أود ان أعلو التمزق اللبناني وان اتفلسف حتى لا أقع في الحزن الذي يعترينا جميعا ولا ارى له منتهى الا بلطف الله اي بأعجوبة تغيّر كل معطياتنا. اليوم عزمت على ان احدثكم عن الهوية او الهويات التي بينها نتأرجح. كتاب امين معلوف عن «الهويات القاتلة» ان كل واحد منا ذو هويات كثيرة. انا كذا اي لست شيئا آخر ولكن على المستوى نفسه. انا ذكر اي لست انثى. انا من هذا الحي اي لست من ذاك. انا لبناني اي ما انا من بلد آخر. الهوية تفترض وجود الآخر. والآخر ليس انا الا بالحب. الآخر مقابلي. يحبني او لا يحبني. ولكن وجوده ثابت امامي. بيني وبينه مودة او بغض. ولكن في كل الاحوال هو آخر. احدد نفسي ازاءه والإزائية تعني الكثرة ولكن تنزع الى الوحدة. افراد متعددون، عائلات كثيرة، بلدان متواجهة، أديان متقابلة او متناقضة ولو نزعت الى التقارب. ولكنها لا تنصهر اذ تعطل عندئذ الهوية.
في البدء كانت القبيلة والفرد لم يكن. تجمّع القبيلة يلغي الفرد. وينشأ الفرد من مواجهته القبيلة. تصبح هذه ذات هوية اذا قابلت القبائل الاخرى. غير ان هويتها تقوى اذا بطل التبدّي واستقرت. عندئذ تنشأ المدينة. من هنا ان ابن خلدون صنّف الناس بين البداوة والحضر. في الحضر انا مرتبط بأرض ومتصل بالناس الذين يعيشون فيها افرادًا مستقلين ولو كانوا اعضاء في عائلات. والعائلات تتعايش على أساس هوية الاسم. وهي متعاونة او تسعى الى التعاون بسبب من تعدد المهن ومشاركة اهل المهن في الانتاج. تنتقل الهوية، اذ ذاك، من العيلة الى المدينة. عندنا هنا هويتان متكاملتان ولو سيطر زعيم على زعيم وتضاربَت الأسر او تقارعت. في المدينة اجتماع ولو على زغل احيانا او منافسة. وعند اجتماع المدن عندك وطن يقوم على وحدة وعلى خصومات معا الا اذا برز عدوّ فتشتد الهوية الوطنية وتظهر ايديولوجيات للتغطية ولكن لا تفنى خصوصية الافراد ولا خصوصية المدن. تجتمع الهويات او تتراكم وانت من هذه وتلك وتتأنسن العلاقات كما لم تتأنسن في العشيرة. الأنسنة تقوى اذا قويت روح المسؤولية.
داخل الوطن المدينة واحدة. كانت ذات سور لأنها تعيش حياة العداوة للذين هم خارجها. الموتى المسيحيون كانوا يُدفنون في العصر العثماني قبل أواخره خارج السور. الأعداء، المتوحشون، الغرباء ليسوا من المدينة ولو عاشوا ضمن السور. وهذا اخذ يضعف عندما ظهرت فكرة الوطن. اهل المدينة يسودهم القانون وخارجها ليس من قانون حتى يسود القانون العام ولا يبقى من غريب داخل السور او خارجه لأن القانون امسى القاعدة التي يعيش عليها كل الوطن.
# #
# وتتعقد الامور اذا حلّت الطائفة كقبيلة. الطائفة تهدد وحدة المدينة ووحدة الوطن لأنها أضحت في النفوس هي المجتمع ولم تترسخ في الأذهان وحدة الوطن.
في الحقيقة ان الصراع بين الطائفة والبلد لا يقوم الا اذا اعطيت الطائفة والبلد المضمون نفسه اي كانا كلاهما الوحدة الاجتماعية. الطائفة وحدة روحية اي الله يسودها ولا يقوم بين ابنائها مصالح في حين ان البلد يقوم على المصالح المشتركة بين ابنائه. فاذا اعتبرت طائفتك قوما اعضاؤه مرتبطون بمنافع الارض تكون قد خلطت بين ما كان قائما على الايمان وما كان قائما على منافع الدنيا اي تكون عائشا في هويتين متناقضتين. وبدل ان تكون في طائفتك عبدا لله تكون قد سخّرته ليكون في صالح قوم لهم ذاتيتهم المجتمعية وتكون قد جرّدت المجتمع المدني من طابعه المدني ليكون لا شيء. في الطائفة المعلمنة (القائمة عوض البلد) تكون استعملت الله ليلغي البلد اي تكون قد جعلته جزءا من طائفتك وهو ليس وقفا عليها لأنه رب العالمين. وتكون قد انتزعت من عقيدتك الدينية روحانيتها وكونها جسرا الى الآخرين وينبوع محبة.
انت مسيحي روحاني او مسلم روحاني ولست مسيحيا قوميا او مسلما قوميا. فاذا حل الروح الالهي فيك فهذا يدفعك الى ان تكون مواطنا اي قائما على الارض المشتركة التي هي الوطن وقلبك في الله وهو في قلبك، وللوطن مسعاك الأرضي في العمل وبذل الذات في سبيل الآخرين ويمسي حسّك بالآخرين الذين لهم هوية دينية اخرى خدمة للجميع. لست اقول ان بين الهويتين فاصلًا ولكن بينهما تمييز. فالوطن ليس مجموعة الطوائف لأنه من جوهر والطوائف من جوهر آخر. ومع هذا لك قلب واحد تحب به البلد وتحب ديانتك، ويدفعك دينك الى محبة الجماعة الوطنية وتحمي هذه قناعاتك الروحية.
لذلك لا معنى للقول ان الوطن هو فوق الطوائف ولكنه ليس الطوائف. وانت لا تمر بطائفتك لتتحد بالبلد ولا تنفي ايمانك الديني لتخدم البلد. نحن في مجالين مختلفين يلتقيان في قلبك ومسعاك ولكل منهما حقيقته وكيانه لأن الله -في اعتقادك- يكون لطائفتك ولبلدك معا. وانت تكون فيهما ولكن بهويتين. وتذهب من جماعتك الدينية الى بلدك ومن بلدك الى جماعتك الدينية لأن ربك جامع بينهما فيك.
عندنا في لبنان تمايز بين الطوائف وتداخُل معا. في عيشنا المشترك تقابُل بين اهل الاديان وتناضُح معا بسبب من مشاركة الوجود وبسبب من تقارب القيم وكثيرا ما كانت واحدة على الصعيد الخلقي وفي حالات كثيرة على الصعيد العقدي أقلّه في التوحيد ولو كانت ثمة مباينات في هذا الموضوع او ذاك. ولذلك قيل ان عند المسلم اللبناني شيئا من المسيحية وعند المسيحي شيئا من الاسلام. ففي معانٍ كثيرة نحن متداخلون، متماسّون. ومن هذا القبيل تنفع الاديان في تكوين الوطن.
الخطر يبدأ في اعتبار هذه الطائفة نفسها كل الوطن. انا لست أقول ان هذا قائم عندنا ولكني أحذّر من قيامه لأننا نريد ان يكون مجتمعنا واحدا على الصعيد المدني. الخطر عندنا ان نُحوّل الطائفة الى كيان منغلق او مكتف بنفسه في حين ان الطائفة ينبغي ان تنفتح من حيث هي كتلة على كل الطوائف ما لا يُزعزِع ذاتيتها الروحية وإسهامها في بناء الحياة كلها.
الخطر ان تتحول الطائفة الى قبيلة تتبدّى وحدها في حين ان واجبها ان تتحد بالمجموعات الاخرى على صعيد التجمع الوطني. واذا فهمتْ ذلك تطرح الخوف خارجا. اذكر حديثا جرى في الحرب لما كان زعماؤنا المدنيون مجتمعين في مطرانية الروم الارثوذكس في بيروت. كان ذلك في عهد المثلث الرحمات المطران ايليا الصليبي. اذكر ان الشيخ بيار جميّل قال للمسلمين: نحن نخافكم. فأجابه المغفور له تقي الدين الصلح: الخوف عيب. لماذا تخافون. فردّ عليه الشيخ بيار: لماذا تخيفوننا. أليس هذا عيبًا؟
الصلاح في ألا نخاف وألا نخيف. وهذا يحصل لو اعتبر الفريقان ان لهما هوية واحدة دنيوية أعني الهوية اللبنانية.
بعد مرور كل هذه السنوات لا يشك فريق بالهوية اللبنانية عند الفريق الآخر. ولكن كيف نفعل كل هذا؟ في الوضع الحاضر لم يبق الخلاف، على ما اظن، خلاف طوائف بل خلاف حزبي اي خلاف خيارات على الصعيد السياسي حصرا. اعرف ان تأكيدي هذا يشك فيه الكثيرون. ولكن أدركنا الآن وقتا لا يشك احد في الخلافات السياسية بيننا. انا ليس عندي وصفة لحل هذا النزاع. وصفتي فقط ان يحب بعضنا بعضا بحيث ندعو الله ان يجمع بيننا واذا ما حل يكون اضعف الايمان الا نشتم بعضنا بعضا واقوى الايمان ان نتحابّ.
السياسة لا تحل كل عقدها. الله وحده هو حلاّل المشاكل. ودعوتنا هي اذًا اليه. وما لم نستنزل الله الى القلوب لن يتغير شيء في لبنان. لبنان بلا اله في نفوس الناس يبقى متفسخا، والانتخابات لا تحل عقدة ما لم تقترن بالغفران اي بالتلاقي الذي يمليه الله علينا. عند ذاك تكون لنا هوية روحية واحدة مع اختلاف الدين. نحن في حاجة الى توبة كل جماعة الى الجماعة الاخرى واعتبارها اساسية للمشاركة الوطنية.
هل تحصل الأعجوبة اذا سعينا الى الحرية الواحدة لكل ابناء البلد والى تنميته الواحدة لكل المناطق والى ازدهاره الاقتصادي والى الإبداع الفكري الذي هو في مصلحة الجميع. انا واثق ان هذا اذا حصل تأخذ الخلافات بالزوال ونمشي معا ليزول حكم القبائل وتنشأ المدينة الفاضلة. نحن عندنا معطيات وجمالات روحية لكي نبني حياتنا على العقل والقلب معا. ونحن قادرون ان نبقي بلدنا طيّبا بمواطنيه وسالكا دروب الحق ومعتَقا من كل سيئاته القديمة ليتجلى بالله الذي يريد ان ينزل عليه.
