوتهم. واذا استطاعوا ان ينشئوا وحدة مسيحية ما في الوطن فهم عنصر فعال بما لهم من طاقة ان يدفعوا المسيحيين الآخرين على ان يكونوا مع المسلمين وطنا واحدا.

قد يكون هذا التطلع على شيء من الطوباوية ولكنه ممكن بعدما اقتنعنا ان كل الطوائف اللبنانية لا ترى بديلا من هذا الوطن وان طائفة ما لا تعمل لسؤددها وانها تؤمن او اضطرت ان تؤمن بوحدة اللبنانيين في المساواة الكاملة. بناء هذا الوطن اضحى ممكنا بعد آلام كثيرة علمتنا الا نرتهن لاحد مع انفتاحنا بعضنا على بعض.

في مؤتمر صحافي لي في موسكو منذ عشرين سنة سألني صحافيون سوفيات: هل انتم معنا او مع الاميركيين؟ اجبتهم ببساطة: نحن اللبنانيين مع الذين هم معنا. تنفتح السياسة الخارجية على ما اظن على هذا الاساس.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

المسيحية والمسيحيون / السبت 11 آذار 2006

قضيت سهرة ممتعة مع أربعة او خمسة أصدقاء أحدهم يلامس الايمان وكان تحديه عظيما وجدّيا للفريق المؤمن اذ قال: أين المسيحيون من المسيحية. وهذا معروف منذ جحود بطرس وخيانة يهوذا وهما من المختارين. وما من شك ان الله يعرف كل خونة الدهور المتعاقبة أي انه يعرف ان الكنيسة في أيدي أناس خطأة. المسألة الحقيقية تدور حول هذا السؤال: هل يمكن المسيحي أن يكون كاملاً؟ تأمل في هذا السؤال أحد آبائنا الأقدمين وقال ان الكمال الذي دعا اليه المسيح هو ان تسعى إلى الكمال. غير ان غريغوريوس النيصصي صاحب هذا القول عاش في القرن الرابع حيث كانت الكنيسة تقطع من عضويتها مرتكبي بعض المعاصي الجسيمة وهي الوقوع في الوثنية والزنا والقتل. ثم سرعان ما أعرضت عن هذا الانضباط لتعوضه بعقوبة ابعاد المرتكب عن الكأس المقدسة فيبقى الزاني بحسب قوانين باسيليوس الكبير خمس عشرة سنة خارج المشاركة الكنسية بحيث يقبل حضوره القداس ولكن من دون سر مناولة جسد الرب.

ثم سقط هذا التدبير واستُعيض عنه بسر التوبة الذي يمارَس بالاعتراف ويستتبع أحيانا عقوبة الابعاد عن الشركة لفترة طالما عرفناها قصيرة فيبقى المؤمن الذي أخطأ صمم تصميما صادقا على الرجوع الى الله. هنا يقول القديس افرام السرياني: «الكنيسة هي جماعة الخاطئين الذين يتوبون». احصاء المسيحيين الذين يقعون في هذا الذنب أو ذاك – ونحن لا نعرف ذنوب الآخرين – إحصاء غير ممكن واذا أمكن لا ينفع اذ «ليس من إنسان يحيا ولا يخطئ». ولكن ما من شك ان ألوفا مؤلّفة من الناس يبتعدون عن الإيمان بسبب خطايا المعتبرين مسيحيين ولا سيما اذا كان هؤلاء الخطأة يصلّون في الآحاد والأعياد ويمزجون بين آثامهم وأعمال الرحمة التي يقومون بها. المؤكد ان كلاً منا يعرف أنه من طين وأن أحدا لا يحمل صك براءة واننا ندخل ملكوت الله فقط بالرحمة ولكنّا، مسيحيين، نتوق دوما إلى الجمالات التي كشفها لنا المسيح في نفسه. المسيحية هي الشوق إلى البهاء الإلهي ينسكب علينا في أويقات الرضاء الذي يرضى به عنا القائم من بين الأموات.

لست أريد على ذلك ان أقتنع بما قاله نيتشه: «آخر مسيحي هو ذلك الذي صُلب على الصليب». مع ذلك اشتهى كتاب العهد الجديد أن نحيا حياة المسيح فينا، أن نُدفن معه ونقوم معه، والمصطبغ بالمعمودية عنده شيء من هذا أو الكثير. ثم عندك صبغة الشهادة بالدم. يقول علماء الاحصاء ان المسيحيين في الالفي سنة التي عشناها يقدرون بستين مليار نسمة. ذبح من هؤلاء الملايين في أصقاع عديدة من هذه الدنيا. هؤلاء أحبوا المسيح حتى النهاية في شجاعة أذهلت علماء النفس. فمن زهد بحياته يكون بلغ الكمال، استطاع هؤلاء اذًا ان يلبسوا المسيح بصورة كاملة. انهم وصلوا اليه في قلوبهم وأجسادهم. والشهادة في المسيحية واجبة ولا خيار أمامها.

إلى هذا نُعجَب نحن بالقديسين الذين كانت حياتهم ذبيحة غير دموية بحيث انهم قضوا على شهواتهم. ونحن نعلن قداستهم بعد تحقق دقيق ليقوموا نماذج أمامنا ويجذبونا إلى طهارة السيد. واذا بلغ هؤلاء هذا المجد يعني اننا قادرون جميعا على بلوغه. معنى ذلك ان المسيحية ليست فقط حلما أو تغنيًا ببهاء من سبقنا إلى حب الله حبا كبيرا، لكن المسيحية بالإنجيل وما يحوط به من حس إلهي تحمل طاقة أن تكون مثل الله في القوة الصادرة عنه ولو بقيت عبدًا مخلوقا. فالقدرة الإلهية التي تنزل علينا بنعمة التروض تمكننا اذا استطعنا ان نطيع، إلى مقامات مذهلة من الجمال الروحي ساطع في سيرة قديس أو غير قديس نعيّد له كل يوم من أيام السنة. وهذه سِيَر لك ان تقرأها اذا شئت وتعرف ان المسيح عاش في ألوف مؤلفة من القلوب وقدر ان يحوّلها اليه.

غير ان الذين لم ترد أسماؤهم في التقويم هم هذا وذاك من الناس، من الرجال والنساء الذين يتطهرون كل يوم ليتمسحن كيانهم. فهذا معروف بالصدق الكامل وذاك بالتواضع الكبير أو بمجموعة من الفضائل واذا كنت تعرف ان تقرأ فانك تقرأ الجمالات الأخاذة في أقوالهم وأفعالهم ويكدحون بجدية ودموع لئلا يتلطخوا أو ليعودوا من سقوط لأنهم لا يرضون ان تعشش الخطيئة فيهم وقد آمنوا انهم ليسوا فقط من طين ولكنهم من طين مجبول بنور حتى يسقط التراب عنهم ليراهم ربهم قامات من ضياء اذ المؤمن بيننا من جعل الله أمينا له ومأمنا فيعيش خلاص الله فيه ليس فقط وعدا ولكن تحقيقا.

«لا بد من العثرات ولكن ويل لمن تأتي عن يده العثرات». وأفهم فهما جيدا ان من انكشفت ذنوبه يبعد الآخرين عن الرب الذي يقيلنا من العثرات اذا التمسنا عفوه وتُقنا إلى ألا تنثني فينا الخطيئة وجاهدنا حتى الدم ليتنقى وعاؤنا الداخلي ويسكنه روح الله وحده.

وهذا ممكن إن آمنا ان المسيح هو «الطريق والحق والحياة» واننا به قادرون ان نصبح خلائق جديدة واذا آمنا ان «تناهى الليل واقترب النهار». لقد اخطأ صديقي في تلك السهرة لما قال ان المسيحية مستحيلة، انها فوق طاقات الانسان. لو كانت كذلك لما بشر بها يسوع الناصري. لكن الكمال الذي دعا اليه يفترض ان سقف الإنسان هو السماء وليس ما هو دونها وأنت مدعو إلى ان تغتصب الملكوت اغتصابًا وهذا يكلّفك حياتك كلّها بمعنى ان كل ما تقوم به في هذه الدنيا انما هو وسيلة للعيش والمعيشة فيها غفلات واخطار كثيرة. لكن الحياة الأبدية التي فيك قادرة ان تنقذك ليس فقط من الغفلة ولكن من خطيئات ترتكبها عمدًا فيما لا يموت شوقك إلى الله. معنى ذلك ان المؤمن متأرجح بين الشوق والكسل، بين الرغبة في الإله ورغبة الشهوة. معنى ذلك ان الذي غلب الموت وحاكم الخطيئة في جسده قادر ان يقيمك من الموت الروحي الذي ترتضيه.

معنى ذلك في الاخير ان المسيحية هي في المسيح وان المسألة – وأقولها لصديقي في تلك السهرة – هي ان تصبح أنت مسيحيًا آخر أي ممسوحًا بالنعمة التي كانت فيه ليتجلى كلمة الله فيك قولاً وعملاً ورجاء ومحبة لتصبح أنت بدورك كلمة الله بين الاخوة، إنجيلاً حيًا يقرأه الناس فيعرفوا انك أنت – لا الكتاب وحده – تجليات إلهية فيما لا تزال ساكنًا هذا الجسد الفاني.

أريد ان أقول مع نيتشه ان المسيحي الوحيد هو المسيح فتغفر للناس زلاتهم ويغفر لك هو زلاتك فترضى ان تعيش مع نفسك جريح الخطيئة ولكن راجيًا ان تغلبها بحبه اياك وحبك الاخوة. الا تذكر قول المخلّص في خطبة الوداع: «من منكم يبكتني على خطيئة»؟ في الأخير أمام آثامك وآثام الناس ليس لك الا ان تبكي. اذ ذاك يمسح السيد عن عينيك كل دمعة وينعشك لتصير إنسانًا جديدًا أي ان تصير له في أعماق النفس ولا تقلق لمعصية ارتكبتها أنت أو ارتكبها الناس لانه قال: «لا تضطرب قلوبكم». أنت مدعو إلى الهدوء الداخلي أمام كل ويلات الأرض. وهذا يحل فيك ان دعوت الروح القدس ليساكنك حتى تشاهد الخطيئة وتكرهها وتربي نفسك في حضن الرب كما فعل التلميذ الحبيب في العشاء السري. هذا نسي كونه إنسانًا خاطئًا ليتقبل نفسه من المحضونية التي نالها في اخلاصه الكامل للحب الإلهي.

لقد خسرت كرامتك بالمعصية. لكن الله يغرق معاصيك في محبته الكاملة وفي غفرانه الكامل اذ يراك ابنًا له مع ابنه الوحيد فترتفع بالقدرة التي احلها فيك فتنسى نفسك إلى الأبد لتراه فيها مصدرًا لتنقية فيك ترجو ان تلازمك إلى الأبد.

Continue reading