Category

2005

2005, جريدة النهار, مقالات

إلى شباب بلدي / السبت 2 نيسان 2005

بعد أن راقبت حرائق سد البوشرية على الشاشة لم أستطع أن أنام توًا. لماذا كل هذا البغض؟ لا أجد كلمة أخرى لأعبر عن هذه الحادثة وما سبقها. كل هذا لدعم أطروحة متميزة أن جيشنا لا يستطيع أن يضبط الأمن. قد تكون الأطروحة صحيحة لو كان مصمم التخريب لبنانيا. ولكن الخراب مرتبط بالافتراض أننا وحدنا غير قادرين على سلامتنا وانه يجب أن نتكل باستمرار على آخر، الأمر الذي يفرض أن استقلالنا محكوم عليه أن يبقى مبتورًا، مضروبًا. من يعتقد ذلك لماذا يريد لبنان؟

طبعا لا يستقلّ بلد بلا إجماع بنيه على قدرته وهي لا تنفي بطبيعتها التحالف مع من يحبك ويوآزرك ويدعمك وتدعمه بالقدر الذي تستطيع عليه. أن يحالفك هو ان يعتقد انه قادر على إعطائك ما يقدر عليه وانك قادر ان تعطيه من بعض ما عندك وهذا على كل مستويات الوجود ضده الزبائنية. أنا افهم قول بعض ان هذا البلد قام على تسوية. أما اليوم فقد تجاوزها الذين يقولون ان عيشنا توافقي ولو احتاجت هذه الصفة إلى إيضاح وترتيب البيت الداخلي على قواعد المشاركة الشريفة حيث الشريك يؤمن بإخلاص الشريك. والإخلاص اتخذه هنا من صورة الزوجية وهي العهد ألا تخون الآخر وان تراقب نفسك على الدوام لئلا يغريك الشرك بالرفيق.

دائما كنا عرضة للطمع. وحدتنا وحدها ترد الطامعين بالوسائل الممكنة. وهذا يحتاج إلى ديبلوماسية عاقلة وقبل كل شيء إلى تماسك يأتينا من أنفسنا يرد على المشتهي شهوته. ما نشهده الآن ان شبيبة بلدنا أبدت انها تريد ان تعيش واحدة لكونها فهمت بعاطفة وعقل ان الآخر في الدين هو أخ في الوطنية وان فئة من الفئات أو شريحة من الشرائح لا تضع وحدها البلد وان البلد في ارتقاء إنسانيته يحفظ الجميع معا. لقد تعبنا كثيرا ومتنا كثيرين حتى لا نعود إلى جنون الطائفية وإلى إغراء الغريب الذي كان يغذيها وعرفنا ان هذه الطائفية الكثير منها مصنوع وانها ليست من أعماقنا التي تصبو إلى تعاضد الجميع وقيامهم معا ببناء الوطن. ورجاؤنا إلى الله ان يثبت فينا هذا الفهم ويذكي هذه الحماسة.

هناك إمارات) أي علامات) تبشر وسط المحنة إننا قائمون منها آجلا وهذا ليس بفضل أسطول رابض على ما يقال قريبا من مياهنا أو بفضل تصميم سياسي دولي كبير مهيأ لابتلاعنا. فمن الدول ما نصدق ومنها ما لا نصدق. فمنها من يرعى إسرائيل ومشروعا إقليميا نذوب فيه. نحن في رعاية العالم مجتمعا شأننا في ذلك شأن الأمم كلها كبيرها وصغيرها. نحن رفضنا الاستعمار القديم والانتداب وما كان على صورته وتمكنا من ذلك ولو أبطأنا. ومرضنا المزمن البطء. وما ابتغينا في كل أطوار التاريخ استكبارا ولا طلبا للكرامة وحدها وان كانت هذه تحرك كثيرا ولكنا أردنا الحرية لتعزيز إنسانية الإنسان ودفعه إلى تفعيل طاقاته وإخصاب البلد في كل المجالات ولا أحد ينفعنا في خدمته كما نفعل نحن لأن الغريب لا يحبه كما نحن نحبه. يزين لي أن أكثرنا فهم ذلك وعلى هذا نحن قائمون حتى يزول زمن التخريب وننصرف إلى البناء في كل وجوهه.

وكما أعدنا البلد من بعد الحرب التي جرت على أرضنا سنعيد بناء كل ما أنهدم مؤخرا بعد ان أعدنا اللحمة بين مواطنينا وبزغت نضارة هذا الشباب وإرادة تعايشه على اسس السلام والخير والمعرفة.

إلى الشباب أود ان اقول اننا نريد بلدا جديدا لا يتنكر الا إلى للسيئين من الأجيال السابقة فهذا البلد مليء بالصالحين الذين قد يكون لهم تأثير سياسي كبير. اعرفوهم. ولست أنكر أن ثمة خيرين بين المسؤولين. اعرفوهم أيضا واقنعوا الإنسان الجيد ان يحمل مسؤولياته ويدخل في الفاعلية السياسية إن أمكنه ذلك. ولكني اقول لكم اتكلوا على جهادكم وتهيؤا إلى المسؤولية العامة بما أنتم تتآزرون. أنا لست أقول أن كل شاب مواطن طاهر فاذا عف وحب حتى الآن فهو الشاهد على انه يريد وطنا عظيما وانه مهيأ له.

الأمر الثاني في قول علماء الاجتماع ان الدولة هي العنصر التكويني لمجتمعات العالم الثالث. غير ان الدولة عندنا لم يصل اليها هذا الخبر. ولذلك لا بد من دولة جديدة بأناس جدد يؤمنون بالحرية ويؤمنون تاليًا ان ليس امامنا في العالم العربي من نظام نموذجي. نحن نصنع نظاما لنا لا يقلد اي وضع قائم في العالم العربي وتاليا يكون الداعون إلى الأنظمة العربية متخلفين عن ركب الإنسانية الحرة المتطورة.

من الأكيد ان نضالكم يجب ان يكون شرعيا مستمدا من الدستور والقوانين والمؤسسات. انتظموا في أحزابكم أو تشكيلاتكم السياسية ولكن تفحصوا كل توجيه فيها وكل قرار بروح المسؤولية وتحلوا بالروح النقدية. شاكسوا إذا وجبت المشاكسة ولا تنقادوا لما ترفضه ضمائركم. اما غير المنحزبين فليشكلوا مجموعات ضغط ولعل هذه افعل احيانا من الأحزاب لأنها تدعكم أحرارًا من الإيديولوجيات الجامدة. آتوا بأفكار تجدد البلد فالمجموعات الضاغطة الحرة تنتج عملا جديدا لا تقيده مسبقات عقائدية. “افحصوا كل شيء وتمسكوا بالأفضل “. وهكذا تهتز الهيكليات العتيقة التي كبلت البلد أو أسرته. فضلكم على الأجيال السابقة حركيتكم التي لها ان تذهب بناس وتأتي بناس. والسياسة ليست إخلاصًا لوجوه. انها إخلاص للبلد تريدونه قائما على الطهارة والتنكر للمنافع الخاصة التي يدعمها الاستزلام. وليكن عقلكم دائما واقفا امام كل زعيم اية كانت هيبته لأن الهيبة هي فقط للحق ولا تنسوا ان بعض الوجوه يجب الا تعود لئلا يبقى لبنان مقهور العتاقة والإفلاس العقلي.

***

إلى هذا فالشباب ولاسيما الحزبي منه يكون كامل التسيّس أي مستغرقًا في الفكر والعمل السياسيين استغراقا كليا أو شبه كلي بحيث لا يتنشق هواء آخر أو لا تبقى في نفسه متكئات لروح اشمل من الهاجس السياسي. هكذا كانت عندنا الأحزاب الشمولية يرجع فيها العضو إلى مسلمات عقائدية حجارتها غير قابلة للتفتيت. السياسة لا تستغرق كل حيوية البلد. وليس الإنسان مجرد حيوان سياسي (politikon) كما حدده أرسطو. كل منا كائن إلهي أي يحتوي الكون بكل أجزائه. انه كون صغير كما عرفته الفلسفة اليونانية وآباء الكنيسة.

ما نسميه المجتمع هو مجموعة المواهب التي عند كل امرئ أو هو تلاقي المواهب وتفاعلها وبناؤه غاية الدولة. وعندما نبلغ رقينا العظيم تصير الدولة اداة في خدمة المجتمع اي وسيلة لإنماء المواهب.

لذلك قال الفيلسوف قنط ان الإنسان غاية في نفسه. بذلك كان كل قمع ضد الإنسان من حيث هو غاية. ان غناكم الروحي والثقافي هو الذي يرشد الناس اليكم ويجعلكم في خدمة شعبكم. في الفراغ الثقافي وتفه القلب لا يستقيم إنسان ولا يجتمع بلد. فللتعبير الوطني وقت وللتحصيل وقت. ولا تجعلونا نندم على اننا نريدكم الأعلين لكونكم اعرضتم عن تسلق الدرجات العلى من المعرفة التي دونها اللهو والزينة والمجد الباطل.

***

قد لا يكون غريبًا عن هذه التأملات ان فكرت اليوم في سياق حديثنا هذا ان اذكر هذا الأحد الثالث من الصوم في بعض الكنائس. في كنيستي ذكرى للصليب يطاف به ويوضع في وسط الجماعة وبعد ان يقبله المؤمن يدفع إليه الكاهن بشيء من الرياحين أو الزهور ليوحي بذا ان الزهو الذي تحمله الزهرة إنما كان ثمنه الجهد والأتعاب.

ان الثقافة لجهد موصول لا ينتهي الا ساعة الاحتضار. انها امتصاص العالم في شخص، ابتلاع جل الفكر وجل التاريخ. وقد تظهر عند العباقرة في الدنيا كلها. ولكنها تظهر أولا في الوطن.

مع هذا كله ليست الثقافة وحدها كل الإنقاذ. ان الخلاص يأتي من القلب النقي، من البساطة والتواضع ولقاء الحب بالحب على طرق العمل. ان هذه الخصائل إذا لم تتوفر فيكم لا تكونون صرتم شبانا وصبايا جاذبين لعظيم التقدير. اما إذا توافرت فلكم القيادة ليس فقط للبلد ولكن لعقولنا.

على هذا سيروا حتى يفنى جيلنا ونحن على الرجاء. اجعلوا لبنان لكم بعد ان تكونوا صرتم للبنان بالعمق والحرارة والنقاوة إذ تذكرون في اللغة أن لبنان هو البياض.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الاستقلال الثالث / السبت في 26 آذار 2005

غدًا يعيد الاخوة الذين يتبعون التقويم الغربي للفصح متجاوزين الحزن ورانين الى القيامة. قلوبنا إليهم في السلام والحب ودعاؤنا ان تتنزل عليهم النعمة من السماء لتبريكهم وتبريك الأرض بهم. من هذه الأرض رقعة صغيرة اسمها لبنان يعتريها ألم كثير ورجاؤنا اليوم ان يرفع عنها الحزن ليؤول هذا الحزن إلى تعزيات كبيرة. وهذا يعني ان الأذى يجب ان يكف والمؤذون يعرفون أنفسهم. متى يرفع الرب القهر عن الفقراء والمسلوبي الحرية حتى نلتمس من الله قيامة البلد.

«قيامة لبنان» عبارة استعملتها كثيرًا بعض من وسائل الإعلام وهذا من زمان طويل. غير ان القيامة هنا صورة المراد بها ان يصير بلدنا كبير الايمان بما دعا الله اليه الشعوب جميعًا من استقامة فكر وسلوك دروب الحضارة في العمل الدؤوب. القيامة تأتي بها رياضة روحنا على طهارة تتناول الجماعة والدولة والأفراد كل يوم لأننا لا نحصد من البلد الا ما زرعناه فيه. وأنا كلي رجاء اننا سنتجاوز المحنة الحاضرة ليس فقط إلى الاستقلال ولكن إلى اكتشاف بعضنا بعضا.

نحن اليوم في وهج التطلع الى الزمن الآتي كأن اثقالاً كثيرة ارتفعت عن كاهلنا. هناك شعور بأن تحررًا للنفوس حصل وبأن كثيرًا من المخاوف زال، كأن اعجوبة تمت والأعاجيب لا ينبئ بها شيء. اللغة التي أخذت بمجامع القلوب هي اننا نريد ان نكون أنفسنا كما أنت أنت ولست أخاك أو لست زوجتك وهذا بلا عصبية تفرد لأن التفرد لو أصاب كيانك الروحي الشخصي يقتله وإذا أصاب البلد يلاشيه.

في الفلسفة الحديثة أنت لست فردًا منعزلاً. انك شخص بمعنى انك تتكون في التواصل، في التوجه بحيث يكون الوجه إلى الوجه فتنوجد بالآخر وينوجد هو بك. الوجود هو ان تعتبر نفسك اياك لكونك واحدًا مع الآخر. ويبدو ان هذه هي المعجزة التي تحققت بيننا فتواصلنا.

تبقى هناك خطايا أولاها خطيئة الذين لا يحسون في أنفسهم وجودًا الاّ بالتبعية في أي مجال كانت. تكون في العائلة إذا قهرك والدك وأذلك واستتبعك، في العلاقة بما يسمى زعيمًا في المحلة أو القرية بحيث تلغي دماغك لتجيء من دماغه فيكفيك هذا شر الفكر وشر التحليل. ضد هذا كله المشاركة التي لست فيها صدى لصوت آخر وفيها جلاء الحقيقة بسبب من شورى. والشورى لا تعني حصرًا جمع الأفكار والأقوال بتسوية ترضي الجميع اذ يكون القوم، عند ذاك، عصابة. الشورى تتضمن دائمًا مرجعية الحق. الله هو التنقيح. وهذا ما يتجاوز الآلية البرلمانية في الوضع السياسي.

من هنا ان أفلاطون ما كان يقبل ان تكون الديموقراطية مجرد حكم الديموس أي الشعب من حيث هو جماهير ولكن من حيث هو حكم الأفضلين. ولذلك كان الحكم الديموقراطي الحد الأدنى للوصول إلى ما هو خير الشعب. طبعًا ليس عندك في السياسة مقياس للامتياز الإنساني ولكنك تسعى ولا وسيلة لك الا مجالسة المنتدبين عن الأمة في ندوة الأمة. وإذا كان طريق تشكيل المجلس هو الانتخاب فلا يعني هذا منازلة بين أصحاب المنافع ولكنها تعني التسابق بين أهل الفضل والمعرفة والطهارة والاّ جاءك المجلس صورة عن الجماهير والجماهير لا يجوز لها ان تحكم. العقل الوضاء، الحر، العالم، النقي له الحكم لأنه صورة الله.

في هذا التوجه إلى الأفضل وفي محبة لبنان الكبيرة وكدت أقول في محبة لله ينبغي ان نذهب إلى الانتخابات بعد ان يوضع قانونها. ما من شك في ان القوانين تتفاوت في صلاحها للوطن من أجل وحدته والوحدة لا تعني ان يجيء مجلس بلا مواجهات فيه. فالمواقف مختلفة على كل صعيد وهذه هي حال كل شعب في تاريخه وفي تطلعاته. والحقيقة تولد من احتكاك الأفكار ومن اختلاف في رؤية كل الأمور ما خلا الاستقلال الحقيقي للبلد. والواضح اننا بلغنا ما يسميه الكثيرون الآن الاستقلال الثاني أي بلغنا رؤية بلد يوحده أبناؤه في طلب خيراته.

ربما كانت المعجزة التي انبثقت من الألم في اننا وعينا في عمق النفس وليس في ترداد الشعارات ان المسلمين والمسيحيين واحد بحيث زالت الشكوك في اخلاص اية فئة للوطن، وفق ما يقول الكتاب: «إذا كانت عينك بسيطة فجسدك (أي كيانك) كله نيّر» والبساطة هي الرؤية العظيمة التي تعني انك لا ترى في الآخر ظلمة فلا تظن مثلاً ان فئة أخرى هي دونك في الإخلاص للبنان. اعتقادي أو رجائي انه لم يبق من شرخ بين المسلم والمسيحي على هذا الصعيد. فالمسلمون انتهوا إلى لبنان الواحد النهائي وكلمة النهائي هي لهم ومن بعد استعمالهم لها دخلت الطائف والدستور. وعلى المسيحي ان يتصرف على الأرض بهذه القناعة. والمسيحيون لا يحتاجون إلى شهادة في حسن السلوك الذي جعلهم يؤمنون منذ اعلان لبنان الكبير السنة الـ1920 بأن هذا البلد يحافظون عليه كحدقة العين. وقد خبر المسيحيون ان ليس من دولة بما في ذلك اسرائيل تخطب ودهم.

ويعلم الجميع بتحليل بسيط إذا قرأوا ان المسيحيين ليسوا على تلك القوة العددية أو غير العددية التي تجعلهم يرجحون كفة اسرائيل على العرب. ان البابا الحالي طلب من اتباعه من المسيحيين في الارشاد الرسولي ان يفهموا انهم جزء من هذا العالم العربي. والمسيحيون الذين ليسوا من اتباعه موقنون بذلك منذ الفتح العربي. وقادة الفكر العربي على مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين كان معظمهم مسيحيين. وأي اغراء حصل لهذا الفريق أو ذاك في فترة الحرب الأهلية العصيبة مرّ كالغيم ولم يترك أثرًا في النفس. وعقلاء المسيحيين فهموا نهائيًا انهم يعيشون على الأرض العربية. ولست في حاجة هنا إلى أن ابين أن اللاهوت المسيحي في هذا الشرق مناهض بطبيعته لكل عنصرية وتاليًا هو مناهض للعنصرية الصهيونية. فاذا أقررنا ان اللبنانيين جميعًا خصوم للكيان الاسرائيلي الهجين واللاإنساني لا يكون لبناني واحد في تزاوج مع اسرائيل أو تطلب نفسه الفناء في كيان عربي أوسع من حدود لبنان ولعل هذا هو ميثاقنا الجديد غير المكتوب.

أجل، هذا النفي وذاك لا يصنعان أمة ولكنهما يصنعان ثقة والأمة تبدأ بالثقة.

من بعد هذا نفتش عن النور الذي تقول كنيستي غدًا انه غير مخلوق. الكنيسة الأرثوذكسية في العبادة التي تقيمها غدًا تعلن أزلية النور الذي ينزل على الإنسان. غير ان هذا يجب ان يترجم سياسيا والعمل السياسي اقتراب من الحقيقة الإلهية، ذلك ان هذه الحقيقة تعيشها أنت على الأرض مع ناس كما هم الناس أي ان الحقيقة تصبح محبة والمحبة تصبح خدمة في واقع الوجود. ماذا يقربنا من الأزل. هذا هو السؤال السياسي بامتياز أي من قبل ان يتشوه هذا الكون بالخطيئة؟ كيف لا تكون الحياة السياسية خطيئة. كيف لا تكون مجدًا باطلاً، تناصرًا بين أفراد أو أحزاب أو طوائف.

هذا السؤال الجلل يعني كيف نعمل معًا لتكتمل في الوطن انسانية الإنسان. لا يكفي ان نقول بنهائية لبنان. هذا هو الحد الأدنى ولو كلفنا اكتشافه كثيرًا. نحن نبغي الحد الأقصى وهو أن نجعل مؤسسات الدولة وقوانينها في خدمة المواطن ابتغاء ازدهار له لا ينقطع. ماذا يعني هذا؟

أنا يأتيني كل صباح ناس من رعيتي ويثبت زائري بما لا يقبل الشك انه هو أو أحد أعضاء عائلته مريض ويحتاج إلى دواء أو يثبت حاجته إلى أقساط ابنه في المدرسة أو الى دفع مبلغ الايجارة للشقة التي يسكن. ويزين لي ان هذه حال كل الطوائف.

لبنان سيدخل منطقة النور إذا اقتنع ان حاجته الأولى هي الى العدالة الاجتماعية التي تساعده على الإخلاص الوطني وإلى انه ليس بمغبون أو مقهور. هل نحن مصممون على انتخاب نائب نقتنع انه ساع الى العدالة الاجتماعية أولاً وله ان يستمد نفوذه بسبب من هذه الخدمة لا بفضل مآتم وأعراس يحضرها. متى يترك قادتنا الحديث الإنشائي ليقوموا بتغيير اجتماعي شامل يرفع عنا كابوس البؤس فاليأس فالهجرة.

هذا الشعب لا ينقصه الذكاء ولا معظم نوابه ينقصه الذكاء. ماذا نعمل، كيف نعمل للاتيان بمندوبين لنا يطهرون الدولة. لا يعني هذا أن اصلاح الحكم ينتج منه بالضرورة شعب جديد، يشتهي عظمة الانسان وتاليًا عظمة الأمة. هنا أناشد المرجعيات الدينية أن يكون هاجسها الاول تنقية النفس البشرية. حاجتنا الى قديسين في كل الطوائف.

أنا عشت في طفولتي ومطلع شبابي الشعب اللبناني الذي كنت ألمس في معاملاته استقامة وعرفت بالخبرة الشخصية قضاء عادلاً وعالمًا وشبه نظام في الادارة. نحن لسنا في تكويننا شعبًا سيئًا ولكنا نحتاج اليوم إلى ارشاد عظيم تقوم به المسيحية والإسلام أي إلى نفحات روحية تقوّم الفرد فتقوم به الدولة. العمل في الهيكليات والعمل المجتمعي يبدأ من الشخص. وغير صحيح ان في تكوين بلدنا شحًا في الموارد ان كنا صادقين لكن استغلالها يحتاج إلى فكر وإلى صدق وإلى سهر موصول. الاستقلال الثالث هو الاستقلال عن «الشطارة» في بساطة الفضيلة في النفس وفي الكيان المجتمعي.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

انتفاضة ساحة الشهداء / السبت في 19 آذار 2005.

الاثنين الماضي لما احتشدت الجموع غاضبة مسالمة في ساحة الشهداء، كان أول يوم في صيامنا ونذكر فيه كلام إشعياء النبي: «أليس الصوم الذي فضلته هو هذا: حل قيود الشر وفك ربط النير وإطلاق المسحوقين أحرارًا وتحطيم كل نير؟» (58: 6). شيئا كهذا كانت تطلبه الجماهير التي احتشدت. لماذا عيل صبرها فانتفضت بعدما رقدت رقاد أهل الكهف؟ يظن أهل الغرب ان الشرقي ساكن ويبقى مكنونا في اللاتاريخ. كذب شباننا وصبايانا وأطفالنا والكهول هذه القراءة لأنهم لم يطيقوا ميتة رفيق الحريري. شناعتها فتوحدوا تلقائيا به اذ أحسوا ان ثمة من يبيت السوء لبلدهم حاقدًا ومتشفيًا وراغبًا في تفتيته.

شعروا ان الرجل ضحية فداء. ذلك ان في المفاصل الكبرى في حياة الشعوب قوة تدفع الى ذبح تنبعث بعده الأمة التي كان يحب ويحمل. كان لك ان تخالف الرئيس الراحل في هذه النقطة أو تلك من سياسته أو في جل سياسته. وفي خلافك معه كان يفرض نفسه عليك قويا، فريدًا. مهما يكن من أمر تحليلنا لعمله، رأينا بعد اخفاق كامل للدولة ان قوى البغض متربصة بنا حتى حولوا اغتيال مروان حماده وقدروا على اغتيال الشيخ الرئيس فقمنا توًا من الذل وجئنا الى ارادة الحياة من موت شهادة.

بات تاليًا رفيق الحريري منشئًا للانتفاضة التي كان رمزها الاحتشاد في ساحة الشهداء والطرق المؤدية اليها والطريق الى هذه الطرق كان القلب. والقلب لا يجيء الاّ من الله اية كانت المناطق التي تحرك منها الناس وأتوا من كل المناطق والذين لازموا بيوتهم شاركت قلوبهم المحتشدين لإيمانهم جميعًا بأن شيئًا جديدًا في لبنان يحدث شبيهًا بقيامة. أولاً لم يخافوا مع انهم أخيفوا. وفي هذا شهادة أيضًا بالمعنى العالي من الكلمة. ولم يدينوا أحدًا ونحن نقول كل يوم في الصوم: “هبني ألاً أدين اخوتي”. وعلى هذا اجتمع أهل هذا الحي وأهل ذاك، لان الصراع ليس بين اللبنانيين وان لم يكونوا على الحدة نفسها في قراءة الحدث.

ما هو ثابت ان النسبة العظمى من هؤلاء أتت بهم حماستهم وقناعتهم ان أمورًا كثيرة يجب ان تتغير في البلد لينال استقلالاً بات مطموسًا من أهل الخارج وبعض من أهل الداخل والمناداة بالحرية خرجت من أفواههم كما خرجت من نفوس المشاهدين الاعلام المرئي. وفي يقيني ان بعض الملتزمين ايديولوجيًا في الحي الآخر تمنوا لو أتيح لهم ان يشهدوا في الساحة التي سفكت فيها دماء لبنانيين في الحرب العالمية الاولى. بدا للكثيرين ان قلب أهل بلدنا كان واحدًا على رغم كل انحزاب.

ليس الفكر النظري الهادئ هو الذي يصنع بلدًا. البلد ثمرة ا لحب والحب لا شرك فيه. كان يحق لكل انسان ان يقول للبنان: «اني أزوجك نفسي» وأعلن رغبتي في أن ارفع علمك وأنشد نشيدك أو أضع ألوان علمك على خديّ لأقول ان وجهي مكون منك واني أطل بك على العالمين ولا أطيق ان يشارك في سريري أحد لأن الوطنية هي العفة ولذلك لا مكان لاختلاس النفس – الزوجة لئلا ينكسر العهد.

كل هذه الجموع كانت زوجة واحدة للبنان. وبرهان ذلك ان أحدًا لم يأت بطائفته في جيبه ليشعر بالشهادة ويؤديها. هذا مذهل لأنه جديد. كنت ترى الشابة السافرة والشابة المحجبة جنبًا الى جنب وكنت تسمع لهجات المناطق كلها تقول يقينها بالحرية بلا خشية لإيمانها ان الاستقلال مفتاح من مفاتيح الكرامة فنبدأ به ثم نعمر البلد بالإخلاص والفهم كما أشاده رفيق الحريري بالعمران وكثير من الحب.

وإذا استتب لنا ان نحكم أنفسنا بأنفسنا وقادة نختارهم نحن ولا يخشون الحرية ويتسلحون بالمعرفة قد نكتب نهضة جديدة في حياة العرب لأننا وان حيينا بأنفسنا لا نحيا لأنفسنا ولكن لأخوة لنا يسهمون معنا في بناء حضارة هذا المشرق العربي كما كنا نعرفه قبل ان يخترعوا لنا شرقًا موسعًا.

أما وقد ختمت الشهادة وعبر كل فريق عن رأيه يكون البلد كله دخل في مواجهة فكر سماها البعض حوارًا تجمعت عناصر منه كثيرة أولها الانسحابات التي تجري، ودعاؤنا ان تقتنع سوريا بأن هذا خير لها ولنموها ولصداقة بيننا تتجدد بسرعة اذ تبدو بهذا الجلاء المساواة في الكرامة بين البلدين. هذا إذا جاءت أدوات الحكم عندنا صورة عن النفوس المتوثبة للحرية. نحن لسنا فقط نتمنى الندية بيننا وبين دمشق ولكنا نريد عظمة الشام في دنيا العرب.

الطرف الآخر حزب الله الذي يتهمه الغرب باطلاً بالإرهاب، وهنا أود ان أقول اعجابي بكل قادة الحزب الذين اسمعهم على الشاشة، من حيث المعرفة وآداب النقاش ونباهة الفكر والنفس. من أين يأتون بهذا المستوى لست أعلم. هل يختار الحزب النخبة أم يتروضون روحيًا وعلميًا الله أعلم.

للشعب اللبناني حق عليهم لأنه آزرهم وبارك للمقاومة التي كانوا فيها الأبرزين. وللبنان الحق هو بلد صغير ان يكون لجيشه أنصار كما كانت المقاومة تسمى في الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفياتي. ليس من مساءلة تتعلق بشرعية المقاومة. غير ان هذه هي سلاح حزب له خياراته أي من طبيعته له تحالفاته وخصوماته. في أوروبا المناهضة للنازية كانوا يأتون من كل الاحزاب ولكن لم يكن أحد يحمل هويته الحزبية في جيبه. ليست المشكلة في قوام المقاومة كما يرى القرار الدولي 1559. السؤال هو في احتمال ان يكون الحزب – وهو حزب – في جبهة أحزاب لا في جبهة اخرى وتكون مقاومته يحملها الشعب اللبناني كله. غير ان هذه الاشكالية مرجأة الآن. وأنا أطرحها من ناحية منطقية لا على صعيد التزام سياسي وليس عندي التزام.

أرجو ألا تمر بنا أحداث تدخل الى الحلم الاضطراب. انا واثق من ان المسلمين والمسيحيين الذين تكاتفوا في ساحة الشهداء لن يستطيع أحد منهم ان ينسى ان كتفه كانت الى كتف أخرى وان هذا رمز للتعاضد في ما بيننا في الأزمنة الآتية، غير ان هذه الوحدة تتطلب سهرًا كثيرًا لأن أعداء وحدة البلد كثيرون. ولكن زين لي وأنا أرصد شاشة التلفزيون يوم الاثنين ان معجزة الوحدة تمت في القلوب وينبغي ألا تدخل الى هذه القلوب الهشاشة أو الشك.

لعل كل هذه الهموم التي أتحدث عنها رأتها السيدة بهية الحريري في خطابها الكثير الاتزان العقلي والكثير الحرارة في آن. استمعت اليه ثم قرأته ويحتاج الى تأمل دائم منا بعدما فرض نفسه ميثاقًا جديدًا لعيش كريم. هي أحبت ان تحيي كل الأطياف من غير ان تحجب التزامها وولاءها الوحيد للوطن ووفاءها لأخيها الذي بات بلا منازع حاملاً الوطن في تاريخه المقبل.

طبعًا يحتاج هذا الخطاب الى تدقيق كبير لنستمد منه نورًا يحيينا. ولعل بعضًا من أهميته ان هذا وذاك من المسؤولين المختلفين أحبوا منطوقه وتبنوه.

من كلمة البهية أقول عن بلادي ما قاله زاهي وهبي عن حبيبته: «مباركة كمواسم خير / نقية كدموع الأمهات/ مقبلة كمطر طال انتظاره / أترقبك كصلاة استقساء». لبنان آت. هكذا يجب ان نرجو لنستحق جباله وسهوله والبحر. ولكنه لن يأتي ان لم نعمره في كل مجال. في الحب أولا، في الفكر ثانيًا والعمل.

فيما نصوم نحن نقبل غدًا على أحد نسميه في عبادتنا: «أحد استقامة الرأي». هذه دعوة في جهاد الامساك الى ألا يبقى فينا خبث أو زغل أو أحقاد وألا نهمل الوطن فيما يكبر في كل مستويات الكبر. لا يكفي ان نطلب الحرية. يجب ان نصونها في حياة نقية. في تفان في سبيل البلد لا يبخل.

كانت ساحة الشهداء رمزًا. المهم شهادة الحياة في الصدق، في تضامن أهلنا جميعًا على الخير، بلا أي لون من ألوان الفرقة.

الوطن ممكن. وإذا كان ممكنًا

علينا ان نرجوه. وإذا أحببنا وجوده لا بد ان يولد كل يوم من نور وضعه الله فيه.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الحرية / السبت في 12 آذار 2005

كتبت هذه السطور قبل ان أشاهد صورة الحشد الكبير في ساحة رياض الصلح وأرجو قبل دفع المقال إلى الجريدة ان نكون جميعًا اقتربنا من سلامة الرؤية وصدق القلب. «الوفاء لسوريا» يتضمن الشكر لها عندما يستقيم استقلال كل بلد وتتوطد عزته بعد ان يكون قد أعز البلد الآخر في الحرية. من ضد الوفاء؟ الاحتلال الأجنبي من معه؟ من نادى بالاحتلال؟ هل يشتهي أحد بعث 17 أيار وقد اسقطه رئيس جمهورية مسيحي ماروني؟ التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري صرخة مستمرة ايضا في ساحة الشهداء وكأن الخطابين على مسافة مئة متر او ما يزيد تجاوبا وكأن الناس مختلفون لا في ما يقولون ولكن في ما لا يقولون. في قراءتهم للآخر وقراءتهم لأنفسهم.

السؤال الملح على كل الناشطين هو ماذا يؤكدون في الحقيقة. الخطاب السائد ولو اختلف النغم وما تساوت الحرارة ان «الحق الحاضر» هو ان يتكل لبنان على جيشه. وليس معنى هذا عند واحد ان البلد يفقد بذا انتماءه العربي. مبادرة كريمة كانت تأكيد الرئيس بشار الاسد ان الجيش السوري ينسحب إلى البقاع تنفيذا لاتفاق الطائف مع احترام القرار 1559. إذا كانت سوريا تحترم فهل نحن لا نحترم؟ كيف يختلف عن سوريا الأوفياء لسوريا؟ كيف يختلفون عن الحكم اللبناني الذي يؤكد – في هذا المجال – ما قالته سوريا؟ وإذا كان الامر كذلك فأين الفرق، حقيقة، بينهم وبين طرح الرئيس السوري. أين المباينة، أين الـ nuance؟ هل هم أكثر اشتدادا من المراجع الرسمية؟

يبقى ان لبعض الحق في التساؤل عن تحرك الجارة «حتى يواري جارتي مأواها». اللافت في هذا ان الانكفاء إلى ما وراء الحدود ستقرر تاريخه لجنة عسكرية مشتركة. أفهم ان الاجهزة الامنية السورية جزء من الجيش السوري وانها في حكم المنطق متوارية. غير اني استغرب ان يبقى الانطواء الكامل معلقا على مجموعة عسكرية لا على السلطة المدنية في البلدين. هذا يذكرني بكلمة لرئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو في الحرب العالمية الأولى: «الحرب مسألة جدية إلى حد انها لا تترك للعسكر». الجلاء مسألة جدية جدا حتى لا يتخلى عنها كبار المسؤولين في الدولتين. في هذا القرار ترك لبنان في ضبابية كاملة في حين ان سوريا تعرف دائما أوانها.

كيف يترجم البلدان احترامهما الدولي على الأرض؟ المؤسف ان الطائف لم يتحدث عن مهلة لانحسار الجيش السوري عن البقاع. لقد أكد المسؤولون عندنا ان بقاء هذا الجيش أمر موقت. اليس من ترادف بين الموقت والسريع حتى لا نقع في تحذير القولة الفرنسية الشائعة: «ان الموقت وحده يدوم il n y a que le provisoire qui dure». لقد أكدت سوريا على لسان رئيسها الأسبوع الماضي ما مفاده ان حضورها (السياسي، الاقتصادي، الثقافي كما افهم) قائم عندنا ونحن لا ننكر عليها القراءة التاريخية لدورها.

«الحق الحاضر» كما يقول بطرس الرسول هو اننا، نحن اللبنانيين، مجمعون على خمسة. أولا – ان التوطين غير وارد عند أحد وقد نص الدستور على ذلك. ثانيا – ان أحدا ليس مستعدا لأن ينحر البلد ببعث 17 أيار ومعنى هذا اننا لن نوقع سلاما مع اسرائيل قبل سوريا وهذا من مضامين وحدة المسارين. وفي هذا الخط نفسه لا يستجدي أحد حضور قوة أجنبية عندنا وانا اؤيد الصرخات التي سمعتها الان ضد تدخل الأميركي في شؤوننا. ثالثا – اننا جميعا مع المقاومة وان ليس عندنا اليوم ميليشيا في لبنان. رابعا – ان هذا الحي وذاك من شباننا وكهولنا يلح على سرعة التحقيق في الجريمة التي اودت بحياة الرئيس رفيق الحريري (والاصوات كانت هي اياها هنا وهناك). خامسا – اننا نرجو انتخابات نزيهة عادلة ولا يتهم أحد منا بالخيانة.

في ظل الثقة هل تصر جماعة على انسحاب سوريا «كتابا مؤجلا» (سورة آل عمران الآية 145)؟ هل من غضاضة ان نستعجل بالخير اي ان نسود بيتنا الوطني الواحد بعد صبر طال؟ ان اجلا مسمى كما يقول في سورة العنكبوت أفضل في العقل من اجل غير مسمى. إذا قبلنا للانسحاب النهائي بأجل مسمى تكون المسافة بين الموالاة والمعارضة آخذة بالتضيق. يبقى ان نفهم ما قاله سيادة الرئيس بشار الأسد عن «احترام» القرار 1559. فمنذ صدوره لم تتحفظ عنه سوريا جوهريا. السؤال الحقيقي هو هل تعني كلمة «احترام» شيئا على الأرض؟

اللافت ان سوريا تعاملت مع الطائف كأنه كتب السنة الـ 2005 فوعدت بتطبيق مرحلة اعادة الانتشار حتى البقاع وتركت تاريخ الانسحاب الى الشام دون تحديد وقت وبذا كانت امينة لحرفية الطائف. غير ان للطائف نصا وروحا كما قال دائما نوابنا الذين وافقوا عليه. لا يمكن ان تطبق اتفاق الطائف اليوم كأن 15 سنة مرت عليه لم تكن ذات دينامية تدفع سوريا إلى الانسحاب الفوري. ما هي روح الطائف؟ هي انهاء الحرب بعد ترتيب أمسى دستورا تطمئن اليه القلوب ويكون دور سوريا مساعدتنا على تخطي تداعيات الحرب وبسط السيادة اللبنانية على الارض والسهر على تأليف جيش لبناني متماسك يحمي المؤسسات. ان مرور 15 سنة كانت كافية لتمكين ما أمكن من مؤسسات وصدور قوانين وتقوية جيشنا وتوحيده. ومن المفترض ان هذه الفترة الطويلة قد مكنت السوريين من مساعدتنا على حفظ السلام الأهلي الذي في ظله تنبت دولة متجددة. وحتى لا أظلم الطائف قد اقنع نفسي بأن اهمال الذكر لتاريخ الخروج من وادي البقاع ربما عنى اننا لم نرغب في استباق الامور حتى يبقى المجال مفتوحا لفحص تقدمنا العمراني والمؤسسي. خمسة عشر عاما انقضت لا تفسح في المجال الا القول بأن المهمة العسكرية السورية قد انتهت.

ما هذه العبارة التي يطلع بها بعض اركان المعارضة عن الخروج المشرّف؟ إذا كنا دولتين مستقلتين وشقيقتين في آن فالبقاء مشرف في حينه والخروج مشرف في حينه. هذه عمليات بين اخوة. قلنا قبل اليوم ان لبنان لا يملك وسائل ضغط. هل كان الحاح بعض ضغطا أم تعبيرا عن رجاء وذلك تطبيقًا لنص اشرفت عليه العرب؟

بعد استماعي الى كل الخطباء لا أستطيع ان اتبين اليوم فرقا لسانيا بين الفريقين سوى ان أحدهما ينتظر المشيئة السورية للخروج الكامل والاخر يطلب الخروج الفوري. في العمق الوجداني لست المس عداء للشعب السوري او للحكم السوري. الكلام تناول مدة بقاء العسكر والاجهزة الامنية فلم يكتب سطر واحد ضد سوريا من حيث هي شعب او دولة. لست ارى عنصرية عند أحد ولا ارى تباينا في المودة لسوريا. جهة تغازل كثيرا وجهة أكثر تحفظا في الغزل. إذا كانت سوريا تريد حقا ان تخطب ود اللبنانيين لن يكون عليها ان تكون على مسافة واحدة من الاطراف اللبنانيين. تختار الذين يحبونها حقا وفي هذه المرحلة التاريخية الحرجة تدني نفسها من الصالحين في كل معسكر وتعيش من جديد شهر عسل مع الخيرين من مواطنينا.

غير ان الأخبار أتت بتصريحات ديبلوماسيين سوريين بان الانسحاب الكامل لن يتعدى أيار. وعند ذاك يصير الطائف و1559 سقفا واحدا لهذا الانسحاب ونبقى مختلفين مع 1559 في ما يتعلق بحزب الله. بعدما بينت ما تراءى لي من نقاط التفاهم بين اللبنانيين لم يبق الا نقطة التوضيح لتاريخ الانكفاء الكامل للجيش السوري ما عدا قضايانا الداخلية من تأليف حكومة واجراء انتخابات.

الظروف الموضوعية مؤاتية إلى نوع من المشاركة الفكرية أو السجال الحر في موضوعات شتى هذا إذا تحررنا من الظن في الاخر وادانة نياته. ننطلق من مسلّمة منهجية ان ليس عندنا من ارتهن للخارج ونتكلم على ما يؤتي البلد حرية كاملة خصوصا ان البلد غير منقسم طائفيا. صورة هذا التوحد نرى لها رمزا في ساحة الشهداء اذ تلا المسيحي الصلاة الربانية (أبانا الذي في السموات) ومسح وجهه بيديه كالذي يكون قد تلا الفاتحة. ربما فهم المسيحي بوضوح كامل أو ناقص ان المسلم انما لا يمسح وجهه بكفيه ولكن بالكلمات الالهية التي نزلت عليهما.

متى تتنزل علينا الكلمة الالهية لنصبح شعبا واحدا يسعى إلى صالحه بالحسنات والاخلاص والفهم. كل شيء يدل على اننا تقاربنا ولو اختلفت أماكن الحشود واننا في اشياء كثيرة نقول القول الواحد. أجل السياسة فيها أقوال كثيرة ولكن ما يجعلها فنا إنسانيا انك فيها تحترم الاخر وتصغي اليه فأنت تتكون به ومنه وهو كذلك اذا احببتما الحق.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

إلى البقاع وما بعده / السبت في 5 آذار 2005

هل لي ان أحلق فوق استقالة الحكومة لافهم قليلا ما جرى في عمق النفس عند المحتشدين في ساحات بيروت؟ مجرد محاولة للفهم ابتغاء استشراف. من الواضح كثيرا ان شبيبتنا ابدت شجاعة غريبة ازاء الخطر الذي كان يهددها. هناك أكثر مما سمي تساهل الجيش ازاء المتظاهرين. هناك الجيش آمن بانه يستحيل على ضميره اهراق دم لبناني وان في نفس الشبيبة تعلقا بهذا الوطن شديدا قد يفتح صفحة في تاريخنا واعدة. هل بعد انقضاء الاحداث تبقى الوطنية اللبنانية لحمة شبابنا، هدايته من الانتماء الطائفي السياسي الى وجه لبنان الواحد؟ التاريخ ينشأ احيانا من حدث والحدث إذا راج ينشئ شعبا ذا تطلعات جديدة ونوعية تكثف الوجود.

هل نحن شهود على ولادة وطن جديد مؤمن بانه يأتي من القيم ومن وحدة ابنائه الراسخة في القيم رغبتنا في دولة مستقيمة ورقي شعبنا المؤسس من جديد على تربية قوامها الصدق والعدل في دوائر الحكم والتعامل المجتمعي.

اما «الحق الحاضر» الذي يدعونا العهد الجديد إلى الثبات فيه فهو انسحاب الجيش السوري إلى البقاع أو الحدود أو ما بعد الحدود في إطار التحرك الاقليمي أو الوضع الدولي أو كليهما. غير ان الواقع لا يحتمل التسويف ولا تأويل النصوص ولا التذاكي. شيء ما يجب ان يحصل سريعا يتمايل بين الطائف والقرار 1559. لقد انتهى العهد السوري في لبنان. جل ما يبقى ترتيب انحساره او اختفائه بأجمل ما تكون عليه اللياقات. وتلعب لعبة اللياقة إذا كنت انت اياك وانا اياي بحيث يلازم كل اخ بيته ويقوم بزيارات الحب لأخيه عند احتدام الشوق.

ان الذكاء الشامي مدعو الى ان يقرأ ان مرور خمس عشرة سنة على طائف تجمد لا يطوف يكون قد فرغ من حقيقته لأنك تكون أطلقت صفة القدسية على نص يرتجف ككل نص غير منزل. معنى هذا الكلام ان الشعب اللبناني اختزن خلال هذه المدة الطويلة طاقات تفجر يجب التعامل معها واننا تاليا في دينامية ظهرت حقا في ساحة الشهداء وساحة النجمة لا يمكن تعميتها. انت يجب ان تقرأ لئلا ترمى خارج التاريخ. والقراءة البسيطة هي ان نريد علاقات حب متزن، عميق يحفظ لكل حبيب كرامته.

ان استراتيجية السلام التي نحن منها مع سوريا يجب ان يؤيدها العرب تأييدا فاعلا لنبقى نحن والسوريين صامدين معا امام اسرائيل كل في حدود بلده اي ليظل كل من البلدين يسير اموره الداخلية وفق تراثه وتنظيمه القانوني. نحن قراءتنا للأمور ان لا مبرر اطلاقا للحضور السوري عندنا حتى السلم في المنطقة لان هذا لن يأتي قبل حلول كل العقد القائمة بين تل ابيب والسلطة الفلسطينية وهذا قد يستغرق سنوات طولى ينفد فيها صبر اللبنانيين ولا تكسب دمشق به شيئا. ليس من مشكلة امنية عند الجارة الكبرى ولن تكون بانسحابها. كذلك لن يهدر لبناني دم لبناني آخر بلا تدخل خارجي. لقد فهمنا اننا لن نخوض حرب الآخرين على أرضنا إذا كنا مصونين دوليا. والكلام الذي يقال اليوم ان لبنان أمسى في صميم هموم الامم لاعتقادنا انه نموذج حرية لكل هذا الشرق. هذا يتطلب استقلاله الكامل في دنيا العرب وهو اليها ينتمي.

هذا يتطلب جمهورية اثبت البرلمان انه واحة حرية فيها ورجاؤنا ان تتوطد الحرية وتنمو في ظل قانون للانتخابات يتمثل فيها الشعب تمثيلا كبيرا في دولة مدنية روحا واسلوب عمل.

ما يعرقل تلاقي قلوبنا هو جهل التاريخ فلبنان لم يكن يوما سنجقا سوريا سلخه عن امه الاستعمار. للتذكير فقط لم تكن سوريا الحالية مستقلة منذ الألف الثالث قبل الميلاد حتى الانتداب الفرنسي ولم تكن متضمنة لبنان لينسلخ عنها. لقد انشئ هذا البلد بعدما اجتمع ابناؤه في وفد واحد في قصر فرساي واعطي – بعد مماطلة سنتين – شكله الحقوقي في أول أيلول السنة 1920. الدول هي في تشكلها القانوني. واما ان نكون حضاريا ومجتمعيا أقرب الدولتين احداهما الى الاخرى فهذا له تعابيره الحياتية والمعاملاتية في إطار تحدده النصوص وتبقى العاطفة عاطفة.

واما ان نبقى مع سوريا في علاقة حميمية خاصة، فريدة فهو امر نقول به نحن اللبنانيين ولا يقول به حزب البعث الحاكم الداعي الى امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة بحيث لا فرق عنده نظريا بين قرباه من مصر او من موريتانيا وقرباه من لبنان.

أما نحن فحريصون على علاقة مميزة بالقطر السوري في رؤية براغماتية قائمة على اجتماع مصالحنا الاقتصادية وعلى مشاركتنا الثقافية. وإذا كان لكل بلد التماعات باهرة فهي تنفع البلد الشقيق. كل شعب منا مميز بفطنته والحكمة والمواهب. كذلك أهلنا في فلسطين والاردن. هذه الميزات الاناسية تيسّر التعامل ووحدة الحركة وإذا اقتربت الأنظمة كلها الى الحرية لا شيء يمنع ان نحاول وحدة ما في ما سمي بلاد الشام قد تكون شبيهة بالوحدة الأوروبية.

أنا واثق كليًا من ان السوريين الطاهرين لا يرون ضرورة لبقاء جيوش لهم عندنا لا تنفعهم ولا تنفعنا. أما الأمن عندنا فهو مسؤوليتنا أو صح قول القائل اننا لسنا راشدين. وإذا لم نكن راشدين فنحتاج الى رعاية أو وصاية ونحن، اذذاك، نختار الأوصياء. منطلق كل الكلام اليوم ان من رعانا رعانا مشكورًا وثلاثون سنة رعاية في حياة شعب كافية لبلوغه النضج.

مقولة احتضان شعب لشعب أو حكم لحكم تذكرني بما كان يقوله غاندي لمن سأله لماذا تكافح الانكليز قال لأني أحبهم، لذلك أريدهم ان يعودوا إلى بلادهم لأن إقامتهم في الهند تفسدهم. ان نمو السوريين وعظمتهم وبلوغهم أعلى مستويات الحضارة لا تتم الا إذا لازموا القطر السوري ملازمة حصرية حتى يمن الله عليهم بما هم يعتقدون به أي الوحدة العربية المحققة في كل الأقطار. أما نحن فلا خوف منا على أحد.

وحتى تسير الأمور سيرًا حسنًا فعلينا ان نحافظ على كل عامل سوري لا يزال يعمل بيننا. هذا لا علاقة له بالمشكلة السياسية وجاءنا ليرتزق. بسبب من ذلك وبسبب من انسانيته هو عزيز. وأنا مخجول جدًا مما سمعته من أذى لحق بهذا أو ذاك من العمال. نحن لسنا على خلاف مع أي شعب من شعوب الأرض كما لا خلاف بيننا وبين الحكم السوري إذا قرأ اتفاق الطائف كما نقرأه وأخذ يطبقه بجدية. هناك علاقة ثنائية لا بد من تصويبها الى ان نقتنع جميعًا أن الحضور السوري بات بلا نفع لأي منا وقد آن الأوان لينتهي بلا مماطلة ولا تسويف.

هذا اتجاه شعبنا كله في حقيقته. وإذا كان لسوريا صداقات لبنانية فهي تستطيع ان تعيشها من دمشق وأريد بها الصداقات الصافية الطاهرة. من هذه الزاوية ليس من بلد في العالم لا يعيش على درجة من الحرارة جواره. لسنا من هذا نشتكي. هذا ضغط الحب. غير ان الحب يهدده الشك أحيانًا. فلنرتب الوضع معًا غير مسائلين المبدأ خصوصًا ان القلوب قذف الله فيها سلامه.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

حلم الوطن / السبت 26 شباط 2005

موت الكبار يدفعك الى الحلم بوطن مستحيل. لا يحق لي اليوم بسط كلام راسخ في أبدية الله حسب المألوف في هذه الزاوية. لا أستطيع ان أحيد عن لبنان وقد تهتز بعض من أركانه وقد وضعت الغشاوة على الابصار.

اللعبة الديموقراطية تتضمن اغراء كبيرا، اذ تضع الحق كله في حيز والباطل في حيز. هذا يقوى في العالم الثالث المنفعل ابدا وحيث مساحة الدولة تتقاطع ومنافع الافراد. ومن هنا الهدر والسباب والشتيمة مع ان تراثنا الوطني لا يخلو من تروض على اللباقات.

مع ذلك كله أظن أننا وسط هذه العاصفة الرهيبة اخذنا نبني بلدا اتضح واحدا في اقسام منه كثيرة. أجل هناك لغة خشبية ولغة الحياة الصاعدة من قلوب المجروحين. انت على هذه اللغة او تلك. مع ذلك، التاريخ القاسي لا يضغط على الرؤية ضغطا كليا. غير ان المشكلة الحقيقية ليست في الحوار او انعدام الحوار. انها في الخيارات التي اتخذها الفرقاء وتبدو عند كل فريق ثوابت.

لست ديانا لأتسلل الى وجدان كل من واضعي السياسة عندنا وان كان وضع البلد منذ مئات السنين يدل على ان الكلمة عند بعض الناس متفلتة من ضمائرهم. كل شيء يدل على ان بيننا زبائن غير مقتنعين بما يقولون او يخشون القول. ذلك ان في البلد فاعليات مرهونة للخارج. ما من شك في ان القضية المركزية عندنا قضية الحضور السوري بما هو أمني وعسكري وسياسي. هذه كلها اذا أجمعنا على فحصها في اطار الطائف لها مبدئيا امكان معالجة. لم يبق في تتبعي خلاف تفسيري حول الطائف. الخروج الى البقاع بدءا من خط حمانا – المديرج – عين دارة مسألة نصوص واضحة لا تحتمل التأويل. الحضور العسكري السوري مسألة سياسية بامتياز وليست مسألة استراتيجية عسكرية. والسياسة غير ساكنة، نهر ولكن ليس فيه مواسم جفاف. لقد مشينا من بعد الطائف خمس عشرة سنة وجُرحنا وبكينا وعلقنا أوتارنا ولم نغنّ. وبقي مرجأ النص ومرجأ الروح.

ما يذهلني ان بعض السياسيين في لبنان يرفضون واقعيا تطبيق القرار 1559 في ما يختص بخروج الجيش السوري في حين ان سوريا تصرح انها مع الشرعية الدولية ولو ذكرت بأن هناك قرارات اخرى يجب تنفيذها.

من الممكن ان تبدأ الشقيقة بتطبيق الطائف للدلالة على انها لم تتخل عنه. ان اعادة الانتشار لا يمكن ان تكون صورية. فلنطبق الطائف سريعا فقد تهملنا الامم المتحدة في تطبيق 1559 ومن المعروف حقوقيا ان التشريع الدولي يسود التشريع المحلي. وهذا الامر لا يمكن التلاعب به.

ان الضعف في موقف الموالاة هو في امتداحها سوريا باسهامها الكبير في انهاء الحرب اللبنانية وفي الدفاع عن المسيحيين في بدايات الحرب الاهلية كأن أحدا ينكر ذلك او كأن أحدا لا يحفظ الجميل. انا لم أسمع مسؤولا او مفكرا او صحافيا لا يرحب بعلاقات جيدة، أخوية مع الشقيقة الكبرى. لكن جودة العلاقات تفترض انهاء ملف الحضور السوري العسكري. عند ذاك يمكن تجديد شهر العسل بيننا وبين سوريا حبيبتنا بصدق ألا يستطيع الحكم السوري ان يشتري هذا الحب بسحب جيوش لا نفع لها حقيقيا من ابقائها على أرضنا.

الكل يتكلم على شوائب في العلاقات. وكثير من هذا القول يأتي من طرف الموالين ولكني لم أسمع وصفا لهذه الشوائب من هذا الطرف او تعدادا لها او محاولة لازالتها، ربما كان هذا بدءا لحديث بين الاطراف المتصارعين.

القرار 1559 هدية. لماذا لا نفاوض الامم المتحدة لنقول لها دعينا نطبق الطائف في مرحلة اولى ثم ننظر دوليا في تنفيذ القرار الاممي؟ تسمع أحيانا ان السوريين وحدهم قادرون على نزع السلاح من المخيمات الفلسطينية. لماذا لم يفعلوا ذلك حتى اليوم؟ ولماذا هذا السلاح والفلسطينيون لا يتنازلون عن حق العودة وهو لا يساعدهم على العودة؟

ولماذا استقرت هذه القناعة ان السوريين وحدهم قادرون على نزع السلاح الفلسطيني؟ أين جيشنا؟ نحن لا نقبل بالاعتداء على فلسطيني واحد في المخيمات. ولكن هذه مسألة عربية ولا أخال ان السلطة الفلسطينية مصرة على بقاء هذه المخيمات. ماذا يمنع ان يتمتع الفلسطينيون بكل كرامة وكل حرية وحق العمل في الوطن اللبناني؟ ضد من يحمل الفلسطينيون سلاحهم وقد أكد الرئيس لحود عشرات المرات انه لا يرضى عن عودتهم بديلاً.

هناك جزئيات أساسية لا بد من مواجهتها مثل قضية جنسية مزارع شبعا. فاذا كانت لبنانيتها قائمة في القناعة السورية فلماذا لا توثق ذلك؟ ماذا يمنع ترسيم الحدود حتى يتضح اذا كانت مسؤولية المزارع تقع على عاتق السوريين أو على عاتق المقاومة؟ هل يضر حزب الله ان يدخل في وضوح هذه المسألة؟ لقد مجدنا المقاومة عن حق بعدما غيب الجيش عن حماية الحدود. المقاومون هم كانوا في أوروبا المحتلة في الحرب العالمية الثانية أنصارًا للجيوش الحليفة وما كانوا بدلاء.

فاذا كان حزب الله يؤمن بوحدة البلد ممثلة بوحدة الجيش ألا يكون في دوام تسلحه في حالة الموازاة للجيش؟ اليست الموازاة تأكيدًا ضمنيًا لثنائية الدفاع عن الوطن؟ أسئلة لا أذكر ان أحدًا طرحها بهذا الوضوح. اذا انتهى التحرير فالسلاح سلاح الدولة اذا أدرنا فعلاً ان نؤكد اننا شعب واحد في كل اطيافه.

#  #

#

الى هذا النغمة الدائمة ان سوريا لا تخرج تحت الضغط. هل هذا البلد الصغير قادر على ان يمارس أقل ضغط على الجارة الكبرى؟ ما هي وسائله؟ ما نفوذه؟ما جرأة حكامه؟ بقوة من هم حيث هم؟ من يصدق قول القائلين ان السوريين يخرجون بعد اتفاق بين الدولتين؟ من يتفق مع من؟

ان سوريا في حاجة الى نهضتها والى جيشها للدفاع عن نفسها. واذا هاجم العدو البلدين فمن المؤكد اننا نوحد قوانا العسكرية.

ان الأحداث التي نعيشها تشير الى ان الشعب اللبناني يتوق أكثره الى حرية حقيقية. واذا ترك له حرية التعبير فكله يريد الحرية. أجل، نحن دولتان وهذا مؤكد في الشرعية الدولية. لقد التقى الشعب اللبناني صفًا واحدًا بعد اغتيال الرئيس الحريري، متراصًا. وهذا أقوى من التوازن الذي رغب فيه الطائف بين الأطياف اللبنانية. لقد تجاوزنا الطائف معنويًا ولو لم نتجاوزه حقوقيًا. خمسة عشر عامًا جعلتنا نكتشف بعضنا بعضًا ونؤمن اننا شعب واحد. وهذا يحتاج الى تغيير في بنية الدولة وانماء مواردنا والتصدي موحدين للمشاكل الاقتصادية والسياسية في جسمنا الوطني. ولنا طاقات عقلية كافية لننظم بلدنا خير تنظيم، خصوصًا ان نظامنا هو غير النظام السوري ونحن أدرى بشؤوننا من الجار. وليس لنا مطمع بتوصيات نقدمها له. وأنا واثق من أن القوى الخيرة في سوريا تريد لنا الخير تكملة لها وتعاونًا. والتعاون يفترض فلسفيًا انك موجود وان الآخر موجود. لماذا لا يكون بيننا وبين دمشق اتحاد شبيه بالاتحاد الاوروبي يحافظ فيه كل بلد على سيادته ويتكامل والآخر. ولكنك لا تتعاون الا اذا كنت مرتاحًا الى ان الآخر يريد لك الازدهار والحرية اللذين يريدهما لنفسه.

لا يستطيع لبنان ان يترك لسوريا ان تغادره فقط اذا نزل الالهام عليها. قد لا يهبط الالهام. قد يقوى الطمع. هل نبقى الى الأبد محضونين حتى تحس سوريا ان هذا الاحتضان عبء عليها أم نفيد من الفرص المتاحة من داخلنا ومن الوضع الدولي لنحصل على الاستقلال الفعلي في سياستنا الداخلية وتسيير اعمالنا ونتعاون في السياسة الخارجية كما كنا نفعل باستمرار منذ اعلان استقلالنا؟

هناك مجالات كثيرة يمكن تفحصها معًا بنية سالمة وصدق كامل للتكامل نحن وشقيقتنا الكبرى. لقد حان أوان القطاف اذ حان أوان الصدق.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

رفيق الحريري / السبت 18 شباط 2005

وددت ان اشهد للرجل أولاً من حيث ما لمست وبغض النظر عن اي موقف له او لي سياسي. أول لقاء بيننا تم في الصنائع لما كانت رئاسة الوزارة هناك. كنت اشعر آنذاك ان الانجازات العمرانية الكبرى ما كانت الخيار الاول لشعبنا المفتقر وان هذه الاحجام الكبرى والجميلة في تنظيم العاصمة لا تلبي حاجتنا السريعة الى العيش. كنت أحسب ان الرؤية عنده بعيدة، شاملة ولكن لن يكون لها تداعيات سريعة. أحسست ان واجبي أن أفاتح الرجل بفكري. هو لم يعاتبني على عبارة أو غير عبارة كنت أقسو فيها الحكومة دون ان أسمي أحدًا.

ادخلني مكتبه واغلقه وتصارحنا في تهذيب له شديد بحجج لم ألمس فيها انفعالاً. قلت في نفسي: هذا رجل يستعمل المنطق وانا أحاول المنطق. وافترقنا حتى اخذنا نرمم كنيستنا في عاليه وجعلنا حفلة التجديد للكنيسة في رعايته فانتدب عقيلته السيدة نازك لإلقاء كلمة وتبرعت للبيعة بمبلغ كبير. ثم دعوته ليضع معي الحجر الاساس لبناء كنيسة بحمدون المحطة. ولما بادرت الى وضع الحجر في مكانه لم تمكنني قواي من ذلك فقلت له: يا دولة الرئيس أرجو ان تأخذ عني هذا العبء فوضعه بسهولة كاملة. ثم بعد مضي اشهر ارتأى شركائي في المسؤولية ان ارافقهم لزيارته في الصنائع التماسًا لمساعدة. وظننت ان واحدًا منهم سيأخذ الكلام بسبب من الصداقة التي كانت تجمعهم واياه ولكنهم اضطروني الى التماس احسانه ولم يسبق لي – لخجل في أو مبدأ – ان افعل شيئًا كهذا فاستلهمت الله وقلت له باللغة الفصحى “أيستطيع دولة الرئيس رفيق الحريري ان يهمس في اذني رفيق الحريري المؤمن ان يحسن الى كنيسة الروم”. قال لي: كرمت واسمح ان أسلم اليك هذا الشيك وكان مبلغًا باهظًا.

ما كان لي الحق ان أكشف قبل اليوم صدقة انسان لئلا تهتك المروءة ولكني فعلت ذلك بسبب من واجب الشهادة. ثم استضافني الرئيس الراحل غير مرة الى روحانيين ومدنيين من كل المذاهب وما كان يلفتني انه كان يصغي جيدًا الى ضيوفه الذين كانوا يتمتعون بكرمه وبساطته في آن. ثم اختبرت بنفسي جدية عمله في تشييد قصر المؤتمرات في الطائف الى ما يفوق أربعين فيلا لوفود مؤتمر القمة الاسلامي وكنت اليها مرافقا لبطريرك كنيستي. وأدركت ان اسراعه في البناء كان أمرًا خرافيًا.

#  #

#

كل مرة كنت اراه مرتاحًا الى ضيوفه من الاكليروس المسيحي وربما بسبب اسلامه الصادق والشفاف ورما بسبب ارتقائه درجات الثروة بلا استكبار. كنت احس انه كان يرى نفسه فقيرًا الى الله. ثم بدا للجميع انه لا يحب الاسهاب في الكلام وانه كان يحق له ان يقول لمن يواجهه في أمر: “هذا كلام غير دقيق” لسعيه هو الى الكلمة الدقيقة المزاوجة للواقع الذي كان يعالجه.

والدقة عنت عنده فيما عنت انه كان ينطق عن ملفات. صح انه كان له مستشارون ولكنه كان يعي كل ملف بسرعة ويدرك العمارة الفكرية التي تقوم عليها الدارسة. وهذا نهج لم نألفه كثيرًا في الوسط السياسي. كان لك ان تختلف معه في كل شيء وكان يحتمل ذلك او يتحمله وفي حسباني انه كان يريد الموضوعية في كل بحث. قلت كان لك ان تخالفه الرأي ولكنك ما كنت ان تستطيع ان تنكر عليه سعيه الى اقناعك في كلام له صاف. وكان يطلب اليّ فكرا واضحًا اذا رجوت اليه خدمة مبرورة لانسان اهملته هذه الدائرة او تلك.

وكان يذهلني فيه انه كان مطلعًا على امور كثيرة وهو لم يتدارسها في جامعة. الذكاء المفرط في بلورية رؤية كان أمرًا ساطعًا فيه. وهذا قاده الى انشاء مؤسسة الحريري التي كان همه فيها ان ينكب شباننا على العلوم العالية لايمانه ان النخبة المثقفة هي القادرة وحدها على ان تخدم البلد. وكان يتجلى لك هذا اذا اتصلت بكبار معاونيه الذين دعمتهم هذه المؤسسة. كان راعيًا لشبان أتى الكثيرون منهم من بيئة متواضعة ليبرهن بذلك عن ان المعرفة ليست حكرًا على اولاد الاثرياء.

له طرقه ولغيره طرقه. ولكنه نجح – على ما يبدو لي – في اختيار الاحسنين ليستنفرهم في خدمة البلد. كل هذا الميل الى الموهوبين كان ييسر له مرونة كبيرة في تعاطي الناس والسياسة. والسياسة هي قبل كل شيء حكمة أي عقل راجح في مواجهة الواقع. والسياسة فن صعب في بلد من العالم الثالث. غير انه كان يتوق الى اخراجنا من العالم الثالث في علاقات بين الناس راقية وفي حسن الادارة. غير ان حسن الادارة لم يكن فقط بين يديه ولكنه كان في ايادي اناس آخرين. لم يجد الكثيرين في الدولة لهم ذلك الايمان الذي ينقل الجبال والكبير فينا لا يستطيع ان ينطح صخرا صلدا.

#  #

#

لقد تمنى ان تساعدنا الدول الكبيرة في ترقية لبنان الى الدرجات العلى من الوجود السياسي. وهذا ما يفسر اتصالاته الخارجية بالعرب وغير العرب. كان يعرف ان بلدنا لا يقوم الا بالتعاون مع الذين يحبون عوننا وكان يثق بأن بعض الكبار في الخارج يريدون ذلك. كان يفهم التماسك Interdependance بين الدول وظن ان لبنان مهيأ بثقافته وانفتاحه لتقبل التماسك ويبقى مع ذلك مستقلا لينمو بما فيه من طاقات ومن تطلع الى الخارج نحفظ فيه كرامتنا. وقاده تقديره لامكاناتنا الى ان يجمع الدول في باريس 1 وباريس 2. في حال التلف الذي كنا عليه وفي قلة مواردنا ما كان في الامكان ان ننغلق ونعيش. لذلك كان يصر على الجانب المالي والجانب الاقتصادي في نهضتنا وكأنه كان يعتقد ان اليسر في لبنان ممكن وان لنا ان نغلب الفقر الذي كنا عليه بما نحن شعب واحد.

هذا رجل ولد السنة الـ 1944 اي في زمن كان لبنان انجز فيه استقلاله وتجاوز مواطنونا الشك في كيانيته. لذلك لم يعش الايديولوجيات الحادة التي كانت مهيمنة على البلد لما بلغ الرشد على ميله الطبيعي الى عروبة ما كانت تهدد في مطلع شبابه كيانية البلد. فالنهوض بلبنان في براغماتية لم يعش سواها كان هدفه. والدنيا كانت تعيش هذه البراغماتية. ربما اثارت ثروته هذه الرؤية العملية الى بلد ثري عن طريق العمل والارتقاء من الازدهار الى الحرية. وما من شك في انه اراد ان يتطبع بهذه المرونة ان لم تكن طبعه لينقذ لبنان انطلاقا من الممكن. اليست تلك هي السياسة؟

هذه الميزات التي حسبتها فيه جعلت الكثيرين من أبناء وطننا والاجانب يقولون انه رجل دولة. هذا لا يفترض ألا يكون عنده اصدقاء كانوا موضع ثقته. لعله قدر بعضهم أكثر مما ينبغي التقدير لان العاطفة كانت غالبة فيه. وليس في العاطفة سوء ان لم تخرجك عن المنطق والاخلاص للبلد. غير اني لا أرى ان نفسه كانت امارة بالسوء لأنه كان يحب وتاليًا كان يحاول ان ينصف. ربما كانت جاذبية هذه الحسات التي كانت تزينه تجذب اليه الكثيرين. ما من شك في انه كان له كاريزما نادرة. واذا وضع الكاريزما للخدمة فمتعتنا نحن هي بالخدمة.

الانسان توق والتائقون يحققون قليلاً او كثيرًا. وليس فضل الانسان ان ينجز الكثير الكثير ولكن ان يشتاق الى الخير ويحاوله في اقصى ما وهبه الله من وزنات او قدرات.

ترك لنا الحريري شوقًا الى الجدية وهذا ميراثه. وبعدما ذهب يريدنا ان نستغل هذا الميراث وان نذهب بالبلد الى حرية تؤمن لنا وحدها العدالة والعيش الكريم. والعيش الكريم عندنا هو ما يراد به عيشًا واحدًا لكل طوائفنا بمعناها السياسي. ان اغتياله ترك لنا – على ما أرى – عيشًا واحدًا لا تفرقة فيه بحيث لا تبقى مجموعة تميل الى هنا او هناك ولكنا معًا نخلص للوطن. لقد فهم الجميع انهم يستطيعون ان يحيوا معية لبنانية واحدة. وفي رؤية حب كهذه نتروض على ان نصبح وطنًا يضم الجميع ويعدل وينصرف بقواه الى خدمة نفسه ولا يغازل احدًا ولو تقبل عطاء الذين يحبونه.

يبقى ان نتطلب العدل لرفيق الحريري نفسه بعدما حلت به هذه الميتة العبثية الكافرة. أبسط عدل من قبلنا نحوه ان نحزن لفراق رجل كبير مثل هذا، ولكن الحزن لا يشفي. الميراث يشفي.

#  #

#

ما من شك في ان رفيق الحريري يبقى علمًا من اعلام لبنان الحديث ويبقى مصدرًا لتأملاتنا فيما نسعى الى تعمير البلد وتنقيته. كان يريدنا ان ننظر الى الحق. متى يصير لنا بلد حق؟ الجدية والمرونة والجهد الموصول والصدق والعلم وتماسك كل مجموعاتنا الدينية طريقنا الى الحق. ولما ودعنا الرئيس الراحل يوم الاربعاء الماضي كان القادرون منا على تجاوز الألم ينظرون الى لبنان ذهبي الوجه، حريري الملمس، فولاذي القبضة على كل قدراته ليتمجد الله فيه.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

شهوة السلطة / السبت 12 شباط 2005

السلطة مسؤولية قائمة على المحبة. والاقدر على المحبة والفهم هو الاقدر على المسك بالسلطة التي هي مقام الخدمة. ولكون المسيح جعل نفسه غاسل ارجل أراد ان يذهب بهذا الى الموت ليصير به خادماً للبشر جميعاً. ولقد اعترف السيد بسلطان بيلاطس عليه بقوله انه اعطي لهذا من فوق. السلطان الصالح، العادل، المحب ايقونة الله امامنا. لن اتصدى هنا لموضوع المقاومة للسلطان العاتي وقد واجهه الفكر الغربي (توما الاكويني) والفكر الاسلامي وفي ما قاله العلماء مذاهب. لكن المبدأ الذي وضعه بولس الرسول ان الحاكم يسلم الحكم اليه من اجل الخير لانه لا يحابي الوجوه. واذا استخدم الخير يكون حاكماً باسم الله. وهذا ما رآه يوحنا الحبيب في رؤياه.

غير ان المقام، كل مقام يعرض صاحبه للاغراء فتتحول السلطة الى تسلط اي تؤول من خدمة الناس الى تغذية المنفعة الشخصية عند صاحب المقام باستعماله الناس. ولست اريد بالمنفعة الشخصية، ضرورة، استغلالاً في سبيل المال ولكني اريد التحكم بسبب عبادة الحاكم نفسه وجعله الناس عبيداً له.

الحاكم صالح اذا اعتبر الله حاكماً له او اطاع هو القانون بسبب من توقيره للمرجع الذي وضعه وتالياً هو مرتبط بالوطن من حيث هو قيمة اخلاقية الا اذا الوطن اعتدى. من هنا ان الحاكم العادل لا يطلب شيئاً لنفسه ولا لعائلته او طائفته اي انه زاهد بالكلية في هذه الدنيا ويكتفي براتبه ولا يقبل هدية لان أيّاً منا يرتهن لمهديها. قد يكون للحاكم اصدقاء اذا عرف انهم لا ينتظرون اجراً لصداقتهم او رأى في نفسه صلابة تحميه من اصدقائه. الحاكم العظيم ولاسيما القاضي يعيش في عزلة عاطفية لئلا تشرده العاطفة عن العدل. انت اذا كنت في المسؤولية لا تسترض احداً اذ لا تنتظر الا رضاء من على العرش استوى.

أنا لا أنكر ان السعي الى مركز يمكن ان يكون سعياً الى خدمة واسعة وهذا امر له شروط اخلاقية. ولكني ارى ان الركض وراء المناصب كثيراً ما كان شهوة للنفوذ الذاتي ولو كان هناك زهد في المال اذ القيام على أرائك القوة شهوة بحد نفسها لا تغذيها بالضرورة شهوة المال. «كل سلطان مفسد والسلطان المطلق مفسد مطلقاً». قد يكون في هذا مغالاة اذ يمكن المتواضعين ان يجلسوا على العروش. من هنا، احذر مخاطر المقامات ويكون الاقبال عليها «في خوف ورعدة». انت لا تستطيع ان تحكم الا اذا كنت في حالة الصلاة او كأنك على صلاة بمعنى ان قلبك هو الى حاكمك الالهي والى دينونته.

#  #

#

واذا تكلمت على الحكم فاني لا احصره في أهل السياسة ولكني أتكلم على من اسندت اليه مسؤولية في الكنيسة كبيرة كانت أم صغيرة. فان من افتخر واستبد في كنيسة الله انما لا يعبد الهه ولكنه جعل نفسه الها ولو نطق بكلمات المسكنة. والاستبداد في الكنيسة قد يكون اخطر من الاستبداد في الدولة لان صاحبه يتكلم باسم الله ويظن ان ما نطق به عن غرض او عن شهوة هو ارادة الله.

والشيء نفسه يقال عن صاحب محل او معمل او عن رب عائلة يطوع اولاده لغرض التسلط الذي فيه. ذلك ان هؤلاء المرضى اسادوا البلد ام سادوا شيئاً آخر انما يحبون ذواتهم فقط بالمعنى القاسي للكلمة اي لا يحبون أحداً سواهم بعدما قرروا ان ليس من وجود حقيقي لآخر. هذا وجه من وجوه رذيلة سماها آباؤنا في النسك حب الذات. اجل تقضي الرؤية الروحية ان تحب نفسك قائماً في الله وان تحب الله قائماً فيك. أما اذا انحرف ذلك فيك يصبح حباً انانياً اي حب اناك الساقطة المتشهية عالم المحسوس او عالم الحكم من اجل الحكم.

لا يعبر المتسلط عن نفسه باصدار الاوامر القرقوشية فحسب ولكن في مجالين ايضاً هما المال والجنس. ليس المال شيئاً سيئاً بحد نفسه. يصبح كذلك اذا اردت ان تشتري به ولاء الآخرين. والجنس مجال لتحكم الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل. في آخر تحليل يبدو اغراء السلطة اقوى اغراء فينا فانه التجربة المثلى التي وقع فيها آدم وهو ان يكون مثل الله. وهذا ما جعل المتسلط في فراغ رهيب لأنه في آخر تحليل ليس فقط لا يحب أحداً ولكنه لا يحب نفسه. انه «عاشق نفسه ضد نفسه» كما يقول مكسيموس العظيم. يكره نفسه بمعناها الحقيقي اذ لا يعرف ان الله وحده مآلها. واذا تختلط عنده كل الشهوات يدمر نفسه بنفسه. وقد فاته رجاء ان يكون واحداً مع الآخرين الذي يقول الله عنهم انهم أخوة.

في هذا الالغاء للآخرين لا بد للمستلذ مكانته الاولى في الوجود ان يعيش المجد الباطل او الكبرياء. انه معجب بنفسه ومداح لنفسه. كبرياء لانك لا تستطيع ان تستكبر الا اذا استعليت واحتقرت الآخر حتى تعتبره عدماً. هو انسان الذم الدائم المكتفي بنفسه ويحسب عند احتلاله المقام انه يعرف كل شيء وانه دائما على حق. نجد هذا كثيرا عند الوالد الذي لا يرى فضيلة في ابن من ابنائه وينتقده باستمرار او عند المدرس الذي يمارس الغطرسة ازاء تلميذ او مجموعة تلاميذ او عند مثقف يرى ان كل الناس الذين دونه ثقافة اغبياء. هذه كبرياء بعض العارفين الغافلين عن عيوبهم ومحدودية المعرفة. هؤلاء الناس على مختلف فئاتهم يرفضون النقد او اللوم او أن يؤمروا. لذلك يسقطون دائما بالعدوانية والسخرية احيانا وبرغبة في الاهانة لتثبيت مواقفهم اية كانت.

#  #

#

عودا الى السياسة ولكونها المطرح الكبير لشهوة السلطة ماذا يقول الكتاب؟ عندما انبأ يسوع بموته مرة ثالثة تقدم اليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى يطلبان ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن شماله في مجده قال المخلص لتلاميذه: «تعلمون ان الذين يُعدون رؤساء الامم يسودونها، وان اكابرها يتسلطون عليها. فليس الامر فيكم كذلك. بل من اراد ان يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما. ومن اراد ان يكون الاول فيكم، فليكن لأجمعكم عبدا. لأن ابن الانسان لم يأت ليُخدم (بضم الياء)، بل ليَخدم (بفتح الياء) ويفدي بنفسه جماعة الناس» (مرقس 10: 42-45).

انت، نائبا او وزيرا او موظفا كبيرا، ارسل اليك هذا الكلام فليس الناس رعايا. قدرتك على العطاء تبرر اقامتك في منصب المسؤولية. فما جيء بك للكسب او التباهي. فالوظيفة ليست تبخترا، او زهوا. انها امحاء في سبيل الاخرين. اذ ذاك يرتفع الآخرون.

قد تُعرف (بضم التاء) بسبب من المنصب ولكن هذا لا يستدعي التملق لك خشية الانتفاخ فيك. واعلم حقيقة الآية: «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء» (سورة آل عمران، 26). اي اعلم اولا الا تتملك الناس اذا ملكت لأن الله ينزع عنك الملك متى شاء ويعزك ان تواضعت في حضرته وامام الناس. ذلل نفسك امامه ولا تذل الناس لئلا يذلك ربك. وقد تحسب انك غدوت في منصبك كبيرا وفي الحقيقة انك صرت ذليلا ويقرأ الناس ذلك ويحتقرونك ولو انتخبوك او استوزروك اذ تصبح لا شيء في عيني الله وقد رأيت نفسك كل شيء.

وان تستعلي هو الظلم عينه فإن القوم كرماء في عيني ربهم وباتوا افضل منك ان انت استصغرتهم. وهذه هي الجهالة. لا تنس ان كرة المطاط اذا نفختها الى اقصى حدودها تنشق.

من يعطيك الهدوء والرجوع الى حجم لك لم يمسه المجد الباطل او الكبرياء المستهترة؟ انت لست ساكنا في المجد فلماذا تطلبه من الناس؟ اذهب ودافع عن المقهورين في الارض ومستضعفيها وواجه كل سلطة في البلد عسى تعرف هشاشتها. تعلم انك تراب.

واعلم في ترابيتك ان الفرق ليس بين هذا الفريق او ذاك من اهل السلطة ولكنه بين خادمين للوطن ومتسلطين عليه. واذا اردت ان تتحزب فللحق. والحق يحررك من كل شهوة. واذا تحررت تصبح قادرا على سياسة طاهرة.

انا لست بغافل عن هذا الخيار او ذاك في الحياة السياسية. وهذا امر ليس فقط مشروعا اذ في السياسة خيارات ولا بد فيها من الافتراق. واختر اختلافك ولا تجعله خلفا لانك بذلك تكون فقدت المحبة التي هي وحدها نفحة خدمتك. فاذا سست من اجل إلهك يصير هذا عزة للوطن الذي هو مطرح للرب. واذا لم يعرف اولو الامر هذا فهم لا يعرفون شيئا.

كن في السياسة بسيطا ببساطة الله وشفافا مثله ومت عن الامة كما مات الفادي. ففي هذا قيامتك وقيامة الذين استعبدت نفسك لهم بالاخلاص. اضرب الكبرياء والتحكم والمجد الباطل ليكون الله وحده هو العزيز.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

ثنائية المسيحيين في لبنان / السبت 5 شباط 2005

المسيحيون في لبنان اذا كانوا أكثرية كما في احصاء 1932 او باتوا أقلية كما يقال اليوم على غياب كل احصاء يعيشون في هياكلهم من جهة وفي الوطن من جهة ثانية وليس بين ما يأخذونه من كنائسهم وما يمارسونه من سياسة اية صلة. لا يستلهمون الانجيل لينقلوه الى دنياهم فاذا استمدت قلوبهم لنفسها لغة من انجيلهم لا تنحت قلوبهم دنياهم. هم من السماء لا ينزلون منها وهم من العالم لا يصعدون منه الى فوق. هذه هي ثنائيتهم القتالة اذ يقبلون فيهم هويتين لا تتداخلان. فيهم حلاوة الملكوت وفيهم ترابية هذه الارض. فلا ارضهم تستضيء بسمائيتهم، ولا ارضياتهم فيها نكهة الفردوس. انهم لا يعون هذا الانفصام المحطم لوحدتهم الكيانية.

فيهم فاجعية اقلوية تخيفهم غير مصغين الى قول المعلم: «لا تخف ايها القطيع الصغير. انك قد اعطيت الملكوت». يخشون صغر حجمهم ليقينهم ان لهم حجم الارض ولا يعرفون ان رأسهم ينطح عرش الله ولا يفهمون ان الارض موطئ لقدميه اذ الههم قابع فوق ينتظرون لقاءه بعد موتهم او في القيامة كما لا يفهمون ان قلوبهم هم قادرون بها على ان يحركوا الارض. وهم عالمون ان «ليس لنا مدينة ثابتة بل ننتظر الآتية».

«انهم يتقلبون على هذه المقولة» ان المسيحية تمتاز بالقيمة التي يولونها الارض وانا لم اجد في النصوص التأسيسية ما يؤكد ذلك. في الحقيقة الانجيلية ليس عندنا صوفية الارض لاننا قارون في الكلمة وهي خارجة عن كل محدود ولا نختلف في ذا عن المسلمين القائلين او مقرهم هو الكلام الالهي.

اجل ليس عندنا شرع يتحدث عن الطعام والشراب والمعاملات وفقه المعاملات وليس عندنا تفاصيل عن الحياة الزوجية ولا كلمة واحدة عن الحكم ولكن عندنا كلمة تنزل منها سلوكياتنا في الطعام والشراب والزواج والمعاملات. لنا من الكلمات ثمار وهي ليست في فاعلياتها اضعف ممن كان عندهم تفصيلات واضحة في هذه الامور. ولهذا ما كان صحيحا القول ان المسيحية روحانية بحتة كأننا غافلون عن دنيانا. ولكن عندنا اقبال على الدنيا بأسلوب يختلف عن اسلوب المسلمين ولكن لا يختلف عن عمق الالتقاء بين الدين والدنيا كما هي الحال في الاسلام.

نظهر للناس في الشرق على ان لنا وحيا ضبابيا في ما يتعلق بشأن الدنيا اذ ليس عندنا احكام شرعية. ولكن اذا كانت روحياتك عظيمة فلست في حاجة الى جزئيات تسوس دنياك او تقدر انت على ان تستنتج دنياك من روحيتك.

ترى في اوساط المتعاطين الشأن العام بين المسيحيين من كان عظيم التقوى ولكنه لا يأخذ شيئا من تقواه ليعالج امور الدنيا اذ قد يكون عسيرا ان تقبل قول المسيح: «انتم في هذا العالم ولكنكم لستم من هذا العالم» فيهرب ذوونا من معالجة العالم بنفحة روحية ويتخبطون في شؤون العالم كأنهم منه ومن منطقه وقواعد اللعبة فيه. اي ان المسيحيين جعلوا انفسهم جسما سوسيولوجيا وهم جسم روحي تتساقط تقواه على الكيان السوسيولوجي. هذه ثنائية لا تطاق.

ولعلها مشتقة من علمانية خفية عند المسيحيين بمعناها الضيق والتي تؤول الى فهم خاطئ لقول السيد: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وفي السياق الانجيلي هذا لا يفيد ثنائية بين ما هو للدين وما هو للآخرة لان «ملكوت الله في داخلكم» وهو ليس وجودا مرجأ الى ما بعد الموت او القيامة. الملكوتية سيادة الله على القلوب هنا واذا بدأت هنا تكتمل فوق. فاذا لم يسدك الرب هنا لن يسودك هناك. «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» تعني ان اعطوا لقيصر ما له بعد ان يكون قد خضع لله. العمل هنا ان تتقبل الله وتضعه في قلب قيصر.

واذا افترضنا – وبلا احصاء لا يجترئ احد عليه – اننا أقلية فماذا يعني هذا؟ لنحكم او لنسود الحكم؟ لماذا يجب ان نحكم بلا اله فينا؟ هذا يعني غلبة طائفتنا على طوائف اخرى. ماذا ينفع هذا ان كنا بلا اله؟

قد يكون بعض من هذا الموقف آتيا من شبلي الشميل وفرح انطون وامين الريحاني وامثالهم في ما سمي خطأ عصر النهضة ولكنه لم يكن عند جبران ولا عند نعيمة اللذين اوحيا الى العرب «انجيلية» ما واستنزلا الله على الارض. وبعض من الشعراء المسيحيين حملوا وثنية ظاهرة في شعرهم ولعل علمانية على الاسلوب الفرنسي كانت تختفي وراء ذلك او لعل بعضهم اغترب عن الكنيسة ولو لم يغترب كليا عن المسيح ولكنه كان مسيحا باهتا لا يجلجل صوته وسط دنيانا.

لم نفهم ان الاكثرية لا تخيف لأن لها تحركا آخر. نحن لسنا في مقابلة مع المسلمين لان لهم منظارهم ولنا منظارنا. نحن لسنا نقابل منطق الديانتين. نأتي من انفسنا او من ذلك الذي كوننا شهودا له في هذا العالم وكان هو فيه مواجها وموبخا للقلوب وما كان في المسيح ثنائية.

#  #

#

ليس هناك اصلا سياسة مسيحيين لهم مصالحهم وحساباتهم. هناك سياسة وطنية فقط يقوم بها الجميع من اجل الجميع. فان تمتع الكل بالحرية يكون وطننا لا وطأة فيه لأحد على احد.

واذا لم يكن ثمة سياسة مسيحيين الا انه لا بد من رعاية المسيحيين لبقائهم في البلد وسعي الكنيسة الى انمائهم الثقافي والاقتصادي وان كان هذا في اتساعه وجديته من عمل الدولة. ان القيادة الكنسية تضطر احيانا الى لعب دور الدولة اذا قصرت هذه بحق الوطن. الدور البديل الذي تقوم به الكنيسة هي مكرهة عليه وهو يأخذ من الطاقة التي تبذلها في المجال الروحي المحض. ليست الكنيسة حكومة ظل ولا ينبغي ان تكون وهي ليست مؤهلة لدراسة الملفات في كل وزارة ويكفيها الدفاع عن المظلومين الى اية جهة انتموا والى الدفاع عن الوطن اذا هُدد. الكنيسة تكون طائفية اذا حرصت فقط على حقوق ابنائها ولن تكون كذلك اذا حرصت فقط على الجميع.

وفي الزمان الذي نعيشه كلنا مقهور ومعظمنا فقير. والمسيح مسيح المقهورين والفقراء جميعا. ليس عندنا في الاصل اذا سياسة مسيحيين ولكن عندنا سياسة مسيحية لخير الناس جميعا. من هنا ان واجب المسيحيين ان يأتوا من الانجيل الى خدمة الناس في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتربية. وعلى قدر نمو البلد في كل اطيافه ينمو المسيحيون ايضا. والجميع مشمولون بمحبة المسيح الواحد وتاليا يستحقون العناية الواحدة من قبلنا. لذلك لا يكون اتباع يسوع على شيء اذا لم يجيئوا منه الى سياستهم البلد. فالسؤال الانجيلي ليس حول الشروط في السياسة الوضعية ليبقى المسيحيون على ازدهار وحرية ولكنه كيف تقاد السياسة ليبقوا هم والمسلمون معا على ازدهار واحد وحرية واحدة. نرجو ان يأتي يوم لا يطرح سؤال التوازن بين مجموعة دينية ومجموعة اخرى ولكن يطرح سؤال الحرية والعيش الكريم لنا جميعا.

عجبي بأولئك المسيحيين الذين يبحثون عن انفسهم فقط ويسعون الى وجود لهم خاص يقوم ازاء الوجودات الاخرى وكأنهم اسلموا الى منطق القائلين ان المسيحية دين ودنيا معا. ربما نشأت جماعة مسيحية تاريخيا على انها كنيسة وامة معا. واذا بقي لهذا اي اثر في النفوس فلا بد من سلخ الكنيسة عن رؤية نفسها امة. فبعدما قبلنا لبنان وطنا نهائيا لنا بتنا امة واحدة. والمسلمون لا يسعهم ان ينظروا الى انفسهم وحدهم امة بالمعنى المدني بعدما قبلوا دستور المدينة الذي وضعه الرسول العربي واعتبر فيه ان كل سكان يثرب امة واحدة. ودستور المدينة وثيقة لا شك في صحتها وتاليا لا شك في استمرارها في تعامل المسلمين واهل الكتاب. نحن على هذا الصعيد وتأسيسا على النصوص لا نرى خلافا بيننا. غير ان النفوس عندنا في حاجة الى تطهر دائم لنلازم روحية المسيحية من جهة وقبول دستور المدينة من جهة اخرى.

ومن الواضح اننا نجيء معا من التشريع الوضعي الذي تضعه الدولة ومندوبو الامة ونقرأه على خلفية الروحية التي تجمعنا على هذا الصعيد. ويرحب المسلمون ترحيبا كبيرا اذا باستمداد المسيحيين سياستهم من المسيحية ولا يرحبون بسياسة منفعية للمسيحيين تقوم على نوستالجيا الاستعادة لسيطرة كانت لهم في الماضي. المسيحي في جوهره وفهمه ليس على احد بمسيطر كما ان نبي الاسلام قال له كتابه انه ليس على احد بمسيطر.

نجيء من الله او نجيء من شهواتنا. وان لم نجعل الله سائسا لحياتنا الوطنية نقول كلمات لنا عابرة او فاسدة ونحكم بتشهينا للارض. نحن نريد -في حدود ضعفنا– ان نجعل الارض سماء. هذا نستطيع ان نقوم به معا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الإنسان المرمي في الخضم / السبت 29 كانون الثاني 2005

كثيرًا ما نتأفف من انهيار المجتمع حولنا، من غياب الدولة أو هزالة العائلة. أي منا يخشى على نفسه وعلى أولاده من السقوط العميم، من ظلم الدول للدول، فهذه كلها تلحق به لأنه يسبح في هذا البحر الهائج وعسير عليه جدًا ان يعزل نفسه عن العاصفة.

هذا يذكرني بهياج المياه التي غرقت عشرات الآلاف في جنوبي آسيا وشرقيها، ما عسى الذين كانوا تحت المياه يفعلون الا ان يغرقوا؟

غير ان الانسان مهما كان متصلاً بهذا العالم المضطرب بثورة الطبيعة وثورة الشعوب ليس أسيرًا الا لثورة شهواته فيه. انه بجسده جزء من آلية العالم، بعض من العناصر الكونية، مذرى كالصوف عند النداف، ولكنه كذلك في جسده، أعصابه تحتمل أو لا تحتمل لأن اعصابه تأتي من فكره. وفكره هادىء أو يهوج.

الانسان وسط الهدير الرهيب قد يبقى صامتًا اذ يصغي الى الكلمة الإلهية اذا كانت وحدها نفحته. الطبيعة ليست ماسكة بالانسان. هي محيطة به. وفي ايماننا ان التراب الذي نرمي فيه بعد آخر رمق ما هو بممسك بنا، هو حافظ أجسادنا فقط ونحن متجنحون على أجنحة الروح التي تنتظر القيامة.

ليس الانسان كائنًا محتومًا لان خياره حر، حر من هذا المختبر الخيميائي الذي هو جسدنا، حر من الأفلاك والأبراج اذا كان لها بعض من تأثير عليه عند ولادته اذ وُلد في اطارها. ومهما يكن من حقيقة هذا الأمر فلسنا نحن مرتهنين له ارتهانًا اذ نتربى على ما هو أفعل في النفس في ما بعد ونتلقى أحرارًا تأثير العائلة واثر المجتمع. فالعائلة لا تحتم علينا سلوكنا كما يحتكم بنا الطعام أو الشراب في أجهزتنا البيولوجية. فتثور انت على والد سيىء أو أم سيئة وترفض تمردهما على الرب وتصبح خيرًا من أمك وأبيك فمن أكل الحصرم لا يضرس اسنان أولاده بالضرورة.

انت حر من الجنين الذي كنته منذ اللحظة الاولى من نشوئك، ما من شك في ان هناك طبائع تأتيك من وضع الجينات التي كانت فيك منذ البدء. قد يكون هناك تهيؤ لهذا النمو أو ذاك. وفي هذا يقول علماء الحياة ان النمو يأخذ هذا الاتجاه أو ذاك بعد ان تنزل عليه مؤثرات خارجية فتتلاقى مع هذا الذي جيء الى الانسان من ذويه أي من وضعهما عند الحمل. ولكن ليس في هذا حتم أو قدر بيولوجي.

#  #

#

كذلك ليس عند الله عسف فلا يروقه الاّ ان تكون حسنًا ولا يحدك بعناصر فيك بيولوجية كانت أم سيكولوجية بحيث تأتي مسلخًا نفسانيًا.

بعض الناس مسوخ عند الولادة. هذا من المختبر الخيميائي الذي هو جسدنا والله ليس بالضرورة صانع عجائب كل حين ليجعلك على صورة أخرى. هكذا تفاعلت مورثات فيك وجعلتك مسخًا . والله يتعامل مع المسوخ وينقذهم على طريقته أي بما يراه مفيدًا لهم ولا ينقذهم بالضرورة من هذا المرئي الرهيب الذي لن نألفه. هناك اسئلة شرعية بسبب مما ننتظره من الوجود. هناك تساؤلات تمليها العاطفة وليس عنها جواب.

وفي ما هو طبيعي لماذا يأتي ولد مفرط الذكاء ويأتي الآخر أبله أو نأتي جميعًا متفاوتين؟ محاولة جوابي ان ليس من فرق عند الله بين مفرط الذكاء وقليل الذكاء لان الخلاص ليس بالذكاء ولكنه بالقلب النقي. لماذا لا تكون الطبيعة كاملة أو كل الناس متفوقين بالجمال والعقل وبهاء القداسة؟ ليس أحد يعرف في ذلك حكمة الله. ولكن كل شيء في هذه الخليقة يسير وكأن كل واحد له وجهته وكل له نفعه. فكم يتاذى المرء من جماله ومن عظمة عقله عندما يستخدمهما للشر. ليس ما نحسبه حسنًا هو دائمًا حسن.

الى هذا كم من معوق نبغوا أو ارتفعت أخلاقهم وجملت نفوسهم. أجل هناك عقبات لنا نتخطاها وهناك عقبات لا نريد تخطيها. ومهما يكن من أمر «ففي السماء والأرض أسرار أعظم من ان تستوعبها كل فلسفتنا» (شكسبير).

الدنيا عاصفة وقد نجا بعض من «التسونامي» الذي عصف ببعض من ارضنا. لا أحد يعرف لماذا أو كيف نجوا. هناك دائمًا من ينجو من ظلم المجتمع أو تعسف الدولة أو من تذمر زوجته أو من خيانة الرجل. هناك من يخلص من السرطان ومن حوادث سير مريعة. أعرف انسانًا كان نائمًا في سريره وجاء جهاز مخابرات وأطلق على وجهه عدة رصاصات ولم يصب بأذى ورأيت على صورة شمسية ثقوب الرصاص على وسادته بشكل دائرة. لماذا لم يصب طلق واحدة؟ أهذا من غباوة المخابرات أم من رحمة الله أم الرحمة الإلهية جعلت في هؤلاء الجنود غباوة محمودة؟

#  #

#

أخذت اقرأ منذ أيام مقاطع من شبلي الشميل ولم أر مثل سخفه عندما كان يذكر الدين. كان رجلاً أميًا في هذا الموضوع وكأنه لم يقرأ في الدين شيئًا أو كأنه أراد ان يصبح سجين الفكر الالحادي المستورد الذي ظنه غاية في الذكاء. وصرت اقرأ لهذا الرعيل الذي رافق الشميل وهم يتفاوتون في الجهل ونحن جعلناهم روادًا لكونهم تكلموا على الحرية والديموقراطية والاشتراكية وما اليها ولم يستطيعوا ان يخرجوا من هذا الذي ظنوه في الفكر الفرنسي تفوقًا عقليًا على البسطاء الأتقياء في بلدنا.

كان يكفي ان تقرأ بعض الكتب في اللغات الأجنبية لترى نفسك حصيفًا واذا بك مستكبر سطحي تدغدغك فلسفة هزيلة.

لماذا تأتي هكذا تفهًا في بلاغة وغيرك أعمق منك انسانيًا ولو كان دونك قراءة. هناك تحزب عقلاني يبدو في هذه المرحلة أو تلك وليس فيه تحرك وجداني عظيم. هنا أيضًا ليس عندنا شيء محتوم.

عندنا اليوم علماء كبار ملحدون وقرأت لهم ولكن عندنا علماء مؤمنون. لا يعرف أحد لماذا اعتنق بعضهم الكفر واعتنق بعضهم الإيمان. لا أحد يعرف تحرك العقل فهو ليس محتوما. نحن نؤمن ان المؤمن تنزل عليه نعمة ربه. والنعمة حرة بحرية الله. وستبقى هذه الدنيا على حريتها في اختيار الجحود وفي اختيار اليقين الإلهي.

لكن المؤمن مهيأ لرؤية الخطأ ورؤية القباحات وهبوب رياح عاصفة في مجتمعه ودولته والحياة السياسية كلها. وقد نهبط الى أسفل دركات الممكن. وأحيانًا نقارن. غير ان العارفين بالأمور يقولون لنا ان العنف ساد كل العصور وما من شك في ان عدد السنين التي كان العالم فيها في حروب أضخم بكثير من تلك التي عمّ فيها السلام. وحسباني ان الأمانة الزوجية كانت في عصر أدركته عادة اجتماعية راسخة قائمة على قناعة دينية أكثر من قيامها على حب زوجي لاهب. ولعل الخوف في مجال هذه الفضيلة وتلك هو الذي يفسر بقاء الناس على الفضيلة. لكن الأشرار كانوا دائمًا والضعفاء والخائفين من العقاب كذلك والله كان عندهم المعاقب الأكبر. وفي جو كهذا يكون الدين خفيفًا والبر ظاهريًا. يبقى ان ليس من تفسير واحد آحادي لكل ما يظهر واننا قادرون على ان ننشأ كل يوم خلائق جديدة غير مصبوبين من مورثات او محكومين من نجم ولا من عادات في الطفولة ألفناها تقيدنا الى النفس الأخير.

#  #

#

الانسان حرية وان يكون جالسًا في السماء إله يحمل سجلاً يعين فيه متعسفًا من يخلص ومن لا يخلص ضرب من الحماقة عندنا لا بعدها حماقة. وان تكون من طائفة الناجين أو من طائفة الهالكين لان أمك ولدتك على ملة من الملل هو أشد ما وصل اليه الانسان من عبودية للنصوص أو من تفسير أحمق لها. لا شيء حتميا يصل بك الى السماء أو الجنة أو يصل بك الى جهنم النار. فقد تكون على بهاء الله أنى تكون ولا يحتاج الله الى دين يجعلك عليه لتنجو. فهو يأخذ احباءه الى الملكوت لأنه استطاب وجوههم ووجوههم من البر الذي في نفوسهم. فليس أحد معينًا سلفًا لمصير أبدي ولا يدخل أحد باب الملكوت بسبب من جهد مهما كان عظيمًا ولكنا داخلون بسبب من الرحمة فقط. وهذا تعليم آبائنا بلا منازع.

وأنت تنجو في العاصفة من العاصفة كما تنجو من تخبطات نفسك ومن دولتك وعائلتك وبيئتك. انت تنحو فقط بمحبتك وهي فيك القوة التي توحي اليك انك لا تأتي من عمى الأقدار ولكن من رأفات ربك.

Continue reading