Author

Aziz Matta

2009, مقالات, نشرة رعيتي

ثقافة الواعظ / الأحد 15 شباط 2009 / العدد 7

كتّاب كبار لم يدخلوا جامعات، فاذا قضت ظروف الرعاية ان نرسم كاهنا متوسّط العلم فلا بد له ان يجدّ ليزيد معارفه خارج اللاهوت ايضا، اذ لا بد من المعارف ليتكلّم انسان، وربما لا بدّ من الاطلاع على الفنون على أنواعها وتهذيب النفس بالموسيقى العالية. فاللغة ذوق يأتي من مصادر مختلفة، والمعلومات الإنجيليّة تـسندها علـوم. على سبيل المثال اذا قال الكاهن ان يسوع “كان لا بـدّ له ان يـجتـاز السامرة” يجب ان يعرف جغرافية فلسطين، واذا تحدّث عن “بيلاطس البنطي الوالي” لا بد له ان يعرف ان الرومان احتلّوا فلسطين قبل الميلاد، وانه كان له تنظيم سياسي- إداري فيها.

الى هذا تثقيف العقل ورهافة الإحساس من شأنهما ان يلطفا التعبير عند الواعظ وان يدخلا المعاني الإنجيليّة من مختلف الحضارات، ولكنه قد يحتاج اليها احيانا دون ان يثقل العظة بما هو خارج عن الكتاب المقدّس. ذكرنا في ما مضى انه لا بد من معرفة العربيّة الفصحى يستعملها احيانا ويهملها احيانا حسب الظرف وحسب السامعين. وهذا يتطلّب معرفة علوم اللغة العربـيّة.

لا يجوز ان يتكلّم المتعلّمون على الواعظ لجهله قواعد اللغة.

الى هذا، الكاهن انسان في حاجة الى فرح يأتي من المعرفة والى فرح يُعطاه بالعطاء، بالحديث في مجالس الناس، بالموآنسة. مؤذٍ مظهر كاهن صامت في كل المجالس. انه تُطلب الحكمة من فمه. الأخرس لا يعطي شيئا.

الى هذا ايضا لا بد للكاهن ان يطالع جريدة يوميّة عالية المستوى ليعرف ما في البلد وفي العالم. لا يعني هذا ان يُدخل السياسة في العظة. هذا ليس شغله. ولكنه ابو المظلوم والفقير والمريض، وأوضاعهم تستصرخ ضميره، واحيانا يجب ان يذكر عذابهم. المهم الا يتحيّز لفريق او لزعيم حتى في مجالسه الخاصة الضيّقة لأن الرعية فيها اختلافات. لا ينبغي ان يُبعد احدًا عنه بسبب السياسة، ولكن اذا رأى ان كلامه يصل الى السلطات او النافذين، فالكلام عن رفع القهر عن المقهورين، الدفاع عن الإنسان واجب علينا، ولكن الانفعال السياسي ليس من شأننا، والنضال السياسي ليس من شأننا.

من الثقافة الا يكون الخطيب الديني غضوبا لأن الغضوب يتدحرج لسانه حتى أذى الرعية وشتمها. نحن نلوم ونوبّخ احيانا ولكن بمحبّة كثيرة. الغضوب انسان لا يرتاح الى الكلمة ودسمها. اما اذا شبع منها حقا، فلا يحتاج الى ما هو غيرها، والغضب ليس الكلمة.

الكاهن ليس فقط في خدمة الشعب. هو غذاء الشعب. بشخصه. بقامته الروحيّة. بحنانه. يساعد على هذا الثقافة. كلما علت يزيد عطاؤه.

اجل واجب المرء ان يستثمر الوزنات التي الله واهبه.

غير ان هذا لا يعفيه من واجب التحصيل. هذا ايضا وزنة من الرب. فكما يسهر على ترويض جسده خوفا من المرض والموت، ترويض عقله ونفسه واجب لينمو ذهنه وتتجلّى نفسه ويزداد عطاؤه. هذا خدمة لنفسه وللآخرين معا. عندما فتح الله أذهان العلماء كان يفكّر بـالخـدمة التـي يـقدّمونـها. اغـرف مـن عطائهـم في سبـيل إخوتك. انت مسؤول عن كل الناس الذين يحيطون بك لأننا نبني بعضُنا بعضا لنصير جسدا واحدا للمسيح.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الهوية / السبت 14 شباط 2009

أود ان أعلو التمزق اللبناني وان اتفلسف حتى لا أقع في الحزن الذي يعترينا جميعا ولا ارى له منتهى الا بلطف الله اي بأعجوبة تغيّر كل معطياتنا. اليوم عزمت على ان احدثكم عن الهوية او الهويات التي بينها نتأرجح. كتاب امين معلوف عن «الهويات القاتلة» ان كل واحد منا ذو هويات كثيرة. انا كذا اي لست شيئا آخر ولكن على المستوى نفسه. انا ذكر اي لست انثى. انا من هذا الحي اي لست من ذاك. انا لبناني اي ما انا من بلد آخر. الهوية تفترض وجود الآخر. والآخر ليس انا الا بالحب. الآخر مقابلي. يحبني او لا يحبني. ولكن وجوده ثابت امامي. بيني وبينه مودة او بغض. ولكن في كل الاحوال هو آخر. احدد نفسي ازاءه والإزائية تعني الكثرة ولكن تنزع الى الوحدة. افراد متعددون، عائلات كثيرة، بلدان متواجهة، أديان متقابلة او متناقضة ولو نزعت الى التقارب. ولكنها لا تنصهر اذ تعطل عندئذ الهوية.

في البدء كانت القبيلة والفرد لم يكن. تجمّع القبيلة يلغي الفرد. وينشأ الفرد من مواجهته القبيلة. تصبح هذه ذات هوية اذا قابلت القبائل الاخرى. غير ان هويتها تقوى اذا بطل التبدّي واستقرت. عندئذ تنشأ المدينة. من هنا ان ابن خلدون صنّف الناس بين البداوة والحضر. في الحضر انا مرتبط بأرض ومتصل بالناس الذين يعيشون فيها افرادًا مستقلين ولو كانوا اعضاء في عائلات. والعائلات تتعايش على أساس هوية الاسم. وهي متعاونة او تسعى الى التعاون بسبب من تعدد المهن ومشاركة اهل المهن في الانتاج. تنتقل الهوية، اذ ذاك، من العيلة الى المدينة. عندنا هنا هويتان متكاملتان ولو سيطر زعيم على زعيم وتضاربَت الأسر او تقارعت. في المدينة اجتماع ولو على زغل احيانا او منافسة. وعند اجتماع المدن عندك وطن يقوم على وحدة وعلى خصومات معا الا اذا برز عدوّ فتشتد الهوية الوطنية وتظهر ايديولوجيات للتغطية ولكن لا تفنى خصوصية الافراد ولا خصوصية المدن. تجتمع الهويات او تتراكم وانت من هذه وتلك وتتأنسن العلاقات كما لم تتأنسن في العشيرة. الأنسنة تقوى اذا قويت روح المسؤولية.

داخل الوطن المدينة واحدة. كانت ذات سور لأنها تعيش حياة العداوة للذين هم خارجها. الموتى المسيحيون كانوا يُدفنون في العصر العثماني قبل أواخره خارج السور. الأعداء، المتوحشون، الغرباء ليسوا من المدينة ولو عاشوا ضمن السور. وهذا اخذ يضعف عندما ظهرت فكرة الوطن. اهل المدينة يسودهم القانون وخارجها ليس من قانون حتى يسود القانون العام ولا يبقى من غريب داخل السور او خارجه لأن القانون امسى القاعدة التي يعيش عليها كل الوطن.

# #
# وتتعقد الامور اذا حلّت الطائفة كقبيلة. الطائفة تهدد وحدة المدينة ووحدة الوطن لأنها أضحت في النفوس هي المجتمع ولم تترسخ في الأذهان وحدة الوطن.

في الحقيقة ان الصراع بين الطائفة والبلد لا يقوم الا اذا اعطيت الطائفة والبلد المضمون نفسه اي كانا كلاهما الوحدة الاجتماعية. الطائفة وحدة روحية اي الله يسودها ولا يقوم بين ابنائها مصالح في حين ان البلد يقوم على المصالح المشتركة بين ابنائه. فاذا اعتبرت طائفتك قوما اعضاؤه مرتبطون بمنافع الارض تكون قد خلطت بين ما كان قائما على الايمان وما كان قائما على منافع الدنيا اي تكون عائشا في هويتين متناقضتين. وبدل ان تكون في طائفتك عبدا لله تكون قد سخّرته ليكون في صالح قوم لهم ذاتيتهم المجتمعية وتكون قد جرّدت المجتمع المدني من طابعه المدني ليكون لا شيء. في الطائفة المعلمنة (القائمة عوض البلد) تكون استعملت الله ليلغي البلد اي تكون قد جعلته جزءا من طائفتك وهو ليس وقفا عليها لأنه رب العالمين. وتكون قد انتزعت من عقيدتك الدينية روحانيتها وكونها جسرا الى الآخرين وينبوع محبة.

انت مسيحي روحاني او مسلم روحاني ولست مسيحيا قوميا او مسلما قوميا. فاذا حل الروح الالهي فيك فهذا يدفعك الى ان تكون مواطنا اي قائما على الارض المشتركة التي هي الوطن وقلبك في الله وهو في قلبك، وللوطن مسعاك الأرضي في العمل وبذل الذات في سبيل الآخرين ويمسي حسّك بالآخرين الذين لهم هوية دينية اخرى خدمة للجميع. لست اقول ان بين الهويتين فاصلًا ولكن بينهما تمييز. فالوطن ليس مجموعة الطوائف لأنه من جوهر والطوائف من جوهر آخر. ومع هذا لك قلب واحد تحب به البلد وتحب ديانتك، ويدفعك دينك الى محبة الجماعة الوطنية وتحمي هذه قناعاتك الروحية.

لذلك لا معنى للقول ان الوطن هو فوق الطوائف ولكنه ليس الطوائف. وانت لا تمر بطائفتك لتتحد بالبلد ولا تنفي ايمانك الديني لتخدم البلد. نحن في مجالين مختلفين يلتقيان في قلبك ومسعاك ولكل منهما حقيقته وكيانه لأن الله -في اعتقادك- يكون لطائفتك ولبلدك معا. وانت تكون فيهما ولكن بهويتين. وتذهب من جماعتك الدينية الى بلدك ومن بلدك الى جماعتك الدينية لأن ربك جامع بينهما فيك.

عندنا في لبنان تمايز بين الطوائف وتداخُل معا. في عيشنا المشترك تقابُل بين اهل الاديان وتناضُح معا بسبب من مشاركة الوجود وبسبب من تقارب القيم وكثيرا ما كانت واحدة على الصعيد الخلقي وفي حالات كثيرة على الصعيد العقدي أقلّه في التوحيد ولو كانت ثمة مباينات في هذا الموضوع او ذاك. ولذلك قيل ان عند المسلم اللبناني شيئا من المسيحية وعند المسيحي شيئا من الاسلام. ففي معانٍ كثيرة نحن متداخلون، متماسّون. ومن هذا القبيل تنفع الاديان في تكوين الوطن.

الخطر يبدأ في اعتبار هذه الطائفة نفسها كل الوطن. انا لست أقول ان هذا قائم عندنا ولكني أحذّر من قيامه لأننا نريد ان يكون مجتمعنا واحدا على الصعيد المدني. الخطر عندنا ان نُحوّل الطائفة الى كيان منغلق او مكتف بنفسه في حين ان الطائفة ينبغي ان تنفتح من حيث هي كتلة على كل الطوائف ما لا يُزعزِع ذاتيتها الروحية وإسهامها في بناء الحياة كلها.

الخطر ان تتحول الطائفة الى قبيلة تتبدّى وحدها في حين ان واجبها ان تتحد بالمجموعات الاخرى على صعيد التجمع الوطني. واذا فهمتْ ذلك تطرح الخوف خارجا. اذكر حديثا جرى في الحرب لما كان زعماؤنا المدنيون مجتمعين في مطرانية الروم الارثوذكس في بيروت. كان ذلك في عهد المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي. اذكر ان الشيخ بيار جميّل قال للمسلمين: نحن نخافكم. فأجابه المغفور له تقي الدين الصلح: الخوف عيب. لماذا تخافون. فردّ عليه الشيخ بيار: لماذا تخيفوننا. أليس هذا عيبًا؟

الصلاح في ألا نخاف وألا نخيف. وهذا يحصل لو اعتبر الفريقان ان لهما هوية واحدة دنيوية أعني الهوية اللبنانية.

بعد مرور كل هذه السنوات لا يشك فريق بالهوية اللبنانية عند الفريق الآخر. ولكن كيف نفعل كل هذا؟ في الوضع الحاضر لم يبق الخلاف، على ما اظن، خلاف طوائف بل خلاف حزبي اي خلاف خيارات على الصعيد السياسي حصرا. اعرف ان تأكيدي هذا يشك فيه الكثيرون. ولكن أدركنا الآن وقتا لا يشك احد في الخلافات السياسية بيننا. انا ليس عندي وصفة لحل هذا النزاع. وصفتي فقط ان يحب بعضنا بعضا بحيث ندعو الله ان يجمع بيننا واذا ما حل يكون اضعف الايمان الا نشتم بعضنا بعضا واقوى الايمان ان نتحابّ.

السياسة لا تحل كل عقدها. الله وحده هو حلاّل المشاكل. ودعوتنا هي اذًا اليه. وما لم نستنزل الله الى القلوب لن يتغير شيء في لبنان. لبنان بلا اله في نفوس الناس يبقى متفسخا، والانتخابات لا تحل عقدة ما لم تقترن بالغفران اي بالتلاقي الذي يمليه الله علينا. عند ذاك تكون لنا هوية روحية واحدة مع اختلاف الدين. نحن في حاجة الى توبة كل جماعة الى الجماعة الاخرى واعتبارها اساسية للمشاركة الوطنية.

هل تحصل الأعجوبة اذا سعينا الى الحرية الواحدة لكل ابناء البلد والى تنميته الواحدة لكل المناطق والى ازدهاره الاقتصادي والى الإبداع الفكري الذي هو في مصلحة الجميع. انا واثق ان هذا اذا حصل تأخذ الخلافات بالزوال ونمشي معا ليزول حكم القبائل وتنشأ المدينة الفاضلة. نحن عندنا معطيات وجمالات روحية لكي نبني حياتنا على العقل والقلب معا. ونحن قادرون ان نبقي بلدنا طيّبا بمواطنيه وسالكا دروب الحق ومعتَقا من كل سيئاته القديمة ليتجلى بالله الذي يريد ان ينزل عليه.


Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

الموعظة: سكبها ومضمونها / الأحد 8 شباط 2009 / العدد 6

الموعظة موجّهة الى رعيّة الراعي الذي يعرفها ويعرف أمراضها الروحيّة وسيئاتها، ولذلك تختلف من هذه الزاوية عن تلك التي تُلقى في رعيّة أخرى. في حالات خاصة مثل مشاركة مطران او كاهن غريب، لا شيء يمنع أن يُفوّضا بالوعظ. يتجنّبان عند ذاك الأمور الخاصة، ويبسطون كلمة الله بمعناها العام.

لا بد من مدخل او تمهيد كأن يقول الخطيب: نقيم اليوم عيد القديس الفلاني، او أصاب أكثر الناس وباء، او حلّت بهذه المدينة هذه الحالة التي تعرفون. هذه طريقة. طريقة اخرى ان يضع الواعظ النص الإنجيلي في سياقه التاريخي فيبيّن كيف جاء ولماذا جاء. واخيرا يختم ولا يبقى متحيرًا ولا يجتر الكلام. واذا رأى الخطيب ذلك مناسبا، يختصر بسرعة الفحوى الذي شرحه، وهو يعي ان الخطاب بناء اي تقوم فيه أجزاء على أجزاء وتؤلف هذه معا عمارة واحدة متراصّة حجارتها، مترابطة المعاني.

حتى تتلاحم الأجزاء يمكن ان تتضمن العظة نقطتـين او ثلاثـا. امـا اذا لم يكـن عند الخطـيب الا نقطـة واحدة فيمكن ابراز جهة او جهتين منها.

هذا كان الشكل. اما المضمون فقلنا انه الإنجيل بمعنى ان الكاهن الذي لا يعرف جيدا العهد الجديد والخطوط العريضة في العهد القديم لا ينبغي عليه ان يعظ، لأنه في فراغ عقله من العهد الجديد يأتي الرعية بمفاهيمه هو التي كثيرا ما تكون تافهة او عادية جدا، ونحن ما جئنا لنعرف آراءه في الحياة او السياسة، ولكنا جئنا نتعلّم كلمة الله. لعل اهم فضيلة في الكاهن ان يعرف حدوده.

لمّا كنتُ خادما للميناء، كان ينزل عندي مرتين او ثلاثا من أبرشية اخرى كاهن عنده اسباب لحضوره في رعيتي. وقال لي: “عندي كتاب عن الكهنوت اقرأ فيه كل ليلة فصلا قبل النوم، ثم أقول لنفسي عندما أضع رأسي على الوسادة: يا فلان ما كان إلك حق تصير كاهن”.

ولكن اذا أدرك الكاهن انه لم يكن مستحقا، ينبغي ان يجعل نفسه مستحقا من بعد الرسامة اذ يمكنه ان يدرس ويعلّم، وخوفًا من الخطأ يكتب ويعرض مواعظه على المطران او كاهن لاهوتيّ ليصحح له الكلمة التي وضعها. اذا قرأ عند بولس: “ويل لي إن لم أبشّر”، ماذا يعمل لينجّي نفسه من الدينونة؟ قداس بلا وعظ شيء غير موجود في الكنيسة الأرثوذكسيّة. هذا لا يقدر ان يشلح، ويحب ان يخدم. ولم يأتِ وقت موته. يبدأ بوعي الثغرات ويسدّها الواحدة تلو الأخرى. والرسول قال ايضًا: “عظ في الوقت المناسب وغير المناسب”. أنت إنسان الكلمة.

الى هذا، يشتري (من معاشه) الكتب الدينيّة التي صارت منتشرة في الكنيسة الأنطاكية ولا ينتظر هدية. يخصص لكل يوم ما لا يقل عن ساعتين للقراءة. عنده ساعات فراغ. يملأ رأسه من المعرفة، وتتلاقى المعارف في عقله ويحبها بقلبه ويحس تدريجيا انه يستضيء. وليطرح اسئلة على الزملاء الذين هم أعمق منه في المعرفة. ليس في هذا حياء. قد يصير هذا الأخ واعظًا كبيرا.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الاشياء العتيقة قد مضت / السبت 7 شباط 2009

الاثنين الماضي كنا في عيد دخول المسيح الى الهيكل ويقال له في اليونانية عيد اللقاء واني لمتخذه رمزًا لأقول ما وددت قوله. ولعلّ عمق المعنى ما استهلّ به لوقا هذا الفصل بقوله: «ولما حان يوم ظهورهما (اي مريم ويوسف) بحسب شريعة موسى، صعدا بالطفل يسوع الى أورشليم ليقدّماه للرب» كما هو مكتوب في شريعة الرب: «كل ذكر فاتح رحم هو نذر للرب».

لقاء مع الهيكل، لقاء الهيكل الجديد الحي بالهيكل القديم. وكان هناك رجل مدعوّ سمعان ما كان من الكهنة. هذا اقتبل الطفل وقال انه يحمل الخلاص لليهود وللأمم. أقف عند هذا لأقول اولا ان اليهوديّة زالت وهيكلها انقرض بإحراق الرومان له السنة السبعين وتاليا ان كل شيء عتيق قد مضى كما قال بولس وكما نشعر نحن ابناء العهد الجديد الذي أقامه الله مع الذين جدّد قلوبهم وسكنها. فبخلاف ما يظن الناس لم تبقَ ديانة العهد القديم حصرًا. انها في الوجدان اليهودي مكللة بالتلمود وفي الحياة اليوميّة يسودها التلمود الذي كتب خمسة قرون بعد المسيح. لقد اخذ يسوع الناصري اليهودية الى المقاصد الإلهيّة التي كان الكلام الظاهري يغلفها. الفرائض اذا بقيت حرفا ننفذه قاتلة للنفس، مستعبدة لها. وقمة التطوّر في هذا ان صار اليهود عابدين لأنفسهم، عابدين للأرض. كأنهم من حيث هم جماعة قائمة على «أرض الميعاد» مخلّص لأنفسهم وللعالم. هذا هو حال لاهوتهم من زمن بعيد، كأن الله يهمّه تراب الأرض، كأنه أمين سجل عقاري لمصلحتهم.

نحن المسيحيين الشرقيين نقول ان اليهوديّة زالت من حيث هي نواميس وهيكل (حتى لو لم تنقرض حجارته) وان الذهنيّة اليهوديّة من حيث هي حروف شرائع لم يبقَ لها مكانة عند الله وتاليا صراعنا مع الصهيونيّة القائمة على مفهوم الأرض المقدسة صراع لاهوتي. لذلك لا نفهم اللاهوت المسيحي الغربي القائل بأن اليهود لا يزالون شعب الله الحامل رسالته للعالم. فبعد ان صارت الكنيسة شعب الله ابتلع المسيح كل شيء قديم ليجعله جديدا. من أمات الأشياء القديمة في نفسه يحيا مع المسيح الذي هو الجدّة كلها.

لقد انهدمت الهيكليات القديمة التي تحمل بذرة الموت وحضارة الموت لتحمل بذرة الحياة وحضارة الحياة. كل واحد منّا فيه نزعة الى التحجّر اي الى تحويل الحياة الى هياكل مصنوعة بالأيدي بحيث ينقطع عن إحيائه الينبوع الذي كان يسيل فيه بعد ان تفجّر في جوف الله. وهكذا يفترض ان يعتبر العتيق فيه عتيقا كما الخلايا في الجسم تعتق وتسبب الموت. هيكليات العقل المعتق زائفة بطبيعتها وتتأكلنا من الداخل كالخلايا السرطانية ولا احياء ممكنا للجسم الا اذا أمست كل مكوناته جديدة.

كل انسان ميال الى العتاقة لأن الجديد مقلق لكونه يغترض المسؤولية اي إرادة التغيير كأننا مولودون جديدا وهذا في المصطلح الانجيلي يسمى الولادة من الروح.
# #
#

قصتنا مع الحياة هي كيف نكافح قوة الموت الروحي الذي فينا. كيف نواجه الاهتراء. ما يسمى السقوط في الكنيسة الشرقيّة ليس خطيئة ورثناها منذ البدء. انت لا ترث مسؤولية سواك، ذلك ان كل نفس تموت بموتها اي بسوئها الداخلي وتحتمل ذنبها لا ذنب سواها. غير ان الانسان يولد معطوبا. كل يوم من حياته يقرّبه من الموت ويدخل دائما الى كيانها ما يعرقله عن تحقيق دعوته الإلهيّة، ما يحول دون صعوده او يؤجّل صعوده. بهذا المعنى العميق «كل نفس ذائقة الموت». بالتعبير القديم هذه هي تجارب إبليس او هجمات الشهوة فاذا استغرقت في شهوات الأرض تفقد ميلك الى رغبة في السماء حيث تجديد الحياة.

كل خوف من الموت يجعلك تصطنع هيكليات، عادات تنكفئ اليها وتظن انها تحميك من مختلف تعابير السقوط. في الحقيقة الإنسان في هروب. يحس ان وجه الله اليه مطاردة او ان الله يطلب الكثير ويتطلب الجهد وهذا يهدد الهياكل التي اصطنعناها في داخل لنفس نلجأ اليها وسرعان ما نلحظ ان اللجوء اليها لا يشفينا.

سمعان الشيخ لما اقتبل الطفل يسوع تمنى الى الله ان يأخذه اليه. «ان عيني قد ابصرتا خلاصك» قال. والخلاص جدة الله اذ الله ما كان ابدا بعتيق -هذا الكلام- يخفي عند قائله قصده ان الهياكل العتيقة فيّ عندما واجهت طراوة المسيح لها ان تنقرض وانا اصير انسانا طريئا كهذا الطفل. واذا صرت كذلك اشتهي طراوة الله وأشفى.

الخلاص ليس فقط يخلّصك. انه يجددك لأنك اذا أبصرت الله محييا تحيا. تحيا بحياته. «من جاء من فوق، فهو فوق الناس جميعا. ومن كان من الأرض فهو أرضي وبكلام اهل الأرض يتكلّم» (يوحنا 3: 11) وهذا لا علاقة له بالأعمار «لأن مولود الجسد يكون جسدا ومولود الروح يكون روحا» (يوحنا 3: 6).

اجل لكل انسان بدن ولكلٍّ عقلٌ. هذا من الطبيعة المخلوقة وقيمته عظيمة على هذا المستوى. ولكن لا يقاس بما نزل نعمة. عند ذاك لا ينظر الى الأبدان ولا الى العقول لأن جميعها لا تقارن بالنعمة فلا شبه بين ما جاء من الطبيعة وما جاء مما فوق الطبيعة. ما جاء من تحت محافظة وترويض بشري. ما نزل من فوق لا تنفع فيه الأجساد ولا العقول ولا الدولة ولا انظمة العالم ولا التنظيم الذي أقامه الانسان لنفسه ظانا انه يفيد من ترتيبات العلم وانه ينمو بها ويثبت بها.

# #
#

انت جديد اذا رأيت ملكوت الله حسب قوله: «ما من احد يمكنه ان يرى ملكوت الله الا اذا ولد ثانية». (يوحنا 3: 3). الولادة من امرأة هي من الطبيعة. الولادة من الله من مشيئة الله وقبول الإنسان لها ولكنها في حاجة دائمة الى تقوية بالطاعة. ليس من عهد ضمان يجعلك آليا لصيق الله. انت معرض للخطر الروحي. لذلك عليك ان تسهر. اليقظة الروحيّة تقتضي ان تحبها، ان تجد فرحا بمرافقة الله اياك. معايشتك الله لا تنشئ فيك هياكل لوجوده معك. انت دائما في حاجة الى ان يمدك الله بنعمته وتتقبله انت كما تقبّل سمعان الشيخ يسوع.

هذا السهر الدائم ينجيك من الخوف. اطلب الى الله ان يلازمك، ان يجعلك دائما خليقة جديدة قفزت فوق الموت. أخطر تجربة تعتريك هي الخوف. «المحبة تطرح الخوف الى الخارج». هذه صلابة ليست منك ولا تدوم من نفسها. تبقى بالصلاة غير المنقطعة، بذكر اسم يسوع الذي اذا ردده لسانك يصبح حضورا وعند الحضور يتلاشى الخوف. عندئذ تمضي الأشياء العتيقة. اذ ذاك تشعر ان ربك جعلك من ابناء الملكوت.



Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

صناعة الموعظة / الاحد أول شباط 2009 / العدد 5

الكلمات المرتبة، الواضحة فيها صناعة. لا ينبغي ان تتدحرج الكلمات من اللسان ولكن من العقل الذي يحتوي المعاني ثم يستلم اللسان المعاني. هذه حال كل نص. اجل ان تستلهم الله ولكنك تدرس . تمحّص الأفكار المتّصلة بالفكر الإنجيلي اي بالقراءة الانجيلية التي قرئت. وهذا التواصل بين الواعظ والنص الانجيلي تدعمه التهيئة للعظة بحيث يأتي الكاهن الخطيب دارسا مكانة التلاوة الإنجيلية في الإنجيل الذي اقتُطفت منه ويعرف تفسيرها استنادا الى كتب التفسير المتوفّرة لديه بالعربية او باللغات الأجنبيّة اذا كان يتقنها، وعلى الأقل من الكتب التي تفسّر أناجيل الآحاد او الرسائل. وهذه متوفّرة بالعربي.

وقد كُتب في هذه الأبرشية منذ سنوات عديدة تفاسير في رعيتي، وربما أمكننا الاطّلاع على ما نُشر في أبرشيات أخرى.

غير ان هذا لا يعني أن نردّد ما قرأناه هنا وهناك، ولكن ان نستقي منه ونعود الى قول قولنا ويوافـق الجماعة التي نعظها لأن ما يقال في هذه الكنيسة لا يُقال في غيـرها، ومـا يـقال في هذه السنـة لا يـُقال في غـيرها.

واذا سعيت ان تكون بسيطا، هذا لا يعني ان تكون سطحيا لأن المؤمنين في حاجة الى غذاء روحي. ان تكون بسيطا يعني ان تكون واضحا. لا يعني ان تكون تافها.

انت ابذل جهدًا لتفهم. واذا رأيت انك لم تفهم كل المقطع، لا تحاول ان تشرحه كلّه. يمكنك فقط ان تشرح آية او آيتين. وحتى لو فهمت كل الفصل المقروء، قد تروقك آية واحدة اذ تعرف انها مفيدة لرعيتك. تركّز عليها ولا تكرّر كلماتك. ولكن لا تخف أن تردّد ما قلته في سنوات سابقة. دائما ان كنت حيويا محبا للإنجيل تنسال من لسانك كلمات جديدة. خذْ مثل “الابن الشاطر”. يمكن ان تركّز في هذه السنة على الولد الضال، وفي سنة أخرى على الذي لم يضل، وفي سنة ثالثة على الآب الحاضن والحنون. ولكن لا تقدر ان تعظ على هذا النص بعشر طرق الا اذا كنت موهوبا كثيرا. الأسلوب قد يتغيّر. الكلمات يمكن ان تأتي جديدة. ولكن عمق المعنى يأتي واحدًا.

من الأصعب ان يأتي نصّك جامعا بين الإنجيل والرسالة. غير ان هذا يتطلّب منك حذقًا في صناعة الكلمة ومعرفة أعظم. حاول هذا بعض المرات ولكن ليس كثيرا الا اذا كنت دارسا جيّدا للكتاب المقدّس.

حاول ان تستوعب الكلمة الإلهيّة من سِفْر التكوين الى سفر الرؤيا وسجّل على دفترٍ التقارب الذي تجده بين الآيات من العهدين. القراءة المتعمّقة مع قراءة الحواشي إن وُجدت تكون ينبوعا فياضا لوعظك. اذا استطعت ان تحفظ عشرات الآيات او مئات منها تتدحرج على لسانك وتتماسك في عقلك. اعرض موعظتك على الفاهمين اذا كانت مكتوبة او مسجّلة لتتأكّد انك لم تُخطئ في العقيدة. التواضع امام زملائك العارفين هو الذي يجعلك تتقدّم. المهم ان تعطي فكر المسيح وليس فكر الأدباء والشعراء او الفلاسفة.

انـت ابـن الكتــاب والآبـاء القديـسين ومنـهـم الآباء النساك. انت موفد المسيح الى رعيتك ولا علاقة لك بالنصوص الأدبيّة. التزم فكر الرب.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

هل المسيحية معقولة؟ / السبت 31 كانون الثاني 2009

لست في معرض المقارنات بين الأديان ولا المفاضلة ولا التحديد لطبيعة الدين. هل هو شرائع وفرائض وتنظيم ومحظورات. المسيحيّة ليست من كل هذا وان كان لا بد في أزمنة الناس ان ترتّب بعضا من شؤونهم. ولكن المسيحيّة في مطلقها شيء آخر فالمحبة التي هي كل المسيحيّة بما فيها عقائدها هي حركة إلهيّة في القلب وبالقلب وتحرّك الى الأخ ومن هنا انها لا تشبه شيئا آخر.

فاذا قلنا ان الله محبّة واضح انه لا يخفي وراءه عددا فمن عدّه كما يقول الإمام علي. فقد حده اي لا تنطبق عليه مقولة الرقم فإن جعلته واحدًا بمعنى النفي للاثنينيّة تكون قد عددته. واذا قلت ان فيه ثلاثة وجوه تكون قد عددته فأنت لا تعنيها حسابيا. وحدانية الله عندنا لا يجوز عليها المعنى الرقمي.ّ في إطارها فقط نستطيع ان نرى الله صفات تصفه ولكن جوهره بارز بأفعاله كلها التي تجمعها المحبة.

من تعابير هذه المحبة سرّ الشكر أي مناولتنا الكأس المشتركة يوم الأحد الذي كُتب عنه لاهوت ضخم ودارت حوله جدالات لم تنته مع هذا ليس هذا السر سوى انسكاب ذبيحة المسيح التي رفعها الى الآب وهي اياها التي نشارك فيها. الحياة التي انتشرت من الجلجلة على الكون نستدخلها لنحيا في اقتبال الحب الذي أحبنا الله به. نحيط هذا التناول بأناشيد وتلاوات. اما جوهر السرّ فنزول المحبة الإلهية علينا والاستجابة لها بالطاعة.

بيّنت في غير موضع ان «عيد الأعياد وموسم المواسم» الذي هو الفصح انّما هو عيدنا الوحيد لأنه غلبة المسيح الموت وكل عيد آخر ليس سوى توضيح لسر هذه الغلبة. عندنا في الأعياد فقط صور عن المحبة.

المسألة هي هذه ان المحب ينزل حبه كاملا على المحبوب اذا أدرك هذا محبوبيّته. الله يدعونا الى ان نعرف محبوبيّتنا وان نبشّر بها والمسيح كلّه في هذا. اجل انت في حاجة الى تعاليم ولكن هذه كلها ان هي الا لتفهم انك مدعو الى دخول الخدر الإلهي. لكل حديث بغير هذا اللقاء بينك وبين الله لغو.

هناك من كان غير قادر على هذه الرؤية لأن نفسه مدلهمة او قلبه ضعيف الحس حتى يقذف الله نوره فيه.

والنور من النور يقتبس. فمن شعر بمحبوبيّته ينقلها الى الآخرين. لذلك بعد ذكر المحبة لله كانت الوصية أحبب قريبك كنفسك. لماذا تستطيع ان تحب الآخر مع كونه آذاك؟ لعلمك بأنه حبيب الله ولا تستطيع انت الا ان تحبه بالمحبة التي ورثتها انت من ربك. كل ما ليس على مستوى هذه المحبة هو مقاضاة والمقاضاة تفترض ان على الأرض من يدين الآخر بقوانين وضعها البشر. ان أقاضيك تعني اني اراك دوني او ضدي واني اريد ان استردّ ما هو لي بقوّة القانون.

في ملكوت المحبة ليس من مقاضاة في عالم الخطيئة تلجأ الى المحاكم في حال انك مارست المحبة ورفضها الآخر. أجل في الدنيا مال وحقوق وأرزاق. هذه يسوسها أهل الدنيا ولا بد منهم في عالم الخطيئة. وقد لا تستطيع ان تهرب من الدهر الحاضر. ولكني في المسيح يسوع انا آخذك معي الى الدهر الآتي. اشدك اليه بكل جوارحي أصلي من أجل أن ترافقني اليه. قد تكره الدهر الآتي لأنه يهدد مصالحك. والصدام قائم ابدا في هذا العالم بين رغبتك في الله وانصبابك في شهواتك. الخيار لك.

دائما يواجهنا الناس بقولهم: كيف نحيا حسب الإنجيل فاذا لم نكذب في العمل الذي نحن فيه او نراوغ او نسرق فليس لنا عيش. ان هذا على صعيد الواقع ليس دائما صحيحا فليست كل المؤسسات قائمة على الخلل. هناك من كنت اعرفهم في الجسم القضائي من اكتفى بمعاشه ولكن اذا حصل تعارض بين الفكر الإلهي وانتظامك في عمل تختار الفكر الإلهي.

مرّة قالت لي فتاة ان رب العمل الذي انا فيه يراودني عن نفسي واذا لم ألبِّ يفصلني عن وظيفتي. قلت لها لا مانع ان تنفصلي. هناك قرارات في هذا العالم لا بد لها من حزم وعزم لتلازم الله ويلازمك، لتربطك به علاقة المحبة. هذا يفترض ان تفهم قول بولس: «لست انا احيا بل المسيح يحيا فيّ».

اذا ادركت هذا الطور من العلاقة لا تبقى لصيقا بالعالم الشرير. يزعجك تسرّب هذا العالم الى نفسك بعد ان روّضت هذه النفس على السلام الذي يعطيك السلوك الإلهي.

دائما الخطيئة خلابة وتتراءى لك مرات ساحرة. لست اعرف كذبا كالذي في الخطيئة. تتراقص امامك فيها ملذات سرعان ما تعرف انها موقتة من جهة وانها مريرة من جهة او هي مريرة لأنك قبل اقترافها كشفت لك أحلاما لم تحقق. المحبة الإلهيّة هي وحدها القوّة التي لا خيبة فيها لأن الله لا يقدّم لك الا في ما هو في صالحك.
اجل في الإنسان امام الإغراء معطوبيّة كبرى ويسعى ان يلجم نفسه بتطويع الإرادة. وعندنا في الأدب النسكي مطولات عن الأهواء المختلفة التي ترتاعنا ولكن قلّما نجد في الأدب الشرقي ما يفيد ترويض الإرادة. اجل هناك هروب من الخطايا ولكن ما يقف في وجهها ان تعرف مشيئة الله في هذا الشأن وذلك ان تعرف ما يقوله الله في كتابه حتى تتزوّد بالكلمة ترسًا وخوذة وسيفا كما يقول بولس. هناك رجاء الخير اذا أحببته واستولى عليك. هو يكون لك حصنا ويدفع عنك هجمات الشرير. ولكن كثرة من الناس لا يحبّون لأنفسهم ما يسمّيه الله خيرا ويرتضون ما يسمّيه الله شرا. هناك بشر محبب اليهم البخل والبغض والكذب واقتناص الفرص للارتكاب وعسير عندهم جدا ان يبدلوا حبا بحب لأن هذا يهدم كل البناء الذي أقاموه في أنفسهم للخطايا. واذا استغرقوا فيها حتى التحالف يسألونك عن طريق للخلاص.
بعد ألفة الشر الطويلة تصعب التوبة والثقة بإمكان الخلاص. وما ذلك الا لأنك حالفت الخطيئة وصارت بعضا منك. لا تعرف ان ألفة المحبّة الإلهيّة تنجّيك حقيقة وتسندك طويلا وربما على مدى حياتك.
في الموعظة على الجبل هذا الكلام: «ان كانت تقواكم لا تفوق تقوى معلّمي الشريعة الفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السموات» (متى5: 20). القضية كلها عند يسوع الناصري الا نكون ذوي تدين ظاهري قائم على الفرائض من صلاة وصوم وقراءة الكلمة الإلهيّة والعبادات ولكن ان نستقبل الله في القلب.
بعد هذا يقول: «سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. اما انا فأقول لكم: لا تقاوموا من يسيء اليكم. مَن لطمك على خدّك الأيمن فحوّل له الآخر». العين بالعين كانت إحراز تقدم على الثأر الانتقامي. بقيت ماكثة في الحقوق. لا تريد ان تلغي الحقوق فأنت من أهل الحقوق، من الدولة. السوآل هو كيف تنتقل من عالم المقاضاة الى الملكوت الإلهي؟ الجواب: «احبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم فتكونوا ابناء ابيكم الذي في السموات». والمعنى طبعا انكم وضعتم حدا للقصاص ودخلتم ملكوت التساوي بين أبناء الله الصالحين وابنائه الأشرار. يمكنك ان تفهم هذا اذا عرفت ان رحمة الرب مسكوبة على الناس جميعا.
المسيحية، مفهومة هكذا، معقولة.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

في آلية الوعظ / الاحد 25 كانون الثاني 2009/ العدد 4

حسب القوانين القديمة، كل خدمة إلهية (سَحَر، غروب، مأتم، إكليل، قداس) يجب ان يكون فيها وعظ او تعليم. ولكن أهم مساحة للوعظ هي القداس الإلهي. بصورة عامة هو مركّز على الإنجيل او الرسالة او كليهما اذا كانا متشابهين او متقاربين في الموضوع. يجوز، استثنائيا، ان يكون على سيرة القديس الذي نعيّد له على ألا تكون العظة مجرد سرد للسيرة ولكنه سرد مرتبط بالإنجيل.

متـى تـُلقى المـوعظة؟ يـقول هـذا وذاك: قـبل منـاولة المؤمنـين لأن المؤمنـين يـكونون قد كثـروا. هذا غـير صحيح لأن العـظة جزء أساسي من خـدمة الكلمة. وبـعد الإنـجيل بـقليل يـبدأ الكلام الجـوهري الذي يـصبّ في المناولة. اذا كانـت هـذه هي القمّة فلا مكان فـيها للوعظ.

ليس عندنا توجيه حول مدة العظة. ولكن، من وجهة عمليّة، وبسبب طول الخدمة الإلهيـة، عشر دقائق او 12 مدة كافية يمكن ان يتكلّم فيها الكاهن على القـراءة التي تُليـت اذا عـرف الكـاهـن ان يتهيـأ للكـلام فلا يتـردد في الكلام ولا يكرّره ولا يُترجم التلاوة الإنجيلية الى اللغة العامية. هناك غذاء روحي يجب ان ينقله.

بأية لغـة نتكلّـم، هل بالفصحى او بالعاميـة؟ المهم ان يفهم المؤمنون على كل مستوياتهم العلميـة. في اختباري الشخصـي، وصلتُ الى هذه القناعـة: لتكـن الموعظـة مزيجـًا من اللغتيـن الفصحى والعاميـة حسب مقتضى الفهم اي حسب ضرورة التبليغ. احيانا الفصحى تصل الى القلـب بصـورة بليغة، واحيانا تصل العامية بصورة اسهل. المهم “الهضم” عند عامـة النـاس الذين هم اكثـر من المثقـفـين.

واذا رأى الكاهن ان معظـم المؤمنين من البسطاء فليكتفِ باللغـة الدارجـة. ولا يتعقد الكاهـن اذا قال احدهم: ابونا لا يعـرف اللغة. نحن لسنا عبيدًا للغـة. نحن خُدّام ليسوع المسيح.

واذا كان الكاهن يرى نفسه غير قادر على الارتجال، فليكتب موعظته ويقرأها. هذا أفضل من ان يتردد ويتباطأ ويتلعثم. لذلك اوصي كل كاهن مبتدئ مهما كان ملمًا باللغة ان يكتب في السنتين الاوليين لرسامته او الثلاث.

وحتى لا يتعب بالإلقاء، فليتنفس بعد كل جملة او جملتين او ثلاث حتى يحافظ على صوته. وهذا يساعده على الا يصرخ. الصوت العالي كثيرًا يحسّ المؤمنون على انه غضب، والغضب يفهمونه توبيخا لهم. افضل توبيخ يكون بصوت هادئ. ولكن اعتقادي ان التوبيخ او اللوم يجب ان يكون نادرا، فلا تقل لهم مثلا لماذا لا تجيئون الى القداس وهم حاضرون. انت لا توبخ الغائبين. كلام التشجيع والحث على التوبة، الكلام الايجابي افضل من الكلام السلبي.

الى هذا فالمفيد أن تتضمّن العظة كلامًا يفهمه الأطفال (باللغة الدارجة طبعًا). واذا كان الأطفال يجتمعون في قاعة الكنيسة قبل القداس او بعده فليكن لهم عظة خاصة بهم (بلا ورقة تكون).

من المفيد جدًا ولا سيما في الكنائس الكبـيـرة ان يـكون أمـام الخـطيـب مـكبّــر لـلصـوت يـؤدي الصوت حسنًا. ولتختبر الناحية التقنية قبل الوقت حتى لا ينزعج الكاهن او الشعب اثناء الأداء.

بعد هذه الملاحظات العملية أرجو أن أوفق الى الكلام الأعمق.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

ماذا بعد غزة؟ / السبت 24 كانون الثاني 2009

لا يمكن ان ترى الى ما بعد غزّة الا اذا قرأت اسرائيل دولة قاتلة مشبعة بالنازية. دماء الأطفال والنساء والحوامل منهنّ كانت تمرينا لقتل العرب، تمرين إبادة لمن يقف في وجه الدولة اليهودية التي تبرّع جورج بوش بنعتها كذلك. والمعنى البادي لهذا النعت ان المشتهى الا يكون في هذه الدولة قوم غير يهود. هذه العقيدة القوميّة – الدينيّة العنصرية حتى الشوفينية تقضي بإجلاء الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائلية او بقمعهم حتى يهاجروا او يرموا أنفسهم في صحارى العرب.

صواريخ حماس والفصائل ذريعة للهجرة الوحشية على غزة، هذا بغض عتيق لهاجر ولاسماعيل منذ تدوين سفر التكوين وصراعنا ليس مع هذا الكيان الهجين وحسب ولكن مع ما يحمله من بغض يؤدي منطقيا الى الإبادة. لست أود هنا أن أدخل في استجلاء معنى «الشعب المختار». هذا له معنى النعمة المجانية التي سكبها الله على ابراهيم وعنى الله بها خدمة التوحيد وليس فيها استعلاء ولكن الشعب المارق ابتدع الاستعلاء فعبد نفسه وادّعى حقّ الإبادة واعتقد انه تفويض إلهيّ وهكذا وضع هتلر على منطقة (زناد) كل جندي الماني العبارة الكتابية Gott mit uns  اي معنا هو الله..

وتعلمن المفهوم وتباعد عن الإيمان شطر كبير من مواطني اسرائيل او من معظم مواطنيه. ومع ذلك بقيت الدولة المتعلمنة كثيرا، بقيت يهوديّة بالمعنى المجتمعي. والذين ليسوا على اليهوديّة ليسوا، في الحقيقة، من هذا الكيان الذي يدّعي انه وحده ديموقراطية في الشرق.

عندما تقول الإدارة الأميركية ومن يقول قولها من الأوربيين انهم يريدون إنشاء دولتين متجاورتين على أرض فلسطين التاريخيّة ماذا يعنون؟ المبتغى ان يكون الفلسطينيون «عاقلين» ويرجوا دولة يهوديّة عاقلة ايضا. ولكن هل تعقل فلسطين بلا قدسها؟ هل تعني كل الأرض شيئا بلا القدس؟

الكلام عن دولتين يعني المسالمة بين واحدة لا تقيّدها ايديولوجيّة واخرى أسيرة الايديولوجيّة الصهيونيّة. قد يحلّ بينهما سلم ظاهر ولكن هذا ليس بتفاهم. هذا التباين يظهر شعبًا عربيًا يؤمن بأن الانسانية واحدة وشعبًا صهيونيًا تنفي فلسفته الاعتقاد بانسانيّة واحدة. ماذا يعني الجوار بين شعب لا جيش له وشعب كلّه عسكر يرتدي البزّة متى شاء لكونه مجتمعا حربيا. دولتان بلا توازن بينهما مشروع حرب كامنة في نيات الطرفين.

السؤال الذي يفرض نفسه نظريا هو هل نريد اسرائيل ان تبقى؟ هل صولِحنا مع هذا الكيان المغلوط الذي حُبل به بالإثم ووُلد في الخطيئة. مفروض علينا ان نشرعن ولادة زانية. مع هذا لست أدعو الى محو اسرائيل بالسلاح. أخشى الا يكون هذا ممكنا في المستقبل المنظور. والأهم من كل ذلك أخشى، تنفيذا لهذا، ان نقع في خطيئة الإبادة التي وقع فيها اليهود في غزة وقبل غزة. انا أريد ان نحافظ على اليهود مع رفض للدولة اليهوديّة. هذا يستتبع تساؤلات عديدة حول قوّة العرب اذا اجتمعوا. وعلامَ يجتمعون اذا أرادوا؟ ثم متى وكيف يلتقي الفلسطينيون ليُبدوا رأيًا في انتصار ما على اسرائيل؟ هل يعتقدون ان صاروخًا من هنا وصاروخًا من هناك من شأنه ان يُنهي الكيان العبري؟ هل أوافق حماس على قولها ان فلسطين كلّها وقف إسلامي؟

# #
# انت لا تقدر ان تلغي ايديولوجية يهودية بايديولوجية إسلامية. هما قول واحد. انا لا أفهم ان يرفض العرب دولة يهودية لكونها يهودية وكل دولهم ما عدا لبنان دول إسلامية في دستورها وواحدة منها رئيسها مسلم وجوبا. انت تحارب اسرائيل بفكر آخر او هي غالبة.

واذا افترضنا اننا ضربنا الغطرسة اليهودية بإسلام متسلّح ونتيجة ذلك اننا اقمنا حكمًا إسلاميًا في فلسطين موحّدة اين مكانتي أنا المسيحي العربي على أرض «فلسطين المستعادة»؟ عنوان مكافحتنا اسرائيل هو تاليا العروبة او الإجماع العربي.

لا تنتهي القضية بترتيب البيت العربي في فلسطين مصغّرة، خجولة، هزيلة. المسألة ليست في إنشاء هذا الكيان ولكن في اعتراف الفلسطينيين او عدم اعترافهم بالدولة اليهودية. اذا تضمن إنشاء الدولتين تبادلا ديبلوسيًا بينهما انتهت القضيّة الفلسطينيّة. لاسرائيل ان تبقى على مستوى الواقع لا على المستوى الحقوقي de jure .  ليس فقط لأننا نتمنى ان تتوحد كل أرض فلسطين التاريخية ولكن لأننا ننكر الايديولوجية الصهيونية. اذ نحب ان يتحرر اليهود من هذه الايديولوجية القاتلة كيانهم الروحي وانسانيتهم السليمة. نحن ليس عندنا رفض لشعب اليهود في العالم لأننا نحب خلاص نفوسهم ولأن عندهم على مدى العالم طاقات فكرية وعلمية عظيمة. من كان عدوًا للإنسان اليهودي لا يستطيع ان يخدم قضيتنا. نحن نبغي تحريره من عقائدية سلبية ورافضة للإنسان الآخر.

بمجيء السيد اوباما الى الرئاسة الاميركية قد تُمارَس ضغوط رهيبة على العرب حتى يعترفوا جميعا باسرائيل ويبادلوها البعثات الديبلوماسية ويطبعوا العلاقات معها. قد يضطر الفلسطينيون ان يُحشروا في بقعة صغيرة من بلادهم مع قبول بعض المؤسسات غير العسكرية. أخشى ان يجيء زمان مظلوميّتهم. لا ينبغي اذا هم قبِلوا بذلك ان يسترخي بقيّة العرب.

انا أدعو الى الرفض العربي، الى استمرار رفض الكيان الصهيوني. المقاومة العسكرية ستزول بإيجاد الدولة وبقبول ضمني او صريح عند العرب للدولتين. المقاومة العسكرية وجه من وجوه الرفض. الرفض هو المبدأ في مواجهتنا اسرائيل سياسيا وفكريا وهو ممكن مع السلام. غير ان تشكيل الدولتين يفترض قبول الفصائل به. كيف؟

ولكن من الآن لا بد من توحّد الفصائل وتوحيد الحكم الفلسطيني واستمرار المفكرين والأكاديميين والصحافيين في ذهنيّة الرفض وروحانية الرفض. هذا على رجاء ان يقف حمّام الدم في غزة وغير غزة. هذا يعني انسحاب الجيش الاسرائلي كليا منها وإعمارها او الشروع بإعمارها.

وهذا يعني ان تموت الصهيونية في العقول بما فيها العقول اليهودية. وعلى مدى طويل الا تبقى ايديولوجية الكيان الاسرائيلي. لا شيء يدلّ على ان اسرائيل باقية الى الأبد. قلّة من المحلّلين تعتقد ان فيها عناصر تفسّخ يزيل اللحمة بين مواطنيها. هذا ليس شأننا الآن. ان شأننا ان يتوحّد العرب. هذه المقاومة العقليّة تعني لي الوجه الجديد لعروبة مثقّفة ترتضي تعددًا للدول العربية والتفافها نضاليا بعضها حول بعض في حداثة تضاهي حداثة الغرب.

ولكن هذا يوحي ان يرفض العرب الإرهاب. ان هذا مسؤول جزئيًا عن إثارة الاسلاموفابيا في الغرب. الإرهاب خيار جنوني يُقنع الغربيين بتخلّف العرب. سلام النفس العربية وتخليها عن العنف كليا من شأنه ان يقنع الدول الأخرى ليس فقط بمخاطبتنا والتعامل الودي معنا ولكن بإشراكنا في السياسة العالمية. العرب اساسيون في المعايشة الانسانية الشاملة اذا تخلّوا عن العنف نهائيا في فكرهم ونشاطهم.

غزة بعد غزة هي العبارة الرمزيّة التي تدلّنا على نحت السلام العربي بصورة ان من أراد تمزيقه يكون ظالما، مجرما. آن الأوان لدخولنا الحياة الحضارية الكاملة التي روحها السلام. هذا وحده يمنع الأشرار من قتل العرب والغاء حياتهم الطيّبة التي قامت أمنة طويلة على العطاء الحضاري والمشاركة الانسانية المولّدة للحب.

Continue reading
2009, مقالات, نشرة رعيتي

نحن ومدبّرونا / الأحد 18 كانون الثاني 2009/ العدد 3

 “ليس لنا هنا مدينة باقية بل نطلب الآتية”. هذا هو المعنى عينه الذي ورد في إنجيل يوحنا: “انتم في العالم ولكنكم لا تجيئون من العالم”. هنا نقوم بأعمال الدنيا. لنا مهنة ونتعاطى شؤون الدولة. ولكن هذه لا تطغى على قلوبنا ولا تأسرنا لأن وطننا الحقيقي هو السماء حيث يتجلّى الله بكل بهائه. نحن اذًا حيث يسكن الله.

وهذه الدنيا مرقاة الى الله. اتجاهنا الى مَن كان فوق المرقاة. وكل ما نقوم به في هذا العالم ينبغي أن نستلهم له كلمات الإنجيل. هذا هو “حق الإنجيل” علينا ليفهم الناس اننا، على مثال المسيح، نازلون من فوق.

واستعدادًا لدخولنا الملكوت، يطلب الرسول ان نقوم بالإحسان لكل من احتاج اليه وفي حدود إمكاناتنا ولكن بكرم. ويطلب ايضا ان نقوم بالمؤاساة. فالناس في الضيق او الحزن في حاجة او تعزية ولا ينبغي ان نتركهم وحدهم.

هذا الإخاء وهذا العمل الصالح نعيشهما في الكنيسة. لذلك يقول بولس: “اذكروا مدبّريكم” اي الأسقف والكهنة. وفي الزمن الذي كتبت الرسالة فيه كان يعقوب أخو الرب قد صار أسقفا لأورشليم. ويفترض بولس ان تصرّف الكهنة جيد وان ايمانهم قويّ.

أقل شيء نقوم به الا نفتري على كاهن ولا نتناوله بالثرثرة في مجالسنا فهذا يؤذي من قال شيئا سيئا او كتب شيئا سيئا. الأمر الحلال، اذا خالف الكاهن معتقداتنا او كان جاهلا الخدمة الإلهيّة او خاصم واحدا من أبناء الرعية، الأمر المتروك لنا ان نشكوه الى المطران. واذا خالف المطران شيئا من الشريعة وأهمل الرعية، فيجوز ان يُشكى الى البطريرك الذي يدعو المجمع للنظر بالخلاف.

واذا لمست ان كاهنك صالح وفهيم فاقترب منه. وهذا يسرّ الله اذ يزوّدك بالحكمة ويصحّح مسراك . لا يكفي ان تعترف ولكن وحّد مسارك بمسار أبيك الروحي. رعيتك لها رئيس ولها أعضاء.

لا تتصرف كأنك رئيس، ولا تحزن اذا قاوم الكاهن او المطران رأيك واذا ألحّ على ان كلامه او موقفه يستند الى الإنجيل. لما قال صاحب الرسالة: “اذكروا مدبّريكم”، لا شك انه عنى ذِكْرهم في الصلاة، وقصد ان تتواصلوا معهم، فكاهنك مفروض انه يعطيك المسيح. هو لا يملك شيئا آخر.

غير انه يحسن عليك ان تعينه بالمال ولا سيما اذا عرفت ان راتبه لا يكفي. انت وإخوانك رتّبوا شؤونه المادية ليرتب هو شؤونكم الروحية. لا تقل الكنيسة فيها أوقاف، ولكن قد لا تكون هذه مستغلّة. ما لَكَ وللأوقاف؟ هناك من يتولاها.

انت افتح قلبك وأعطِ ليقبلك الرب في ملكوت محبّته.

Continue reading
2009, جريدة النهار, مقالات

الجسد / السبت 17 كانون الثاني 2009

الجسد يحمل بهاء مخلوقيّته. كل الخلائق جميلة ويكشف في تكونها يد الله. غير ان الطابع العضوي لما في الجسم البشري يوضح لك عقل الله. منذ بضع من سنوات لفتني ما كنت دارسه ولم يحركني في شبابي. انا الآن دهشة امام الترابط المذهل بين أعضائنا. كيف يصبح طعامك بعد الهضم جزءًا من شعرك، من عينيك، من صدرك. كيف تأتي من أب عادي وأم عادية لتصبح أفلاطون او أينشتين. هذا اللحم البادي منا وبه نتواصل لم يكن ليكون كامل المعقولية لو لم يعقله احد. هو اذًا موضع رؤية لهذا الذي عقله. عن المخلوقات في سفر التكوين «ورأى الله انه حسن». اما عن الإنسان فيقول: «فخلق الله الإنسان على صورته». ان نظر الله الى الانسان يقول الله: «ونظر الله الى كل ما صنعه، فرأى انه حسن جدا». لماذا لم ينبهر الله الا بالانسان كأنه دون كل الخليقة محاوره.

هذا الجسد على سحره تراب، والترابية تضغط على كل ما فيه حتى تمنع النور عنه والنور كان في البدء ونحن اليه مثلما نحن على التراب ويتلاعبان حينا ويتناقضان احيانا ما دام الإنسان. على ركيزة جسده يبصر الانسان قوة الله وجلاله وحنانه وتنكشف أسرار الله لنا اذا كنا اليها بكل ما فينا من قوى ونتواصل والآخرين بكل ما فينا من قوى ايضا اذا لا ترى ربك ما لم ترَ عباده الطيبين. هذا لا يجري فقط بالفكر فالعين تفرح واليد تصافح اي تصير عضوًا واحدًا مع يد الآخر لأننا موصولون بخيوط من ذهب مخفية الى ان تتجلى وحدة البشر عند هبوط ملكوت السموات علينا.

الجمال وما يبدو لنا قبيحا كلاهما من الله وكلاهما لغة، والقبيح لا ينفر اذا اجدت لغته اي اذا تجاوزته الى الكلمة التي تتضمنها تعابيره ومخاطبته الله. فليس الإنسان في سحر وجهه ولكن في سحر وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. وما هو أسمى من ذلك الانسان المحب البشر اي في وحدته مع الآخرين وفي حريته على صورة الله. انه لسرٌ عظيم الا تكون انت اياك في ذاتيتك ومسؤوليتك وانت تحيا في إناسة الآخرين معا. ان نكون واحدا ومتمايزين معا هذا وحده يلغي العبودية القائمة إما على الانغلاق او الانصهار الكامل. انسان واحد في ذاته وموحد بالجماعة في آن . حتى في الملكوت يبقى الانسان ذاته ولكنه متحد لتظهر محبة الله.


#      #

#

بين يدي الله مفاتيح الحياة والموت. «كل نفس ذائقة الموت» (عمران، 185 وغيرها من السور). الجسد مهيأ للموت في تركيبته. الخلايا لا تعيش الى الأبد. وعندنا نحن ان «الذي مات قد تبرأ من الخطيئة» (رومية 6: 7). بهذا المعنى الموت رحمة، وفي الايمان المسيحي انه لقاء مع الرب. والنفوس في قبضة الله وهي ترجو القيامة. والموت اول مواجهة مع الله في ما نسمّيه الفردوس او الملكوت على رجاء رؤية النور الإلهي في السماء عند انتهاء الزمن.

في الزمان الأخير تُستدعى الأجساد الى القيامة ومنذ موت صاحبها يحنو عليها الروح القدس بنعمته بحيث ان الروح الالهي يرعى النفوس والأجساد معا حتى يجمعها في اليوم الأخير . اذ ذاك أمكن القول ان الجسد بعد الموت قائم ولو ذهبت عنه الحركة التي كانت في كيانه.

قدسيّة الأجساد تمنع عندنا إحراقها. نريد استمرار جسد ما لكيانية ما ولو بدت مفكوكة. الجسد ممسوح بالميرون بعد المعمودية. لذلك كان للكنيسة مدافن كانت تبنى الى زمن قريب حول الكنيسة بحيث يشعر المؤمنون الأحياء انهم واحد مع الراقدين على رجاء القيامة.

من هذه الزاوية ليست الكنيسة مشدودة الى انفصال النفس والجسد، ولكنها تشدها جميعا الى رحمة الله. الانحلال الذي يصيب الجسد فرصة لقائه مع الرب اي انعطاف الرب عليه. هناك من يخشى الموت، وهناك من لا يخشى. المهم ان يتهيأ كل منا لفراق هذا الوجود وارتقاء الى وجود السلام. نحن نعد من يرحل عنا بالصلاة وتعزية الكتب كما يقول الرسول. وانشئت مؤخرا في اوربا مؤسسات تُعنى بإعداد المرضى في مراحلهم الأخيرة للموت وهي مختلفة عن المستشفيات. حبذا لو كان في كل عائلة مؤمنة من كان أقرب الى العناية بالمريض في ايامه بالكلام الطيب. اجل ممكن للكاهن القيام بهذا الواجب اذا درس ما يجب ان يقوله ويعمله بما يتجاوز مجرد الصلاة.

هذه الرعاية تفترض ضمنا اننا في الموت نصير الى المرحلة الأخيرة من الحياة الدنيا، وان هذا الجسد كريم وانه في حال الوعي يتناول بالزيت ما نسميه سر المسحة الذي يفترض ان الإنسان كيان واحد قبل الموت وبعده ما يحول دون التأكيد اننا مؤلفون من مادة تزول ونفس لا تزول. الجسد عندنا شيء من الكيان البشري ليس أدنى من الروح في حقيقة الوجود وحقيقة المصير.

# #
#

فيما أتأمل في هذه الرؤية اللاهوتية أحمل غزة في ضلوعي. كل من سقط فيها هو عند الله وفي تاريخ القداسة. لماذا يقطفون الأطفال- الزهور؟ ان يموت المحاربون امر طبيعي. ولكن كيف يحتمل شعب له انبياء دعوا الى العدل موت النساء والشيوخ وليس فيهم مسلح؟ لماذا هذا الدمار الذي يشبه آخرة العالم؟ ما الفائدة من إبادة مئات من اهل غزة. هؤلاء كلّهم أجساد مقدسة جعلها الظلم قرابين لله.

ليس الوقت الآن للصلح. المبتغى ان تتوقف إماتة ناس عزّل. واذا جاءت التهدئة يبدأ منطق السلم. المهم ان تبقى هذه الأرض فلسطينيّة ولا توزّع بين العرب. لقد أثبت التاريخ منذ ستين سنة ان الفلسطينيين متمسّكون بحريّتهم على أرض لهم. كيف تكون حال الشرق الأدنى في المستقبل القريب؟ هذا موضوع بحث أساسه ان يتجمع اهل فلسطين على أرض يحبونها حول الزيتون والبرتقال ومياههم، وان ينصرفوا الى بنيان مجتمعهم كما يشاؤون مشاركة منهم في الحضارة.

اوقفوا حمام الدم وهو زكيّ. هم لم يكونوا من الأمة الألمانية لما أحرق قائدها اليهود بشكل وحشي. لماذا الذي كان أبوه ضحيّة النازي في اوشفيتس ينبغي ان يحوّل كل مدينة في قطاع غزّة الى اوشفيتس أخرى. سلام على أجساد أحبائنا المطهّرة في فلسطين كلها. إخواننا هناك مدعوّون الى المجد. وسنناضل مما أوتينا من وسائل لتحقيق هذا المجد.

Continue reading