Author

Aziz Matta

2000, جريدة النهار, مقالات

فلسطين الأبديّة / السبت 21 تشرين الأول 2000

فلسطين الدعوة أكبر من الأرض. يذهلني فيها أنّها لا تسكن دار الخوف، أنّ رجاءها أعظم من واقعها. أفهم أن تكون مشدودة بين مرارة الوعود وضياء التطلّعات حتّى يعمّ الفهم الدنيا وتنصف فتصبح القدس محكّ الصدق. وقد تعظم صحوتها ببركات الدم المراق وكيف يهدي العالمين. إن لم ننظر إلى فلسطين حدثًا روحيًّا كبيرًا نبقى أسرى مشاعر من هذه الدنيا. أنا هذا لا يكفيني ولا أتجنّد له. أنا مع هؤلاء القوم في مظلوميّتهم ومع القدس في نورها. دم الظالم ليس فيه شهادة. أنا مع فلسطين حتّى تسمو وأرتفع بها. وما التفاف أبنائها إلاَّ نداء إذا سمعت إليه يزكّيني في إنسانيّتي ويجعلني أكثر نباهة وأشدّ إحساسًا في كلّ مساعيَّ. وإذا تبرّر إنساني الداخليّ بالقدس أنظر إلى لبنان مقدسيّ الدعوة أي مطرحًا سماويًّا استلهامًا ففعلاً إنسانيًّا يتفجّر ضياء.

فلسطين ترعى عهد الحبّ بعذابها وتحيا حرّة به وحرّة منه، مرشّحة للقيامة في هذا الدهر، مختارة بالحبّ الذي ينزل عليها. ولذا، بمعنى، كانت فوق السياسة. لذلك لست أنت مختارًا بين حبّك إيّاها وعدمه. أنت مبارك بها. هذا حوار المرئيّ وغير المرئيّ الذي تكون فيه المحسوسيّة مرآة اللامحسوسيّة واللحظة طفرة إلى الأبد. هذا وحده يعيدك من الهروب. لذلك كانت المقادس الفلسطينيّة رياضة قلوبنا.

الذين يموتون معًا هم دائمًا واحد. وما أعرفه من متابعتي التحرّك الفلسطينيّ منذ 1936 هو أنّ الذين ناضلوا معًا صاروا معًا في حلم الأجيال اللاحقة. هذا أنشأ وطنيّة واحدة عندهم، ولم ينكشف فيها انغلاق طائفيّ، وقدروا على خطاب عربيّ حضاريّ أرادوه بمشاركة اليهود لمّا عاد النضال مع الثورة في أواسط الستّينات. ثمّ خاب الأمل من كيان واحد. ولعلّ اللغة القوميّة هناك تتجاوز ثنائيّة المسيحيّين والمسلمين التي نحكيها في لبنان. لغة نكهتها علمانيّة بمعنى أنّ التوق باقٍ إلى وجود وطنيّ جامع. وعند حلول السلام لا بدّ من أن يواجه الفكر الفلسطينيّ إشكاليّة العلاقة بين الوعي القوميّ والصحوة الإسلاميّة، وهي إشكاليّة مطروحة منذ بضع سنوات على مطارح البحث في محافل بيروت.

#   #   #

هذا التلاقي المسيحيّ – الإسلاميّ مرموز إليه في القدس لكونها كانت قبل احتلالها موطن الجماعتين الكبيرتين. ولا تزال من زاوية الأماكن المقدّسة كذلك. ليس في المدينة العظيمة أيّ أثر يهوديّ يذكر ما عدا بعض الحجارة التي تسمّى حائط المبكى. وحتّى اليوم لم ينبش أثر من هيكل أورشليم، لأنّ الهيكل الثاني أحرقته كلّيًّا الجيوش الرومانيّة السنة الـ70 ولم يبقَ منه حجر على حجر كما تنبّأ له المسيح.

أقول هذا ليس من أجل الحديث التاريخيّ ولكن لأوضح أنّ هذه الثلاثيّة اليهوديّة – المسيحيّة – الإسلاميّة ليس لها تجسيد يذكر حتّى اليوم إذا اعتبرنا المدينة داخل السور. وهي الوجود التاريخيّ الذي ألصقت به، بالإسمنت المسلّح، هذه الأبنية اليهوديّة البشعة جدًّا لتعلو التاريخ وتدفع إلى الكلام العالميّ على وجود ثلاثيّ الجماعات. فإنّ القول المصطنع في الديبلوماسيّة العالميّة كان القصد منه في مرحلة أولى أن يساوي مجتمعيًّا بين هذه الطوائف وفي مرحلة ثانية أن يؤسّس لها حقوقًا متعادلة في المدينة.

تأتي عندئذٍ المرحلة الثالثة من التأمّل لنقول إذا كانت الجماعات الثلاث واقفة معًا في القدس فليتولّ اليهود أو يتولّ المسلمون (وللمناسبة العرب يصبحون المسلمين فقط وهذا يروق الأميركان طبعًا لأن المسيحيين في فلسطين محسوبون على العروبة ولا يطلبون شيئًا لأنفسهم). وإذا كانوا لا يتكلّمون – وأكثرهم غير كاثوليكيّ – يبقى الفاتيكان لسان حالهم لكونه طرفًا قادرًا على المخاطبة الواحدة، ولأنّ المسلمين يريدون دولة مسيحيّة لا يمكن أن تكون إلاَّ الفاتيكان إزاء الدول الإسلاميّة. إنّ منطق الأماكن المقدّسة الذي أتت به الروح الصليبيّة والردّ على هذه الروح هو الذي قادنا إلى الثلاثيّة المذهبيّة. تُكرَّسُ الثلاثيّة في الحضور البشريّ والآثار، ونحن اثنان في الحضور البشريّ قبل التجمّع الصهيونيّ الذي شوّه القدس، واثنان في المجال الأثريّ. فالكلام على الجماعات الثلاث معًا هو من باب الواقع السكّانيّ الحاليّ فقط ومن باب استعمال حقوق الإنسان ولكن ليس له علاقة بالعمق.

#   #   #

على مستوى المعاني يختلف المسيحيّون والمسلمون في تقدير اليهوديّة. المسلمون يعتبرونها دينًا سماويًّا. في السياق القرآنيّ وعلم الكلام هذا الكلام مفهوم لأنّ اليهوديّة في الفهم القرآني هي التوراة وهي عند المسلمين كلام منزل. ولكن إذا رأى المسلمون إلى الكتب الأخرى اللاحقة للتوراة كالتلمود وغيره قد لا يصرّون على قولهم إنّ اليهوديّة دين سماويّ.

قلت هذا لأنّ الموقف «الترحيبيّ» باليهود ومسالمتهم مهيّأ له في اللاهوت الإسلاميّ. أن يقبل المسلمون اليهود على أساس حقوق الإنسان هذا ما أقوله أنا أيضًا. ولكن أن يرحّبوا بهم على أساس الوحدة الإبراهيميّة أي كونهم ينتمون إلى جذع روحيّ واحد فهذا عندي لا أساس له لأنّ لكلّ منا قراءته لإبراهيم. فليس له وجه واحد أو موقع واحد أو معنى واحد في الديانات الثلاث.

المشكلة عويصة ودقيقة بين الفكر المسيحيّ التراثيّ والموقف المسيحيّ الغربيّ طوال القرن العشرين ولا سيّما بعد «المحرقة» واستضافة أميركا اليهود المطرودين من ألمانيا النازيّة. ليس المجال هنا لأناقش الفكر الغربيّ حول أفهوم شعب الله. هل اليهود لا يزالون شعب الله أم إِنّ هذا هو إسرائيل الجديد أعني الكنيسة.

هل هناك اختيار للعبرانيّين أم إِنّ المختار الوحيد هو يسوع المسيح ومن صاروا إليه. هل اليهود «شعب الوعود والبركات» وعلى المسيحيّين أن يتقبّلوهم بهذه الصفة؟ هذه تأمّلات دخلت فعليًّا في سياسة الولايات المتّحدة وجاءت من القراءة الظاهريّة والحرفيّة للعهد القديم.

ربّما اضطرّ الفكر الغربيّ اليوم إلى أن يوفّق بين هذا اللاهوت السيّئ وواقع الظلم الحالِّ في الشعب الفلسطينيّ. أنا لا أدعو إلى أن نجتمع مسيحيّين ومسلمين على عداء لليهود. هذه عندي عنصريّة توقعنا في هذا الذي وقع فيه هتلر وجعلنا نرث نتائجه. لولا هتلر لما دعمت أميركا والاتّحاد السوفياتيّ الكيان الصهيونيّ هذا الدعم الكبير السنة الـ1948. أيّ استدعاء لشعور عدائيّ للشعب اليهوديّ يحلّ بنا أذى كبيرًا. كما أنّ أيّ التماس قربى روحيّة على أساس دين سماويّ (الإسلام) أو قربى روحيّة في وحدة الشعب المختار (المسيحيّة الغربيّة) يشوّه المسيرة.

ما من خطاب يحيي فلسطين في أذهان العالم المتحضّر إلاَّ كونها مقهورة وكونها في مقهوريّتها معطّلة للسلام آجلاً أم عاجلاً. كنت دائمًا أتمنّى أن يخرج اليهود من غباوتهم ليفهموا أنّ محاصرة الحاضر الفلسطينيّ خير خدمة لتفجّر المستقبل الفلسطينيّ.

هل يزيد العرب شيئًا على الخطاب الحضاريّ الفلسطينيّ في العالم ما عدا الحماسة ومشاركة الاخوة في المجال العمليّ. قلنا إنّه أوّلاً في نطاق النفط ولو افتقر العرب؟ أعتقد أنّ الخطاب الفلسطينيّ لن ينجح ما لم يكن وطنيًّا أي قائمًا على وحدة فلسطين بالتساوي الحقّ بين أبنائها، الأمر الذي يجعله قوميًّا بصورة سليمة أي بصورة لا تجرح وحدة الداخل.

لا مانع من استنفار العالم الإسلاميّ (لكن كلّ شيء متوقّف على اللهجة وفحوى الخطاب). ولكن بالقوّة ذاتها ينبغي استنفار العالم المسيحيّ المتحسّس للعدالة. لقد لمست تعاطفًا عظيمًا وفلسطين في مجالات غربيّة ما كانت كبيرة التحسّس لقضايانا سابقًا. ولكن ضمن مخاطبتنا للغربيّين بمن فيهم العلمانيّون اختبرنا نحن أنّ تحويل الأنظار إلى وجود مسيحيّين في فلسطين أتى عنصرًا مفيدًا للقضيّة. وهذا أمر ليس فيه إثارة لأحد. المهمّ أن يبقى العدل محور التخاطب. بعد ذلك، وفي صبر كبير، أترجّى حلول البهاء.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

مَثَلُ الزارع/ 15 تشرين الأول 2000/ العدد 42

كان يسوع يحكي حكايات إلى جانب وعظه المكشوف تُسمّى الأمثال. يفهمها الذين استناروا بالرب، ولا يفهمها غليظو القلوب. من هذه الحكايات مَثَلُ الزارع (لوقا 8: 5-16). في الشرق كان الفلاّح يحمل القمح حملا يزرعه في ارض صغيرة فيها شوك أو حولها شوك وفيها حجارة أو حولها. وكان يرمي القمح بقوّة ذراعه فيقع احيانا على الحجر أو الشوك، أو يقع بعض منه على الطريق قبل وصول الفلاّح إلى أرضه.

          هذه حالة البشر مع الزرع الإلهي الذي هو كلمة الله. والزارع هنا هو المسيح أو هو إنجيله. وقد يأخذ الإنسان الكلمة من الكتاب العظيم أو الكتب المسكوبة في عباداتنا.

          يَفترض لوقا أن كل الناس يسمعون الكلمة. لم يتكلم يسوع على الذين لم تصل الكلمة اليهم. المولود مسيحيا عنده فرصة ان يسمع أو هكذا تمشي الأمور مبدئيا. لوقا يصوّر لنا فئة من الشعب تسمع -هؤلاء هم الذين على الطريق- ولكن الشيطان ينزع الكلمة من قلوبهم حتى لا يؤمنوا فيُشفوا. أولئك يسمعون قليلا من الله وكثيرا من همسات الخطيئة تداعبهم فتغريهم ولا يبقى فيهم حنين اليه. يضجرون منها، تزعجهم لأنهم لا يريدون ان يلتزموها خشية أن تُغيّر حياتهم. الكثيرون منا هم هكذا. كل المتباعدين عن الكنيسة قائمون في أوضاع اختاروا لأنفسهم ويَتعذّر عليهم ان يجدوا فرصة لاستماع الكلمة، وهؤلاء يحسبون أنهم صالحون، معجبون بأنفسهم، قادرون أن يعيشوا بلا إله.

          اما الذين هم على الصخر فهم في مرتبة أعلى لأنهم يَقبلون الكلمة بفرح. يؤمنون إلى حين. هم الموسميّون من المسيحيين الذين لا يتابعون صلاتهم كل يوم وصبيحة الأحد. تُطلّ عليهم الكلمة، ولكونهم غير متأصلين فيها يسقطون في ساعة التجربة. ليس فيهم مخزون روحيّ يصدّ الإغراء عنهم فتصل الكلمة إلى سطح نفوسهم ولقاء الرب هو في الأعماق. وتُحسّ عند حديثهم اليك أن السيد اذا زارهم لا يسرعون إلى التقاطه ليسكن فيهم.

          والذي سقط في الشوك «يختنقون بهموم هذه الحياة وغناها وملذّاتها». هؤلاء اختاروا ان يكون مسكنهم الحقيقيّ هذه الدنيا بما فيها من جاذبية وسِحْر. والملذات والمال اشياء خلاّبة، ولم تكن الكلمة فيهم هي الخلابة. الدنيا تدخل إلى عيونهم وآذانهم وأجسادهم. الدنيا ملأت كيانهم فلا يبقى محلّ فيهم لله. يألفونها ويستطيبونها ويشعرون ان ما فيها يبعث فيهم الطمأنينة والانتعاش، ولا يعرفون ان كل هذا مؤقت وهَشّ أو ذابل. وعلى رغم الخيبات التي تأتيهم من الملذّة، يغرفون منها ويذهبون من متعة إلى متعة لإحساسهم بأنها هي تُنقذهم من الضجر ومن العوز.

          «وأما الذي سقط على الأرض الجيّدة فهُم الذين يَسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيّد ويُثمرون بالصبر». ولِعِلْم السيد أنّ السماع لا يكفينا لنَخْلُص، قال: «طوبى للذين يَسمعون كلمة الله ويحفظونها». وقال الإنجيل عن والدة الإله انها تُردّد كلمةَ الله في قلبها. انت اذًا تُعاشر الكلمة لتبدو لك أطيب مِن اللذة، لتصبح هي فرحك.

          غير ان الإنسان مجرَّب بعودة الخطايا اليه. لذلك قال الرب عن الصالحين انهم «يُثمرون بالصبر». فالبقاء مع يسوع يتطلب جهادا متواصلا، مقاومة للفكر السيء الذي يهجم علينا كل حين. واذا عَرف المؤمن الجيّد أن الجبابرة يسقطون، يتسلّح بالصبر الذي هو مُلازَمة للسيد. يريدنا أن نواصل الحرب الروحية فنحن في حاجة إلى هذه الحرب حتى آخر رمق. ولا يَنقضي يوم علينا بلا جهاد. وقد نُحسّ الجهاد صليبًا، ولكننا نعرف انه بعد الصليب تأتينا القيامة.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

القدس والمجد / السبت 14 تشرين الأول 2000

من كلّ المشاهد الفلسطينيّة لا شيء حرّكني مثل انتفاضة الحجارة منذ تفجّرها حتى عودتها اليوم. يدهشني أنّ فتيانًا عزَّلًا (ما فعل هذه الحصى؟) يقولون لا لعسكر. هذا الرفض كان عندي قّمة في بلاغة الصدّ، قمّة في الشهادة كما نفهمها إنجيليًّا. في خطّها وأفصح كان عندي موت هذا الطفل الربيعيّ محمّد الدرّة الذي قلت عنه في موعظتي الأحد الفائت: «نحن مع محمّد الدرّة حبًّا واسترحامًا». في الليلة التي تلت القدّاس تابعت ياسر عبد ربّه في برنامج «حوار العمر». خلال ثلاث ساعات استطاع أن يتكلّم على آلام شعبه بلا حقد. المقاومة الفلسطينيّة صارت عند بعض أو عند كثيرين تراث حبّ.

يجرحك الظلم، وهل من حاجة إلى تبيانه بعد هذا القهر الممارس على شعب كامل على مدى الأراضي المقدّسة؟ والظلم الأكبر في رعاية القهر ورعاية استمراره على رغم صرخات الأنبياء. كانوا دائمًا يتساءلون كيف تصبح أورشليم قاتلة. كيف لا يقرأ يهود اليوم التنديد المستمرّ في تراثهم بالقتل. «ويل للقائلين للشرّ خيرًا وللخير شرًّا، الجاعلين الظلمة نورًا والنور ظلمة» (إشعياء 5: 20). هذه فاجعة في شعب موحِّد مثلنا دعي إلى العدل والدينيّون فيه قتلة. يستنفرون البشر جميعًا إذا حلّت فيهم الفواجع ولا يقلقون إذا هم أحلّوا الفاجعة في الآخرين. هذه مأساة في العالم الدينيّ الذي إليه ينتمون، ولا يقرأ أحد المأساة في هذا النطاق. حقّ لإرمياء أن يقول: «من يشفق عليك يا أورشليم ومن يرثي لك ومن يميل ليسأل عن سلامتك. إنّك رفضتني فمددت يدي عليك وأتلفتك» (15: 5-6). هذا التوبيخ القديم لماذا لا يستعمله أحد في الغرب المسيحيّ بوجه إسرائيل الحاضر الذي يبقى الولد المدلّل. قلناها في هذا المنطق منذ 52 سنة وكرّرناها مع الأجيال علّهم يسمعون، ولكنّهم صمّوا آذانهم وانحازوا وكأنّهم يضطرّونك إلى الدم.

#   #   #

وأريق الدم في مقام السجود والأرواح التي زهقت هناك صارت هي المسجد إذ قامت للأجساد «بركعتين في العشق لا يصحّ فيهما الوضوء إلاّ بالدم». ونزل المجد على الأقصى. وأسرى الله بنا إليه روحيًّا ومن الشهادة تعرج أنت إلى السماء. بأيّ معنى تكون القدس طريقًا إلى السماء؟ كلام غاية في التعقيد. في بعض الأدب الدينيّ إنّ القدس وسط العالم. هذا طبعًا صورة يراد بها أنّ القدس في الجسد الكونيّ بمثابة القلب وأنّك أنت إذًا معها بتّ في الرؤيا، في عالم المعاني، وكأنّ الإنسان في حاجة إلى مرئيّ ليدرك غير المرئيّ. من هذا القبيل هي مصبّ الأشواق (الإسراء في قراءتنا) ومنطلق الأشواق (المعراج في قراءتنا). الذي كتب في سبي بابل: «إنْ أَنْسَكِ يا أورشليم فلتنسني يميني» لم يكن طالبًا وطنه فحسب، ولكنّه كان يطلب الحضرة الإلهيّة في الهيكل. ثمّ صارت المدينة المقدّسة صورة عن أورشليم السماويّة الهابطة من فوق كمدينة الله.

بهذه الروحيّة ذاتها كانت السيّدة رابعة العدويّة لا تبغي الحجّ إلى البيت بل إلى ربّ البيت. لا يطلب أحد الحجارة في الأماكن المقدّسة ولكنّه يطلب إيقونة. والتماسًا لما هو فوق لم يهتمّ المسيحيون الأوائل بأورشليم وكانوا قد غادروها قبل سقوطها بأيدي الرومان السنة السبعين. مخلّصهم بات في السماء. وهنا قبره فارغ. وتمثّل بطريركيّة أورشليم منذ القرن الخامس المركز الخامس في ترتيب الكراسي. أن يكون المسيح قَدَّسَ الأرض شيء لا يعني الكثير للمسيحيّين فإنّ كتابه والقرابين التي هي حضوره أهمّ من تراب القدس.

في العمق وعلى رغم الجانب التاريخيّ الذي ترتبط به القدس في كلّ ديانة، إلاّ أنّ الجامع الحقيقيّ بين أهل التوحيد جميعًا أنّ المدينة تتخطّى ذاتها إلى الله. ولكن قبل إدراك وجهه أنت مع الرموز، والخلاف على هذا المستوى أو ما هو دونه أي السياسة. فإذا سيّست الرموز تقول الدولة العبريّة هناك حضور فلسطينيّ فوق الأرض (الحرم القدسيّ) وسيادة إسرائيليّة تحت الأرض (الهيكل الثاني، مع أنّ هذا ليس مؤكّدًا أثريًّا). باصطناع الانتقال من الرمز الدينيّ إلى المطامع كلّ شيء مباح حتّى السخرية.

هناك، إذًا، تلاقٍ بين الأديان حول القدس إذا ابتغينا المعنى، وتنافر إن ابتغينا الرموز.

غير أنّ الخطوة الفكريّة التي قام بها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين العرب منذ الستّينات أنّنا انتقلنا من رؤية الحجر إلى رؤية البشر. هذا التضادّ عبّر عنه بهذا اللفظ للمرّة الأولى البطريرك الياس الرابع في مؤتمر القمّة الإسلاميّ في لاهور وكان على رأس وفد جمع الأرثوذكسيّين والموارنة. في إحساس أوّل تنتقل من الأماكن المقدّسة إلى اللامكان، إلى وجه ربّك، وفي حركة ثانية من الإحساس والفكر تهبط من وجه الله الكريم إلى الوجوه المتعايشة في المدينة التي تمسي في حقيقتها مقدّسة بالعدل الذي يحقّ لهم على الشعوب.

#   #   #

وحدة فلسطين، بصرف النظر عن السجالات التاريخيّة حول الأحقّيّة في الوجود لهذا أو ذاك على هذه البقعة أو تلك، كانت هي صميم العدالة لليهود والعرب لو تخلّى اليهود عن الفكرة الصهيونيّة. ولكنّا ذهبنا إلى مدريد، إلى أوسلو، ووحدة فلسطين أرجأها الدم.

السياسة كلّها تسوية، ولكن ثمّة تسويات غير معقولة ليس فقط لكونها مذلّة ولكن لكونها غير قابلة الحياة. ما هو ضمن السياسيّ المعقول اليوم بانتظار المرتجى، هو أوّلاً – فلسطين مصغّرة في الضفّة والقطاع وقدس شرقيّة كاملة السيادة ومترابطة أجزاؤها، ثانيًا – أرض بلا مستوطنات، ثالثًا – عودة اللاجئين إلى بلداتهم وقراهم. والبقيّة تفصيل.

هذا يضطرّ الطرفين إلى العودة إلى طاولة التفاوض إن لم تتجاوز الأزمة الحاضرة كلّ هذا التأمّل، إذا لم تجنّ الدولة العبريّة إلى منتهى جنونها وإذا لم يذهب أحبّاؤنا في فلسطين إلى كامل بطولاتهم.

بانتظار ذلك ينتظر العرب مؤتمر القمّة. أنا لم أفهم لماذا تأخّر تاريخه. كيف يتفرّجون على المذابح وتبقى لهم أعصاب؟ قدرنا أنّ شهرزاد تنتظر الحكي دائمًا، والعروبة تحبّ الإنشاء وتعتقد أنّ كلامها فعل. أقلّ ما يمكن العرب الذين تبادلوا السفارات وإسرائيل أن يجمّدوا الفعل الديبلوماسيّ.

هذا بدء لفعل عربيّ غايته القصوى أن تتوسّط أميركا بإنصاف بين إسرائيل والعرب. والمؤسف أنّ اللاعب العربيّ لا يمكن أن يبقى إلى الأبد ألعبانًا ليظنّ أنّه يستطيع أن يقاوم إسرائيل من غير أن يوجع أميركا. هذا السيرك العربيّ لا يمكن أن ينقذ فلسطين. هناك أمر يوجع الولايات المتحدة وهو النفط. أن تبقى مستغلّة النفط العربيّ بلا حدود ولا حساب، أن تبقى مرتاحة إلى الواقع العربيّ والإنشاء العربيّ ضدّها، يعني أنّها في صميم الحياة العربيّة وأنّها لم تقطع حبل السرّة بينها وبين إسرائيل. صمود الأمّة العربيّة مجتمعة أمام الطغيان الأميركيّ لا حقيقة له إن لم نسخّر النفط للقضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يبحثوا هم في آليّة تحدّ من مطامع الأميركيّين في الثروة العربيّة. أمّا الكلام على إرسال جيوش أو متطوّعين لمناصرة الفلسطينيّين (من أين؟) فهو مجرّد أغنية تغنّى.

الفلسطينيّون لا يموت عربيّ من أجلهم. اليوم شرف العرب لا ينقذه إلاَّ الشابّ الفلسطينيّ في القدس والناصرة وغزّة وما إليها. لا أعرف آليّة هذا الخلاص، ولكن ما أعرفه أنّه يفيض من القلوب الفلسطينيّة الباسلة التي حالفت الحياة.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

بين الأرثوذكسية والكثلكة/ 8 تشرين الاول 2000 / العدد 41

يحزنني ان انقل إليكم ان العلاقات بين كنيستنا والكنيسة الكاثولكية تمر الآن في مأزق أو صارت متجمدة على مستوى اللجنة الدولية المختلطة للحوار بين الكنيستين. هذه اجتمعت بين 9 و 19 تموز قرب مدينة بالتيمور في الولايات المتحدة، وحضر 46 مندوبًا من مختلف انحاء العالم (الخوري ميشال نجم من أبرشية نيويورك كان يمثل الكرسي الأنطاكي). موضوع الاجتماع كان يدور حول فحص الحركة الاتحادية (مع رومية) من زاوية اللاهوت الكنسي والقانون. الا ان هذا اللقاء فشل كليا ولم يتوصل المجتمعون إلى اتفاق اذ ظل الأرثوذكسيون ينكرون ان هناك أساسا لاهوتيا لوجود الكاثوليك ذوي الطقس البيزنطي.

بحثت مواضيع عميقة ذات طابع لاهوتي وقانوني يتعلق بالكاثوليك المنحدرين من أصل أرثوذكسي وبنشاطهم. لذلك لم يصدر تصريح مشترك عن الاجتماع كما في السابق وسيكتفي الأعضاء برفع تقارير إلى كنائسهم حول إمكانية تجاوز الصعوبات التي تعترض الحوار. مع ذلك عبّرت اللجنة المشتركة عن أملها في متابعة التأمل والحوار عسى يتبين ما من شأنه إعادة الشركة بين الكنيستين. إلى المناقشات حضر المندوبون معا صلوات أقيمت في الكنيسة اللاتينية والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في بالتيمور.

مسألة الحوار على هذا المستوى العالي تعقدت منذ سنة 1990 بسبب من ظهور جديد للكاثوليك الشرقيين في أوكرانيا الغربية ورومانيا (بعد ان كان الحكم الشيوعي قد أغلق كنائسهم). كذلك تحسس الأرثوذكسيون الروس ان الكثلكة تمارس في روسيا –عن طريق مرسَلين لاتين– اقتناصا. آخر وثيقة حول هذا الموضوع ظهرت في لقاء اللجنة العالمية في البلمند المنعقد في تموز 1993. في البلمند رُفض أسلوب الانضمام إلى رومية كمنهج للوحدة. هناك طريقة أخرى لاتحاد الشرق والغرب. وكانت الوثيقة قالت بمفهوم الكنائس الشقيقة. غير ان بعض الكنائس ولاسيما كنيسة اليونان وكنيسة الروم الكاثوليك في رومانيا رفضتا مفهوم الكنائس الشقيقة. وأخيرا أصدر مجمع تعليم الإيمان في الفاتيكان في 30 حزيران الماضي بتوقيع رئيسه الكردينال جوزيف راتسنكر وموافقة البابا قرارا برفض هذا المفهوم.

على رغم هذا المأزق عبّر المندوبون الأرثوذكسيون عن رغبتهم في استمرار الحوار. شعوري الشخصي ان وثيقة البلمند كافية ولم تكن في حاجة إلى إكمالها بوثيقة أخرى. وكان واضحا لدينا ان كل إضافة أو تعديل على نص البلمند من شأنه ان يعقّد موضوع الكاثوليك الشرقيين. لقد أعطتنا رومية في البلمند أكثر مما كنا نتوقع وهو اعترافها بأن انشاءها الكنائس الشرقية التابعة لها كان خطأ تاريخيا وخطأ عقائديا. ونحن لم نوافق على شرعية هذه الكنائس ولكن اكتفينا باحترام وجودها وحريتها. وهي قانونيا جزء من كنيسة رومية. ومن هذه الزاوية نتعامل مع الأسرار التي تتم فيها.

من الطبيعي، في نظرة إلى محادثات كنائس، ان يرى كل طرف منا إلى هذه الكنائس على انها تطرح إشكالية واحدة. تؤخذ ككتلة مع انها اداريا ليست كذلك. تؤخذ كظاهرة واحدة في أوربا الشرقية أو امتداداتها في المهاجر. الا ان بعضا من هذه الكنائس لم يبق ممارسا الاقتناص بشكل ملحوظ أو مباشر، وبعضا يحيا شعورا أخويا تجاهنا.

من الواضح ان هناك حاجزا ليس فقط نفسيا بسبب ظهور هذه الكنائس. وشعوري ان اليقظة من قبلنا والروح المسكونية التي دخلت هنا وهناك من شأنهما ان توقفا الاقتناص. وقد أثبتت النهضة الروحية عندنا وعندهم اننا –في بعض البلدان كما هنا– يمكن ان نتعاون في الإنتاج اللاهوتي العلمي وربما في تعابير أخرى بلا مشاركة اسرارية.

هناك أمور أخرى بعضها عتيق وبعضها جديد وسّعت الخرق بيننا. الاجتماع الرسمي الآتي لن يكون قبل سنتين. كيف نكمل السعي المشترك بعد ظهور هذه العقبة في بالتيمور؟ الله وحده يعلم. اياه نرجو ان يذلّل الحواجز.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

الرحمة / الأحد الأوّل تشرين الأول 2000/ العدد 40

أوّل ما نقرأه في إنجيل اليوم (لوقا 6: 31-36) دعوة من يسوع إلينا أن نعامل الغير مثلما نريد أن يعاملونا. الغير موجود على طريق حياتي. هذا هو الذي كلّفني الله به. صرتُ أنا مغذّيه إن جاع ومكلّمه إذا أحس بالعزلة. أفتقده في كل حاجاته. أنا أبادر إلى كل ما يعود عليه بالخير, ولستُ أنتظر ان يسألني شيئا.

أحبه ولا أنتظر منه شكرا. لا أشترط فيه خصلة من الخصال لأخدمه. وقد لا يكون هذا نسيبي أو صديقي. المحبة ليست قائمة على تبادل المشاعر. أنا أحب من جهتي, وقد لا يردّ على المحبة. أنا أحبه وأخدمه طاعة للمسيح.

وكثيرا ما أُقرضه مالا ولا أرجو أن أستوفيه. المحبة المسيحية ليست تعاقدا. إنها تعطى من طرف واحد. تعطى لأي إنسان يحتاج إليها. وإذا عرفنا ذلك نفهم قول السيد: «أَحبوا أعدائكم». إذا عاداني إنسان، يؤذي نفسه ويحزنها. إن طلب إليّ السيد أن أنقذه من هذا العداء، أنا أعالج نفسه. ولكوني عرفت انه واقع في البغض أو الحقد أو الحسد أو النميمة، أصير طبيبه. تعيّنت طبيبا له لأني عرفت أنا مرضه. أفكر بنجاته ولا أفكر بالجرح الذي أحدثه فيّ. وإذا جافيته أو كرهته ينخفض مستوى إنسانيتي, أصبح قزما, أدخل في لعبته. وإذا عرفنا أن المحبة غير مشروطة، يهون عليّ آنذاك أن أفهم: «أحبوا أعداءكم». فكما ينعم الله على غير الشاكرين والأشرار, أوزّع أنا نفسي على من أحبني ومن أبغضني على السواء. قلبي متّسع للدنيا, لذا اختتم الإنجيل هذا الفصل بقوله: «فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم».

فكما أن الرب يعامل جميع الناس بالحسنى والنعمة والرأفة والأبوة، أكون أنا كذلك. يتّسع صدره لكل أبنائه الصالحين منهم والسيئين. كل فئة من الناس يستعمل الله معها أسلوبا ليوصلها إليه. ربُّ البيت يحب الولد الطيّب والولد المشاكس, الشرير. له مع كلٍّ من أولاده أسلوب. نحن أيضا، إن عاملْنا الناس جميعا بالعطف الواحد، لنا ان نتدبر حياتنا مع الناس بأساليب مختلفة، والغاية تبقى ان نكشف لهم في سلوكنا الحنان الإلهي.

الإنسان فيه قسوة وفيه أذى وفيه استغلال وحبّ السيطرة. فيه كل الأفاعي. هذا يجب أن تحبه علّك تقتل الأفاعي. لا يفنى الشر الا بالخير والمسامحة وعمل البنيان. السلبية لا يقضي عليها إلا الإيجابية. وأعلى من الإيجابية المبادرة في الخدمة. أن تكون أنت غاسل أرجل, هذه هي رسالتك. هكذا فعل يسوع.

العلاقة الإنسانية ليست تعاقدًا ثنائيًا تقوم على هذا التفاهم أني أُعطيك إن أنت أعطيتني. هي علاقة ثالوثية ناظمُ العقدِ فيها هو الله. «الله أحبّنا أولاً» وهو الذي يحبّنا خلال عمرنا على الأرض، ووحده يتلقّانا عند موتنا واليوم الأخير. أنا أرحمك لأني تعلّمت أخلاق الرحمة من الرب حاضني. وإذا نظرنا إلى الناس بعيني الله، نراهم على رغم خطاياهم أحبة له.

في هذه الأرض ينبغي ان نكون مستعدين للتعامل مع الكل. ومن حالتهم نرتقي بهم أو نسعى. هذا موجع للإنسان الحساس وموجع للطاهر الذي يصدمه غير الطاهرين. غير ان الرب جعل كل إنسان مؤمن حارسا لأخيه، وان لم يقبل هذا التفويض وترك غيره بلا رحمة يكون قد سلّمه إلى الموت.

Continue reading
2000, مقالات, نشرة رعيتي

صائد الناس/ 24 أيلول 2000 / العدد 39

في إنجيل اليوم (لوقا 5: 1-11) بعد أن دخل يسوع إلى سفينة بطرس وهو المسمّى سمعان قال له السيد: «تَقدَّمْ إلى العمق وأَلقُوا شباككم للصيد». وبعد أعجوبة الصيد العجيب قال السيد لتلميذه: «انك من الآن تكون صائدًا للناس». وبعد ان عاد التلاميذ الذين كانوا يصطادون «تركوا كل شيء وتبعوه».

          «تَقدَّمْ إلى العمق» ليس فقط في بحيرة طبرية ولكن، اذا صرت صائدًا للناس ورسولا، تتقدم إلى عمق قلوبهم، لأنك إن لم ترسل كلمتك إلى عمق القلب، ولكن بقيت على سطحه، لن تضع الله في هذا القلب. هذا الذي تخاطبه، اذا قلت له أشياء ليس فيها عمق، لن يَخْلُص بكلماتك. قد يسمع ولا يريد ان يتغير اذا انت خاطبت عقله دون فؤاده. اذا نزل المسيح إلى داخله يُغيّره وتكون انت قد اصطدته. ولا تستطيع ان تكلّم أحدًا الا اذا سجدت على ركبتيك للرب مثل بطرس، وتقبل الرب بالتوبة سيّدًا على كل فكرك وتمحو فيك الرغبات التي لا يحبها يسوع. ولن تجثو الا اذا اعتراك انذهال اي اذا خُطف عقلك إلى المخلّص ولم يبقَ فيك الا ما يحبّه هو.

          عند رؤيتك يسوع وحده لا يشاركه فيك شيء تكون مهيّأ ليجعلك صائدًا للناس. فاذا حلّ فيك بالروح القدس تترك كلّ شيء وتتبعه. تنسلخ عن كل شهوة ضارة معوقة لرؤيته في كل بهائه. هذه هي الحياة الرسولية في كنيستنا أن تكون ملتصقاً بالسيد. فإذا ذهبتَ إلى الناس فلكي تُبلّغهم ما رأيتَ بعينيك وما سمعَتْه أُذناك وما لمستَه بيديك من معاشرة الفادي. تذهب إلى الناس بقوّة يسوع. تذهب ولا تكون قد تركته.

          أن يكون صيادًا للناس اذا كنتَ كاهنًا تعني أن ما وراء الخدمة الإلهية التي تؤديها ليس القصد منها ما يراه الناس فيها وما يسمعونه، ولكن القصد أن يرتمي كل من الإخوة على صدر المعلّم ليسمعوا خفقات قلبه. وإذا قمت بزيارة فليس لتسلّم على المؤمنين وتسألهم عن أحوالهم وأحوال بنيهم، ولكن الغاية أن توصل كلمة الرب واضحة فتتحدث عن المسيح مباشرة بكلمات إنجيله.

          ولكن ليس الكاهن وحده صائدًا للناس. كل من اقتبل المعمودية ومُسح بالميرون تعيَّن شاهدًا. ولا أتكلّم هنا على الشهادة باستقامة الحياة ونقاوتها وهي الأساسية، ولكني أتكلم على الشهادة بالكلمة. أن تبلّغ الناس كلمات الحياة بعد أن تكون قد عرفْتَها لكي يَحيوا ويتحركوا ويوجدوا ثم يجتمعوا يوم الأحد لأكل عشاء الرب. أنت تستخدم الإنجيل لكي يتوبوا ويلتصقوا بالمسيح. وليس أفعل من كلام يسوع كما صدر عنه. الغاية أن يتلفظ مَن تُبشّره باسم يسوع. أن يستلذّ الاسم بشفتيه لأنه لا يستطيع أن يلفظ اسم يسوع الا اذا ترك ما عداه فيلتحق به.

          ليس فقط اسم الله أو حتى اسم المسيح فالمسيح ليس اسمًا ولكنه نعت. الاسم هو يسوع. الفظها كما هي. واذا سمعتها من أحد، اذ ذاك تتأكد انها وصلت.

          أنت مدعو أن تأتي بأصدقائك وغيرهم إلى المعلّم وإلى ما قال حتى يحبّوه ويحبّوا ما قال. بعد هذا يكون من الطبيعي أن يجتمعوا حيث اسمه مذكور وحيث جسده ودمه.

          هذه مسؤولية انتدبَتْكَ لها المعمودية. وبلا تبليغ الناس الرسالة، تكون معموديتك آلت إلى مجرّد اغتسال بالماء.

Continue reading
2000, جريدة النهار, مقالات

المجد الباطل / السبت 23 أيلول 2000

يقال له في اليونانية المجد الفارغ لكون صاحبه يظن ان عنده شيئا وليس فيه شيء. عند المصابين بهذه الشهوة مركز وجودهم هو الانا. اما المتحرر فلا يحسب ان هذه الدنيا تغنيه لكن الهه يغنيه. الواقع في هذا الهوى الكبير. يستعلي مما يملك. اما الحر من عبودية الملك وعبودية الافتخار فيرى نفسه فقيرا. الذي ملكته الارض يحسب انه مالك الارض وسيدها ويسعى الى سلطان على البشر. ورغبته في ان يراه الناس ويعجبوا به ويقدروه ويمدحوه. ويعجب من عدم انبهارهم به.

الحسناء تظن انها تملك حسنها والثري ان له حقا في الثراء وقد يذهب المثقف الى ان ثقافته عظمة له. الانيق والانيقة قد يحسبان ان الاناقة توجب على الناس الافتتان بهما ويذهلان انهم لم يفتتنوا. لا يعرفون ان هندامهم وعطورهم وما يتبرجون به ليست هي اياهم ولكنها اشياؤهم. وقد لاحظ القديس مكسيموس المعترف ان هناك جدلية بين المال والفخار. الذي يمجد نفسه يسعى الى المال والمال ينشئ فينا المجد الباطل. وهذا كله يجلب الترف والبذخ. فأنت باذخ بسبب من زهوك. وقد تسعى الى وظيفة او مكانة لتبقي الزهو. غير ان المال ليس فساده فيه ولكنه وسيلة الى السلطة وعشقها. المال ذروة فساده انه يبعث فيك حب التسلط. ولكونك وحدك موجودا يهمك ان ترى الناس عبيدا لك. “انا ربكم فاعبدوني”. ولهذا تقضي حياتك في التفتيش عن عبادة لك.

وقد لا يكون المال وحده سبيل اغراء الاخرين بك. فكثيرا ما يفخر القوم بما يعرفون. بشهاداتهم العليا، بجمال خطابهم او ما يكتبون. اذ المال لا يكفي صاحبه. بعد كثافة من الثروة تنشئ صحيفة ليقال انك مثقف او تجمع مكتبة لا تقرأها لأنك في داخلك تحس ان كثرة من الناس لا تسكرهم ثروتك ولكن ما من انسان لا يهتز للثقافة. تتظاهر بها او يظنونك عليها اذا عقدت حولك مجلسا من العلماء او الشعراء او حضرت حفلة موسيقى كلاسيكية لا تفهم منها شيئا ولا تذوقها.

ومن الناس من ليس عندهم مال او تغلبوا على شهوته. وعندهم فضائل حقيقية. تجربة الشيطان اياهم ان يفخروا بفضائلهم لكونهم نسوا انها من الله وان ليس لهم فيها شيء. هذا النوع من الفخار يقع فيه من صار لهم في الفضيلة معراج واقتنوا الكثير منها واوغلوا بالنزاهة في محيط قليل النزاهة او تشددوا بالعفة حيث يكثر هاتكوها. ان ترى نفسك فاضلا مع حفنة قليلة من الفاضلين من شأنه ان يوحي اليك انك من الاعزة المقربين الى الله وينسيك انك صرت الى البهاء فقط برحمة من ربك. وفي هذا قال السيد: “كيف لكم ان تؤمنوا وانتم تتلقون المجد بعضكم من بعض واما المجد الذي يأتي من الله وحده فلا تطلبون” (يوحنا 5:44).

هناك اذاً مجد حقيقي يأتي من الله، هذا هو الهابط على المتواضعين. ولكونك احتجبت دون نزول هذا المجد عليك تذهب الى مصادر المجد البشرية. وقد قال الرب لهؤلاء: “انكم لا تستطيعون ان تؤمنوا”، ذلك ان ايمانك تعطاه من الله وليس لك فيه شيء. فالله اذا مجدك يمجد نفسه فيك. هؤلاء لا يقدرون ان يؤمنوا لأن الايمان، لغة، ان تجعل الله مأمنك، وهذا يعني ان ترى النور فيه. واذا ارتفعت عيناك الى وجهه يمحي وجهك في عينيه.

من الصعوبة بمكان ان نتنزه عن المجد الباطل. انه يلاحقنا من كل صوب. فالانيق مثلا اذا لبس ثوبا جديدا يعتز به. واذا اهمله وارتدى ثوبا غير باهظ الثمن يفتخر بأنه تواضع. ومن يقول كلاما جميلا يفتخر ومن صمت عنه يفتخر. عند آبائنا النساك ان هذا المرض يشبه البصلة. فكلما نزعت عنها قشرة تظهر قشرة اخرى. لكن نباهة النفس تكشف لك حقيقة قول الرسول: “من افتخر فليفتخر بالرب” (2كورنثوس 10:17) لذلك كان من سعى الى ان يظهر يمدح مادحيه لكونهم يغذون فيه الحياة التي اصطنعها لنفسه.

المأساة هي هذه ان من انتفخ هكذا واستكبر لا يعرف تفه الاشياء التي يسبح فيها ولكنه يحسب المتواضعين اغبياء. يعطي قيمة لما ليس بقيمة ووجودا لما ليس بوجود. لا يرى هشاشة ما بين يديه ولا يرى المتعلم المنتفخ انه قد يجن ولا ترى الجميلة ان اي مرض او حادثة تنهي جمالها. المشكلة عند هؤلاء ان ما يراه الصالحون وهْمًا يراه هؤلاء حقيقة وما يراه الخيرون حقيقة يمسي في نظر اولئك وهْما. هذا هو الهذيان عينه. واذا كان الجنون تحديدا ان نخرج من عالم الواقع لبناء واقع فعاشق المجد يحيا في عالم الاستيهام. انه استيهام، المصاب فيه لا يرى من حوله ان متملقيه كاذبون مستفيدون وانهم يهزأون به في سرهم او مجالسهم. انهم يعرفون ان المصاب بهذا الداء يتقسى قلبه ويحتقر من يستعملهم. ولكونهم يريدون العيش به او منه يسكنون المدح. وكثيرا ما يعرف هذا ان مادحيه كاذبون ولكنه لا يريد ان يواجه حقيقته وقد يمدهم برواتب او هدايا ليتحلقوا حوله. لقد غدا في حاجة الى فراغه اذ لا يستطيع ان يشاهد الاسمى.

هذا المجد الباطل المحدق بنا جميعا لا شفاء منه الا بفكر الرب الذي يريدنا ان نذكر الموت لنشاهد باطل حاضرنا. وللرب اساليب لأنه “حط المقتدرين عن الكراسي”. قد لا يتوب انسان كهذا الا اذا ضربه الرب بجسده. المشكلة ان البشر لا يأخذون عبرة من موت الآخرين. هناك من لا يعتقد حقا انه يموت اذ يتصرف بهذه الدنيا وكأنها جالسة عنده الى الابد. لا يشفى من هذا المرض الا اذا ادرك ان العالم الذي اصطنعه لنفسه انما هو الوهم عينه. قد يفهم اذا رأى سعادة الفقراء وسعادة المرضى الصابرين. المشكلة ان المصابين بهذا الداء يعاشرون فقط من يتجانسون واياه لأن بين هؤلاء جميعا تسابقا على المجد وتسابقا على النفوذ والاثراء.

المهم ان نهرب من كل ما من شأنه ان يرفعنا في رؤية العظماء. لقد اوصانا باسيليوس الكبير ان نسكت الذي يمدحنا. الابرار لا يطلبون مقاما يعظمون فيه. واذا بلغوه فليعرفوا انه خدمة فقط. هناك ترويض للنفس كبير ان لم نتكلم على انجازاتنا وان نهرب من النجومية، الا نتحدث عن قدرتنا واللغات التي نجيد والفساتين المشتراة في باريس، الا نسأل اصحابنا عما اذا كانوا قد قرأوا ما كتبناه، الا نفاضل بيننا وبين الآخرين، الا نذكر احسانا قمنا به وان نسعى الى صنع الخير في الخفاء.

واذا وصلنا الى مقام يضطر الناس فيه الى ان يحتكوا بنا وينبهروا فلنفكر ان المقام مطرح للخدمة فقط ما يجعلنا نقول مع الرسول عن عمل اوكل اليه: “اذا كنت افعله ملزما، فذلك بحكم وكالة عهدت اليّ” (1كورنثوس 9: 17).

في هذا المنصب قد يذلنا الناس. حسن ان نقبل الذل صامتين. الذي أذلك او شتمك او اهانك رسول الله اليك. اعتبره طبيبا لك يؤدبك الله به. ليس مثل نكران الجميل وانتقاص حقوقنا او ازدراء مكانتنا يعلمنا التواضع. كم من مرة شاهدت من اوبخه امام الجماعة يثأر لما يسميه كرامته. انه لا يعرف ان البشر لا يعطونه كرامة. الكبير في الحياة الروحية يخفي عن عينيه حسن خصاله ولا يذكرها للآخرين. واذا وعى خطاياه فيذبل امامه المال والجاه والتشريف الذي يحاط به.

انها لقاعدة لا تخطئ انك ان رأيت لنفسك مجدا في دنياك لا يراك ربك ذا مجد. المهم ان يراك الله فهو وحده مرجعك. ذلك انك ان ابصرت مجده فيك وفي الآخرين تكره التمجيد الذي يأتي من الناس وتدخل في دائرة التواضع الذي اذا ادركته يهبك الحرية كاملة.

Continue reading
2000, محاضرات

الإمام موسى الصدر / النبي شيت، 17 أيلول 2000

حدّد لي أن يأتي كلامي “قراءة” في محاضرة الإمام في كنيسة الكبوشية في بيروت وألقيت في الثامن عشر من شباط السنة الـ 1975 والمحاضرة -الموعظة إنما هي زاوية من زوايا مقاربتنا لعلاقة السيد موسى الصدر بالمسيحيين وعلاقة الجميع بالإنسان وهي لا تستغرق كامل البحث في موقف الإمام من المسيحية والمسيحيين. أظن ان من نحيي ذكراه فكريا عرف المسيحية والمسيحيين في لبنان. قبل ذلك يزين لي ان معرفته بهم استمدها بخاصة من الكتب وما أتى في القرآن والتراث الإسلامي عمَّن يسمَّون النصارى. في بلدنا فَهِم ما تقوله المسيحية عن نفسها. هذا التحول المعرفي كان ثمرة لرؤية الواقع. السيد موسى الصدر كان هاجسه الإنسان واستنهاضه وتحريره من الاستكبار والظلم وأعطي ان يحتك بالعيسويين الذين تجاوزوا المسيحية الطوائفية. وبفضل هذا التلاقي الكياني بين القلوب لم يبق الإمام أسير الكتب واستبق الخيرات في اليقين واستشراف إنسانية تتجدد بالحق.

ويبدو لي ان مجرد القاء هذه المحاضرة في بيعة من البيع ذو مدلول كبير فهذا جديد عند الطرفين. عند الآباء المسؤولين عن الكبوشية هذا اجتراء على كل مألوف وتخطي حدود القانون الكنسي أضف إلى هذا ان الفترة الزمنية كانت فترة الصيام الكبير وان الرهبان الكبوشيين لم يريدوا محاضرة عادية ولكنهم كانوا يسعون إلى عظة يتطهرون بها على طريقتهم في تنظيم محاضرات الصوم الكبير. المفارقة هي ان يقبل الكاثوليكي موعظة دينية في المعبد لا في قاعة الرعية المجاورة تأتيه من مسلم ليجاهد بها نفسه. اما المفارقة من قبل المحاضر فقبوله ان يتكلم في كنيسة فيها رموز عقيدة اخرى من منحوتات وصور اهمها هذا الصليب الذي بدا الإمام ملتصقا به -واذكر الصورة الشمسية تماما كما نشرت في الصحف- وهذا الالتصاق لم يقصده احد ولكن الكاميرا لم تسجل البعد في المدى بين الواعظ والمصلوب.

لماذا أحب المسيحيون هذا الإمام؟ في حسباني انهم رأوه رجلا محبا لا أثر عنده لأية عدائية، اجل كثير التهذيب حتى دماثة نادرة وخطا به الراجح انساني يهدف الى وحدة المواطنين بل الناس جميعا. احسوا انه يذوقهم بعضا من اهل الله. الكاثوليك آنذاك كانوا ورثة لمجمع الفاتيكان الثاني الذي بلغ الحد الأقصى من فكره في تقدير الإسلام نفسه وورثة للفكر الاجتماعي عند باباوات القرن التاسع عشر والقرن العشرين. قد يذهب المسيحي الارثوذكسي أبعد في مسعاه الى الفقراء وعنده ان ليس عند البشر ملك فالأرض ملك الله اي ملك الفقراء. والانسان منتدب الله في ادارة الملك ومؤتمن عليه. كان المسيحيون حساسين للفكر الاجتماعي عند الإمام وتاليا كانوا مباركين لحركة المحرومين. هم كانوا عالمين ان السيد موسى يرعى الشيعة اولا ولكن ما كان الشيعة وحدهم همه اذ كان يطلب الانسان اولا وفي صور ساعد الفقراء المسيحيين. في تأمل بعض منا كانت رعاية المحرومين منطلقا لتحرير كل المحرومين.

استهل الإمام محاضرته بدعاء والأدعية الإسلامية تحرك قلوب المسيحيين كثيرا بسبب من الروحانية التي تشع فيها وبسبب من الشعور الإلهي الصافي الذي لا يتقيد يتقليد مذهبي واحد. النص في استهلاله قيل فيه عن الله انه “يرفع المستضعفين ويضع المستكبرين”. هذا القول شبيه جدا بما ورد في انجيل لوقا: “شتت (الله) المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين”. نحن نعلم ان ثمة أحاديث قدسية قريبة جدا من العهد الجديد.

من اللافت قوله لله: “ووحدت قلوبنا بمحبتك ورحمتك”. من الواضح ان المراد بها محبة الله للبشر. هذه المفردة وردت مرة واحدة وذلك في صورة طه ولو جاء جذر “احب” كثيرا بمعنى حب الإنسان لله. المفردة القرآنية هي بامتياز “رحمة” ويبدو ان الإمام يجعل للكلمتين مدلولاً واحدًا.

وبعد الحمدلة التي وردت اربع مرات يقول: “ها نحن نجتمع بين يديك في بيت من بيوت تنسب اليك، وفي أوقات الصيام من أجلك”. هنا اعتراف بأن الكنيسة بيت من بيوت الله اي مكان يهيمن الله عليه وتقوم فيه الصلاة. وهنا اعتراف بأن الصيام الذي يقوم به المسيحيون انما هو من اجل الله بمعنى ان الإنسان يقوم به وان الله يتقبله.

بعد ذكر الله يعبر الإمام الى اننا “نسير جنبا الى جنب في خدمة خلقك” وكأنه يقول: ان هناك طائفة من الموحدين لهذا الإله تعمل معا لخير الخلق جميعا الى ان يقول: “الى بابك اتجهنا، وفي محرابك صلينا”. هنا لا يتكلم عن باب منظور او محراب مبني. انه يتكلم عن مسجد كوني قائم على العمل المشترك. نجتمع في هذا المسجد الشامل الذي لا يقوم عمارة هندسية وذلك في ما يعتبره وحدة الأديان ويريد بها طبعا ديانات التوحيد. وحدة هذه الأديان عنده قائمة على دعامتين: الدعوة الى الله وخدمة الإنسان وهما وجهان لحقيقة واحدة.

الاختلاف بين الأديان لا يراه قائما على اختلاف في المضمون او في العقيدة. يقول: اختلفت الأديان عندما اتجهت الى خدمة نفسها وعندئذ ازدادت محنة الإنسان وآلامه وكأنه يوحي بأن الحالة الدينية في كل دين تسمو او تهبط. تسمو الى حقيقة واحدة لاهوتية وناسوتية معا أي اذا عرفت ربها والإنسان معًا.

الحالة البدهية يحصرها في غاية واحدة: “حرب على آلهة الأرض والطغاة، ونصرة للمستضعفين والمضطهدين”. الفساد في النفس او في القلب ولا حديث عن تباين في العقائد وتبرز وحدة الأديان من حيث ان المبدأ واحد وهو الله والهدف واحد وهو الإنسان والمصير واحد وهو الكون. هناك لحمة اساسية عنده لا تنفرط بين عبادتنا لله وخدمة الانسان. الكارثة عنده حصلت لما نبذنا الله فأصبحنا فرقا قِدَدا اي كنا جماعات متفرقين. ونتيجة نبذ الله ان وزعنا الكون الواحد وخدمنا المصالح الخاصة وعبدنا آلهة من دون الله. وسحقنا الإنسان. عند الإمام تلازم بين عبادة الله وخدمة الإنسان وتلازم نقيض بين الشرك وقهر الإنسان.

يزين لي ان الإمام يقرر ان التوحيد اسبق من الشرك ومن تعدد الآلهة وفي هذا يختلف عن المؤرخين ودارسي الأعراق البشرية. وفي الواقع عرفت الحضارات القديمة شعورا انسانيا مرهفا. غير ان رؤية الواقع بينت في العصر الحديث ان غياب وجه الله يغيب الانسان ايضا. ترى ذلك في الفن المعاصر. اجل هناك ظاهرة تضحية وبذل كبير عند ناس لا إيمان لهم كما تجد عند بعض المؤمنين قسوة وقمعا واضطهادا. ولكن ما يمكن تأكيده ان الله تاريخيا كان مؤسسا للإنسان. بكلام آخر وبصورة عامة تزامل الله والرفق والحنان والخدمة.

لعل اقوى عبارة اتت في هذه الموعظة: “نلتقي لخدمة الانسان المستضعف المسحوق والممزق لكي نلتقي في كل شيء ونلتقي في الله”. افهم هذا هكذا: ذروة العطاء هي بلسمة الجراح للمعذبين في الأرض فاذا كانت الشهادة الاولى ان “لا إله الا الله” فإنها تبطل الآلهة الكاذبة وتبطل معهم الطغاة والمستغلين ضعف الضعاف فاذا بذلت نفسك للمهمشين يكون الله معطيك هذا ويكون ربك معطى بك للضعاف. ولا يبقى شيء آخر يُعمل.

بعد هذا أقر الإمام شرعية الوجود المسيحي باستناده الى الآية الـ 84 من سورة المائدة: “لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة”.  يقولها للمسيحيين مباشرة في قعر دارهم: اجد نفسي في وسط الطريق الى جانبكم. اجد نفسي واعظا ومتعظا، قائلا ومستمعا”. ارى في هذا منتهى التواضع ومنتهى العلم ايضا. لأنك ان لم تقف بآن معلما ومتعلما فأنت في صفوف المستكبرين ولست في صفوف العلماء. ان تحاور المسيحيين مسلما يفترض انك ترتضي ان تتعلم منهم. ان يرى موسى الصدر نفسه في الكنيسة لا تعني فقط انه ضمن بنائها الحجري ولكنها تعني في قراءتي انه تمنى في ان يكون روحيا داخل الرؤية المسيحية لله والإنسان والكون. هذا أبعد من التعاطي الذهني الذي لا يخلو من سجال. هذه رؤية القلب للقلب.

من أين يأتي ما في القلب؟ يجيب الإمام وكأنه كان يتوقع السؤال: اقتربنا من الينابيع. وهنا يذكر غضبة السيد في الهيكل على المتاجرين بالمقدسات ويذكر الحديث الشريف: “ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائع” ويرى صدى لهذين الصوتين عند بابا رومية: “ان المسيح والفقير شخص واحد” ويتخذ هذه المواقف صرخة ضد الأنظمة الغاشمة ثم يستشهد بما يبدو حديثا قدسيا: “انا -اي الله- عند المنكسرة قلوبهم. انا كنت عند المريض عندما عدته، وعند الفقير عندما ساعدته الخ… هذه طبعا صياغة اخرى لما جاء لعظة الجبل في الإنجيل: “كنت جائعًا فأطعمتوني”.

ترى الإمام يتهادى بين الإيمان والانسان. يجيء من واحد الى آخر ليبين ان للإيمان بعدا سماويا من حيث انه “يعطي الإنسان اللانهائية في الإحساس واللانهائية في الطموح”. هذا الايمان يقيم في الإنسان وحدته ويشفيه ويقيم بينه وبين الموجودات لحمة ويقيمه في الجلال والجمال.

في هذه التأكيدات يرى السيد موسى الصدر الإيمان في عظمته ومطلقه. ولكن هل صحيح ان الكثير من المؤمنين متشحون بهذا الجلال ومتسربلون هذا الجمال. هذه الرؤية تزكي الإيمان ولا تزكي كل المؤمنين نحن نشهد لإيماننا ونخشى عليه الزوال او الضعف. لم يكن هينا على هذا المؤمن العظيم ان يرى مأساة المؤمن العادي، غير المُحيا بالايمان، غير المركِّز وجوده كله على الله.

غير ان ملاحظتي الأساسية ان الجاحد ليس دائم التعلق بالضرورة وليس بلا تنسيق بينه وبين الوجود وليس بلا فلسفة للوجود. وهناك ملحدون على قدر كبير من الأخلاق وبنوا مؤسسات انسانية تقوم على تضحيات عظيمة. في التحليل نرى ان لهم ايمانا ما غير الإيمان الديني يجعلون منه دينا لأنفسهم وهم يحسون بحاجتهم الى الله. في لبنان نتحرك في بيئة دينية ولكن من عاش في الغرب وقرأ آدابه يمر بأدبيات إلحادية واسعة وذات بنيان فلسفي جدي لا بد من مقابلة حججه.

وبعد ان يعرض الطاقات البشرية المولدة للحضارة يركز على موضوع الحرية. هنا تحسه مجروحا من غياب الحرية ويصور لك ان الإنسان بغيابها هذا يتقزم ثم تتقزم الجماعة. وتبلغ حماسته اوجها عندما يرى الاستبداد في سياسة الأفراد والشعوب، في ضغط اقتصادي او ثقافي او فكري، في سياسة الإهمال لإبعاد الفرص عن الناس، بعض الناس، وعن المناطق، بعض المناطق، في التجهيل.

لقد اختل نظام التوازن بين الاتجاهات المختلفة التي تصنع الحضارة. يقول: “السياسة والإدارة والسوق والعمران، لأنها لم تكن مبنية على القاعدة الايمانية، بدأت تنمو بصورة غير منسقة فتحولت الى الاستعمار والى الحروب وما الى ذلك.

ثم يضرب حب الذات وعبادة الذات والأنانية العائلية والقبلية، “الطائفة التي حولت بأنانيتها السماء الى الأرض”، الوطنية العنصرية. “هذه الأنانيات الموسعة كانت احاسيس بناءة لما كانت باقية ضمن حدودها الصحيحة ولكنها تضخمت وغدت دمارة. هذا الكلام عينه نجده عند الآباء النسكيين في الكنيسة الشرقية وكأن هناك تلاقيا بين اهل الزهد من الديانتين كأن الحياة الروحية مياه جوفيه تجري في القلوب المتطهرة لله.

لن اترك هذا المفصل دون ان اطرح سؤالا تاريخيا عن العنف الديني اعني العنف المنبثق من بيئات مؤمنة برّأت ابادة الشعوب الأخرى او قمعها باسم الله. الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر دعت اليه شعوب مؤمنة وافتُتح باسم الرسالة التمدينية وظهر من يجمع بين التبشير والاستعمار. واذا اردنا بحث موضوع العنف بصورة موضوعية فلِحظ بأسى كبير ان الدماء التي سكبتها الشعوب المؤمنة بالله اثقل بكثير من تلك التي سكبت خارج إطار التوحيد. القلب البشري مزاج من الإيمان والكفر، من المحبة والكراهية، من البذل والأنانية. التاريخ البشري ليس تاريخ اديان ولكنه تاريخ شعوب لها مطامعها وشعوب تتمرد عليها. التاريخ ذبح كله باسم الرب والقيم والرسالات او باسم العرق واللون والتفوق الحضاري او باسم ديكتاتورية الشغيلة او الحرية او تحرير الأرض. النفوس البشرية تقود ازمنة الناس وهذه النفوس فيها كل المشاعر ومنها الديني. حينا هو يطوع النفس واحيانا كثيرة هي التي تطوعه او تسكنه.

بعد رسم السيد موسى هذه اللوحة الحضارية يصل الى لبنان، الى انسان لبنان، الى كل انسانه ويريد كل طاقات هذا الإنسان وكل أبعاده. ويربط كل هذا بممارستنا احساسنا الديني الناتج من المبادئ التي عرض.

ينتقل من هذه الرؤية الشاملة الى ذكر الحرمان ومسؤوليته على الجميع. كان لا بد له ان يواجه مسألة العنف. في هذا يقول: “العنف، كما سمعنا، في سبيل الانسان، وبقدر الحاجة، وشريطة عدم الخروج على انسانية الانسان، مسموح بنص الكلمات”. هل أراد بقوله “مسموح بنص الكلمات” الكلماتِ الإلهية او شيئا آخر؟ وجب جلاء ذلك بالرجوع الى نصوص اخرى منه. السؤال الذي يطرح نفسه من هذه الفقرة الصغيرة هو من يقدّر الحاجة الى العنف او من يتحقق “عدم الخروج على انسانية الإنسان”.

هناك بالتأكيد النصوص القرانية المتعلقة بالجهاد الذي يقوم به المسلمون من حيث انهم مسلمون. ولكن هل من أساس لاهوتي للحرب القومية او الوطنية على عدو الوطن وهل هذه الحرب يقوم بها المواطنون على اختلاف دياناتهم؟ واذ ذاك لا يكون تحرك المسلمين ضمن مقولة الجهاد القرآنية. هذه تساؤلات تطرح نفسها من بعد ان قبل المسلمون باوطان متعددة الأديان.

في المقطع الأخير من المحاضرة-الموعظة ينتقل الخطيب من انسان لبنان الى مناطقه ليقرر انها أمانة في اعناقنا واعناق المسؤولين. “الجنوب والأماكن الأخرى أمانات يجب ان تحفظ بأمر من الله وأمر من الوطن”.

أمام هذه التحديات يستنتج الى انه علينا ان نحفظ وطننا لا لله ولإنسانه فحسب بل للإنسانية جمعاء ولنكون صورة متحدية امام صورة البلد العدد وكأنه يريد ان الصراع بيننا وبين اسرائيل ليس على مساحات اراضٍ، ليس صراعا سياسيا وحسب ولكنه صراع حضاري.

ربما كان من حق الإمام الصدر في مطالع السنة 1975 ان يرى للبنان وجها اجمل من هذا الذي عايناه في الحرب وفي السنوات العشر التي تلتها. واذا عدنا عشر سنوات في الذاكرة قبل تاريخ محاضرته لما أمكننا ان نفهم ان تصويره للإنسان اللبناني ونشدانه الإنسان كله كان قريبا من الواقع. ما كان البلد يخشى الثقافة وتحسس الحوار وكان الإمام من اولئك الذين اخترعوا الحوار المسيحي-الإسلامي.

ربما مكّنه هذا الحوار واتصالات اخرى كثيرة ان يتوجه الى المسيحيين الجالسين امامه في كنيسة الكبوشية في بيروت وان يسميهم مؤمنين ومؤمنات. هذا يتجاوز حدود المجاملة ليبلغ قناعة ليست كثيرة الانتشار وعبر عنها بقوله: “فلنحافظ على انسان لبنان لكي نحفظ هذا البلد أمانة التاريخ وأمانة الله”.

لا يرى الإمام أفقا سياسيا او حدودا سياسية خارج لبنان وكأنه يقول قبل غيره ان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه ويولي البلد اهمية كبيرة اذ يجعله وديعة من التاريخ ووديعة من الرب في ايدينا. هذا يحسب فضلا كبير لرجل لم يولد في لبنان واكتملت نشأته الفكرية خارجه. هذا الشعور لا يأتي الا من انفتاح رسالي عظيم ومن اندماج داخلي بهذا الوطن. يمكن ان يأتي بعض هذا من الفقراء. وقد يكون الرافد الآخر انه عرف محبوبيته لدى ناس من دينه وناس على دين آخر. المسيحييون الذين أخذوه إلى قلوبهم سمعوا منه لهجة لم تكن مألوفة في سماعهم وحركت قلوبهم دماثته النادرة وود لديه عظيم. كان يصغي كثيرا ويقول انه يتعلم من اصدقائه. اظن انه فهم ان لسان حال المسيحيين الذين اقتربوا منه كثيرا هو هذا: نحن نتمنى ان نتعامل مع إسلام هذا الرجل. لذلك يبدو لي ان موسى الصدر كان أعظم بكثير من خطابه وان الخطاب لم يكن ممكنا لو لم يصدر عن هذا القلب الكبير.

Continue reading