أما وقد حل السلام على رجاء أن يبقى لن أتطرّق إلى كل مشروعاته وسبله وكل مكوّناته. أن تحاول ألا تُميت وألا يجذبك التذابح بين “شعوبنا” فهذا لعمري في بلدنا الذبيح أمر لا يعلوه أمر. وشدّني إلى هذا التأمّل كوننا دنونا من دخول المدارس التي طالما تخبطت في سعيها إلى الإنسان الكامل. عرفت جانبا منه ولم تعرف كل الجوانب أو كانت تلقي دروسًا من البرنامج الرسمي غير متطلّعة إلى النور الذي يجب أن يسطع على وجه كل تلميذ. أي هو ذلك النور أو كيف تتضافر العلوم لتصبح تربية؟ ما معنى أو ما مقوّمات الإنسان اللبناني الذي طاقته المدرسة الرسميّة باعتبارها الجامعة لعناصر من كل الشرائح المجتمعيّة.
قبل فحص كل ذلك قلوبنا إلى أولادنا الذين يلتحقون بمدارسهم فيما ينتهي أيلول أو يقبل تشرين مجروحة نفوسهم بسمات الحرب ومرتجاهم بناء لبنان جديد. وصغارهم لم يتعلّموا السياسة ولكن يحلمون بأنّ يسهموا في إرساء بلد على قواعد الحق والحب ويشعرون بأنهم عاملون ذلك على قدر ما يستوعبون كتبهم وما يقول لهم المرشدون. يزيّن لهم أنّ منعة البلد تقوم على المعرفة وإن كبرنا يأتي من أصالة الفكر ومن الجدّة في العمل. تخطوا اذًا بسبب من الآلام مجرّد الدراسة للنجاح والحصول على الشهادة في المرحلة الأخيرة. لامسوا اذًا أفهومة التربية. كيف تتكوّن الشخصيّة؟ ما الأساسيّات؟ ما دور العقل وما دور القلب؟ ألا نبلغ النضج بهما كليهما. وإذا تكلمت على النضج أفلا يعني ذلك أن أحدا يقطفنا؟ ألعلّه هو الربّ الذي يستلطفنا فيعطينا بعضا مما عنده او بعضا مما فيه.
ما من شك أن كل من تحدّث عن تربية إنما يتحدّث عن نمو أي عن نمو إلى نقطة معيّنة نحن منشدون إليها بحكم التراث الذي جاء منه بلدنا وقد اخترنا ذلك التراث بعد أن أدركنا أن فضل الله علينا أنه خلقنا فيه لنستمتع بجماله ونزيده جمالا ونخدم الإنسان فيه.
***
المشكلة الكبرى أن أولادنا معظمهم يتعلّم في مدارس خاصة عائلاتهم على شيء من اليسر. أنا أعرف منها المدارس المسيحيّة من حيث إني تخرّجت من واحدة منها زمن الاستعمار. ولعل تكوينها الفرنسي شدّنا إلى لبنان الذي كان شبه مجهول في مواد الدراسة. غير أنّ من أجمل ما كنا نلحظه في هذه المدارس أن التلاميذ المسيحيين والمسلمين كانوا سواسية كليّا ولهم إنصاف واحد وليس من كلمة واحدة في أي كتاب من كتب التدريس تؤذي مشاعرهم ولا يتلقى المسلمون درسا في المسيحيْة. وكان جهد المدرسين الأجانب – ربما لأنهم كانوا رهبانا- التوجيه الخلقي العام والتأكيد على أدب التعامل بين الطلبة أو بينهم وبين المعلّمين. وكذلك التأكيد على النظافة والرياضة والصدق ومكافحة الغش أي المبتغى كان إعداد إنسان على أحسن حال من الخلق.
تعلّمنا أن يكون كلامنا دقيقا وغاية في الطهر وان نعف عن الصراخ والمشاجرة ونصرف قوى شبابنا بالرياضة وما كنا نسمّيه المحفل الأدبي عربي اللغة كان أو فرنسيها إذ كان التشديد آنذاك على الآداب. ولو كان معظم المواد يعطى بالفرنسيّة إلا أن الإدارة لم تهمل العربية من حيث هي لغة وشعر ومن ابتغى تعريب لسانه كان له هذا.
لم أرافق المعاهد الثانويّة بعد الاستقلال إذ دخلت كليّة الحقوق حيث كنا نتلقّن القانون الفرنسي فقط وتعلّمنا القانون اللبناني في سنوات التدرّج وأفدنا جدا من اقتباس العقل الحقوقي الفرنسي. من هذه الزاوية كان التعليم العالي أيضا بعض تربية.
ثم جاء جيل الحرب الذي عرفت منه بعض شبابنا وأدركت أن الكثيرين منهم أخذوا اللغات وغير اللغات وهم يتكلّمونها بطلاقة ما خلا العربيّة التي يبدو لي أن كثرة تلحن فيها ربما لأن شغف الرياضيات والعلوم الطبيعيّة طغى. وإذا صح أن نصف ما تمتاز به هذه الشريحة فاستمتاعها بالحاسوب والإنترنت وحضارة الصورة. ماذا سيبقى من اللغة والإنسانيات بعامة ومذاقة الفن الخالص سؤال مقلق؟
على تغير الأنماط النسبي بين مرحلة ما قبل الاستقلال والمرحلتين الأخريين وعلى تغير نقاط التركيز وبقاء المعارف والمستوى الجيّد بعامة قد تكون المشكلة البارزة هي هذه: ما محور التربية عندنا. أي إنسان نريد أن نربّي. لا شك عندي أني أريد إنسانا إلهيا يجتمع فيه اللاهوت والناسوت في وحدة متماسكة، في لحمة داخليّة. ولكن هذا روح أو مناخ وهذا قليله في الكتب. هذا في القدوة أولا وفي اختيار للمدرسين صالح لهم الحزم في الأخلاق مع اللين في المعاملة. نريد علوما صحيحة كاملة، قويّة، تماشي العصر ليحيا المتخرّج في البيئة الحديثة ولكنا نريد إلى ذلك إنسانا طيبا، لطيف المعشر، عظيم التهذيب لأن في هذه إنسانية الإنسان.
***
غير أن الجهد الذي لا بد للدولة أن تبذله هو أن تقرر إلزاميّة التعليم الابتدائي ومنع عمالة الأطفال والأولاد لإدراك حد أدنى من المستوى العقلي عند المواطنين والنضج في الحياة السياسيّة والقدرة غلى التمييز بين الكلمات التي تلقى في الشارع. فالعالم من شأنه أن يرفع عنا شقاء الانفعاليّة ونحن شعب انفعالي. والغضب آفة تجعلك لا تنسجم بالآخرين وغير قادر على قيادة سيارتك. والمثال الأعلى هو التحصيل الجامعي. أظن أننا مقصّرون جدًا عن بعض البلدان الراقية حيث يتجاوز الجامعيّون نصف السكان. هذا شرط بلوغنا النضج السياسي.
إلى هذا النموذج الإلهي – الإنساني في التربية دعونا نطلق بعد الحرب الرهيبة الأخيرة شعار “إنسان السلام”. نحن في حاجة إلى سلام. الشهادة الكبرى ليست في الحرب ولو كان علينا أن نعرف عدونا بدقة ونتهيأ لمنازلته ولكن الشهادة الكبرى هي سلام الداخل لأن الفتنة دائما تهددنا بسبب من التفسّخ الكامن في التعددية. هذا بلد يهدده التحيّز الكبير المرتبط بالطوائفية والمؤثرات الغريبة واختلاط كل هذه الأمور بمنافع الدنيا.
التاريخ العالمي المرتبط بالأديان أو بالإيديولوجيات السياسية مليء بالعنف. ولست الآن فاحصا العلاقة بين النصوص الدينية التأسيسيّة والحروب الداخليّة والخارجيّة. ليس احد منا مؤهّلا في الحقيقة للموضوعيّة في بحث كهذا وان كان الأمر ليس عصيا على الأكاديميين الطاهرين. ولكني لن أخوض في جدل كهذا في اسطر قليلة وفي سنواتنا العجاف. جل ما أوحي به هو أن نشد أنفسنا إلى قيم السلام القائمة في أدياننا. فالنحلة تقطف من النبات ما يساعدها على استخراج العسل.
ما الجميل في الآخر إذا عرفنا دائما سيئات التاريخ، ما اللطيف في مبادئ الآخر، ما قدرته على المحبّة حتى نتجاوز بالخلق الكريم عيوبا آذتنا منذ قرون. أنا واثق أن الآخر قادر على تجديد نفسه وأنا قادر على ذلك كذلك وهكذا نبني وطن السلام معا ونمنع العدو أن يبطل سلامنا الداخلي وان يفكّ بعضنا عن بعض آخر. دائمًا يجب أن نعلم – وهذا صعب- أن اللبناني الضعيف في بنيته الروحيّة والجاهل خير لنا من أي أجنبيّ لأنّ البلد الأجنبي ليس جمعيّة خيريّة ولو كنا دائما شاكرين للغريب المحبة التي يبديها لنا بالملمات.
أنا لا أشك بالقريب منهجيّا ولست أدعو إلى العنصريّة التي لا أساس لها في المسيحيّة ولا في الإسلام ولكنا في حاجة إلى المنفعة بتلازم كل شرائحنا الدينيّة. وقد أثبتنا غير مرّة أنّ الأجنبي لم يستطع دائما تفريقنا. غير أن هذه الثقة بأنفسنا في حاجة إلى تعزيز أي إلى تربية دائمة تبدأ على قواعد الدراسة وتقوى بالصداقات عبر أشخاص من جماعات دينيّة مختلفة.
إنسان السلام في كل مراحل العمر على هذا التعدد الطيّب الذي يرزقنا خيرًا ويأمننا من بزار التوتّر لنصبح وطنا إلهيًّا.
