Category

2006

2006, جريدة النهار, مقالات

خواطر يونانية / السبت 7 تشرين الأول

بدعوة من السيد انثيمس مطران سالونيك ورئيس مجلسها البلدي ذهبت الاسبوع الماضي الى هذه المدينة المحتفلة بموسم «ديمتريا» الثقافي والذي تضمن حفلا موسيقيا بيزنطيا قامت به جوقة من كنائس المدينة وجوقة ابرشية جبل لبنان الارثوذكسية. تسعى الكنيسة الارثوذكسية الى ان تتجنب الطرب في الانشاد ولكن ماذا نسمي النشوة الموسيقية العالية المستوى التي حلت بنا عند خروجها من افواه هؤلاء الشبان الذين ادوا تراتيل مختلفة باللحن البيزنطي الواحد.

كان الحضور في قاعة الموسيقى لا يقل عن الفي نسمة. قيل ان ريع الحفلة لمساعدة لبنان في محنته. لهذا أُلقيت على الشاشة صور عن الحرب وعن آثار لبنان القديمة واشجاره ونباته ولا سيما الارز. وتتقاطع الأناشيد بكلام عن بلدنا.

الى نتاج هذه الحفلة فهمت ايضا ان كنيسة سالونيك ستسهم ايضا بالمساعدة. الى هذا اليوم يقوم تنسيق بين الكنيسة والدولة بانتظار الفصل بينهما تلبية لرغبة المجموعة الاوروبية التي تلح على علمانية الدولة. الكنيسة بعامة في تلك البلاد ترفض العلمنة لكون الكنيسة ترى رابطا متينا بين الثقافة اليونانية والمسيحية. في الواقع يحس الكثير من اليونانيين بانتمائهم الى الشرق الادنى اكثر من انتمائهم الى اوروبا. هناك طبائع كثيرة وتقاليد توحدنا بهم. ولعل ايمانهم الارثوذكسي عنصر من عناصر شرقيتهم.

الأحد الماضي كنت في معية متروبوليت المدينة في كنيسة القديس ديمتريوس (مار متر بالعامية عندنا) الذي استشهد هناك ورفاته محفوظ في الكنيسة. الفسيفساء والجدرانيات القديمة تزين المعبد والممرات التي الى جانبه. وتحت المعبد الدياميس وطبقات الحضارات القديمة. الذبيحة الالهية تقام عندهم باتقان كبير اكان هذا من الاكليروس ام من جوقتي الترتيل وكان ايضا باليونانية والعربية. وقد تجلت هنا

وحدة الايمان على اختلاف الشعوب يراها الله واحدة فينا.

وكان لا بد لنا من زيارة بعض من الكنائس القديمة. سالونيك تحمل من حيث العمارة طابعا بيزنطيا مميزا. وما يلفتك رحابة الصدر عند اليونانيين بالحضارات الاخرى التي عايشوها اذ تجد مئذنة بقرب كنيسة القديس جاورجيوس التي كانت قد حولت مسجدا في العهد العثماني. المئذنة تصونها الدولة اليونانية والحال هي اياها في مناطق اخرى مع ان الأتراك رحلوا.

#  #

#

كان دائما يحزنني الا اكون قد شاهدت الـ”ميتيورا” الواقعة بين سالونيك واثينا وهي مشهورة في الادبيات النسكية عندنا لغة، هي تدل على اشياء عالية في الجو او تدل على ظاهرة ضوئية نتج منها شيء صلب وقع من الجو. ما اتفق عليه العلماء انه في المدى الذي اتكلم عليه صخور منقسمة تعلو حتى اربعمئة متر تكومت بحكم الزوابع والرياح والمياه خلال ملايين من السنين. كأنك امام اعمدة عريضة متفاوتة العلو وكأن قوة احدثت فيها ثقوبا وكهوفا سكن بعضها النساك. وهذا التشقق يجعلك تتخيل وجوها بشرية او حيوانية هنا وثمة.

ليس من مدى صخري يشبه هذا في قوته والفن الذي رسمته الطبيعة هناك. الى ذلك ترى ترابا وبعضا من شجيرات. المنطقة مع ذلك شرسة جدا وهذه هي شراسة الفن احيانا.

رأى هذا الرهابين وعرفوا ان هذه الصحراء لها ان تكون مسكنا للروح فأموها بدءا من نهاية القرن الحادي عشر واقاموا صوامع صغيرة كان يجتمع اهلها صباح الاحد في كنيسة واحدة.

حول القرن الرابع عشر جاء اثناسيوس الميتيوريي واسس اول دير يقوم على الحياة المشتركة. وفي الازمنة اللاحقة نشأ 24 ديرا لم تبق كلها. الاديرة المشهورة الان هي دير التجلي، برلعام، الثالوث القدوس، القديس استفانوس، القديسة بربارة، القديس نيقولاوس.

الاديرة متباعدة قليلا او كثيرا، للنساء او للرجال. وجعلت الدولة اليونانية بينها طرقات. ودخلت التكنولوجيا هنا وثمة اذ نقلنا التلفريك الى دير كان الحجاج يرتفعون اليه في سلة وحبال.

ارجو الا يفسد الحياة الرهبانية قدوم ما يفوق الفي سائح في اليوم بدا لي ان الكثيرين منهم من دول الغرب اي في حاجة الى تفسير المعالم الفنية في الاديرة وقد يؤثرون عليها جمال الطبيعة. المؤمن ليس مجرد سائح. انه حاج. هناك يعسر عليك التمييز بين سياحتك الارضية وحجك السماوي. هو حج الى بيوت الله وفي الحقيقة الى الله نفسه هابطا علينا بكنائس مبنية وفق النسق المسيحي القديم وجدرانها مطلية كليا بالجدرانيات حسب اصول ترتيبها. والغاية ان تقرأ الايقونة على حدة والايقونات مجتمعة ولا سيما الاقدم منها لكونها على تراث شرقي محض.

سئلت عن لبنان. كان لبنان في قلوب الرهبان وصلاتهم. تأثروا جدا للموت والدمار، قلت جل ما نريده ان تدعوا الله من اجل سلام بلدنا ونهوضه. قلوب مرتفعة الى الرب على رأس جبال – اعمدة تنزل الى ديارنا بالرحمة والرأفات. كانت في نفوسهم وحدة مع شعبنا وليس مع شريحة منه.

#  #

#

أن تحترم الدولة اليونانية آثار المسلمين في بلادها وليس من مسلم واحد وان تحافظ دولة قبرص اليونانية على المساجد في المنطقة التي لم يحتلها الاتراك هذا – بانعدام اي شرع ديني يوصي بالمسلمين – دليل على محبة الانسان للانسان واحترام دينه. كل شيء نابع من المحبة وهي تكفيك لإقامة الآخر في عزته وبهاء مجده، بسبب من انسانيته التي يجب ان تنمو حسب فهمها لذاتها والدين من الذات. ولا سياسة بعد هذا الاحترام.

الى ذلك فاليونانيون مثل كل الشعوب على صعيد الممارسة الدينية في القرن الحادي والعشرين. كلهم على بعض من الايمان او كثير منه ومنهم من صلّى ومنهم من لا يصلي في المعابد. اما من آمن عندهم فيعترف بذلك جهرا. مثال على ذلك اني ادخل مطعما فيقف بعض من الناس او تمر فيهجم عليك بعض القوم هجوما ليتبركوا اذ يحسبون على ما يزيّن لي ان شيئاً من عند الله ينزل عليهم اذا أدّوا علامات التبرك.

هذا فيه شيء من القلب وان كان القلب اعمق تعبير «والله يدين سرائر الناس» لكن الكنائس التي ينفق الكثير على عمارتها وتزيينها انما تشير على الاقل الى ان عند الناس رغبة في الله الى ان يقول هو كلمته فيهم في اليوم الاخير.

لم اغادر سالونيك قبل أن أحج الى الحي الذي تقول التقاليد ولم يعترض عليها العلماء ان بولس الرسول استقر فيه للبشارة وتقوم هناك كنيستان على اسمه والرسالتان الى اهل تسالونيكية تدلان على احتدام المسائل اللاهوتية في عقول اهل تلك المدينة آنذاك.

ما المهم في هذه المدينة التي ظهر فيها وحدها خلال قرون اكثر من ثلاثمئة وخمسين قديسا؟ لماذا ازدادت النعمة هناك؟ كيف اخذهم روح يسوع اليه؟ الواضح ان بهاء عظيما يسطع هناك على وجوه الاتقياء المختلين الى ربهم في زوايا معابدنا ويسمعون الصلاة باللغة التي نطق بها العهد الجديد وآباؤنا الأكابر. ثلاثة ايام نحياها بما استطعنا من اصالة نرجو ان يجددها الله فينا برحمته ورأفاته الغزيرة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

خواطر أوكرانية / السبت 30 أيلول 2006

كانت كييف محجتي. بعد رؤية كييف وتبركي بمناسكها أحسست أن المؤتمر الفلسفي – اللاهوتي الذي انتهيت اليه لم يكن شيئاً ازاء قداسة المدينة وأديرتها المذهّبة القباب. تكلّمت على “الكنيسة والسياسة” من حيث المبدأ وفي التطبيق واستقلال الكنيسة عن شؤون الأرض مع إطلالتها عليها بآن. محاولة لقراءة ارثوذكسيّة لعلاقة المسيحيّة والمسيحيين بالنشاط الوطني مع فحص الصلة بين الاساقفة والكهنة بالعمل الحزبي. كان واضحاً عندي – كما هو في الفكر اللاهوتي الغربي – ان خادم المذبح هو لكل الناس لئلا تتعرض الكنيسة في داخلها للحزازات بين المؤمنين وذلك تأسيسا على ان مدينة الله التائقة الى الملكوت ليست مدينة الناس – وفق التمييز الذي اقامه اوغسطينوس بين المدينتين على رغم تشديدي على ان الكنيسة تدافع عن الوطن والفقراء والمعوقين. غير اني تأكدت – على الصعيد العملي – ان الكنيسة ليست دولة في الدولة وعلى انها ليست حكومة الظل تتدارس ملفات كل الوزارات. كذلك ركزت على أن رؤساء الكنيسة ليس عندهم ذلك العلم السياسي الذي يؤهلهم ليتأملوا بجدارة في أمور الحياة الدنيا.

ألقيت محاضرات كثيرة فيها تنظير مسؤول في موضوعات مختلفة تدور جميعا حول حالة الفكر الأرثوذكسي المعاصر في أوكرانيا واوروبا وذلك من مفكرين من مختلف أنحاء العالم المسيحي. ألقي معظمها باللغة الروسية التي يفهمها ستون في المئة من الشعب الأوكراني. وفي كل ما سمعت في المؤتمر وفي الشارع كانت الروسيّة سائدة مما يدل على أن في أوكرانيا أزمة هوية.

كنت في هذا المؤتمر الذي خصص وقتاً طويلاً لاستقبال كتاب لي موضوع في الفرنسيّة: “نداء الروح” منقولاً الى الروسيّة. تكلم بضعة من المعلّقين على هذا الكتاب قبل أن ننتقل الى حفلة توقيع. لا أخفي أني فرحت – مع محاولة تواضع – بأن الفكر المسيحي الصادر بالعربيّة ينتشر عند المتكلّمين الروسيّة وكنت قد نشرت بهذه اللغة كتابا آخر. أظن ان الحدث فريد لأننا بتنا نحن العرب المسيحيين نعطي الناس فكرنا ولا نكتفي باستهلاك اللاهوت الاوروبي.

• • •

كان مقرنا الدير الكبير (لافرا في اليونانية والسلافية) الذي هو، تاريخياً وجمالياً، قلب كييف. رهبان عديدون وطلاب لاهوت. كنائس على قبابها الكثيرة مكسوة بصفائح ذهب خالص. قباب كثيرة على كنائس صغيرة وكبيرة. كذلك في دير رئيس الملائكة ميخائيل الذي أُعيد بناؤه كاملاً بعد ان دمّره ستالين. لماذا الشرسون يكرهون الجمال؟ في دير نسائي قريب رأيت قوالب سبع قباب تنظر صفائح الذهب عليها فالروس يحبون بهاء الله ويترجمونه فنا. وفي كل معبد ترتيل على تلحينهم تؤديه جوقات متعددة الصوت.

وفي القداس الذي أقمناه بإمامة السيد فيلاريت مطران مينسك ورئيس كنيسة روسيا البيضاء ذات الحكم الداخلي كنا ثلاثة مطارنة مع عدد من الكهنة والشمامسة نرتل بالسلافيّة الكنسية والعربيّة. الأداء دقيق جداً، مدروس جداً. هذا مسرح الهي يخطفك الى حركات السماء التي تقوم بها الملائكة حول العرش الألهي يحيط به الشيوخ الذين يطرحون تيجانهم امام الله كما قيل في سفر الرؤيا.

النصوص عندهم هي اياها التي نستخدمها ولكنا نحذف بعضاً هنا لئلا يتعب المؤمنون. دام القداس ساعتين ونصف ساعة ولم يتعبوا. كلهم وقوف شيوخاً كانوا أم شباناً وأطفالاً ولا كرسي لأحد أو مقعد. شموع وقناديل زيت ولا كهرباء ثم اذا خرج الاسقف من الكنيسة يتجمّع امامه ووراءه وعلى جنباته المؤمنون ليتلمس كل منهم البركة فيضم كل منهم يديه يمناه الى يسراه ويرسم الأسقف أشارة الصليب عليه فيقبل المؤمن يد الأسقف. ولا تستطيع ان تهرب من الجماهير ولا تقبل الا ان تقبل يديك بعد تبركها.

والمدينة جميلة في كثير من احيائها قديمها وحديثها وكثيفة الشجر وليس من صحراء هناك ولا تباد الغابات عندهم. وهذا كله منشور على ضفتي النهر حيث عمد الأمير فلاديمير الشعب الروسي دفعة واحدة في نهاية القرن العاشر.

هم يقولون – ولست أنا أقول – إن روسيا ليس فيها من مضمون الا الإيمان الأرثوذكسي وعندهم انه بالدرجة الاولى صلاة محدودة الى اللانهاية متلوّة أو مرتّلة باللغة القديمة، صلاة إطارها الأيقونات التي يقبلونها كثيراً ويضيئون أمامها الشموع تدل على التهاب قلوبهم، ايقونات تدعوهم الى التوبة اذ يعتبرون أنفسهم خاطئين كثيراً مع انهم شعب يمتاز بالتواضع الجم ومقهوريّة تحملوها عبر أجيال.

لماذا يؤكدون ايمانهم بعد اضطهادات لم يسبق لها مثيل في أي بلد من بلدان المعمور؟ كيف بعد أن لقنوا الإلحاد في المدرسة؟ كنت أتحرّج من طرح السؤال ثم طرحته على صديق عالي الثقافة وفتي. سألته هل حفظتم الأيمان في البيت؟ قال: هذا وارد في بعض احوال. ولكننا اهتدينا الى المسيح بعد ان لمسنا اننا كنا في فراغ. لم نجد في فحصنا لحضارتنا غير هذا المسيح الذي سكن كل فكرنا وكل أدبنا وكل تقاليدنا. نحن عدنا الى الينبوع. ترى هذا الايمان عند مسنين ترعرعوا في ذاك النظام وعند فتيان وفتيات ترعرعوا هم ايضا في ظلّه.

في هذا المناخ زرت كنيسة عظيمة وجدرانياتها والفسيفساء من القرن الحادي عشر والموضع الرسمي كان يقضي على المسؤول ان يصافحني باليد فقط لإظهار الحياد. فالكنيسة الأرثوذكسية لا تتمتّع بشخصية معنويّة فلا تبيع ولا تشتري. غير ان موظفي الآثار دنوا منّي ليتبركوا جهاراً أي ليحنوا قاماتهم ورؤوسهم فأتلو عليهم بالسلافيّة الكنسيّة دعاء التبريك وينصرفوا وكان بعضهم يعلم اني وفدت اليهم من الأراضي المقدّسة ويحسبون أن بركتي مضاعفة لأن يدي أو ثيابي لامست تراب القدس.

وبعد ان باركت كثيراً أحسست أني بوركت وحملت معي مقدسات كييف ولا سيما ان الانجيل حمله منها الرهبان ليبشروا كل بلاد الروسيا المقدسة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

التربية مشروعًا للسلام / السبت 23 أيلول 2006

أما وقد حل السلام على رجاء أن يبقى لن أتطرّق إلى كل مشروعاته وسبله وكل مكوّناته. أن تحاول ألا تُميت وألا يجذبك التذابح بين “شعوبنا” فهذا لعمري في بلدنا الذبيح أمر لا يعلوه أمر. وشدّني إلى هذا التأمّل كوننا دنونا من دخول المدارس التي طالما تخبطت في سعيها إلى الإنسان الكامل.  عرفت جانبا منه ولم تعرف كل الجوانب أو كانت تلقي دروسًا من البرنامج الرسمي غير متطلّعة إلى النور الذي يجب أن يسطع على وجه كل تلميذ. أي هو ذلك النور أو كيف تتضافر العلوم لتصبح تربية؟ ما معنى أو ما مقوّمات الإنسان اللبناني الذي طاقته المدرسة الرسميّة باعتبارها الجامعة لعناصر من كل الشرائح المجتمعيّة.

قبل فحص كل ذلك قلوبنا إلى أولادنا الذين يلتحقون بمدارسهم فيما ينتهي أيلول أو يقبل تشرين مجروحة نفوسهم بسمات الحرب ومرتجاهم بناء لبنان جديد. وصغارهم لم يتعلّموا السياسة ولكن يحلمون بأنّ يسهموا في إرساء بلد على قواعد الحق والحب ويشعرون بأنهم عاملون ذلك على قدر ما يستوعبون كتبهم وما يقول لهم المرشدون. يزيّن لهم أنّ منعة البلد تقوم على المعرفة وإن كبرنا يأتي من أصالة الفكر ومن الجدّة في العمل. تخطوا اذًا بسبب من الآلام مجرّد الدراسة للنجاح والحصول على الشهادة في المرحلة الأخيرة. لامسوا اذًا أفهومة التربية. كيف تتكوّن الشخصيّة؟ ما الأساسيّات؟ ما دور العقل وما دور القلب؟ ألا نبلغ النضج بهما كليهما. وإذا تكلمت على النضج أفلا يعني ذلك أن أحدا يقطفنا؟ ألعلّه هو الربّ الذي يستلطفنا فيعطينا بعضا مما عنده او بعضا مما فيه.

ما من شك أن كل من تحدّث عن تربية إنما يتحدّث عن نمو أي عن نمو إلى نقطة معيّنة نحن منشدون إليها بحكم التراث الذي جاء منه بلدنا وقد اخترنا ذلك التراث بعد أن أدركنا أن فضل الله علينا أنه خلقنا فيه لنستمتع بجماله ونزيده جمالا ونخدم الإنسان فيه.

***

المشكلة الكبرى أن أولادنا معظمهم يتعلّم في مدارس خاصة عائلاتهم على شيء من اليسر. أنا أعرف منها المدارس المسيحيّة من حيث إني تخرّجت من واحدة منها زمن الاستعمار. ولعل تكوينها الفرنسي شدّنا إلى لبنان الذي كان شبه مجهول في مواد الدراسة. غير أنّ من أجمل ما كنا نلحظه في هذه المدارس أن التلاميذ المسيحيين والمسلمين كانوا سواسية كليّا ولهم إنصاف واحد وليس من كلمة واحدة في أي كتاب من كتب التدريس تؤذي مشاعرهم ولا يتلقى المسلمون درسا في المسيحيْة.  وكان جهد المدرسين الأجانب – ربما لأنهم كانوا رهبانا- التوجيه الخلقي العام والتأكيد على أدب التعامل بين الطلبة أو بينهم وبين المعلّمين. وكذلك التأكيد على النظافة والرياضة والصدق ومكافحة الغش أي المبتغى كان إعداد إنسان على أحسن حال من الخلق.

تعلّمنا أن يكون كلامنا دقيقا وغاية في الطهر وان نعف عن الصراخ والمشاجرة ونصرف قوى شبابنا بالرياضة وما كنا نسمّيه المحفل الأدبي عربي اللغة كان أو فرنسيها إذ كان التشديد آنذاك على الآداب. ولو كان معظم المواد يعطى بالفرنسيّة إلا  أن الإدارة لم تهمل العربية من حيث هي لغة  وشعر ومن ابتغى تعريب لسانه كان له هذا.

لم أرافق المعاهد الثانويّة بعد الاستقلال إذ دخلت كليّة الحقوق حيث كنا نتلقّن القانون الفرنسي فقط وتعلّمنا القانون اللبناني في سنوات التدرّج وأفدنا جدا من اقتباس العقل الحقوقي الفرنسي. من هذه الزاوية كان التعليم العالي أيضا بعض تربية.

ثم جاء جيل الحرب الذي عرفت منه بعض شبابنا وأدركت أن الكثيرين منهم أخذوا اللغات وغير اللغات وهم يتكلّمونها بطلاقة ما خلا العربيّة التي يبدو لي أن كثرة تلحن فيها ربما لأن شغف الرياضيات والعلوم الطبيعيّة طغى. وإذا صح أن نصف ما تمتاز به هذه الشريحة فاستمتاعها بالحاسوب والإنترنت وحضارة الصورة. ماذا سيبقى من اللغة والإنسانيات بعامة ومذاقة الفن الخالص سؤال مقلق؟

على تغير الأنماط النسبي بين مرحلة ما قبل الاستقلال والمرحلتين الأخريين وعلى تغير نقاط التركيز وبقاء المعارف والمستوى الجيّد بعامة قد تكون المشكلة البارزة هي هذه: ما محور التربية عندنا. أي إنسان نريد أن نربّي. لا شك عندي أني أريد إنسانا إلهيا يجتمع فيه اللاهوت والناسوت في وحدة متماسكة، في لحمة داخليّة. ولكن هذا روح أو مناخ وهذا قليله في الكتب. هذا في القدوة أولا وفي اختيار للمدرسين صالح لهم الحزم في الأخلاق مع اللين في المعاملة. نريد علوما صحيحة كاملة، قويّة، تماشي العصر ليحيا المتخرّج في البيئة الحديثة ولكنا نريد إلى ذلك إنسانا طيبا، لطيف المعشر، عظيم التهذيب لأن في هذه إنسانية الإنسان.

***

غير أن الجهد الذي لا بد للدولة أن تبذله هو أن تقرر إلزاميّة التعليم الابتدائي ومنع عمالة الأطفال والأولاد لإدراك حد أدنى من المستوى العقلي عند المواطنين والنضج في الحياة السياسيّة والقدرة غلى التمييز بين الكلمات التي تلقى في الشارع. فالعالم من شأنه أن يرفع عنا شقاء الانفعاليّة ونحن شعب انفعالي. والغضب آفة تجعلك لا تنسجم بالآخرين وغير قادر على قيادة سيارتك. والمثال الأعلى هو التحصيل الجامعي. أظن أننا مقصّرون جدًا عن بعض البلدان الراقية حيث يتجاوز الجامعيّون نصف السكان. هذا شرط بلوغنا النضج السياسي.

إلى هذا النموذج الإلهي – الإنساني في التربية دعونا نطلق بعد الحرب الرهيبة الأخيرة شعار “إنسان السلام”. نحن في حاجة إلى سلام. الشهادة الكبرى ليست في الحرب ولو كان علينا أن نعرف عدونا بدقة ونتهيأ لمنازلته ولكن الشهادة الكبرى هي سلام الداخل لأن الفتنة دائما تهددنا بسبب من التفسّخ الكامن في التعددية. هذا بلد يهدده التحيّز الكبير المرتبط بالطوائفية والمؤثرات الغريبة واختلاط كل هذه الأمور بمنافع الدنيا.

التاريخ العالمي المرتبط بالأديان أو بالإيديولوجيات السياسية مليء بالعنف. ولست الآن فاحصا العلاقة بين النصوص الدينية التأسيسيّة والحروب الداخليّة والخارجيّة. ليس احد منا مؤهّلا في الحقيقة للموضوعيّة في بحث كهذا وان كان الأمر ليس عصيا على الأكاديميين الطاهرين. ولكني لن أخوض في جدل كهذا في اسطر قليلة وفي سنواتنا العجاف. جل ما أوحي به هو أن نشد أنفسنا إلى قيم السلام القائمة في أدياننا. فالنحلة تقطف من النبات ما يساعدها على استخراج العسل.

ما الجميل في الآخر إذا عرفنا دائما سيئات التاريخ، ما اللطيف في مبادئ الآخر، ما قدرته على المحبّة حتى نتجاوز بالخلق الكريم عيوبا آذتنا منذ قرون. أنا واثق أن الآخر قادر على تجديد نفسه وأنا قادر على ذلك كذلك وهكذا نبني وطن السلام معا ونمنع العدو أن يبطل سلامنا الداخلي وان يفكّ بعضنا عن بعض آخر. دائمًا يجب أن نعلم – وهذا صعب- أن اللبناني الضعيف في بنيته الروحيّة والجاهل خير لنا من أي أجنبيّ لأنّ البلد الأجنبي ليس جمعيّة خيريّة ولو كنا دائما شاكرين للغريب المحبة التي يبديها لنا بالملمات.

أنا لا أشك بالقريب منهجيّا ولست أدعو إلى العنصريّة التي لا أساس لها في المسيحيّة ولا في الإسلام ولكنا في حاجة إلى المنفعة بتلازم كل شرائحنا الدينيّة. وقد أثبتنا غير مرّة أنّ الأجنبي لم يستطع دائما تفريقنا. غير أن هذه الثقة بأنفسنا في حاجة إلى تعزيز أي إلى تربية دائمة تبدأ على قواعد الدراسة وتقوى بالصداقات عبر أشخاص من جماعات دينيّة مختلفة.

إنسان السلام في كل مراحل العمر على هذا التعدد الطيّب الذي يرزقنا خيرًا ويأمننا من بزار التوتّر لنصبح وطنا إلهيًّا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

العطاء الواحد للوطن / السبت 16 أيلول 2006

ودّعنا أمس ما يسمّيه العامة عيد الصليب وفي حقيقته انه عيد المصلوب وفي احتسابي انه عيد المصلوبين جميعا إلى أية عقيدة انتموا. إنها مشكلة الألم على ألوانه وتخطي الألم. الإنسان موجوع وغريق أوجاعه او سالك طريق الرجاء. وليس عندنا من وضع غير هذين الوضعين. انا افهم الا يستعمل كل الناس هذا المصطلح المسيحي لكونه مرتبطا عندنا بسر الخلاص الذي لا يراه الناس كما نراه. كما يقول رضوان السيد ليس في الاسلام خلاص شامل يؤسس عليه ولكل امرئ خلاصه واتصوّر انه يعني بهذا السبيل الصبر والتوبة. ومن الواضح ان الخلاص الإلهي لموضوع يوزعه المسيح على من يؤمن به. وبهذا المعنى يتشخصن. والقبول الشخصي للخلاص الكامل هو الى الايمان بموت المسيح وقيامته الصبر والتوبة. كذلك هناك خلاص في الفكر البوذي بالتخلّص من الرغبات والهدوء الذي يتوخّاه البوذي انما هو اياه الذي يتوخّاه المسيحي ولكن هذا يطلبه من المخلّص وليس فقط من النسك كما يفعل البوذي.

مهما يكن من أمر فكلنا مصلوب غير ان بعضا يرجو وبعضا لا يرجو. اي ان ثمة قياميين – اذا استسغتم هذا المصطلح – وهناك غير قيامين. لذلك اخطأ صديق كبير لي لما قال لي: المسيحيّة مأساويّة. قلت له ان اليونان القديم مأساوي لأنه لا يخرج من وضع ينغلق فيه اما نحن فخارجون ابدا بالقيامة. جان بول سارتر محبوس ايضا انسانه لأنه غير مؤمن. وعندما نقول نحن اننا نخرج بالقيامة لا نريد قيامة لاحقة في اليوم الأخير ولكنا نريد خلاصا حاليا لإيماننا بكلمة المسيح: “انا القيامة والحياة”.

تأسيسا على هذا ينال من مات من أجل الايمان حضرة المسيح توا بلا إرجاء. بعد الشوق الذي تعطيه الشهادة يقيم الشهيد في الحق. يُستشهد ( بالياء مضمومة) فيشهد بمجرد قبول الموت على الإيمان وفي الحب وكأن الموت قولته الأخيرة. وفي هذا جاء في مطلع رسالة يوحنا الاولى الجامعة: “ذاك الذي كان منذ البدء/ ذاك الذي سمعناه/ ذاك الذي رأيناه بعينينا/ ذاك الذي تأملناه/ ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة/ لأن الحياة ظهرت فرأينا ونشهد” (1:1-3).

وشهادة الدم في المسيحيّة واجب لأن المسيحيّة تأبى الفارق بين القلب واللسان ولأن الموت حبا أفصح تعبير عن اقتناعها بالقيامة. والشرط الأساسي لأداء الشهادة ان يرفض من ندعوه شهيدا مقاومة الا مقاومة الروح للظلم الذي يحل به. الشهيد المسيحي مظلوم مطلقا.

تبيانا لهذا من الشرع الروماني ان المسيحي كان يُجلب الى محكمة الجزاء في روما القديمة وشرعها قائم منذالامبراطور اوغسطس على عبادة الامبراطور. وكان القاضي يطرح عليه ان يقول: قيصر هو الرب فيجيب: المسيح هو الرب فيحكم عليه بالاعدام اذ كان يعتقد ان إعدامه استمرار بالحياة. من هنا، أن المسيحيّة ليس فيها ثقافة الموت ولا ثقافة العذاب ولكن ثقافة الحياة.

الذين يعيشون، حقيقة، القيامة لا يعذبون أنفسهم جسديا ولا معنويا. ليس في هذا مشاركة في آلام المسيح. لا يضيف أحد شيئا على هذه الآلام. المشاركة تعني ان تميت شهواتك لأنك في هذا تصبح انسان الدهر الآتي حيث “لا وجع ولا حزن ولا تنهّد”. المسيحيون ليسوا جماعة المعذّبين في الأرض ولكن جماعة الذين يتوقون الى النصر الأخير الذي فيه ينتهي كل ألم.

من الموجح طبعا ان يموت الأطفال ظلما لأنهم ورد الوجود. واذا قتلهم العدو فهم قيامة الوطن ونحن نتجدد بهم ولا تفنى طفولة العالم واذا نموا فالدهور تحيا بهم. واذا حافظنا عليهم يذهب العالم بهم الى الطراوة ولا يبقى الحزن الذي هو وحده شيخوخة الانسان. الفرح في الأرض قيامة دائما للنفس قبل ان تنبعث الانسانيّة في الملكوت الآتي. وفيه مكث الحياة الحق والأخيرة.

***

يحزنني كثيرا ان شعوبا مسيحية كثيرة لم تفهم هذا ومشت في الدنيا ذابحة شعوبا لتأكل وتشرب وتستغل ناسية وداعة يسوع ولطفه اللامتناهي. جيلا بعد جيل تسلطت واستبدت حتى ذاقت الشعوب المستضعفة الحرية. متى يأتي ذلك اليوم حتى يقوى الضعيف ويفهم القوي ان يعف عن ابادة الضعيف.

في روح القهر كانت الحملات التي دُعيت صليبيّة والصليب ان تموت حبا لا ان تميت سواك. ولقد فهم العرب ان هذه الحملات لا يجوز ان تدعى صليبيّة وقد دعوها حملات الإفرنج اذ لم يكن لها علاقة بالمسيحيّة الوديعة في جوهرها. ولذلك يؤلمنا نحن المسيحيّين ان نُسمّى اليوم صليبيين. وما من شك ان في هذا غباء. ونحن نؤمن ان عقلاء المسلمين يأبون هذه التسمية التي يطبقها الإرهابيون علينا. الصليبيون ما كانوا اهل الصليب. انهم كانوا صالبين وقاهرين لقوم ودعاء.

وكانت هذه الحروب الشرسة حربا على مسيحيّة الشرق التي ظن الفاتحون على انها منشقة. منشقة ممن؟ لذلك عندما وصل الصليبيون الى مدينة القدس ذبحوا الأرثوذكسيين والارمن وبهذا بينوا انهم اعداء اهل بلادنا جميعا والدليل القاطع على ذلك ان الحملة الصليبية الرابعة شُنت في السنة الـ 1204 على القسطنطنيّة التي لم يكن قد دخلها الاسلام بعد ودنست فيها كنيسة الحكمة المقدسة. ولذلك باتت ذاكرتنا التاريخيّة تعرف ان ثمة قتلة ولو كانوا على ديانتك او مقتولين الى ايّة عقيدة انتموا.

***

من هنا انه يجب ان نكون حذرين من كل إثارة أجنبيّة للمسيحيين على المسلمين او المسلمين بعضهم على بعض فهناك دائما إمكان التفاهم بين اهل الديانات اذا عرفوا الا يصغوا الى الأجنبي الذي يرعى مصالحه فقط.

اعرف ان العقلاء من المسيحيين قد فهموا ان احدا من الخارج لا يرعاهم ولا يرعى بقاءهم وان القضيّة هي فقط قضيّة مال وقضية سلطة.

في هذا السياق ينبغي ان نفهم دقة وضعنا في لبنان وان مشاكلنا بنبغي ان تحل في الحسنى خارج كل المحاور وان نقتنع ان كل محور ضلال أإلى الشرق ذهب او الى الغرب كما ينبغي ان نفهم بطلان لغة الأكثريّة ولغة الأقليّة لأن في ذلك خدمة للغريب الذي لا يحب فريقا على فريق بل دأبه أن يفرق. ليس من مشكلة تستعصي على الحل ان كنا حقا عارفين ان تراب لبنان هو لجميع الذين يعيشون عليه وان ادركنا ان القليل عديده فيه من الجدارة والإبداع ما يجعل التوازن الوطني قائما في ابناء لبنان مجتمعين.

ما هي الصيغة لهذا العيش الواحد؟ هذا ما ينبغي ان نفتش عنه بحيث تبقى لكل شريحة كرامتها وتبقى فيها قدرتها على النمو. ويخطئ من ظن انه يستطيع ان يستغني عن اية شريحة او ان يسودها او ان يقتنع ان الله سلطه على الآخرين بسبب من موهبة فيه او من مشيئة إلهيّة.

مشيئة الله ان نحيا معا والى الابد على هذه الارض متحدين لا نتذابح ولا تتأجج علاقاتنا ولا يلغي أحدنا الآخر معنويا ولا يستغني عن إسهامه. التعدد يمكن ان يوحّد والتهميش قتال اليوم او غدا لأن احدا لا يرضى ان يموت سياسيا لأن هذا رمز لإلغاء هويته ومساهمته.

ان اكون موجودا هو ان احيا مع الآخر وبالآخر. الفردية المنغلقة موت للجميع. اما اذا كان الآخر “ضروريا حتى التنفس” فأكون انا موجودا. الآخر يوجدني بسبب من المعيّة ويتكوّن بي كما أتكوّن انا به. واذا كانت المعيّة هي مطلق الكيان في عمقه فيكون مسعاي ان اوطدها لصالحي ولصالح الآخر. صالح الجميع مجتمعين تلك هي مشيئة الله لأننا بذلك نكون له ونكون بعضنا لبعض آخر.

الوطن يتكوّن بالصبر الذي هو ثمرة المحبة ويتكوّن بالاصلاح الداخلي لكل فئة. ولا غنى عن النصيحة اذا كانت أخوية. والنصيحة فيها نقد احيانا. ويُتقبل (بضم الياء) اذا كان اخويا فتصلح كل جماعة نفسها بنقد من داخلها ونقد من خارجها مهما كان النقد شديدا لأن المحبة تفترض الشدة احيانا لأننا لسنا جماعات متراكمة ولكنا جماعات متداخلة على اساس الله المغذي الكل والمثبت الكل في عنايته.

هذا هو التطهر المتبادل وليس فقط تبادل المنافع في الأرض. وهذا يفترض توبة كل واحد منا الى الله.ومن التائبين في كل شريحة تأتي طهارتها.وهذا يعني في الدولة زوال الفساد وزوال المحاصصة وتعاون الجميع بالفكر والعمل السياسي القائم على الحرية وتداخل الطوائف في التعاون الحق والإخلاص الكامل للوطن اذ ليس من أرضيّة أخرى ولا من ولاء آخر ولا قيام لدولة إلا بحبه.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

المسلمون والمسيحيّون في لبنان / النهار السبت 9 أيلول 2006

إن لم تقم العلاقة بينهم على التقوى فهي ليست بشيء. وأهل التقوى واحد في كل الأمم لأن الله يستقطبهم ويوحّدهم فيه على اختلاف ما يقولون فيه وفي أشيائه والسياسة تأتي بعد ذلك على قول المعلّم الناصري: “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه والباقي يزاد لكم”. ذلك أن الذين يطلبون الآخرة يتوافر لهم ما يفيدهم في معاشهم هنا.

كتبت مرة ما مفاده أني لما كنت أرى في طفولتي من نوافذ أحد المساجد في طرابلس المسلمين يصلون كنت أتخشّع إذ كنت أفهم أن قومًا آخرين يعبدون الله. كذلك أحسب أنهم يتخشعون إذا تلوا شيئًا من الإنجيل أو حضروا قداسًا بيزنطيًا. فالقبة هي كقباب المساجد والألحان شرقية والربوبيّة واحدة في ذاتها وفي نفوسنا كلينا. وأنا أحبّ منذ طفولتي إيقاع الآذان منذ الفجر حتى صلاة العشاء وهو يُغنيني عن إيقاع الساعة. هناك انسجام لا داعي إلى تعريفه عقليًا ونعيشه في هذا البلد الذي ارتضيناه موقعًا لنا في الأرض.

وأظن أننا مجموعة واحدة فيما نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر. يراها الله واحدة في مقاييس لم يكشفها لنا وإذا صح الحديث الشريف: “خياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام”.فمن باب أولى القول: “إن خياركم في الإسلام مثل خياركم في المسيحيّة” لأن التخلّق بالله هو الوجود والانتساب الشكلي أو الاسمي ليس بشيء. فالصالحون في كل صقع هم خير أمّة أخرجت للناس وإذا فهمنا ذلك تأتي سياسة الأرض، هذه التي تفرّق عادة بين الناس بسبب من تباين المصالح وبسبب غلبة المصالح على الأهداف الروحيّة التي نبتغي.

عند هذا يصبح المسيحيون أمة أرضية وربما كان كذلك المسلمون. “مملكتي ليست من هذا العالم” لا تختلف كثيرا عن أن الإسلام ليس فيه أصول حكم ولم يرد في التنزيل القرآني كلام عن الدولة وشكلها أو كلام واحد عن أن الدولة يسودها المسلمون. وعند تأسيس دولة الراشدين صار الكلام على أن غير المسلم من لا يسعه أن يكون خليفة أو قائد جيش أو قاضيًا يقضى بالشرع ولكنّه استوزر في العصر الأموي وكان عند بدئه يتولّى بيت المال الذي هو مال المسلمين.

***

فالسؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة الفقه وهو علم بشري بما أنزله الله على نبيّه. هل كل الحديث في هذه الأمور سوى تاريخ بشري له قوة التاريخ وهشاشته. والسؤال الأعم هو أن القرآن إذا كان لا يخضع تفسيره للتاريخ أفلا يخضع التاريخ الإسلامي نفسه للتحليل التاريخي وتاليًا لنسبيّة الزمان وهو من متقلّبات الزمن. كلّ انغلاق في حدود الزمان هو اعتراف بأن ما جرى بعد الوحي له قيمة الوحي.

في هذا الصدد لا تستطيع أن تتكلّم على المسيحيين إذ لا قيمة للتاريخ عندهم إلا ما له صلة بالكلمة الإلهي وقيمته إذًا غير مطلقة وليس عندهم صورة حكم وهم يتشكّلون روحيًا في كلّ أمة وُجدوا فيها ولا يبتغون مناصب إلاَّ في لبنان وقد عاشوا عبيدًا في نظام الرق وأحرارًا حيث منحهم الحاكم الحريّة مع أنهم صبوا إلى الحرية في الإمبراطوريّة الرومانيّة التي كانت تضطهدهم وفهموا قول المعلّم: “وتعرفون الحق والحق يحرّركم”. وعلى ذلك ما من شك أنهم لم يضعوا هم “حقوق الإنسان والمواطن” وقد كُتبت هذه أولاً في الثورة الفرنسيّة التي قامت ضد الكنيسة السائدة سياسيًا. غير أن الذي لا شك فيه أن الثوَّار الفرنسيين تأصلوا في الإنجيل ولو أرادوا أن يكسبوا معانيه لباسًا علمانيًا. البشريّة العلمانيّة صقلها روح المسيح في الحضارة الأوربيّة وهذا كان خيرًا لسائر الناس. ولا ينكر إنسان حقوق الإنسان لمجرّد أن الذين صاغوها كانوا مسيحيين إذ كان فيها نفع للناس. وإذا أيّد القرآن الإنجيل والتوراة في غير موضع ففي المنطق نفسه يؤيّد المسلمون حقوق الإنسان ولو كانت لغتها آتية من قريب أو من بعيد من الوحي المسيحي.

وعلى هذا اقترب مفكرون مسلمون كثر من الحكم المدني في كثير من البلدان الإسلامية وقد لا يكون شكله بالضرورة العلمانية الفرنسية وهناك علمانية بريطانية تختلف. وقال به أئمة مسلمون في لبنان. هذا ما أرجو أن نعود إليه بعد هذه الحرب الشرسة التي شُنت علينا.

وإذا أردنا وحدة هذا الوطن لا تستطيع فئة حكم الشرائح كلها أو لا تستطيع أن تخرج على روح حقوق الإنسان لئلا تخرج من الحداثة التي هي المصطلح الوحيد الذي يجمعنا. ولا يفهمنّ أحد إني بالضرورة داعية لشكلٍ قاسٍ من حكم يتنكّر لخصوصيّة الطوائف ولنكهتها ولكني أدعو إلى رؤية الوطن اللبناني جماعة واحدة.

هذا لا يعني أني أنا الأرثوذكسي لا أرى نفسي واحدًا في المسيح مع الشعوب الأرثوذكسيّة وبمعنى أوسع مع كل الشعوب المسيحية ولكن هذا ليس له ترجمة سياسية إطلاقـًا. فقد تكون روسيا مثلا ضد مواقف بلدي وأكون، إذ ذاك، ضدها. على هذا المنوال كان الرئيس جمال عبد الناصر نصيرًا للقبارصة اليونانيين ضد الاحتلال التركي للجزيرة وكان رئيس الأساقفة مكاريوس قريبًا من العرب. هناك إذًا رؤية مدنيّة لسياستك الخارجيّة. وفي بلدنا قد يكون المسيحي المنفتح، الحرّ، قريبًا من موقف إسلامي جامع أو المسلم “المدنيّ” قريبًا من المسيحيين. في موقف وطني داخلي.

في الوضع الحاضر كان المخلصون من المسيحيين ضد أميركا في تحالفها مع إسرائيل. ولا معنى سياسيًا على الإطلاق لكون الأميركيين مسيحيين. أنا المسيحي مع إيران في تخصيب الأورانيوم لتكون محاذية أو مساوية لإسرائيل الحاصلة على السلاح النووي. السياسة مصلحة شعبك ككل. وهذا يقتضي أن تتخذ الموقف الذي يدعمك في السياسة الخارجية.

على هذا لا أفهم في منطق حداثتي عبارة “الأمة الإسلامية” إلاَّ بمعنى شعوري لا يلزمك بموقف سياسي. أنا أفهم جيدًا أن يحزن المسلم لكارثة في الباكستان كما أحزن لكارثة في اليونان . ولكني إن كنت أعظم إنسانية احزن لحزن البلدين في القوة نفسها. إلى الناحية الشعورية العقل وفي هذا المضمار متابعة شؤون الأبحاث الشرعيّة في بلدان المسلمين والمسائل الفكرية المتصلة بالدين لأن تقدّم الفكر واحد في العالم الإسلامي. وعلى هذه الصورة يتابع اللاهوتي الأرثوذكسي مثلاً ما يكتب على هذا الصعيد في موسكو وأثينا وبوخارست وما إليها. وفي الواقع نقرأ مجلاتهم ونتابع هواجسهم اللاهوتية لكوننا كنيسة واحدة.

***

العمل السياسي عمل المواطنين مجتمعين لأنه متعلّق بالأرض التي عليها يعيشون. السياسة تأتي من شعورك بأنك تحيا ليس فقط مع كل مواطنيك ولكن تحيا بهم. تعطيهم وتأخذ منهم فتقرأ مشاعرهم وتراثهم وأسباب تصرفاتهم فتتأثر بهم ويتأثرون بك. الوطن تاريخيًا وشعوريًا وأمام آفاقه واحد ولو كانت مصادر الشعور والسلوك متنوعة. والتنوّع ينشئ الاختلاف في السياسة وفي الاختلاف صحّة لأنه يدلّ على أن البشر أحياء ومستقلون أحدهم عن الآخر.

هم ليسوا نهرًا فكريًا واحدًا ولكنهم روافد في أوقيانس البلد. وأنا لست أقول أن هذه الألوان لا علاقة لها بالعقائد التي تستلهم دينية كانت أم غير دينيّة ولكني أقول انك بهذه الألوان المختلفة ترسم لوحة البلد ولا ترسم لوحة بلد آخر. فالكنيسة الجامعة كما نسمّيها ليس لها لون ثقافي واحد . لذلك ليس لها وجود سياسي في الدنيا ولا لها أرض واحدة. كذلك أمّة المسلمين ليس لها وجود سياسي أو كيان عالمي إلاَّ في ما يختصّ بالإيمان وأدبياته.

نتدارس إذًا أمور الدنيا في معيّتنا وهذا الدرس له صورة وهي مجلس النواب وننفّذ ما ندرسه في صورة وهي الحكومة كما نتدارس أمورنا في الصحافة والأحزاب وحلقات الفكر السياسي والأكاديميات وأنا واثق أن العالمين والأفضلين خلقيًا يستخرجون معًا أفكارًا متقاربة أو واحدة لتسيير البلد حتى تزول السياسة عندما يتجلّى الله في اليوم الأخير.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

إلى المسيحيين في لبنان / السبت 2 أيلول 2006

“مملكتي ليست من هذا العالم”. كلام للمعلّم ينبغي ان يكون كلامكم. ليس هذا موقف اليهود لما كانوا على العهد القديم وما كان التلمود قد أدخل إليهم فكرة الحياة الأبدية ولم يكونوا يقولون بها ما خلا مذهب الفريسيّين. أمَّا المسلمون فيقولون بالقيامة ويؤثرون على دنياهم آخرتهم فقد جاء في كتابهم “وللآخرة خير لك من الأولى” (الضحى، 93).

ويؤكد المعلّم فكره بقوله: “لست اسأل أن تأخذهم من العالم… ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم” (يوحنا 15: 16 و17). مما يعنيه هذا القول إنكم ولو تعاطيتم السياسة إلا أنكم لستم من السياسة ووحدتكم ليست فيها وتاليا لا تؤلفون بعضكم إلى بعض كتلة منها. وليس لكم فيها موقف واحد. ولستم كتلة فيها لأن تكتلكم واحد وهي أنكم جسد المسيح بمعنى أنكم تجيئون من السماء التي هو جالس فيها وتكونون أعضاء فيه ومن حيث إنكم جسده فهو إياكم مجتمعين فيه وليس لكم اجتماع من نوع آخر.

وأية كانت العلاقة بالسياسة في اجتهاد المجتهدين فاليهود (قبل الصهيونية) والمسيحيون والمسلمون كل منهم يقول عن نفسه انه اجتماع ديني. فكل من العبرانيين والمسيحيين يقول عن نفسه انه جنس مختار وكهنوت ملوكي وأمّة مقدسة (1 بطرس9:2) والشعب المختار لا دلالة عنصرية لها ولا امتياز. انه اختيار النعمة الإلهيّة وتحميل الكلمة بلا تفويض بالتبليغ او التبشير عند اليهود وبتفويض بالبشارة عند المسيحيين. وأهل الإسلام قال لهم ربهم: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” (آل عمران1، 11). فالمعنى ليس أنكم جوهريًا خير أمَّة ومنكم من عصا ولكن إذا تمسكتم بالكلام الإلهي والسلوك الإلهي تستحقون أن تصيروا خير أمّة.

هذا المفهوم الواحد – اذا أخذنا النصوص التأسيسيّة وحدها – يجعل هذه الجماعات لا صفة قوميّة لها ويبقى كل فرد منتسبا الى قومه كما يشاء.

***

إلاَّ أنّ الصهيونيّة في كتاب تيودور هرتسل الصادر بالألمانيّة السنة الـ 1896 وكما توطدت سياسيًا في مؤتمر بال السنة اللاحقة صارت قوميّة وفي الجدالات التي قامت في دولة إسرائيل عن تحديد اليهودي وإجماعهم على أنّ من كانت أمّه يهوديّة لم يأتِ ذكر عن إيمانه. الذكر للدم وليس للعقيدة. أمَّا في المسيحيّة والإسلام فلا ذكر للدم. كل من هذين له عقيدة يعبّر عنها المسيحي بدستور الإيمان والمسلم بالشهادتين. فلسفة الانتماء واحدة إذًا عند المسلم والمسيحي. الصهيونيّة إذًا تكون نزعت عن اليهوديّة الطابع الروحي الذي كان لها. وقلّة ضئيلة من يهود العالم ليست صهيونيّة.

بموجب قانون العودة يحق لكلّ يهودي في العالم أن يتّخذ الجنسيّة الإسرائليّة. هذا ليس قائما في أية دولة إسلاميّة أو مسيحيّة. من هذه الزاوية كل يهودي إسرائيلي بالطاقة متى شاء يصبح إسرائيليًا بالفعل.

في هذا المناخ القائم في المنطقة لا بد أن أذكّر إخوتي المسيحيّين في بلدنا إنهم لبنانيون من جهة وطنيّتهم، مسيحيّون بسبب من معموديتهم وان النطاقين لا علاقة للواحد منهما بالآخر وأضيف إلى هذا – تذكيرًا – أن مسيحيّتهم لا تزيد شيئا على لبنانيّتهم التي يشاطرها آخرون بالعمق نفسه وبالقوّة نفسها واللبنانيّة تبدأ بنقطة من التاريخ عند هذا وتتخطى أخرى عند ذاك حتى وصلنا بعد عسر إلى اللبنانيّة. تبقى مشكلة المودّات الخارجيّة عند بعض ومشكلة الولاءات عند بعض وهي غاية في الدقّة. لن أخوض في هذا الآن لأني أتكلّم فقط على المسيحيين ولست أرى فاحصًا أنهم من حيث إنهم كتلة قد خرجوا على لبنانيّتهم والمودّات ترعى إن لم تكن خائنة وقد نحتاج إليها في الضيق شريطة أن نجعلها في خدمة الوطن كلّه وهي غنى في الثقافة وأمست ثقافاتنا – في الشريحة العليا من المتعلّمين- واحدة أو متقاربة.

على مستوى الولاء لست أشك بأحد في لبنانيّته ولا في شعوره العربي الأساسي ولا سيّما أن القيادات المسيحيّة تبدي قلقًا شديدًا عما وصلنا إليه من أوضاع. ولكن أحدًا منا لا يحق له أن يحاكم الآخر على نياته وان يحاسبه على ماضيه فالكثيرون في كل شريحة عرفوا النقص في لبنانيّتهم أو النقص في الانتماء الشعوري إلى العروبة.

وإذا كنا في حركيّة واحدة إلى المستقبلات أي بنيان لبنان الجديد كما عرفه الدستور فلا معنى ولا جدوى للتسابق إلاَّ على أن نتسابق الخيرات كما تدعونا إلى ذلك العبارة القرآنيّة (تنافسوا في الحسنى يقول بولس الرسول). ولست أظنّ أن أحدًا يهمّشه الآخرون ما لم يهمّش هو نفسه وإذا كان ثمّة من وقائع واضحة فنناجي كلّ منا الآخر ليقوم العدل وليجنِ الوطن المواهب التي كانت محجوبة.

إخوتي المسيحيين مع ذلك كلّه لا تكونوا مسمّرين على السياسة فليست هي كل شيء ولا هي أهمّ الأشياء في دنياكم نفسها. المسيح هو أعظم ما في دنياكم قبل أن يحل الملكوت. وعند كباركم في محبّته ليس هو فقط أعظم كل شيء ولكنّه كل شيء لكل واحد منكم. وعلى هذا اعملوا في حياتكم على كل ما هو حق وجميل وافهموا الإنجيل في بهائه وقوّته حتى تنحتوه في حياتكم الوطنيّة. ولا تتركوا السياسة للزعماء فقط بل تعاطوها بقوّة وإخلاص وصدق وطهارة. فهذه الفضائل يمكن أن تجتمع فيها. وكونوا قدوة وكونوا طاهرين فقد دعاكم ربّكم أن تكونوا الخميرة التي تخمّر العجينة كلّها والنور الذي يضيء في العالم ليستضيء كل إنسان. ولا كبرياء في ذلك لأنّ هذا النور تستمدّونه من النور الأزلي.

وإذا رأيتم عند قادتكم صداقات خارجية فلا يعني هذا أن ترتاحوا إلى هذا السفير أو ذاك ولكنّه يعني أن تسمعوا كل شيء وتتمسّكوا بالأفضل وان تصغوا بإذن لبنانيّة وتتكلّموا بلسان لبناني على ألا تذهبوا إلى أنكم فئة مغلقة. فإذا كان الزوج العفيف لا يكتم شيئا عن زوجته فالقيادات المسيحيّة مفتوحة على كل القيادات. لأنكم إذا منحتم الآخرين الثقة فهم يردونها إليكم. ففي الإسلام الأصيل مودّة لنا فإذا تكاشفتم انتم والمسلمون فهم أيضًا يتكاشفون حتى نصل معا إلى رؤية أن الإنسانية الطيِّبة والفهيمة بآن هي التي تبني البلد. ذلك لأننا معا – إذا أجيز لي تفسير التنزيل- نحن والمسلمون خير أّمة أخرجت للناس لأننا في الأقل ننوي على أن ندعو إلى المعروف وننهي عن المنكر.

وفيما أكتب هذا، أحسّ أن قلمي انجرّ على أن أتحدّث عن المسلمين والمسيحيين معًا بعد أن صمّمت إلى أن أتوجّه إلى المسيحيين وحدهم إذ الحقيقة في بلدنا أننا نحيا معًا وقد أثبتت الحرب الأخيرة التي شُنّت علينا أننا نموت معًا.

وإذا تذكّرتم يا إخوتي المعمّدين أن المسيح قد غلب الموت فأيّ شيء تخشون؟ أمَّا إذا علمتم بذلك فأنتم قياميّون إلى أيّ كنيسة انتميتم. ببهاء بيزنطي أو تواضع غير بيزنطي كلّكم يرتل في الفصح والآحاد: المسيح قام من بين الأموات. وإذا هاجمكم العدو مرّة ثانية سوف يرى من بطولتكم أو قناعاتكم أنكم أحياء مع الأحياء لعلمكم بصدق قولة يسوع: “لا تخافوا ممن يقتل الجسد”. لن يستطيع احد أن يمسّ خلاصكم وانتم قد ادركتموه بالحب. يا إخوتي المسيحيين انتم وطن الحب وكل شيء آخر هو من الشرير وسوف ينجينا الله في كل محنة من مملكة الشرّ ليقيمنا على آرائك المحبة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

لبنان الوطن الواحد / السبت 26 آب 2006

بعد أن حل السلام او السلام المرجو لا بد أن يقرأ لبنان نفسه على ضوء ما تتمنّاه إرادة الوحدة. صعوبة هذه الأمنية أن بلدنا كثيف الحس التاريخي وكأنّ كل جماعة منا سجينة حس يرقى الى الشرق القديم ويعبر بالديانتين القائمتين عندنا وبمذابهما. في بلدان العالم الذي عرف عصر التنوير منذ القرن الثامن عشر انتشر العقل الذي يسوس هذه الدنيا وانحسر الوحي الالهي في علاقته بشؤون السياسة فقبع في ضمير الفرد وتفاعل القوم في حيّز الوطن ببشريّتهم.

هذا التكثف التاريخي فيه قهر شديد ولو لم يخلُ من جمالات. وهذا ما اعطى النظام الطائفي عندنا الذي لا يستطيع ان يواجه ثقل الازمة العابرة كما لا يستطيع ان يرجو المستقبلات. غير ان زوال الماضي من الهيكلية الطوائفية لأمر صعب. ومن شأن هذه الهيكليّة ان تنهار اذا دخلنا الحداثة بتقدّمنا العلمي الكبير في كل مجالات الوجود المشترك ولا سيما في حياة اقتصادية متطوّرة وظهور دولة متقدّمة ومحصّنة داخليّا ودوليا. لست أظن ان احدا لديه وصفة جاهزة لنتحرر من انتمائنا الى العالم الثالث وتقبلنا للتنوّر العقلي الذي من شأنه ان يجعلنا – كدولة- نسلك سلوك الأمم العاقلة في شؤونا العامة.

غير أن هذا لا يأتي بقرار او لا تكفيه قناعة عقلية لأن الشهوات الكامنة تخلّ بالعقل ولكنه يأتي بالهدى النازل علينا من فوق اذ لا يفرض انضمامنا الى الحكم المدني الذي نتمنّاه ان نكون عميقي الروحانية الدينيّة ولكنه يفرض روحانية حارة ذات طبيعة انسانيّة مسكوب عليها هدى ما. لذلك لا يكفيني قول الأكثرين: ولاؤنا ليس للطائفة، لكن للوطن. اي ان عصبيّتنا لا ينبغي للطائفة بمعناها الكتلوي السياسي ولكنها عصبيّة للوطن الذي شاء ربك ان يحتضن جماعات مختلفة “لتعارفوا” اي انها متنوّعة على غير خلاف ومفتوحة احداها على الأخرى بحب بحيث ترى ولا تكتفي برؤية التنوّع الذي يكمن فيه صراع.

غير ان الجمع بين التنوّع والاختلاف يفرض ان يتركّز المؤمنون جميعا على الحب وربما ان يبرزوا من تراثهم ما يكشفه وما يقويه. وهنا دور للعلماء او للروحانيين الذين اخلصوا لله فلا نبقى أسرى الحرف بل نصبح عبيدا للروح. لماذا استدعيت العلماء وأهل الروح؟ ذلك أنّ عندنا جميعا دينا شعبيّا، تبسيطيّا، اسطوريّا، نفحته من الأعصاب نقرأ به أهل الدين الآخر ومسالكهم التاريخيّة وننتقل بالخيال الى أزمنة القهر ونعتبرها كأنها حاضرة ولعلّها كذلك عند الكثيرين.

# #

#

بسبب من هذا أرى نفسي في سهرات مسيحيين أبسط حقيقة الاسلام وأدعو الى قراءته الحسنة، ذلك أنه أعظم من المسلمين. وكذلك أعرف أن هذا او ذاك من أصدقائي المسلمين ينقّحون في أوساطهم الصورة المشوهة عن العقيدة المسيحيّة ويطمئنون الى أنّها أعظم قدرا وأعمق من تصرّفات المسيحيين. غير ان المشوار طويل جدا ويفترض تنزّها كبيرا وطهارة عليا. وهنا يأتي دور الكلمة الحلال ولست أريد بذلك الحوار العلمي الذي له مكانته ولكني أريد هذا التخاطب ضمن كل ديانة ومذهب لمعرفة الهدى الذي يقدر الله ان ينزله على عباده هنا وثمّة.

الى هذا أعود الى قاعدة بسيطة تمس السياسة اذا شئنا الا تتباعد القلوب وهي ان ترفض اية طائفة علوها السياسي او تمنطقها على أساس العدد او على اساس الخوف. ذلك ان العدد والخوف لا عقلانيّة فيهما. الأصل في عمق العقل وكيفيّته وفعله وومضات القلب عند الأفراد. وأريد بذلك اولية العقل المستنير بالروح والأدب والطراوة. وهذه كلها تجعل في العقل صفاء وقوة بحيث ينفتح على العقول الأخرى طلبا لشفافيّة قادرة ان تطيع العقول الأخرى لنخطو أخويا الى الأمام. وهذا يصح انه لم يكن أحدنا مشدودا الى ايديولوجيّة ترسخ فيه بشكل نهائي.

قد لا أشاطرك الفلسفة التي تكمن وراء ايديولوجيتك ولكن لا بد لنا ان نتقابس الرؤى الساطعة من قلوب إلهيّة ومن تحليل حر ولاسيما الفهم المرتكز على وقائع جلية.

طبعا الألم يجعلك أكثر حدّة ومع ذلك فالتلاقي ممكن بين الناس حتى التناضح. صحيح ان هذا البلد تكال فيه التهم كل يوم. ولكن الاتهام هو الى حد بعيد آتٍ من جهل الواقع ومن جهل الأوجاع التي يكابدها الآخر ومن التاريخ القاسي او الذي نقسيه عندما نقرأه على ضوء الحاضر المؤلم.

# #

#

واذا أشرت الى التفاهم فلست حاصره بين مذاهب الدين الواحد فليست القضيّة ان يتلاقى السنّة والشيعة وحسب ولست مخوّلا لألقي عليهم درسًا وأعرف الفارق الديني بينهم. غير أنّ المواقف لا تأتي فقط من فوارق في العقيدة ولكن من فوارق في التاريخ اي في السياسة. غير أن الحياة الروحيّة من جهة والجانب الإنساني في الجماعتين ومحبة الوطن الجامع من شأنها جميعا أن تنقح ما كان خطأ في المجتمعيّات الطائفية لتوصل كل واحد الى كرامته وازدهاره استهدافا للمساواة. “فذكر انك مذكر. لست عليهم بمسيطر” (الغاشية 21 و22). والمساواة هي للخدمة المتبادلة والرقي الثقافي للجميع.

ولست أريد بذلك ان تبادل الخدمة هو بين هاتين الطائفتين الكريمتين لأننا جميعا نتقابس. فالحياة جعلت المسيحي في نشأته يتعامل والسنّي والشيعي. غير أنّ النمو الوطني المشترك يجعلنا في تقارب مع الجميع. فالمسيحي اللبناني يذوق الاسلام بمقدار وقد يقوده هذا الذوق الى الفهم اي الى التقدير الروحي بحيث حق القول ان الخيّرين منا متلاحمون وقد يكون البسطاء أمتن تلاحمًا من أهل الفكر.

بإكمال هذا التأمّل لا بد من المسيحيين ان يتقاربوا في الحقل الوطني كما تقاربوا كثيرا في الحقل الكنسي منذ عقدين او ثلاثة بحيث لا يطغى العدد او الحس التاريخي المرتهن لالتزام لهم واحد لا بمعنى تكتّل طائفي جامع ولكن بالمعنى الذي أراده السيّد وهو أن نكون خدامًا لا مخدومين على صورة ابن الانسان. المسيحية فيها هذه القدرة الرهيبة ان تحرر الانسان من مخافة التاريخ ووطأته اذا اقتنع المسيحيون ان رسالتهم الّا يهجروا لبنان. انت لا يمكنك ان تصطنع تاريخا جديدًا بأعجوبة.

انا لست أدعو الى ظهور قيادات مسيحية تستقطب الكل. أنا أنتمي الى كنيسة لم تعرف في لبنان مرة قيادة سياسيّة لها موحدة لأننا تربينا في هذه الكنيسة على الحريّة تأسيسًا على لاهوتنا. وأدبياتنا كثيرا ما جاء فيها اننا لسنا بطائفة بالمعنى الدستوري اللبناني. مهما يكن من أمر نذوق بقيّة المسيحيين بسبب وحدتنا في المسيح السيّد.

ونحن نعلم ان تقلّصنا العددي مهما بلغ لا يعني شيئا من حيث تأثير “البقيّة الباقية” على مستوى الروح والعقل والولاء اللبناني الكامل. وفي هذا لن ننشئ تراصا مسيحيا بالمعنى السياسي. اذا فهم المسيحيون قول المعلّم: “الكلام الذي أكلّمكم به روح وحياة” لايقيمون وزنا لشيء آخر. يصنعون، اذ ذاك، مع الآخرين لبنانًا جديدا.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

لقطات ورؤى / السبت 19 آب 2006

الإثنين الماضي عرّجت على كاهن عاليه في طريقي إلى بحمدون لأداء صلاة الغروب لعيد السيدة وعند دخولي دارة الكنيسة رأيت ابنة الكاهن برفقة طفلة محجّبة لا يزيد عمرها عن العاشرة. صافحت ابنة الكاهن ولما نظرت إلى الابنة الجنوبيّة وضعت يدي على صدري وفعلت هي كذلك. ولما خرجت من بيت الكاهن لأكمل طريقي إلى بحمدون رأيت كل طفلة من هاتين راكبة دراجة. فهمت توّا أن هاتين صورة عن شعبنا الواحد وأننا نمشي معًا على طرق الوجود وقد يكون لنا منعطفات فكرية مختلفة يمليها علينا بالضرورة التزام ديني. في اللحظة التي فيها اكتب يبدو سلوك كل منا مرتبطًا بقراءته لإسرائيل أي بمعرفة قراءتها لنا أو عدم هذه المعرفة. أنت مع الصد للعدوان أو لست مع الصدّ. أنت مع الصد بأيّة وسيلة لأن مبتغاه أن يلغيك وأنت مع المهادنة لاعتقادك انك إذا تهاونت مع إسرائيل يرتب لك السيد جورج بوش مكانة في الشرق الأوسط الجديد فتتوهّم إسرائيل إن تهاون لبنان إلى الأبد لأن بعضه تاجر مثلها أو متغربن مثلها وأنت في هذا أبله كليّا لأنك لا تشاء أن تفهم انك إلى الأبد غوي (اي من الأمم) في اللاهوت اليهودي الذي من أنصاره مَن يؤمن ومن أنصاره من لا يؤمن. وأنت أبله لأنك لا تعلم أن اللاهوت إذا سقط يصبح سياسة والسياسة تصبح حربا.

وأنت عندما تتكلّم جديّا عن نزع سلاح حزب الله يتعمّق غباؤك أولا لأن الدولة عاجزة عن تسلّمه أو عن استعماله وان الدولة كانت تعرف أنها لن تتصدّى يوما لانعدام الطيران عندها وللتفاوت الرهيب بين جيشها وجيش العدو ولمعرفتها بأن العديدين يرضون بدولة غير محصّنة ويتشرّفون لفظيّا بالاستقلال والسيادة لعلمهم بعجزنا. أنت إما تبتغي دولة انت قادر على حمايتها واذا كنت عاجزا عن ذلك فتتوقّع أن تندرج بمشروع الشرق الأوسط الجديد يصير فيه بلدك منتجعًا للعرب ومعهم أصدقاء وصديقات من يهود وفلسطينيين. وهذا شرق أوسط جديد تبشّر به المسيحية المتصهينة التي يدين بها الفريق الذي حوّل جورج بوش وهي معتقد يعني حقيقة الامبريالية الأميركية القديمة الجديدة التي أداتها إسرائيل، وهذه صيغة تعني عيش كيانات متلاقية بالتجارة الدولية وطرق مواصلات ومعلوماتية متطوّرة في إطار العولمة التي وان بيّنت دراسات غسان سلامة على أنها مشروع أميركي تكون مقاولته في هذه المنطقة إسرائيل. الخيار هو ليس بين حزب الله واختفاء قوته القتالية. القضيّة في الأخير هي كيف تفهم نشيد مريم من إنجيل لوقا “حط (أي الله) المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين”. هل أنت نصير الأقوياء أو نصير المستضعفين.

***

مشكلتنا ليست كما طرحها بعض في حرب 1975 أي لبنان نريد. نريد وطنًا نهائيًا موحدًا لا وصي عليه – وحجتي على بعض أنهم لم يقولوها- ولو ارتبط بدول كثيرة بلا إتباع ولا تذييل. كيف يعاش هذا، ما ترجمته العسكرية؟ لا نستطيع أن نتكل كليا على الأمم المتحدة التي يزيد ضعفها وتقل فاعليتها ولا يؤمن المفكرون السياسيّون الأميركيون بفائدتها إذ يؤمنون بأن العالم إمبراطوريتهم ولا حاجة إلى إمبراطورية جديدة هي للدول مجتمعة ومتآزرة. ثقوا بأني لا أكره أميركا ولكني أؤمن بالتواضع في السياسة نفسها وأؤمن بقوة الفقراء على تجاوز عقدهم وخوفهم ليصبحوا أعزة في الأرض.

بكلام أبسط، أوجدوا لنا صيغة للبنان قوي أو ضعيف يصونه الغير أي يحبه الغير فأفهم أن تجرّدوا البلد من كل سلاح شرعيًا كان أو غير شرعي إذ أقرأ دائمًا أن الجيش اللبناني هو للاستعمال الداخلي وقد سمعنا من أعلى مقام في الدولة انه لا يصح تموضعه على الحدود لئلا يحمي العدو. أنا لست خبيرًا عسكريًا لأناقش هذا الموقف ولكنه اعتراف واضح بأننا لا نقدر أن نقف عند الحروب وأننا قوة لنحمي الأمن الداخلي. ولكن القول أن جيشنا لا ينفع على الحدود يعني أن إسرائيل تنفع على الحدود أي أننا ارض مستباحة من منطلق البحث في الجيوش وان لنا ثقة بإسرائيل مغرومة بنا حتى لا تشتهي مهاجمتنا.

ودليل غرامها بنا انها دمرت 15000 منزلا وقتلت ألف إنسان ثلثهم أطفال وان حربها غايتها ما صرح به رئيس حكومتها أولمرت انها تريد إرجاعنا عشرين سنة إلى الوراء. هدفه في إرجاعنا إلى الوراء إذا كان يريد التطبيع والتعاون. هذا لا استطيع فهمه إلا أن الغاية منه سوى الحقد الواضح انه يريد إخضاعنا لبلده واستدراجنا إلى مشروع للشرق الأوسط الجديد نكون فيه غير فاعلين.

يتحدثون عن انقسام في لبنان بعد هذه الحرب. هذا قائم اليوم ليس بين طائفة وطائفة ولكنه بين أهل الإذعان وأهل الرفض. أهل الرفض لا يدّعون أنهم منقذو لبنان ولكنهم يساهمون في ذلك بصورة فعالة. أهل الإذعان يذهبون إلى أن الحل هو في يد الدولة وأنا قرأت هذا في كتب الحقوق لما كنت أتعاطاها. السؤال الحقيقي هو هل في يد دولتنا قدرة أو وسائل أو هل تقبل منها الولايات المتحدة لجم إسرائيل وكل الأدلة التي بين أيدينا تدل على أن هذه الحرب لم تقررها إسرائيل بلا بركة أميركا لحسابات لها خاصة قد تتجاوز بلدنا حتى تحقق مشاريع الشرق الأوسط يطيع الناس جميعا الامبريالية المتجددة.

***

أما بعد فتحرك قلبي صباح الثلاثاء لما رأيت صورة أرتال السيارات تعود. يريدون جنوبهم بانتظار إعادة تعميره. ندائي اليوم إلى شباب لبنان إذا شرع أهلنا بالبناء أن ينزلوا إليهم ويقوموا معهم بالعونة التي كنا نمارسها في الجبل فينظمون مخيمات عمل وينقلون الحجارة أو مواد البناء ويعمل كل منهم حسب طاقاته ولا نبقى هكذا قابعين في موضوع السلاح. إذا لطف أهل الجنوب وقبلونا بحب نسكن الخيام ونعمل بأيدينا فيحس أهلنا هناك وفي الضاحية أننا واحد معهم واحد وان هذا البلد اخذ يكتشف انه واحد في الحب فيسير من الحب إلى القدرة.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

المقاومة ولبنان الآتي / السبت 12 آب 2006

أخيرًا اتخذت الحكومة قرار إرسال الجيش الى الحدود عند انسحاب جيش العدو، فيما أكتب هذه الأسطر لم يصدر بعد قرار مجلس الأمن يأمر جيش العدو بالجلاء على وضوح شرعة الأمم المتحدة بإنهاء كل احتلال.

هذا والمقاومة باقية اذا لم تتسلم القوة الدولية مزارع شبعا. وحديثي اليوم عن المقاومة الاسلامية وفلسفة استقلالها عن الجيش. وما يدعم رؤيتي هذه البطولات التي أظهرتها المقاومة وتقنيتها العظيمة وحجم ترسانتها وتحرك أظهر لنا ان استخبارات العدو لم تكن بشيء كما افتضحت اسطورة تفوقه العظيم.

سؤال أول يطرح نفسه لماذا لا تنضم المقاومة الى الجيش. جوابي البديهي انها في ذلك تكون قد وضعت حدًا لحرب العصابات وان الجيش لن يقوى بها لو انضمّت اليه لأن لبنان سيخسر الفائدة العظيمة من وجود حرب عصابات. أي نكون قد خسرنا قوة عظيمة باسلوبها وروح نضالها وما كسب الجيش قوة إضافيّة. لقد ثبت ان لبنان لا يستطيع صد عدو دائم لنا اذا تخلينا عن حرب الأنصار. وكونه عدوًا دائمًا من رموزه ان اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعيّن لها دستورها حدودًا نحن متروكون اذًا لحسن أخلاقها وهذا يحتاج الى إثبات.

السؤال الثاني لماذا مقاومة إسلامية. هذا متعلّق بالأيديولوجية التي تُلهم المقاومين. هؤلاء مجاهدون في سبيل الله كما هم يعتقدون. والجمهور الذي يحيط بهم أو هم محوره يعتقد ذلك أيضًا ما عدا فئة من مذهبهم. ثم من يمنع اللبنانيين غير الشيعيين ان يقاتلوا في سبيل الوطن وليس في سبيل الله؟ ان لم نقبل القوة الدولية ان تبقى الى الأبد فمسألة الدفاع عن الوطن مفتوحة، ذلك ما لم نجد نحن والعرب والدول صيغة عسكرية للدفاع عن لبنان. ان العرب لا يريدون ان يخرجوا جيوشهم معنا ولا سيما ان بعضا منهم حليف الاميركيين وان بعضًا له تبادل ديبلوماسي مع اسرائيل. العرب لن ينوجدوا على ساحتنا عند الاعتداء وتقتصر جهودهم على دعمنا الديبلوماسي وهذا في أفضل حال.

قبل توقيع سوريا ثم توقيعنا معاهدة سلم مع اسرائيل فهي مهددتنا ولن تهدد سوريا فإن سوريا لم تهددها ولا أحد في العالم يهدد سوريا. فإذا قبلتم بقيام حرب عصابات عند اقتحام اسرائيل بلدنا يحق لهذه المقاومة ان تقوى كما تعرف. لذلك أقول إن نزع السلاح عن حزب الله لا معنى له ما لم نضمن سلامنا. لا يكفي ان نقول إن تحرير مزارع شبعا ينزع عن الحزب ذريعة التمسك بسلاحه.

السياسيون اللبنانيون أو بعضهم يقولون هذه ميليشيا والسلاح سلاح الدولة. هذا يصح نظريًا ولكنه تأكيد حقوقي لا يأخذ الواقع في الاعتبار. أعطونا مع اسرائيل سلامًا مضمونًا دوليًا نطمئن اليه وهو ان الدول ستأتينا بسرعة البرق لترد عنا احتمال هجوم في أي ظرف. وهذا لا يؤكده أحد نصًا حتى الآن.

مع ذلك ما الحقيقة المبدئية في علاقة الجيش بالمقاومة؟ في المبدأ ان كل المقاومات التي ظهرت في أوروبا كانت متصلة بالجيش مع استقلالها العملاني. بكلام آخر ان المقاومة ليس لها قرار سياسي بمبادرة في القتال. عندئذ يثبت ان لا علاقة لها بسياسة اقليمية. هناك تناقض في رؤية كل الشعوب المتحضرة ان يكون الفريق الواحد صاحب قرار سياسي وقرار عسكري. فالحكام هم أهل السلم والحرب. لذلك كان كليمنصو يقول: الحرب هي بهذا المقدار هامة انك لا تستطيع تسليمها الى العسكر (وأراد ذلك ان العسكر لا قرار لهم في بدئها ولا نهايتها). ولكن كل هذا بحث مرجأ الى طاولة الحوار.

#  #

#

الواضح عندنا وفي الحزب انه لا يسعى الى تحرير القدس فإن سوريا وإيران ليستا مستعدتين لذلك ولأن تحرير القدس يتطلّب جيوشا وليس حزب الله جيشًا ولا يحلم عرب اليوم ان كانوا متأمركين ومؤسرلين بتحرير القدس. الى هذا ليس عند الولايات المتحدة رغبة في اقتحام ايران لأنها اذا قصّر حلفاؤها الإفغان في بلادهم عن الاستيلاء على كل البلد واذا لم تتمكن أميركا من نشر سلمها في العراق ولن تتمكن فإيران الأقوى من أفغانستان والعراق بعدد سكانها وعديد جيشها وتكوين جغرافيتها ستكون مقبرة للأميركيين. ومشكلة السلاح النووي ستطول وليس لحزب الله دور في حل مشكلة ايران مع الاميركيين.

أنا عندي مشكلة مع ايديولوجية حزب الله وليس لي في التوضيح الذي أتيت به مشكلة مع المقاومة . وهذا يعني –ما بقي الحزب وسيبقى طويلاً- اننا بعد الحرب وحلول السلام الحقيقي في البلد سيواجه اللبنانيون هذه الأيديولوجية كما يواجهون كل الايديولوجيات.

ما لا بد من قبوله اليوم هو ان أحدًا في العالم لا يقنعني ان خطف جنديين اسرائيليين كان سبب حرب معدة من زمان. الواقع الذي لا يناقش ان اسرائيل هي التي دمرت بلدنا وقتلت ضحايانا وجرحت مَنْ جرحت. نحن مع المقاومة لنضمّد جميعا جروحًا هي في الواقع جروح عدد من اللبنانيين كبير وهم من كل الأطياف والفئات. لذلك ليس من معنى استراتيجي للقائلين ان حزب الله زجنا في الحرب.

لا أحد ينكر اذًا انه لا يسوغ ان تكون دولة في دولة والمبدأ يصح تطبيقه إن صارت دولتنا دولة محصنة. ولكن ان تلغي المقاومة نفسها الآن على رجاء قيام دولة قوية يعني ان تلغي قوة فاعلة برهنت عن تفوّق عسكري كبير في انتظار نشوء دولة ليس فيها كل مقوّمات الحماية. انت لا تقارن واقعًا بحلم. ازاء عدو لا تثق به والمتكرّر عداؤه تحتاج الى اختراع حماية للبنان دائمة.

هناك طبعًا مشكلة السلم مع اسرائيل. هذه تخص العرب جميعًا لأننا لا نريد ان نبيع الفلسطينيين لليهود وليس لنا وجود أمام الله والتاريخ ان لم نحافظ على كرامة الفلسطينيين. لعل أهم ما انجزه حزب الله انه أول فريق عربي صمد أمام اسرائيل وان قادتها اكدوا انهم لا يستطيعون القضاء عليه كليًا. مَنْ كان عنده اداة تخويف مثل هذه أيرميها جانبًا لحلمه ان جيشنا سيتصدّى؟ وهل يكون مطمئنًا لحسن النيات عند اسرائيل تجاه لبنان؟ لو كانت لها هذه النيات لماذا فعلت ما فعلت؟

معنى ذلك ان ما يوحّد الشعب اللبناني شيئان: أولهما الغضب على اسرائيل «ليطمئنّ قلبي» وتزول اسباب الغضب برعاية دولية للبنان متحركة ورادعة لعدونا التاريخي وثانيهما ان نؤمن ان اسرائيل ليست عدوة للشيعة وحدهم ولا ضاربة للجنوب وحده. انها لغباوة ان نظن ان عداء اسرائيل لنا ناتج من تحرش الشيعة باسرائيل. هذا اذا تحرشوا.

وهل هي خطيئة ان تكون لقوم بيننا حماسة لا تتوافر عند الآخرين بالقدر نفسه؟ هذه حماسة الفقراء الذين يؤثرون الموت على حياة منقوصة الكرامة. الشيعة ظلمهم التاريخ وهم قلة في دار الاسلام وما حكموا حتى لا استفظع مصائب أخرى حلت بهم بقوة الفاتحين من ديانتهم وغير ديانتهم.

ماذا لك على فاجعيتهم أو كربلائيتهم؟ هذا تراثهم وهذا شعورهم. هل تظن ان أحدًا في هذه البلاد ليس له كربلائيته؟ ولكنا نصمت من أجل الوحدة الانسانية والوحدة اللبنانية لنتعايش في فلسفة حكم مدني كما سماه المغفور له الإمام محمد مهدي شمس الدين. وهذا كان موقف السيد موسى الصدر بهذا التعبير او بآخر ولعل تعلّق الشيعة بالعدالة يقرّبهم من الإلحاح على عدالة يقرّ بها كل لبناني للبناني الآخر.

لن أناقش الحركة الإحيائية في الإسلام كما يسميها الدكتور رضوان السيد. أرجو ان تكون الاحيائية سحابة صيف تزول أمام غرب يكون أشد إصغاء. الى انين المستضعفين. كنت أعرف شيئًا عن غطرسة الغرب ولكن بعدما طالعت كتاب غسان سلامة: «عندما تعيد أميركا صنع العالم» بالفرنسية وفهمت رفض اميركا للقانون الدولي واستعمالها «الصيف والشتاء على سقف واحد» والتعدي على حريات الشعوب ودعم الديكتاتوريات في العالم أدركت ان مشوارنا مع يهود فلسطين طويل. عندما فهمت ذلك اقتنعت بأن لبنان عليه ان يفتش عن اسباب لديمومته أقوى من التي يستعملها الآن.

واذا صح استدلالي في هذه الأسطر، لم يبق من سبب لخلافات طائفيّة. ليس صحيحًا ان احدًا منا لا يحب لبنان وان صح ان كل من تعاطى السياسة له صداقات هنا وهناك. هذا من طبيعة التكوين التاريخي لبلد أجمعنا على انه نهائي. ليس المجال هنا للتحدث عن تنظيم داخلي آخر للبلد فقد قلنا جميعًا باللامركزية. ولكن اسمحوا لي انا الارثوذكسي ألا أعيش حصرًا مع مسيحيين آخرين في منطقة واحدة. المسيح لا يريد وطنًا مسيحيًا وقد قالها. أنا من الساحل السني وألفت الإخوة الموحّدين في الجبل، أحببت طلابي الشيعة في الجامعة اللبنانية بعدما ذقت ذكاءهم. يريد أحد كبار المحللين السياسيين ان يسمّينا شعوبا ولكنا تلاقينا في هذا البلد الطيب، الحالم، الوديع ونصرّ على ان نبقى معًا ولكن في وعي كامل لأعدائنا وخصومنا والأصدقاء حتى لا يقع الظلم على لبنان كما يقول حبقوق النبي والله موفّقنا الى ما فيه رضاه.

Continue reading
2006, جريدة النهار, مقالات

قانا / السبت 5 آب 2006

قبل بضعٍ من سنين زرت قانا والدليل الذي كان معي رافقني إلى قبور الشهداء الذين قتلتهم إسرائيل في الحادثة المعروفة. قبور مرصوفة الواحد إلى الآخر لتشهد على الظلم وعلى صمت الشعوب. هذه المرة رأيت صور الأطفال يحملهم مسعفو الصليب الأحمر. رأيتهم مقتولين في طراوتهم وما قيل أين دفنوا وهل تسلّمهم ذووهم الذين قُتل بعض منهم ما في ذلك ريب. لأن إسرائيل الجافة لها عداوة مع الطراوة ومع أن تنمو الحياة عند من تسميهم الأمم.

الذين يذكرون المسيح عند امتحانهم يعودون إليه في هذا الطور أو ذاك من مسيرته على الأرض. لا بد ان يعرف قارئي ان الكتاب يقول الشيء القليل عن طفولة يسوع التي أحب أن أقرأها في لوقا القائل عن السيد في طفولته: “وكان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه” (40:2).

أطفال قانا منعتهم إسرائيل “أن ينموا وان يتقووا بالروح لأنهم من الأمم (غوييم بالعبرية) وسيان ان يحيوا وان يموتوا لأنهم ليسوا من أبناء الموعد. كفى أن ينمو أبناء اليهود وان يتقووا بدنا وعقلا ويتعلموا في الجامعة العبرية في أورشليم ـ القدس أو غيرها ويتروّضوا على السلاح يذبحون به من يعرقل فتوحاتهم.

أنت تحب البراعم لشوقك إلى الورود وتخشى عليها الاستئصال لحبك اكتمالها. كل منا يبكي على البراعم إذا قُصفت. إسرائيل لا تبكي إلا على إسرائيل حتى تبقى شاهدة لإلهها الذي في بدء تاريخها كان إله قبيلة، وكان يقهر الآلهة الأخرى. خسارة لأي إله أن يموت أطفال لبنان. وهؤلاء ليس لهم تقنيات يرتقون بها ولن يكون لهم طائرات في بلدهم الصغير.هؤلاء كل وجودهم التصاق بأرض فقيرة. ألم يقل شاعر عبري في العراق قديما: “يا ابنة بابل الصائرة الى الدمار / طوبى لمن يجازيك على ما جازيتنا به / طوبى لمن يمسك أطفالك / ويضرب بهم الصخرة” (مزمور 137: 8 و9).

بعد هذه الحرب اللعينة من يعلّم اليهود أن يحبوا أطفال الأمم كما يحبون أطفالهم؟ من يكرر لهم قول الناصري: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”؟

***

مشكلتنا الكبرى مع الذين اعتدوا علينا ليست فقط سلام لبنان لسنا نعرف متى يحل أو إذا يحلّ. مشكلتهم مع أنفسهم هي القضية. والقضية هي هل يُلهمهم الله يوما على رغم تراث حقد لهم أن يؤمنوا بالطفولة وان يعاملوا البشر جميعا بطراوة؟ أنا لا أنكر على احد منهم محبته لأولاده. هذا شيء من الحشا. ولست أنكر على اليهودي خارج إسرائيل أو غير مؤسرل فكريّا أن يحب أولاد الناس. ولكن ماذا إذا غرست هذه الدولة العسكرية قناعة ان الطفل العربي سوف ينمو وانه يحمل طاقة جندي فتخشاه وتتعامل وإياه على أساس هذه الخشية على طريقة الحرب الاستباقية التي تبناها جورج بوش الابن؟ في هذا المنطق القائم عند بعض من المحافظين الجدد في أميركا القتل الاستباقي للأطفال معقول كثيرًا. وإذا كانت الحرب الاستباقية تحتاج إلى الكذب كما حصل في العراق ففي إبادة الأولاد الغرباء هي تحتاج إلى حقد.

نحن نحب الأفراد اليهود وفق تراثنا وان اختلفنا في تقدير لاهوتهم. إلى هذا ليس للإسلام قضية مع اليهودية ولو كانت له مشكلة مع اليهود في حياة الرسول. ولكن بعامة لم يحظَ اليهود بحرية كتلك التي حظوا بها في دار الإسلام ونحن المسنين نذكر الحرية البالغة التي كانوا يتمتعون بها في مصر والمغرب. ولكن بيننا وبينهم اليوم قانا وهذه مشكلة لا تحل بسهولة إن لم يتوبوا عنها صراحة أي إن لم يعترفوا إن أولادهم وأولادنا سواسية. وكان خيرا لهم ان يخسروا معارك من أن يقتلوا طفلا واحدا في الجنوب. قال هنري برغسون ما مفاده: انه إن قيل لي نقتل طفلا لتنجو الأرض أقول فلتخرب الأرض وينجو الطفل.

لا يمكن لأمة أن تتعسكر كلها كهذه التي تدمرنا الآن ويبقى فيها رقة. لها أن تبني مصانع وتنتج أسلحة ويبقى قلبها ملطخا تداعبه الشياطين. في التراث العبري ليس الأولاد الغرباء وحدهم مقصيين عن المعاملة الحسنة ولكن البالغين أيضًا ليس عليهم رحمة. فقد جاء في سفر تثنية الاشتراع:” وإذا تقدمت إلى مدينة لتقاتلها، فادعها أولاً إلى السلم، فإذا أجابتك بالسلم وفتحت لك أبوابها، فكل الذي فيها يكون لك تحت السخرة ويخدمك. وان لم تسالمك، بل حاربتك فحاصرتها، وأسلمها الرب إلى يدك، فاضرب كل ذكر بحد السيف. وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغتنمها لنفسك… هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جدا والتي ليست من مدن تلك الأمم هنا. وأمَّا مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إيَّاها ميراثا، فلا تستبق منها نسمة بل حرمهم تحريما”(20: 10-17).

كذلك في سفر يشوع بن نون: “استولوا على المدينة. وحرموا كل ما في المدينة من الرجل وحتى المرأة، ومن الشاب حتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحد السيف” (6: 20 و21).

من كان شعب هذه فلسفته ونفذتها في فلسطين عصابة الإيرغون وشترن عصر الانتداب البريطاني يحتاج إلى تبشير أي إلى التنكر للصهيونية تنكرا كاملا وإلاَّ كانت الوداعة عنده مشجوبة والرحمة مرفوضة. كل تحركه العسكري تكون فعلته في قانا هي النموذج.

أمام جريمة قانا لا بد من معاقبة مرتكبيها أي لا مفر من لجنة دولية تحقق في مسؤولية إسرائيل لأن المجزرة كانت ضد حقوق الإنسان وإغفال العقاب يفسح في المجال للمرتكب أن يقوم بمجازر أخرى متى حلا له ذلك. “ولكم في القصاص حياة”. الجرحى وأهل الضحايا لهم ألاَّ يصبحوا فريسة الحقد ولكن يجب شفاء الحاقدين بإدانتهم عسى يتوبون.

بعد هذا -وليس قبل هذا- يأتي السلام الذي لا يشفي وحده القلوب الجريحة. اللبنانيون الذين ذاقوا ما لم يذقه العرب في هذه الآونة آخر من وقع السلام ليأمنوا أنفسهم المرة تلو المرة فظائع القصف والدمار والموت. كيف يقوم البلد ولا تتكرر الفاجعة يفترض ان نصبح في هذا البلد مجتمعا موحّدا لا انقسام فيه حتى لا تقع أية مدينة أو قرية في ما وقعت فيه قانا، حتى لا تموت الطفولة في القلوب. وهذا يتطلّب حسّا عالميا وإحساس الدول بوجود لبنان، هذا البلد الجميل الوديع الذي لا يطلب شيئا إلا أن يجتنب اعتداءات متكررة. إنها لمصيبة على العالم كله إن صرنا بلدا كله مدمّر.

يجب أن يزول فخر إسرائيل حتى لا يحترق بلدنا. لن تجد إسرائيل راحة إن بكينا بكاء الليل كما قال إرمياء. ينبغي ألا يسير أطفالنا مسبيّين ويتامى. ارفعْ يا رب غضبك عن ديارنا وعزّنا بتعزيات روحك فلا يبتلعنا أحد. اشفقْ علينا يا الله، إله خلاصنا.”انطرح على الأرض الفتى والشيخ”. لا تسمحْ يا رب بأن تُهشّم عظام شبابنا والأطفال. مراحمك يا رب لا تنتهي. إحفظْ لنا الكرامة التي بها نحيا لأننا محبوك.”حل بنا الرعب والهلاك والدمار والتحطم” (مراثي ارمياء). “الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم”. لا تقطع عنا أغانينا فهذا بلد الفرح. لا تصرف وجهك عنا في أيام الضيق هذه. لا تنسنا ربّ وعوّض علينا كل ما خسرناه ونحن نؤمن انك القيامة والحياة. لا تنبذنا إلى النهاية ولا تغضب. تعال يا رب، تعال وتعهّد الأحباء الذين احترقوا في قانا والجنوب والضاحية وأهل كل بقعة منكوبة وأعدْ إلينا طفولتنا واعتبرنا بالتوبة إليك أبرياء كأبناء قانا الحبيبة.

Continue reading