Category

2005

2005, جريدة النهار, مقالات

فلسطين وجوارها / السبت 15 كانون الثاني 2005

اجتمعت في حرب لبنان مرة الى المغفور له الرئيس ياسر عرفات في رأس بيروت. قلت له: نحن المسيحيين في هذا البلد أغرانا انكم ناوون ان تنشئوا بلدًا ديموقراطيًا علمانيًا واذ ذاك نقلدكم نحن في لبنان. قال لي اذا أردت بكلمة علماني ترجمة «لاييك» – ولفظها جيدا بالفرنسية – فنحن لسنا كذلك. نحن نسعى الى بلد يضم المسيحيين والمسلمين واليهود. وربما قصد فلسطين الكاملة آنذاك. بعد ذلك كانت مدريد وأوسلو والاعتراف بتجزئة فلسطين. ولم أقبل أنا بذلك حتى هذا اليوم وان اضطر الكثيرون الى الاعتراف بدولة فلسطينية مجاورة لاسرائيل. لكنك لا تقدر انت فعليًا ان تكون ملكًا أكثر من الملك. فالسياسة ربما قضت بذلك. ولكني أنا لست بسياسي يفرق بين اسرائيل والصهيونية. فان زالت الايديولوجية الصهيونية ما المانع من ان يختلط اليهود والعرب في كيان واحد؟ وهذا ما كان يحلم به ادوارد سعيد الراقد على بضعة أمتار من منزلي تحت زيتونة.

المشكلة ان البراغماتية السياسية تقودك الى موقف الرئيس محمود عباس الذي ندعو له جميعًا بتوحيد البلد وقيادته الى شاطىء الامان ولكني أخشى ان يكون هذا من باب تربيع الدائرة إذ يبغي ان يسالم اسرائيل وألا يهرق الدم الفلسطيني. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو علام تتكل المقاومة الاسلامية في فلسطين لتقضي على اسرائيل. هل هذا ممكن في استراتيجيتها ووسائلها في ظل احجام العرب عن مساعدتها؟ المهم اليوم ان نصلي من أجل محمود عباس ليحضن هو ورفقته فلسطين على دروب وحدتها والسلام وانا واثق من ان بناءها سيقوم شاهقًا واننا سوف نكسب كثيرًا من ذكاء قادتها. عندما أسمع على الشاشة كبار مناضليها من كل الاطياف الحظ ان المنضوين تحت لواء فتح أو لواء حماس والجهاد الاسلامي هم على أعلى مستوى من الرقي السياسي ومن جدية الفكر ولا أخاف على مستقبل بلدهم لأن الكبر لا علاقة له بحجم الرقعة الفلسطينية عند نشوء الدولة. ان معجزة ما ستأتي من كبر النفوس الحية المولودة الى هذا الكفاح العظيم. انه لعمل ينتمي الى الحياة الروحية وليس فقط الى سياسات تزول.

#  #  #

رجائي الى العرب ألا يدخلوا سياسات ضيقة وحسابات اقليمية محدودة ولكن ان يحبوا القدس حتى نتمكن جميعًا من ان نصلي هناك بعد ان يرتفع العلم الفلسطيني على المساجد والكنائس كما كان يقول أبو عمار. انه لأمر غاية في الأهمية ان نمشي مع حجاج العالم في «شوارع القدس العتيقة».

يستتبع هذا ان تزيل كل دولة عربية الشوائب عن نفسها وان تعترف بها لتتخلص منها. ليس المهم فقط ان نحسّ بالقربى التاريخية بيننا ولكن ان نحقق القربى بحيث لا يسود أحد أحدا لأن نقصان الحرية في بلد واحد خطيئة يرتكبها العرب جميعا. ان العلاقة السوية بين هذا البلد وذاك تقوم على التعبير العملي في تأكيد ذاتية كل قطر كما يقول اخواننا السوريون. ليس أحد منا قاصرًا ولو احتاج كل منا الى نصائح أخيه. والنصح يعني التعاون بحيث أكون عونا لك وتكون عونًا لي لنكتمل معًا وهكذا يصير كل منا الى قلب الله وفهم رشده. ان أحبك هو ان تكون شيئًا آخر عني وان أخرج اليك بكل ما أملك من قوى فلا أسودك ولا تسودني لأنا لا نحيا معًا الا اذا كنا معًا في سيادة الله واشرافه علينا جميعا كأخوة.

المبتغى ان نكون حاضرين في الحق معًا والابداع والانتاج. وهذه كلها لا تتحقق الا بالصداقة الكبيرة والمودات. والآخر مودود كما هو واذا كان يصر على كيانه فنصر نحن أيضًا على كيانه لأنه هكذا يفرح وبالفرح تدوم النعم. قد يقال ان هذا رهبانية ولكنها رهبانية «ابتغاء رضوان الله». ومن ابتغى هذا الرضوان انما يعف عما هو «لعب ولهو وزينة وتفاخر». وهذه منها الكثير في الحياة السياسية. واذا أتينا حقا الى استرضاء الله في الحياة العربية المشتركة في بقاع المشرق الذي حول القدس نسكن المثالية والواقع في آن. سموا هذا هلالاً خصيبًا أو سموه شيئا آخر تكون القدس فيه محجتنا ولن نختلف حول مركز جغرافي لهذه المجموعة. في هذه المجموعة يكمن قلب العروبة ولن يكون لبنان الا في وسط هذا القلب وقد قال هذا في دستوره بعدما قاله في ميثاق الوفاق الوطني التماسًا لوحدة له يصونها المشرق مجتمعًا. والقدس ولبنان ابدًا معًا كما قالها بطريرك كنيستي اغناطيوس الرابع في مؤتمر اجتمعت فيه الدول الاسلامية في الطائف.

هذا شرق عربي لا شرق أوسط كبير أو صغير. نحن لا نريد مغامرة يشرف عليها الاجنبي لمنافعه. هناك أخطاء كبيرة من وجود ثنائيات متفرقة في الشرق الأدنى فالثنائي فلسطين – الاردن خطأ كما ان الثنائي سوريا – لبنان خطأ. كل ثنائي محكوم بالمواجهة آجلا أم عاجلاً أو محكوم بالاستقطاب لأن «النفس امارة بالسوء» ولأن الثنائية تقود الى الانصهار كائنًا ما كانت تعابيره أو اية كانت اساليبه. الحب ليس فيه انصهار لأنه يعني افناء الآخر فيك بطريقة أو بأخرى. والانصهار يعني سلطة من جهة وخضوعا من جهة أخرى. وهذا هو دمار العشق. والعشق لا يكون بين أخوة أعفاء ولكن تقوم بينهما المحبة التي تعني البذل والمجانية في سبيل عظمة الآخر ونموه وصحته. مع هذا اقول ان الثنائية ان اضطر القوم عليها لا تمنع علاقات مميزة حقوقية كانت او ثقافية ووجدانية. لكن الرقم اثنين رقم صدام اما الرقم ثلاثة وما زاد عليه فصورة تعاون يضعف فيه التواجه الاثنيني.

غير ان هذا يحتاج الى صقل عقول سياسية ناجحة نعمتها ثقة قريبة من الكمال. والمجموعة التي تتعدى الاثنين لا تحتاج الى ايديولوجية لتصمد. وفي أوروبا لم تحتج وحدتها الى لغة واحدة. أما نحن فلنا لغة واحدة ولهجة شعبية واحدة. ولا يمس هذا التقارب المشرقي تواصلاً وكل الغرب وخصوصًا في اطار الجامعة العربية كما لا يلاشي حلما عربيًا كبيرًا.

التقارب على صورة التكون الاوروبي الذي تم هو التقارب العملي الوحيد في المحافظة على سيادة كل كيان لان هذا أمسى الظاهرة الشعورية في هذه البلدان. خطأ العرب انهم اعتمدوا الايديولوجية القومية منذ قرن ونيف ولم يفلحوا لانك لا تكتب نظاما قائديًا سياسيًا ثم تنزل الى الشارع. العروبة رؤية تنفذ فيها ما استطعت براغماتيا، حتى المشرق العربي الذي تصورناه ممكنا تدريجا غير قابل للتحقيق اليوم. فالوطنية الفلسطينية تريد تأكيد نفسها قبل ان تصبو الى مشروع أوسع. ولبنان بكل اطيافه يؤمن بذاته ورسالته في دنيا العرب وربما في العالم في باب العيش الطوائفي المشترك والذي ليس مثله شيء في الخارج.

هذه أشياء يؤذي المشرقية ان يتسرع الناس فيها. لكن الكثير من مشاكلنا الى حل ان وضعنا التعاون العربي في مشرقه على طريق التنفيذ.

كل مشروع سياسي ينطوي على مخاوف ولكن كل مشروع يتطلب شجاعة وخروجًا من أزقة السياسة المحلية الضيقة ومن الفساد. أنا أعرف العقبات الكبيرة المرتبطة بعوامل كثيرة ولا سيما منها اختلاف الانظمة. الا ان الدخول في اية مرحلة تعاون متروكة مراحله الاخرى لله ولجديتنا والوضع العالمي. لكن شيئًا في العالم لا يتحقق الاّ بحلم كبير.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

«وطني دائمًا على حق» / السبت 8 كانون الثاني 2005

لمّا أطلق الرئيس فرنجيه رحمه الله شعاره الكبير: «وطني دائمًا على حق» قلت في نفسي: لا يجوز الانحياز الى الوطن اذ قد يكون ظالمًا لاوطان اخرى حتى ادركت قدرتنا على فهم هذا الشعار بصورة لا تؤذي الآخرين. بالتأكيد لم يرد الرئيس سليمان فرنجيه ان الدولة دائمًا على حق اذ كان يعرف، رحمه الله، ان الدولة بشر وكان هو يعرف حدوده وحدود معاونيه وربما فهم ان رئيسًا شهمًا وشجاعًا وعفيفًا قادر على ان يلهب من حوله ببعض من فضائل يستقيم بها الحكم. الدولة اذًا ليست البلد وقد تقومه حسبما أوتي أركانها من مواهب او تعوجه اذا ما حرمت المواهب.

يصح شعار رئيسنا الراحل اذا اعتبرنا ان الوطن لا قوام له اذا عادى اوطانًا اخرى لانه، اذ ذاك، يفقد ماهيته او تاريخه او اطلالته. واذا كان الوطن محبًا لصالحه اي صالح ابنائه يعجز عن ان يكون جارحًا لبلد آخر او منقضًا عليه وتاليًا يصبح ناقضًا لذاته. ان تقول بأعمق المعاني: «وطني دائمًا على حق» هو ان تعني انه يجند كل قواه نحو الاحسن والاجمل والاقوم وهو ان تعني انك تبدأ باصلاح العالم كله بدءًا من وجودك والوجود متحرك بالخير ويبتغي الدوام على الخير والا كان مهدورًا. وهدر حسبما ورد في لسان العرب ما يبطل من دم وغيره. وفي الصحاح: ضربه فهدرت رئته تهدر هدورًا اي سقطت. وحكامنا هم الذين استعملوا جذر هدر ليتكلموا على زوال بعض من دخل الوزارات غير منتبهين إلى ان في الامر إثما يؤدب الآثم من أجله ولكن ليس في هذه الدولة من يؤدب الأثيم ليكون الوطن على حق ضد اعدائه من بنيه.

غير اني لست معالجًا لفالج الحكم ولم يبق لي ذلك الصبر لنقده اذ لبنان أبقى ولو لم تحمه دولة قادرة او فالج حكم أمسى غاية لنفسه لا وسيلة للخدمة. فنمشي نحن الفقراء والشعراء الحالمين بقوة لبنان وما فيه من قدرة على الحب. وبسبب من طاقتنا على الحب لست يائسًا من ان يعي الحاكم المسؤولية اي ان يتوب الى البلد وحاجاته لئلا يهدر رجاؤه بعد هدر الاموال في دوائر الدولة.

فعلى رغم حزننا على المجرى السياسي لنا ان نفرح بأصحاب المواهب والعقل وهم كثر بيننا. قد يخافون من كم افواههم وهذا ظلم يلحق بالوطن ولكن لنا رجاء للآتيات من ايام هذه السنة الجديدة. لبنان فيه ذكاء كبير وارجو ان تأتي حسناتنا الروحية كثيرة، عميقة لتغذي الذكاء. كل شعب له خطاياه ولكن حتى يكون وطنك دائمًا على حق لا تستطيع ان تتخلى عن اية فضيلة ينزلها الله عليك. قد لا نكون «خير أمة أخرجت للناس» ولكنا نسعى على دروب الخير وعلى دروب الثقافة الواسعة لتخرج من مجتمعنا دولة عظيمة قادرة على ان تغير العالم اذ «اعطينا ان نفهم ان كلا منا قادر على ان يغير العالم ولو لم تكن له أقل أهمية او أقل سلطة» على ما قاله الرئيس التشيكي السابق فاسلاف هافل. على كل لبناني ان يؤمن انه هو بحد نفسه قادر على الاقل على ان يغير ما في نفسه حتى يشع منه بعض من نور.

#  #  #

وهكذا كله ضمن المستطاع أو هذه –اذا شئتم– عمل النعمة قدرتنا على التحرر الذاتي وفي صورة أدق «ان نكون غير قابلين الهدم وعلى وجه أكثر دقة ان نكون» كما يقول كافكا.

ان تكون هو ان تكون موضوعيًا اي واقفًا امام موضوعك بلا انفعال لتقدر على معالجته. لقد أكثر حكام اليوم من استعمال كلمة موضوعي وأكثرت وسائل الاعلام من استعمال المفردة. وقد لا يكون استعمال اللفظة دائمًا دليلاً على صدق القول. غير ان الرب اوصانا ألا ندين ولو اوصانا ان نعقل الامور في راهنها لئلا ندان نحن واذا رأينا الامور في راهنها يؤهلنا هذا لمعالجتها بلا تزلف او انحياز او ارضاء لشهواتنا. غير ان هذا يتطلب كثيرًا من العفة وتجردًا من ولاء عقدناه لخارج بلدنا او انصارنا او ولاء لعنادنا.

والموضوعية بمعناها البسيط تفترض اننا آثرنا الحق على الباطل والحقيقة على التحذلق والخطابية التي نكثر منها خداعًا للناس ولانفسنا. ولعل انحدار المستوى الخلقي في هذا الفضاء او ذاك من الدولة علمنا نهائيًا انك قد تكذب مرة او مرتين ولكنك لا تقدر على ان تكذب الى الأبد وتغش نفسك بأن الناس صدقوك.

لست أعلم كيف لا يؤتى دائمًا بالفاهمين والذائقين الخير الى الحكم ليتلاءم وعبقرية هذا الشعب. هل مستحيل ان ترجو حكم الدولة بعباقرة او بموهوبي الروح وساطعي الدماغ ام نحيا في نظام الطلاق بين الموهبية والدولة بحيث يكون اصحاب المواهب ذوي موضوعية واخلاص وطهارة وتتأرجح الدولة بين نزوة ونزوة مرجئة فعلها الى الأقدار أو غير مؤمنة بضرورة فعل.

غير ان قلمي انزلق بعدما وعدتكم بأني لن أكلمكم على الدولة فإنها أتعبتني كما اتعبت سائر الناس. تجددوا إذًا انتم اذ لا بد من ان تثمر الجدة في تفاعلنا المجتمعي ويخصب البلد الفاضلون فيتلألأ ويحيا في غياب الدولة وانعدام ارادتها على التحكم بالمصير. لقد أتى زمان لا نشخصن فيه خطابنا الوطني ولا نحابي الوجوه ويكون العلم والحق المتلاثمان جسرنا الى الحياة الطيبة.

بدولة مستقيمة، عليمة، محبة، خادمة، كل منا مدعو الى ان يكون نزيهًا أنى حل ليزيد علمه ويقوى عطاؤه. وكل منا يستطيع ان يطهر عائلته ويتطهر في مهنته ويتقنها ويؤديها بلا زغل ولا جهل فيقوم كل يوم من هناته ومن تقصيره الطوعي او الكرهي. لا يعيش بلد بلا ابرار وبلا عالمين. فاذا رضي التفاهة لا يكون دائمًا على حق وهذا هو الارث الذي تسلمناه.

دائمًا لمست عند العرب في مشرقهم ومغربهم اعجابًا بلبنان وذهولاً امام حضارته. وكنت دائمًا اتساءل ان كانوا على حق اذ كنت ألح على ان البلد ينبغي ان يكون افضل. فلا نخيبن العرب لانهم اهلنا ولان علينا واجب خدمة لهم بما نزل علينا من حسنات. ولكن من أعجب بك له عليك الحق في ان تظل على بهائك. قد يتطلب البقاء على هذا المستوى بل رفعه حياة اقتصادية زاهرة لأن العطاء اليوم لن يكون بلا تكنولوجيا عالية تنتجها أنت ولا تستوردها. واذا كانت جارتنا الى الجنوب قادرة على التكنولوجيا فماذا يحول دون ذلك عندنا؟ دائمًا يؤلمني قول حكامنا وبعض المحللين ليس عندنا سوى السياحة. نحن قادرون على اشياء كثيرة منها تصنيع الزراعة ومنها التكنولوجيا الصغيرة الدقيقة اذ يأتي السائح او لا يأتي,. ولكن يبدو اننا شعب لا يؤمن بنفسه من حيث هو كل متكتل.

لن نكون شعبًا واحدًا ما لم نكن شعبًا آتيًا من تطلعاته وليس فقط من ذكرياته. انا لست تبسيطيًا لاقول ان الذاكرة التاريخية تفرقنا ولا يمكن ان نقوم بلا تراث، فالمسيحية والاسلام كلاهما تراث اذا عرفت ان تقرأهما جيدًا وان يفيد الكل منهما روحيًا وثقافيًا. ولكني ضد الذكرى التي هي افتخار بانجازات صحيحة او وهمية. وعلى هذا عشنا طويلاً وتفرقنا. ولكني أقول أن المستقبل الذي نريده هو الذي سيصنعنا لان هذا قائم على المسالمة على الابداع اي على الانتاج الذي ينفعنا وننفع به العالم. وهذا يحررنا من الخرافة ويقربنا الى الموضوعية. فما كان لبنان الماضي دائمًا على حق ولكن لبنان الآتي.

واذا كنا خلاقين حقا فلا يبقى وقت نلهو فيه بذكريات الماضي وبخاصة لا تبقى لنا حاجة إلى ان نتلهى بطوائفنا من حيث انها مجموعات تتنافس على الحكم او تطمع به. الانسان المبدع والعامل تصبح طائفته له مطرح الهام روحي وخدمة للوطن كله. فكثيرًا ما دعا الدعاة الى العف عن استغلال الطائفية. الدعوة لا تكفي. العطاء في دنيا العمل والادب والفن والاقتصاد يأخذك الى عوالم جديدة. الا تلاحظ ان المسلم والمسيحي واحد ومعًا في مجال الانتاج الاقتصادي وانهما معًا في الشعر والموسيقى وان الملهم ملهم والغبي غبي الى اية مجموعة دينية ولد فيها. اما قال الاقدمون في الغرب: «اول الاشياء ان تحيا وثانيهما ان تتفلسف». اذا آمنا بصحة ذلك نقلع عن نمط التفكير الراكد والمتذكر لنصل الى عمل جديد يصنع لنا فكرًا جديدًا وتاليًا وطنًا متأصلاً لا بماضيه ولكن براهنه ومستقبله. الوطن يأتي من الموضوع اكثر مما يأتي من الذاتية العاطفية.

اجل لا يحيا الانسان بلا عاطفة ولكنه يأتي من عاطفة يشرف عليها العقل والعقل المرتبط بالوطن من اجل الخدمة. واخشى ان يسبح البلد في عاطفية مائعة وتاليًا في الكذب ما لم يرتق اى اعلى ذرى العقل متحررًا من الخرافة. في الدين ينقذك العقل الراجح من الخرافات. ونحن في حاجة الى ان تكون حياتنا الروحية فيها عقل كثير لنعبد الإله الحق غير مقيدين بما نسجته الاهواء حول الدين.

أجل الحياة وجدان. لكن الوجدان ليس فقط ذاتية subjectivite متفلتة وان كان فيه الكثير من الذاتية السليمة. عند المحللين المعاصرين ليس من موضوعية كاملة باردة. وبلا اندفاع داخلي وثقة بقدرتك على الابداع لا تستطيع ان تأتي بشيء موضوعي. انا لا ادعو الى اطفاء الروح او اخماد الشعور ولكني ادعو الى ان تخضع قوى الانسان الى الاتزان ومنه ان ترى ان كل شيء له وزنه وان الاوزان على اختلاف. هناك تناسق بين الموضوعي والذاتي في الفرد وفي الامة في اشراف الحكماء أنفسهم على غير الحكماء. في هذا يكون الانسان السماوي الملتهب حبًا والثابت العقل.

ولنا في لبنان وربما في المشرق العربي في هذا مساهمة خاصة بعدما جفّ الغرب. نحن لا نتخذ الغرب نموذجًا في جفافه. ولكنا نعتمده نموذجًا في جديته العقلية ونبقى على وجدانيتنا التي كان الدين رافدًا فيها كبيرًا. ومن هذه الزاوية سنخدم الغرب يوم نعود الى اصالة جاءتنا من الله. لنا ان ندخل الحضارة من الباب الواسع وان نقوم بتجديد ديني يقوم على القلب المحب أولاً وعلى المعرفة ثانيًا وليس لنا في هذا ان نخشى أحدًا ان كنا صادقين.

واذا بتنا كلنا بشرًا جددًا يظهر الوطن الجديد بنا وبما نريده لكل مواطن. هذا الوطن الجميل بابنائه دائمًا على حق وترانا الامم الاخرى هكذا بلا حسد اذ نكون قد سلكنا مسلكًا الهيًا وتبلورت فينا بشرية صالحة. من بعد هذا او مع هذا تبدو منا دولة ساهرة يضمها الشعب اليه باخلاصها وتضم الشعب اليها بخدمته.

Continue reading