Author

Aziz Matta

2005, مقالات, نشرة رعيتي

مشوار الصوم/ الأحد 10 نيسان 2005 / العدد 15

ها نحن في الأحد الرابع في المنعطف الثاني من الصوم، الإنجيل فيه ينتهي بكلام المعلم: “ان ابن البشر سيُسلم الى ايدي الناس فيقتلونه وبعد ان يُقتل يقوم في اليوم الثالث”. الآلام والفصح هما اذا غاية هذا المشوار الجميل الذي نقوم به أحرارًا من الشيطان الذي قال عنه هذا الفصل الإنجيلي انه استولى على شاب مريض أعراضه هي أعراض داء الصرع. وفي سياق الحديث قال الرب عن هذا الشيطان انه “لا يخرج بشيء الا بالصلاة والصوم”.

          ان الرياضة الروحية الأربعينية التي نحن فيها تقوم على هذين الركنين: الإمساك والصلاة. إمساك نشهد فيه اننا نرفض السيطرة لشهوة الفم علينا فنمتنع فترة ساعات عن الطعام ونعف عن بعض الأطعمة لنسود رغباتنا ولو شرعية وذلك ترويضا لعقلنا حتى يقتنع ان المعدة ليست كل شيء. نحن من جسد ولكنا لسنا فقط من جسد، لسنا من جسد اذا أتينا من الروح القدس ساكنا فينا.

          ثم الصلاة المكثفة في هذا الموسم شهادة على إيماننا ان من امتلأ من كلمة الله يقرأها في بيته ويسمعها مع الجماعة هو راغب في ان تحل فيه حضرة الله المباركة يتقدس وينمو بها. ان تسكن فيك كلمة الله لتطيعها وتتكيف بها هو ان تقول انك ترفض كلمات فيك تناقض كلمة الله. انت تطرد من نفسك كلمات يوسوس لك بها إبليس لتصير من حزبه. وانت وحدك غير قادر ان تطردها. كلمة الله الطاهرة المحيية تكنس الكلمات النجسة التي علقت بك. اي انك قائل انك ترغب في ان تصبح كائنا إلهي الفكر، إلهي التصرف وبدء هذا الفكر في هذا الزمان ان تغفر للناس زلاتهم ليغفر لك ابوك السماوي زلاتك. وبالغفران تجعل الانسان الآخر اخا لك ولو لم تلده امك اي تصير معه من عائلة الآب، هذه التي تسير معا الى مشهد الصلب فالقيامة.

          القيامة كانت نصر المسيح على الخطيئة والموت. المطلوب ان تجعل القيامة فيك اي ان تقوم انت من الخطيئة حتى لا يسود الموت الروحي عليك. واذا لم تستضف القيامة فيك تكون هذه حدثا حدث وولى. اما اذا جعلتها فيك تحس انها دائمة، انها فاعلة ابدا لتكون عندنا انسانية فصحية. ليست المسيحية أغنية تغنى. انها قائمة في البشر في أرواحهم وافكارهم ونحن الارثوذكسيين نقول انها في اجسادهم ايضا.

          اجل يقول القديسون ان الصوم وسيلة ولكنك تحتاج الى الوسيلة لتبلغ الغاية. والغاية هي الفرح. وما من فرح الا بعد جهاد. ان الرب يؤتيك السرور الحقيقي والابتهاج ان انت عملت له بواسطة ضبط جسدك وفكرك. فاذا رآك ضابطا كل هذا محبةً به يأتي اليك ويقرع باب نفسك فيدخل ويتعشى معك. اما اذا لم تجاهد فتكون قد اغلقت باب نفسك دون المسيح اليه اي تكون قد تعلقت بالأشياء العابرة التي التقطّها من هذه الدنيا العابرة.

          فاذا كنت جديا في هذه الحرب الروحية تخوضها ضد روح الشر تصير مجانسا للمسيح. مجانسا تعني انك تصير من جنس المسيح النور. لذلك تجمع ما استطعت من النور خلال هذا الزمان المبارك حتى اذا حل العيد ينظر اليك السيد المبارك ويرى انك بت على مقدار من النور اي يرى انك صرت مثيلا له بالنورانية. بلا هذه النورانية التي تطلبها بإلحاح تكون قد قرأت تاريخ العيد في الروزنامة.

          هل تريد ان تأتي من قيد في الروزنامة ام من محبة يسوع اياك. أحببه في هذا الموسم يحبك في فصحه ويقيمه في قلبك عسى يلازم قلبك مدى حياتك.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

يوحنا بولس الثاني / السبت في 9 نيسان 2005

لن تكون هذه الاسطر مقال رثاء فقط، فإن غيري كان الافصح وسيكون، ولكن تجاربي مع الحبر الراحل تضطرني إلى ابداء تقديري ولئن مزجت اعجابي وصلاتي بشيء من رؤية قارئ أرثوذكسي لمسيرة هذا الذي يرقد الآن في سلام الرب.

لم يذهلني أحد بتواضعه كما اذهلني يوحنا بولس الثاني. لقائي الاول له كانت السلاسة فيه تأتي من البابا. جعل نفسه تلميذا في مجمع الفاتيكان الثاني فأظهرت تحفظي عن بعض ما جاء في المجمع متعلقا بفهم الكثلكة والأرثوذكسية للكنيسة. كانت تهمه التطلعات والتجاوز إلى ما سيقوله الروح للكنائس.

في السينودس لأجل لبنان وقفت خطيبا وانا على بعد عشرين سنتيمترا منه على المنصة وتحدثت عما يفصلنا عن الكنيسة الرومانية. بقي حانيا عنقه ويستمع بهدوء. ثم جمعتنا في شقته على الغداء مائدة لبنانية. وكان على بساطة مغرية واظهر لي مودة جعلتني اقرأ ان بساطة الحياة فيه كانت اقوى من الدور.

حزنت عند آخر استقبال له في خريف السنة 2003 غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع حيث رغب قداسته ان يتحدث إلى بطريركنا مرتين خلال يومين اقامهما السيد اغناطيوس في رومية مع صحبه اذ كان البابا يقول جملا قليلة. بعد العشاء قادنا يوحنا بولس الثاني لنصلي امام ايقونة سيدة قازان، تلك التي اعادها إلى الكنيسة الروسية أخيرا.

اظن ان اهم ما يلفت في هذا الحبر الكبير انه بقي انسانا وبقي كاهنا ومواجها الدنيا مما تأمله فيها ومما أحس به في مطلع شبابه في بلده. لم يطلق ظلم القهر الذي نتجت منه المعتقلات كما لم يتحمل ظلم الرأسمالية المتوحشة. ما عنى لي بالدرجة الاولى انه في الموقفين كان يأتي من ايمانه. التحليل البسيط لخصامه الرأسمالية والماركسية معا هو اننا امام رجل حر.

قلت كان انسانا وهذا لا يكونه أحد بتصنع. أحب فتاة وهو في الثامنة عشرة وكتب شعرا قرأته في ترجمة فرنسية وكان من عيون الشعر ومارس المسرح قليلا. غير انه بعد اقتباله الكهنوت وفي جديته الرومانية رفض زخرف الكلام ليبقى في حق الانجيل. بشريته في عفويتها جعلته محبا للأطفال. رأيته يلاطفهم بصدق وحنان ولا يرفض ان تقبله افريقية ببساطتها.

غير انه لم يصل إلى الانسان الا بعد ان يكون الله قد خطفه في القداس والفروض الاخرى كل صباح. لهذا قلت انه بقي كاهنا وان رعيته هي العالم. هذا من صميم روح الخدمة عند كل رسول. غير ان هذا مرتبط ايضا بدور الاسقف المسكوني ومدلولها انه راعي العالم.

الشأن البابوي دقيق جدا. يعجبك او لا يعجبك ولكنه هام. العمل في الفاتيكان جماعي مهما كانت شخصية البابا قوية. ذلك انه يحترم العلم والمواهب. واللافت أن السلطة الاكثر مركزية في العالم هي أقرب السلطات إلى الشورى ولو كان للبابا ان يهمل اي نص تقدمه له. وبات من الواضح في السنتين الاخيرتين او الثلاث من حبريته كان اتكال يوحنا بولس على اعوانه كبيرا. لكن التشاور عنده ما كان يزحزح الثوابت الاخلاقية الموروثة من اسلافه: مكافحة الاجهاض، رفض الجنسية المثلية، التركيز على العائلة وقدسيتها وديمومتها… ما علاقة كل هذا بتبجيله العظيم لشخصية مريم ام المخلص؟ كان يبدو لي أحيانا مغاليا في تعابيره المريمية. هل في هذا بعض من خشيته لاهوتيين في كنيسته يؤثرون تعابير «بروتستانتية»؟

ولكن على رغم ايغاله في الهاجس الكنسي البحت كانت تهمه اوروبا في ما احتسبه لا يزال مسيحيا فيها. وإذا صح لي اقتباس تعبير من تراث آخر لقلت انه كان ذا حنين إلى جعل اوروبا صورة عن بولونيا. أعني هذا وجود حضور للمسيحية في بنية الدول الغربية بما ينافي العلمانية او التفسير الفرنسي لها. ربما في قلب هذا المنحى الاوروبي تمنى ان تخرج بلاده من الفلك السوفياتي وكان له هذا بدعمه الكبير لمجموعة النقابات التي اتخذت اسم «سوليدارنوسك» (التضامن).

يقتحم الناس في عقر دارهم. يصافح فيديل كاسترو ويتكلم ضد الماركسية في كوبا. رجل اصابته رصاصتان ماذا يخشى؟ ما كان يهمه، حقيقة، كان اقتحام الشعوب المسيحية بالإنجيل بعدما باتت مسيحيتها باهتة. اما مع الآخرين فحوار. الفكرة ليست منه. ولدت في مجمع الفاتيكان الثاني الذي تتلمذ عليه كما قال لي. ما من شك ان المسيحية الغربية بما فيها الشق الكاثوليكي خصصت لحوار اليهود حصة الاسد. وفي علم تفسير الكتاب وغير التفسير اقوال كثيرة حولت الغرب عن التراث المسيحي القديم الذي كان يندد باليهودية. تهلل الغرب لما دخل البابا منذ بضع سنوات كنيسا يهوديا في روما. نحن المحافظين على المسيحية القديمة انزعجنا من هذا انزعاجا بالغا.

بقي الحوار مع المسلمين – ما عدا اوساطا اكاديمية في الغرب – لقاء مع شعوب اسلامية وقادتها على المستوى العملي اي على مستوى السلام. على هذا الصعيد لم يكن عند الرجل مشكلة في مخاطبة الجماهير الاسلامية في المغرب ونيجيريا وفي دعوتهم إلى جانب ممثلين لكل ديانات الارض إلى اسيزي للصلاة. كان يوحنا بولس الثاني مؤمنا بالصلاة من فم اي مؤمن خرجت. أظن اني لست ظالمه لو قلت انه كان يحمل في آن التصلب الكاثوليكي النظري وانفتاح القلب على القلب. الكثلكة منذ بيوس الثاني عشر كانت قد دخلت في مفهوم ان الكنيسة تقوم ايضا خارج كنيسة رومية بما في ذلك الاديان الاخرى.

صلابة كاثوليكية ساطعة في انه ما سمى مرة البروتستانتيين كنيسة مع انه أقام حوارات مع كل «مجموعة بروتستانتية» كما كان يقول، حوارات مؤسساتية نتج منها وثائق كثيرة ومتقدمة ولاسيما مع اللوثيريين.

تقدم كثيرا حواره مع الذين نسميهم اليوم الأرثوذكسيين الشرقيين ولاسيما منهم الأقباط والسريان كما توبع الحوار مع كنيسة المشرق (الاشورية). مع هؤلاء جميعا اكدت الكثلكة وحدة الايمان. طبعا إذا اردت الدخول في التفاصيل يدهشك هذا. لكن الواقع ان رومية وضعت نصوصا تؤكد فيها هذه الوحدة. غير ان هذه التأكيدات لم تصل إلى نهايتها أعني الوحدة العملية.

مع الأرثوذكس تابع البابا الراحل الحوار الذي شرع فيه اسلافه منذ بولس السادس وكانت ذروته في وثيقة البلمند الشهيرة في السنة الـ1993 حيث قيل ان الكثلكة الشرقية l’uniatisme كانت خطأ تاريخيا وما كانت نموذجا للوحدة. غير ان كارثة حلت في آخر اجتماع للجنة المشتركة في بالتيمور (الولايات المتحدة) حيث انقطع الحوار ولم يستطع يوحنا بولس الثاني ان يحقق أمله في زيارة روسيا. فقد أحست كنيسة موسكو ان الكثلكة تبغي الانتشار على الأرض الروسية بعد تأسيس الفاتيكان أربع أبرشيات على التراب الروسي والكاثوليك العائشون في روسيا وجلهم من أصل غريب قليلو العدد جدا.

هناك مظاهر عديدة في اوكرانيا ورومانيا بدت للأرثوذكسيين ان ما يسمى حوارا يصطدم بوقائع على الارض اعتبرها أرثوذكسيو تلك البقاع محاولات اقتناص. لكن هذا التوتر لم يمنع كنائس أرثوذكسية مختلفة من ان تستقبل البابا وان تقيم علاقات ثنائية معه. ولعل اهم تلاق ثنائي فيه الكثير من الود ذاك الذي قام بين يوحنا بولس الثاني مع الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية وذروته الخطاب اللاهوتي العميق الذي استقبل به البطريرك اغناطيوس الرابع يوحنا بولس في الكاتدرائية المريمية في دمشق.

ذهب البابا في تطلعاته العظيمة وقلبه الكبير إلى الرحمة. قد لا تجيء كل محاسنه مع خليفته ولكنه يبقى وجها كثير البهاء بما فيه من رهبانية حق والم خلاصي وفصحية نيرة. هو لا يزال من بعد احتجابه يدعو ويلح. لقد شد الكاثوليك إلى فوق واراد المصالحة بين المسيحية والحضارة. نشأ الرجل محافظا ومات محافظا ولكنه اقتحم الدنيا اقتحام القديسين لها ولم ينم لحظة. لقد ذهب إلى الرحمة حاملا سجلا حافلا بالمآثر. رجاؤنا ان ترث كنيسته الغنى الذي كان فيه فيزداد جمالها حتى نطرب له.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

السجود للصليب/ الأحد 3 نيسان 2005 / العدد 14

ثلاثة اسابيع من الصوم توصلنا في هذا الأسبوع (الأربعاء) إلى منتصف الصيام الذي ينتهي بسبت لعازر، وبعده ندشن صوم الأسبوع الكبير المقدس الذي هو أشد في نظامه النسكي واعمق في معانيه. وقد لاحظت الكنيسة ان ثلاثة اسابيع من الجهاد ترهق بعض المؤمنين الذين يملون من متابعة النسك والتضييق على انفسهم. فلئلا يتعبوا روحيا كما تعبوا جسديا وضعتهم الكنيسة امام مشهد الصليب واقتبست مقطعا من انجيل مرقس يعبر تعبيرا عظيما عن حقيقة الصليب.

          في هذا يقول السيد: “من اراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. اي اذا شئنا ان نمشي وراء يسوع فهذا له ثمن نبذله. ما هو الذي يجب بذله؟ ان تنحر هذه الشهوة او تلك لا يكفي. ان تنفق بعض المال او كثيره على الفقراء لا يكفي. انت يجب ان تذهب إلى الصميم، إلى أصل الشر وتنفيه عن ذاتك. الذات هي الكلمة المفتاح ويسميها الإنجيل النفس. فأنت تابع للمسيح إلى حيث وصل اي إلى الصليب. فاذا اردت ان تميت الخطيئة التي قتلت المسيح عليك ان تضحي ليس بشيء او بمجموعة اشياء ولكن بالأفكار المغلوطة والعلاقات المشبوهة اي بكل ما هو ساقط فيك وجارح لكيانك الروحي او مبطل للصوت الإلهي فيك. ذلك انك جعلت شخصك مكونا من هذه الأشياء او هذه الكلمات او تلك الوجوه. الأمر يتطلب انسلاخا عن ذاتك، عن اشياء متأصلة فيك لتجعل المسيح وحده مكونا لشخصيتك ومالئا كل فراغ فيك.

          تفريغ ذاتك مما علق بها من هذه الدنيا يسميه يسوع ان تهلك نفسك التي كانت تظن انها مكونة من هذه الأشياء الفانية والمؤذية التي تعبأت منها. ثم يقول: “من اهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. انت لا تفرغ ذاتك بدون هدف. تفرغها من اجل يسوع وسكناه فيك. تفرغها لكي تملأها من الإنجيل وتصير مسكن الإنجيل. عند ذاك فقط انت انسان جديد.

          ولكي لا يتساءل المؤمن: ماذا اترك من هذه الدنيا وماذا لا أترك قال له السيد: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. يمكن ان تربح كل شيء اذا استسلمت لمغريات الدنيا: المال والنفوذ والسلطة وما يطيب لهذا الجسد ان يستهلكه. كل هذا، مجتمعا، يسميه المسيح العالم. فاذا حصلت على كل ما في هذا العالم في رؤية المسيح والمؤمنين به لا تكون قد أخذت شيئا لأن “العالم يمضي وشهوته”. تبقى نفسك في فراغ.

          “أَم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه”. نفسك أثمن من هذا العالم وكل ما فيه. لا شيء في هذه الدنيا يفديها ولا شيء يضارعها. “انكم قد اشتُريتم بثمن” وهو دم ابن الله. لماذا تبيعون هذا الدم بأشياء بخسة؟ لماذا تتصرفون وكأن الدم الإلهي الذي انسكب لا يهمكم ولو تحسون بأنكم صرتم عظاما ولا مال لكم ولا نفوذ ولا سلطة؟

          لا يمكن ان تتحرروا إلا بالصليب أي بدق خطاياكم على مساميره، وإذا قبلتم أن تنصلبوا تعرفون أنكم ترثون المجد لأنه “بالصليب قد أتى الفرح لكل العالم”. في وسط هذا الصوم تكونون كمن ورث القيامة قبل حلول العيد. العيد هو ان تقوم نفوسكم من قبورها وانتم احياء بالجسد اي من قبر الخطيئة التي دفنت النفس فيها.

          هكذا يمكنكم ان تكملوا الصيام بفرح وان تأخذوا أقساطًا من الفصح، حتى إذا تحررتم حقا في فترة الصيام تتمكنون من قبول النور الفصحي.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

إلى شباب بلدي / السبت 2 نيسان 2005

بعد أن راقبت حرائق سد البوشرية على الشاشة لم أستطع أن أنام توًا. لماذا كل هذا البغض؟ لا أجد كلمة أخرى لأعبر عن هذه الحادثة وما سبقها. كل هذا لدعم أطروحة متميزة أن جيشنا لا يستطيع أن يضبط الأمن. قد تكون الأطروحة صحيحة لو كان مصمم التخريب لبنانيا. ولكن الخراب مرتبط بالافتراض أننا وحدنا غير قادرين على سلامتنا وانه يجب أن نتكل باستمرار على آخر، الأمر الذي يفرض أن استقلالنا محكوم عليه أن يبقى مبتورًا، مضروبًا. من يعتقد ذلك لماذا يريد لبنان؟

طبعا لا يستقلّ بلد بلا إجماع بنيه على قدرته وهي لا تنفي بطبيعتها التحالف مع من يحبك ويوآزرك ويدعمك وتدعمه بالقدر الذي تستطيع عليه. أن يحالفك هو ان يعتقد انه قادر على إعطائك ما يقدر عليه وانك قادر ان تعطيه من بعض ما عندك وهذا على كل مستويات الوجود ضده الزبائنية. أنا افهم قول بعض ان هذا البلد قام على تسوية. أما اليوم فقد تجاوزها الذين يقولون ان عيشنا توافقي ولو احتاجت هذه الصفة إلى إيضاح وترتيب البيت الداخلي على قواعد المشاركة الشريفة حيث الشريك يؤمن بإخلاص الشريك. والإخلاص اتخذه هنا من صورة الزوجية وهي العهد ألا تخون الآخر وان تراقب نفسك على الدوام لئلا يغريك الشرك بالرفيق.

دائما كنا عرضة للطمع. وحدتنا وحدها ترد الطامعين بالوسائل الممكنة. وهذا يحتاج إلى ديبلوماسية عاقلة وقبل كل شيء إلى تماسك يأتينا من أنفسنا يرد على المشتهي شهوته. ما نشهده الآن ان شبيبة بلدنا أبدت انها تريد ان تعيش واحدة لكونها فهمت بعاطفة وعقل ان الآخر في الدين هو أخ في الوطنية وان فئة من الفئات أو شريحة من الشرائح لا تضع وحدها البلد وان البلد في ارتقاء إنسانيته يحفظ الجميع معا. لقد تعبنا كثيرا ومتنا كثيرين حتى لا نعود إلى جنون الطائفية وإلى إغراء الغريب الذي كان يغذيها وعرفنا ان هذه الطائفية الكثير منها مصنوع وانها ليست من أعماقنا التي تصبو إلى تعاضد الجميع وقيامهم معا ببناء الوطن. ورجاؤنا إلى الله ان يثبت فينا هذا الفهم ويذكي هذه الحماسة.

هناك إمارات) أي علامات) تبشر وسط المحنة إننا قائمون منها آجلا وهذا ليس بفضل أسطول رابض على ما يقال قريبا من مياهنا أو بفضل تصميم سياسي دولي كبير مهيأ لابتلاعنا. فمن الدول ما نصدق ومنها ما لا نصدق. فمنها من يرعى إسرائيل ومشروعا إقليميا نذوب فيه. نحن في رعاية العالم مجتمعا شأننا في ذلك شأن الأمم كلها كبيرها وصغيرها. نحن رفضنا الاستعمار القديم والانتداب وما كان على صورته وتمكنا من ذلك ولو أبطأنا. ومرضنا المزمن البطء. وما ابتغينا في كل أطوار التاريخ استكبارا ولا طلبا للكرامة وحدها وان كانت هذه تحرك كثيرا ولكنا أردنا الحرية لتعزيز إنسانية الإنسان ودفعه إلى تفعيل طاقاته وإخصاب البلد في كل المجالات ولا أحد ينفعنا في خدمته كما نفعل نحن لأن الغريب لا يحبه كما نحن نحبه. يزين لي أن أكثرنا فهم ذلك وعلى هذا نحن قائمون حتى يزول زمن التخريب وننصرف إلى البناء في كل وجوهه.

وكما أعدنا البلد من بعد الحرب التي جرت على أرضنا سنعيد بناء كل ما أنهدم مؤخرا بعد ان أعدنا اللحمة بين مواطنينا وبزغت نضارة هذا الشباب وإرادة تعايشه على اسس السلام والخير والمعرفة.

إلى الشباب أود ان اقول اننا نريد بلدا جديدا لا يتنكر الا إلى للسيئين من الأجيال السابقة فهذا البلد مليء بالصالحين الذين قد يكون لهم تأثير سياسي كبير. اعرفوهم. ولست أنكر أن ثمة خيرين بين المسؤولين. اعرفوهم أيضا واقنعوا الإنسان الجيد ان يحمل مسؤولياته ويدخل في الفاعلية السياسية إن أمكنه ذلك. ولكني اقول لكم اتكلوا على جهادكم وتهيؤا إلى المسؤولية العامة بما أنتم تتآزرون. أنا لست أقول أن كل شاب مواطن طاهر فاذا عف وحب حتى الآن فهو الشاهد على انه يريد وطنا عظيما وانه مهيأ له.

الأمر الثاني في قول علماء الاجتماع ان الدولة هي العنصر التكويني لمجتمعات العالم الثالث. غير ان الدولة عندنا لم يصل اليها هذا الخبر. ولذلك لا بد من دولة جديدة بأناس جدد يؤمنون بالحرية ويؤمنون تاليًا ان ليس امامنا في العالم العربي من نظام نموذجي. نحن نصنع نظاما لنا لا يقلد اي وضع قائم في العالم العربي وتاليا يكون الداعون إلى الأنظمة العربية متخلفين عن ركب الإنسانية الحرة المتطورة.

من الأكيد ان نضالكم يجب ان يكون شرعيا مستمدا من الدستور والقوانين والمؤسسات. انتظموا في أحزابكم أو تشكيلاتكم السياسية ولكن تفحصوا كل توجيه فيها وكل قرار بروح المسؤولية وتحلوا بالروح النقدية. شاكسوا إذا وجبت المشاكسة ولا تنقادوا لما ترفضه ضمائركم. اما غير المنحزبين فليشكلوا مجموعات ضغط ولعل هذه افعل احيانا من الأحزاب لأنها تدعكم أحرارًا من الإيديولوجيات الجامدة. آتوا بأفكار تجدد البلد فالمجموعات الضاغطة الحرة تنتج عملا جديدا لا تقيده مسبقات عقائدية. “افحصوا كل شيء وتمسكوا بالأفضل “. وهكذا تهتز الهيكليات العتيقة التي كبلت البلد أو أسرته. فضلكم على الأجيال السابقة حركيتكم التي لها ان تذهب بناس وتأتي بناس. والسياسة ليست إخلاصًا لوجوه. انها إخلاص للبلد تريدونه قائما على الطهارة والتنكر للمنافع الخاصة التي يدعمها الاستزلام. وليكن عقلكم دائما واقفا امام كل زعيم اية كانت هيبته لأن الهيبة هي فقط للحق ولا تنسوا ان بعض الوجوه يجب الا تعود لئلا يبقى لبنان مقهور العتاقة والإفلاس العقلي.

***

إلى هذا فالشباب ولاسيما الحزبي منه يكون كامل التسيّس أي مستغرقًا في الفكر والعمل السياسيين استغراقا كليا أو شبه كلي بحيث لا يتنشق هواء آخر أو لا تبقى في نفسه متكئات لروح اشمل من الهاجس السياسي. هكذا كانت عندنا الأحزاب الشمولية يرجع فيها العضو إلى مسلمات عقائدية حجارتها غير قابلة للتفتيت. السياسة لا تستغرق كل حيوية البلد. وليس الإنسان مجرد حيوان سياسي (politikon) كما حدده أرسطو. كل منا كائن إلهي أي يحتوي الكون بكل أجزائه. انه كون صغير كما عرفته الفلسفة اليونانية وآباء الكنيسة.

ما نسميه المجتمع هو مجموعة المواهب التي عند كل امرئ أو هو تلاقي المواهب وتفاعلها وبناؤه غاية الدولة. وعندما نبلغ رقينا العظيم تصير الدولة اداة في خدمة المجتمع اي وسيلة لإنماء المواهب.

لذلك قال الفيلسوف قنط ان الإنسان غاية في نفسه. بذلك كان كل قمع ضد الإنسان من حيث هو غاية. ان غناكم الروحي والثقافي هو الذي يرشد الناس اليكم ويجعلكم في خدمة شعبكم. في الفراغ الثقافي وتفه القلب لا يستقيم إنسان ولا يجتمع بلد. فللتعبير الوطني وقت وللتحصيل وقت. ولا تجعلونا نندم على اننا نريدكم الأعلين لكونكم اعرضتم عن تسلق الدرجات العلى من المعرفة التي دونها اللهو والزينة والمجد الباطل.

***

قد لا يكون غريبًا عن هذه التأملات ان فكرت اليوم في سياق حديثنا هذا ان اذكر هذا الأحد الثالث من الصوم في بعض الكنائس. في كنيستي ذكرى للصليب يطاف به ويوضع في وسط الجماعة وبعد ان يقبله المؤمن يدفع إليه الكاهن بشيء من الرياحين أو الزهور ليوحي بذا ان الزهو الذي تحمله الزهرة إنما كان ثمنه الجهد والأتعاب.

ان الثقافة لجهد موصول لا ينتهي الا ساعة الاحتضار. انها امتصاص العالم في شخص، ابتلاع جل الفكر وجل التاريخ. وقد تظهر عند العباقرة في الدنيا كلها. ولكنها تظهر أولا في الوطن.

مع هذا كله ليست الثقافة وحدها كل الإنقاذ. ان الخلاص يأتي من القلب النقي، من البساطة والتواضع ولقاء الحب بالحب على طرق العمل. ان هذه الخصائل إذا لم تتوفر فيكم لا تكونون صرتم شبانا وصبايا جاذبين لعظيم التقدير. اما إذا توافرت فلكم القيادة ليس فقط للبلد ولكن لعقولنا.

على هذا سيروا حتى يفنى جيلنا ونحن على الرجاء. اجعلوا لبنان لكم بعد ان تكونوا صرتم للبنان بالعمق والحرارة والنقاوة إذ تذكرون في اللغة أن لبنان هو البياض.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

المخلع/ الأحد 27 آذار 2005 / العدد 13

الأحد الماضي ابتهجنا باستقامة الرأي التي نحن عليها. عبارة “استقامة الرأي” تترجم الى العربية الكلمة اليونانية “الأرثوذكسية” وهي تعني اننا أخذنا ايمان الرسل ولم ننحرف عنه وما شوهناه. ان المسيحية الاولى كما أتت من الإنجيل هي التي ندين بها. وعندما يقول إنجيل اليوم ان المسيح كان يخاطب الناس بالكلمة أراد ان يسوع كان يردد كلمات الأنبياء وموسى والمزامير ويفسرها للناس وما أتى بدين جديد.

          غير ان للناس حاجات يظنون انها خارج نطاق الكلمة مثل الصحة. الذين جاؤوا اليه لما كان يعلّم في كفرناحوم التمسوا منه شفاء لقريب لهم او جار كان مخلعا او مفلوجا، ولصعوبة وصولهم الى المعلم كشفوا السقف وهو مثل السقوف التي عرفناها في القرى كناية عن تراب موضوع على خشب. قاموا بكل شيء للوصول الى يسوع لإيمانهم بقدرته على الشفاء. لم يستجب فورا يسوع لطلبهم. هو كانت له رغبة اخرى فقال للشاب المريض: “يا بني مغفورة لك خطاياك”. هذا تأكيد لم يقم به ابدا نبي في اسرائيل ولا ربّاني (حاخام).

          شفى يسوع المريض بعد هذا وأكد بذا انه له سلطانا ان يغفر الخطايا اي ان له سلطان الله.

          كل مريض منا في جسده له ان يطلب الشفاء ولكن له اولا ان يطلب مغفرة خطاياه. هذا أهم. هناك هرمية في المطالب. لذلك قال السيد: “اطلبوا اولا ملكوت الله وبره والباقي يزاد لكم”. من منا مقتنع ان الخطيئة ليست مصيبة كبرى فقط ولكنها هي وحدها المصيبة. وهذه ليس لنا خلاص منها ما لم نقترب من يسوع ليلمسنا بنعمته ويضمنا الى صدره.

          هذان الاسبوعان اللذان قضيناهما في الصوم هل اردنا فيهما الدنو من يسوع، من شخصه، من وجهه، من أعماقه ام كانت لنا مجرد تغيير للأطعمة؟ الطعام الصيامي والإمساك عن كل طعام مجرد وسيلة ترويض لنرتمي على حضن المسيح لنصير ابناء الآب. طبعا يجب ان نستغفره ونستغفر الإخوة على الدوام لنذوق المحبة. هذا غايته ان نستلم سلام المسيح.

          الى جانب الإمساك واضح ان هذه الفترة فترة صلاة مكثفة، نحاول فهمها جيدا لنلتحق بالمعاني ونطيعها. وتتراوح المعاني بين الطلب والشكر والتسبيح وسط تلاوات انجيلية وتلاوات من العهد القديم وغاية كل صلاة ما طلبه بولس: “ليكن فيكم الفكر الذي كان في المسيح يسوع”.

          هذا يقودنا الى ان صلاتنا لن تجعل فينا فكر المسيح ان لم نقرنها بقراءة تأملية، هادئة، عميقة لكلمة الله. ذلك ان الكلمة هي التي تجعلنا نفهم الصلاة. والقراءة تحتاج عند الكثيرين ان يتحولوا عن إهمالهم للإنجيل وان يأخذوه ويفتحوه ليستطيبوه فيأكلوه. ان لم يحصل هذا فنحن مع ذواتنا ونأتي من أهوائنا وأمزجتنا ولا نأتي من الكلمة التي من سمعها يحيا بها.

          الكلمة شفت المخلع وهي اليوم تشفي مخلع الروح اي ذاك التي كسرته خطيئته او جعلته مفلوجا بالمعنى الروحي. نحن فينا تشوش فكري او اضطراب لكوننا نسمع الكلمة من مصالحنا او شهواتنا. متى نسمع فقط كلمة الله؟ وهي كافية للجواب عن كل سؤال تطرحه النفس في فوضاها او انحطاطها او تحيرها.

          هذا الموسم هو الموسم الأمثل لنسمع ما يقوله الله لنا في كتابه والخِدَم الإلهية ليقوِّم اعوجاجنا ثم يجمّل سلوكنا بحيث يفرغ قلبنا مما ليس موافقا ليسوع فنرى المخلّص وحده سيد القلب.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الاستقلال الثالث / السبت في 26 آذار 2005

غدًا يعيد الاخوة الذين يتبعون التقويم الغربي للفصح متجاوزين الحزن ورانين الى القيامة. قلوبنا إليهم في السلام والحب ودعاؤنا ان تتنزل عليهم النعمة من السماء لتبريكهم وتبريك الأرض بهم. من هذه الأرض رقعة صغيرة اسمها لبنان يعتريها ألم كثير ورجاؤنا اليوم ان يرفع عنها الحزن ليؤول هذا الحزن إلى تعزيات كبيرة. وهذا يعني ان الأذى يجب ان يكف والمؤذون يعرفون أنفسهم. متى يرفع الرب القهر عن الفقراء والمسلوبي الحرية حتى نلتمس من الله قيامة البلد.

«قيامة لبنان» عبارة استعملتها كثيرًا بعض من وسائل الإعلام وهذا من زمان طويل. غير ان القيامة هنا صورة المراد بها ان يصير بلدنا كبير الايمان بما دعا الله اليه الشعوب جميعًا من استقامة فكر وسلوك دروب الحضارة في العمل الدؤوب. القيامة تأتي بها رياضة روحنا على طهارة تتناول الجماعة والدولة والأفراد كل يوم لأننا لا نحصد من البلد الا ما زرعناه فيه. وأنا كلي رجاء اننا سنتجاوز المحنة الحاضرة ليس فقط إلى الاستقلال ولكن إلى اكتشاف بعضنا بعضا.

نحن اليوم في وهج التطلع الى الزمن الآتي كأن اثقالاً كثيرة ارتفعت عن كاهلنا. هناك شعور بأن تحررًا للنفوس حصل وبأن كثيرًا من المخاوف زال، كأن اعجوبة تمت والأعاجيب لا ينبئ بها شيء. اللغة التي أخذت بمجامع القلوب هي اننا نريد ان نكون أنفسنا كما أنت أنت ولست أخاك أو لست زوجتك وهذا بلا عصبية تفرد لأن التفرد لو أصاب كيانك الروحي الشخصي يقتله وإذا أصاب البلد يلاشيه.

في الفلسفة الحديثة أنت لست فردًا منعزلاً. انك شخص بمعنى انك تتكون في التواصل، في التوجه بحيث يكون الوجه إلى الوجه فتنوجد بالآخر وينوجد هو بك. الوجود هو ان تعتبر نفسك اياك لكونك واحدًا مع الآخر. ويبدو ان هذه هي المعجزة التي تحققت بيننا فتواصلنا.

تبقى هناك خطايا أولاها خطيئة الذين لا يحسون في أنفسهم وجودًا الاّ بالتبعية في أي مجال كانت. تكون في العائلة إذا قهرك والدك وأذلك واستتبعك، في العلاقة بما يسمى زعيمًا في المحلة أو القرية بحيث تلغي دماغك لتجيء من دماغه فيكفيك هذا شر الفكر وشر التحليل. ضد هذا كله المشاركة التي لست فيها صدى لصوت آخر وفيها جلاء الحقيقة بسبب من شورى. والشورى لا تعني حصرًا جمع الأفكار والأقوال بتسوية ترضي الجميع اذ يكون القوم، عند ذاك، عصابة. الشورى تتضمن دائمًا مرجعية الحق. الله هو التنقيح. وهذا ما يتجاوز الآلية البرلمانية في الوضع السياسي.

من هنا ان أفلاطون ما كان يقبل ان تكون الديموقراطية مجرد حكم الديموس أي الشعب من حيث هو جماهير ولكن من حيث هو حكم الأفضلين. ولذلك كان الحكم الديموقراطي الحد الأدنى للوصول إلى ما هو خير الشعب. طبعًا ليس عندك في السياسة مقياس للامتياز الإنساني ولكنك تسعى ولا وسيلة لك الا مجالسة المنتدبين عن الأمة في ندوة الأمة. وإذا كان طريق تشكيل المجلس هو الانتخاب فلا يعني هذا منازلة بين أصحاب المنافع ولكنها تعني التسابق بين أهل الفضل والمعرفة والطهارة والاّ جاءك المجلس صورة عن الجماهير والجماهير لا يجوز لها ان تحكم. العقل الوضاء، الحر، العالم، النقي له الحكم لأنه صورة الله.

في هذا التوجه إلى الأفضل وفي محبة لبنان الكبيرة وكدت أقول في محبة لله ينبغي ان نذهب إلى الانتخابات بعد ان يوضع قانونها. ما من شك في ان القوانين تتفاوت في صلاحها للوطن من أجل وحدته والوحدة لا تعني ان يجيء مجلس بلا مواجهات فيه. فالمواقف مختلفة على كل صعيد وهذه هي حال كل شعب في تاريخه وفي تطلعاته. والحقيقة تولد من احتكاك الأفكار ومن اختلاف في رؤية كل الأمور ما خلا الاستقلال الحقيقي للبلد. والواضح اننا بلغنا ما يسميه الكثيرون الآن الاستقلال الثاني أي بلغنا رؤية بلد يوحده أبناؤه في طلب خيراته.

ربما كانت المعجزة التي انبثقت من الألم في اننا وعينا في عمق النفس وليس في ترداد الشعارات ان المسلمين والمسيحيين واحد بحيث زالت الشكوك في اخلاص اية فئة للوطن، وفق ما يقول الكتاب: «إذا كانت عينك بسيطة فجسدك (أي كيانك) كله نيّر» والبساطة هي الرؤية العظيمة التي تعني انك لا ترى في الآخر ظلمة فلا تظن مثلاً ان فئة أخرى هي دونك في الإخلاص للبنان. اعتقادي أو رجائي انه لم يبق من شرخ بين المسلم والمسيحي على هذا الصعيد. فالمسلمون انتهوا إلى لبنان الواحد النهائي وكلمة النهائي هي لهم ومن بعد استعمالهم لها دخلت الطائف والدستور. وعلى المسيحي ان يتصرف على الأرض بهذه القناعة. والمسيحيون لا يحتاجون إلى شهادة في حسن السلوك الذي جعلهم يؤمنون منذ اعلان لبنان الكبير السنة الـ1920 بأن هذا البلد يحافظون عليه كحدقة العين. وقد خبر المسيحيون ان ليس من دولة بما في ذلك اسرائيل تخطب ودهم.

ويعلم الجميع بتحليل بسيط إذا قرأوا ان المسيحيين ليسوا على تلك القوة العددية أو غير العددية التي تجعلهم يرجحون كفة اسرائيل على العرب. ان البابا الحالي طلب من اتباعه من المسيحيين في الارشاد الرسولي ان يفهموا انهم جزء من هذا العالم العربي. والمسيحيون الذين ليسوا من اتباعه موقنون بذلك منذ الفتح العربي. وقادة الفكر العربي على مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين كان معظمهم مسيحيين. وأي اغراء حصل لهذا الفريق أو ذاك في فترة الحرب الأهلية العصيبة مرّ كالغيم ولم يترك أثرًا في النفس. وعقلاء المسيحيين فهموا نهائيًا انهم يعيشون على الأرض العربية. ولست في حاجة هنا إلى أن ابين أن اللاهوت المسيحي في هذا الشرق مناهض بطبيعته لكل عنصرية وتاليًا هو مناهض للعنصرية الصهيونية. فاذا أقررنا ان اللبنانيين جميعًا خصوم للكيان الاسرائيلي الهجين واللاإنساني لا يكون لبناني واحد في تزاوج مع اسرائيل أو تطلب نفسه الفناء في كيان عربي أوسع من حدود لبنان ولعل هذا هو ميثاقنا الجديد غير المكتوب.

أجل، هذا النفي وذاك لا يصنعان أمة ولكنهما يصنعان ثقة والأمة تبدأ بالثقة.

من بعد هذا نفتش عن النور الذي تقول كنيستي غدًا انه غير مخلوق. الكنيسة الأرثوذكسية في العبادة التي تقيمها غدًا تعلن أزلية النور الذي ينزل على الإنسان. غير ان هذا يجب ان يترجم سياسيا والعمل السياسي اقتراب من الحقيقة الإلهية، ذلك ان هذه الحقيقة تعيشها أنت على الأرض مع ناس كما هم الناس أي ان الحقيقة تصبح محبة والمحبة تصبح خدمة في واقع الوجود. ماذا يقربنا من الأزل. هذا هو السؤال السياسي بامتياز أي من قبل ان يتشوه هذا الكون بالخطيئة؟ كيف لا تكون الحياة السياسية خطيئة. كيف لا تكون مجدًا باطلاً، تناصرًا بين أفراد أو أحزاب أو طوائف.

هذا السؤال الجلل يعني كيف نعمل معًا لتكتمل في الوطن انسانية الإنسان. لا يكفي ان نقول بنهائية لبنان. هذا هو الحد الأدنى ولو كلفنا اكتشافه كثيرًا. نحن نبغي الحد الأقصى وهو أن نجعل مؤسسات الدولة وقوانينها في خدمة المواطن ابتغاء ازدهار له لا ينقطع. ماذا يعني هذا؟

أنا يأتيني كل صباح ناس من رعيتي ويثبت زائري بما لا يقبل الشك انه هو أو أحد أعضاء عائلته مريض ويحتاج إلى دواء أو يثبت حاجته إلى أقساط ابنه في المدرسة أو الى دفع مبلغ الايجارة للشقة التي يسكن. ويزين لي ان هذه حال كل الطوائف.

لبنان سيدخل منطقة النور إذا اقتنع ان حاجته الأولى هي الى العدالة الاجتماعية التي تساعده على الإخلاص الوطني وإلى انه ليس بمغبون أو مقهور. هل نحن مصممون على انتخاب نائب نقتنع انه ساع الى العدالة الاجتماعية أولاً وله ان يستمد نفوذه بسبب من هذه الخدمة لا بفضل مآتم وأعراس يحضرها. متى يترك قادتنا الحديث الإنشائي ليقوموا بتغيير اجتماعي شامل يرفع عنا كابوس البؤس فاليأس فالهجرة.

هذا الشعب لا ينقصه الذكاء ولا معظم نوابه ينقصه الذكاء. ماذا نعمل، كيف نعمل للاتيان بمندوبين لنا يطهرون الدولة. لا يعني هذا أن اصلاح الحكم ينتج منه بالضرورة شعب جديد، يشتهي عظمة الانسان وتاليًا عظمة الأمة. هنا أناشد المرجعيات الدينية أن يكون هاجسها الاول تنقية النفس البشرية. حاجتنا الى قديسين في كل الطوائف.

أنا عشت في طفولتي ومطلع شبابي الشعب اللبناني الذي كنت ألمس في معاملاته استقامة وعرفت بالخبرة الشخصية قضاء عادلاً وعالمًا وشبه نظام في الادارة. نحن لسنا في تكويننا شعبًا سيئًا ولكنا نحتاج اليوم إلى ارشاد عظيم تقوم به المسيحية والإسلام أي إلى نفحات روحية تقوّم الفرد فتقوم به الدولة. العمل في الهيكليات والعمل المجتمعي يبدأ من الشخص. وغير صحيح ان في تكوين بلدنا شحًا في الموارد ان كنا صادقين لكن استغلالها يحتاج إلى فكر وإلى صدق وإلى سهر موصول. الاستقلال الثالث هو الاستقلال عن «الشطارة» في بساطة الفضيلة في النفس وفي الكيان المجتمعي.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الأم/ الأحد 20 آذار 2005 / العدد 12

شرف المرأة ان الله وهبها ان تكون أُمًا للمخلّص. فاتضح لنا بسبب هذا ان ولادة الاولاد كريمة، مقدسة. في هذا تتابع المرأة كالرجل عملية الخلق، تمدّ الخلق الى الأمام والى الآتي. ويحيط الرب المرأة بعنايته في حبلها ووضعها لأنه خالق الخلق وحاضنه، واذا قامت المرأة برعاية اولادها في الإيمان والفضائل تلعب دور الأب الروحي بمقار وتُقدّس نفسها بعد أن وهبها ربها قدرة على العطاء عظيمة. ذلك انها في تكوينها حاضن وفي ذهنيتها تبقى حاضنا الى الأبد اية سن بلغ وليدها كأنه لا يزال عندها يحيا على حرارة هذا الحضن وكأنها مسؤولة على الدوام عن إحاطته بأقصى ما عندها من عناية، كأنها تأبى ان ينقطع حبل السرّة.

هذا لا يعني ان كل أُم على اعلى نوعية من الصلاح، وقد تخطئ الى ولدها بالإهمال او القسوة، وتتصرف هذه او تلك من النساء بروح الاستيلائية والاستبداد والجهل التربوي المقترن كثيرا بالأمية المتفشية عندنا. فالعلاقة لا تستقيم دوما مع الوالد او الوالدة. وهناك ما يسمّيه علماء النفس «قتل الأب» في تهجم شعوري وخلاف. وقد نعيش خلافا مع الأم ايضا.

ولكون الله عارفا بالتشنجات الممكنة في البيت قال: «أَكرمْ اباك وامك». انه اكتفى بالإكرام لأنه اراد التعامل ولم يفرض حبا لاهبا للأهل. وما من شك في ان الطبيعة توجّه الشعور بالدرجة الاولى إلى من أتى بعدنا ومنا ولا توجّهه بالمقدار نفسه إلى السلف.

الحديث عن الأم والأب حديث عن التربية، وغير صحيح انها فطرة. هي شيء ندرسه اذ كثيرا ما نسيء التربية، ولذلك الأم تتعلم ايضا أمومتها عن طريق القراءة والندوات حتى لا تقع في هذه الهرطقة الشائعة اليوم انه لا يجوز ان تقول لابنك: لا. هناك عندنا تأديب، وفيه دائما حزم حتى الشدة بلا عنف. الذين يخشون قول «لا» لأنهم يخافون التعقيد في اولادهم لم يفهموا ان أب البحث عن العقد النفسية فرويد لم يقل كلمة ضد التأديب. فالولد ليس غصنا ينمو نفسيا من ذاته. هناك حركة إنماء وتقويم من قبل ذويه لأننا في الجنس البشري حواريون بحيث ننشئ اولادنا بفكرنا وسهرنا كما هم يعطوننا الكثير بطراوتهم في الطفولة او نضجهم اذا بلغوا.

قد تزداد العلاقة صعوبة اذا بلغ ذوونا الشيخوخة وكنا معايشيهم تحت سقف واحد. هنا قال بولس: «لا تزجر شيخا». الأم-الشيخة لها حق علينا بالانتباه الكبير والرعاية الصحية وقضاء وقت الى جانبها بمحبة فائقة لئلا تحس بالعزلة واننا لا نردّ لها ج

ميل صنعها او انها مهجورة لضعفاتها الجسدية او العقلية.

من مشكلاتنا حتى التعقيد اذا كنا ذكورا ان نلتصق بأمهاتنا اكثر من التصاقنا بزوجاتنا او ان نُخضع زوجاتنا لأمهاتنا فلا نكون قد قطعنا حبل السرة وبتنا اطفالا غير ناضجين. هذا امر ينبغي ان نسهر عليه روحيا وربما على صعيد التحليل النفسي. ينبغي ان نجاهد في سبيل اكتساب البنوّة السليمة ليبقى كل من الوالد والوالدة على عرشه.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

انتفاضة ساحة الشهداء / السبت في 19 آذار 2005.

الاثنين الماضي لما احتشدت الجموع غاضبة مسالمة في ساحة الشهداء، كان أول يوم في صيامنا ونذكر فيه كلام إشعياء النبي: «أليس الصوم الذي فضلته هو هذا: حل قيود الشر وفك ربط النير وإطلاق المسحوقين أحرارًا وتحطيم كل نير؟» (58: 6). شيئا كهذا كانت تطلبه الجماهير التي احتشدت. لماذا عيل صبرها فانتفضت بعدما رقدت رقاد أهل الكهف؟ يظن أهل الغرب ان الشرقي ساكن ويبقى مكنونا في اللاتاريخ. كذب شباننا وصبايانا وأطفالنا والكهول هذه القراءة لأنهم لم يطيقوا ميتة رفيق الحريري. شناعتها فتوحدوا تلقائيا به اذ أحسوا ان ثمة من يبيت السوء لبلدهم حاقدًا ومتشفيًا وراغبًا في تفتيته.

شعروا ان الرجل ضحية فداء. ذلك ان في المفاصل الكبرى في حياة الشعوب قوة تدفع الى ذبح تنبعث بعده الأمة التي كان يحب ويحمل. كان لك ان تخالف الرئيس الراحل في هذه النقطة أو تلك من سياسته أو في جل سياسته. وفي خلافك معه كان يفرض نفسه عليك قويا، فريدًا. مهما يكن من أمر تحليلنا لعمله، رأينا بعد اخفاق كامل للدولة ان قوى البغض متربصة بنا حتى حولوا اغتيال مروان حماده وقدروا على اغتيال الشيخ الرئيس فقمنا توًا من الذل وجئنا الى ارادة الحياة من موت شهادة.

بات تاليًا رفيق الحريري منشئًا للانتفاضة التي كان رمزها الاحتشاد في ساحة الشهداء والطرق المؤدية اليها والطريق الى هذه الطرق كان القلب. والقلب لا يجيء الاّ من الله اية كانت المناطق التي تحرك منها الناس وأتوا من كل المناطق والذين لازموا بيوتهم شاركت قلوبهم المحتشدين لإيمانهم جميعًا بأن شيئًا جديدًا في لبنان يحدث شبيهًا بقيامة. أولاً لم يخافوا مع انهم أخيفوا. وفي هذا شهادة أيضًا بالمعنى العالي من الكلمة. ولم يدينوا أحدًا ونحن نقول كل يوم في الصوم: “هبني ألاً أدين اخوتي”. وعلى هذا اجتمع أهل هذا الحي وأهل ذاك، لان الصراع ليس بين اللبنانيين وان لم يكونوا على الحدة نفسها في قراءة الحدث.

ما هو ثابت ان النسبة العظمى من هؤلاء أتت بهم حماستهم وقناعتهم ان أمورًا كثيرة يجب ان تتغير في البلد لينال استقلالاً بات مطموسًا من أهل الخارج وبعض من أهل الداخل والمناداة بالحرية خرجت من أفواههم كما خرجت من نفوس المشاهدين الاعلام المرئي. وفي يقيني ان بعض الملتزمين ايديولوجيًا في الحي الآخر تمنوا لو أتيح لهم ان يشهدوا في الساحة التي سفكت فيها دماء لبنانيين في الحرب العالمية الاولى. بدا للكثيرين ان قلب أهل بلدنا كان واحدًا على رغم كل انحزاب.

ليس الفكر النظري الهادئ هو الذي يصنع بلدًا. البلد ثمرة ا لحب والحب لا شرك فيه. كان يحق لكل انسان ان يقول للبنان: «اني أزوجك نفسي» وأعلن رغبتي في أن ارفع علمك وأنشد نشيدك أو أضع ألوان علمك على خديّ لأقول ان وجهي مكون منك واني أطل بك على العالمين ولا أطيق ان يشارك في سريري أحد لأن الوطنية هي العفة ولذلك لا مكان لاختلاس النفس – الزوجة لئلا ينكسر العهد.

كل هذه الجموع كانت زوجة واحدة للبنان. وبرهان ذلك ان أحدًا لم يأت بطائفته في جيبه ليشعر بالشهادة ويؤديها. هذا مذهل لأنه جديد. كنت ترى الشابة السافرة والشابة المحجبة جنبًا الى جنب وكنت تسمع لهجات المناطق كلها تقول يقينها بالحرية بلا خشية لإيمانها ان الاستقلال مفتاح من مفاتيح الكرامة فنبدأ به ثم نعمر البلد بالإخلاص والفهم كما أشاده رفيق الحريري بالعمران وكثير من الحب.

وإذا استتب لنا ان نحكم أنفسنا بأنفسنا وقادة نختارهم نحن ولا يخشون الحرية ويتسلحون بالمعرفة قد نكتب نهضة جديدة في حياة العرب لأننا وان حيينا بأنفسنا لا نحيا لأنفسنا ولكن لأخوة لنا يسهمون معنا في بناء حضارة هذا المشرق العربي كما كنا نعرفه قبل ان يخترعوا لنا شرقًا موسعًا.

أما وقد ختمت الشهادة وعبر كل فريق عن رأيه يكون البلد كله دخل في مواجهة فكر سماها البعض حوارًا تجمعت عناصر منه كثيرة أولها الانسحابات التي تجري، ودعاؤنا ان تقتنع سوريا بأن هذا خير لها ولنموها ولصداقة بيننا تتجدد بسرعة اذ تبدو بهذا الجلاء المساواة في الكرامة بين البلدين. هذا إذا جاءت أدوات الحكم عندنا صورة عن النفوس المتوثبة للحرية. نحن لسنا فقط نتمنى الندية بيننا وبين دمشق ولكنا نريد عظمة الشام في دنيا العرب.

الطرف الآخر حزب الله الذي يتهمه الغرب باطلاً بالإرهاب، وهنا أود ان أقول اعجابي بكل قادة الحزب الذين اسمعهم على الشاشة، من حيث المعرفة وآداب النقاش ونباهة الفكر والنفس. من أين يأتون بهذا المستوى لست أعلم. هل يختار الحزب النخبة أم يتروضون روحيًا وعلميًا الله أعلم.

للشعب اللبناني حق عليهم لأنه آزرهم وبارك للمقاومة التي كانوا فيها الأبرزين. وللبنان الحق هو بلد صغير ان يكون لجيشه أنصار كما كانت المقاومة تسمى في الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفياتي. ليس من مساءلة تتعلق بشرعية المقاومة. غير ان هذه هي سلاح حزب له خياراته أي من طبيعته له تحالفاته وخصوماته. في أوروبا المناهضة للنازية كانوا يأتون من كل الاحزاب ولكن لم يكن أحد يحمل هويته الحزبية في جيبه. ليست المشكلة في قوام المقاومة كما يرى القرار الدولي 1559. السؤال هو في احتمال ان يكون الحزب – وهو حزب – في جبهة أحزاب لا في جبهة اخرى وتكون مقاومته يحملها الشعب اللبناني كله. غير ان هذه الاشكالية مرجأة الآن. وأنا أطرحها من ناحية منطقية لا على صعيد التزام سياسي وليس عندي التزام.

أرجو ألا تمر بنا أحداث تدخل الى الحلم الاضطراب. انا واثق من ان المسلمين والمسيحيين الذين تكاتفوا في ساحة الشهداء لن يستطيع أحد منهم ان ينسى ان كتفه كانت الى كتف أخرى وان هذا رمز للتعاضد في ما بيننا في الأزمنة الآتية، غير ان هذه الوحدة تتطلب سهرًا كثيرًا لأن أعداء وحدة البلد كثيرون. ولكن زين لي وأنا أرصد شاشة التلفزيون يوم الاثنين ان معجزة الوحدة تمت في القلوب وينبغي ألا تدخل الى هذه القلوب الهشاشة أو الشك.

لعل كل هذه الهموم التي أتحدث عنها رأتها السيدة بهية الحريري في خطابها الكثير الاتزان العقلي والكثير الحرارة في آن. استمعت اليه ثم قرأته ويحتاج الى تأمل دائم منا بعدما فرض نفسه ميثاقًا جديدًا لعيش كريم. هي أحبت ان تحيي كل الأطياف من غير ان تحجب التزامها وولاءها الوحيد للوطن ووفاءها لأخيها الذي بات بلا منازع حاملاً الوطن في تاريخه المقبل.

طبعًا يحتاج هذا الخطاب الى تدقيق كبير لنستمد منه نورًا يحيينا. ولعل بعضًا من أهميته ان هذا وذاك من المسؤولين المختلفين أحبوا منطوقه وتبنوه.

من كلمة البهية أقول عن بلادي ما قاله زاهي وهبي عن حبيبته: «مباركة كمواسم خير / نقية كدموع الأمهات/ مقبلة كمطر طال انتظاره / أترقبك كصلاة استقساء». لبنان آت. هكذا يجب ان نرجو لنستحق جباله وسهوله والبحر. ولكنه لن يأتي ان لم نعمره في كل مجال. في الحب أولا، في الفكر ثانيًا والعمل.

فيما نصوم نحن نقبل غدًا على أحد نسميه في عبادتنا: «أحد استقامة الرأي». هذه دعوة في جهاد الامساك الى ألا يبقى فينا خبث أو زغل أو أحقاد وألا نهمل الوطن فيما يكبر في كل مستويات الكبر. لا يكفي ان نطلب الحرية. يجب ان نصونها في حياة نقية. في تفان في سبيل البلد لا يبخل.

كانت ساحة الشهداء رمزًا. المهم شهادة الحياة في الصدق، في تضامن أهلنا جميعًا على الخير، بلا أي لون من ألوان الفرقة.

الوطن ممكن. وإذا كان ممكنًا

علينا ان نرجوه. وإذا أحببنا وجوده لا بد ان يولد كل يوم من نور وضعه الله فيه.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

الصوم / الأحد 13 آذار 2005 / العدد 11

اليوم أحد مرفع الجبن الذي ندخل يوم الاثنين الذي يليه الصيام المبارك. ونرجو الله أن يمتعكم ببركاته وعمق معانيه على قدر مشاركتكم الخِدَم الإلهية المختصة به. ومن صام منكم سوف يحس في نفسه باللمسات الإلهية التي يلمسه الله بها بالكلمات الإلهية أقراءات كانت أم أناشيد أم مزامير. كل شيء موضوع في هذه الخدم حتى نتدرج يوما بعد يوم إلى الأسبوع العظيم المقدس الذي هو المرحلة قبل الأخيرة من الذروة الفصح.

          ولكن خشية ان يظن المؤمن ان ما يقوم به هو إبدال طعام بطعام فقط أرادت الكنيسة ان نغوص على ما هو أعمق فقرأت علينا اليوم فصلا من عظة الجبل كما وردت عند متى، فصلا يتضمن ثلاثة محاور نركز الصوم عليها في عقولنا وقلوبنا.

          المحور الأول الغفران إذ يقول السيد: ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي أيضا. ان الغفران يؤهلك ان تصوم مع ناس تحبهم اذ تكون قد غفرت لهم خطاياهم. الصوم صوم الجماعة والجماعة في المحبة التي تبذلها والمحبة التي تتلقاها هي الواقفة معا بنوع خاص يوم الخميس العظيم في ذكرى العشاء السري. ولهذا نفتش عمن أحزناه لنستغفره وندخل الصوم مطمئنين.

          المحور الثاني الفرح اذ يقول: لا تكونوا معبسين كالمرائين… فاذا صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. لا تتأفف من الصيام ومما يبدو لك صعبا فيه. انه صعب على الطفل والمريض. كل منهما معفى من الصوم. فرحك ناتج من انك تسعى مع الرب وإلى الرب. أنت انعزلت عن الخطيئة وطلبت البر. هذا وحده يكفي ليجعلك في فرح.

          المحور الثالث. لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض. احد مرامي الصيام ان توفر ثمن ما لا تأكل لتعطيه من كان في حاجة اليه. فاذا كان الصيام مع الجماعة، فهو اولا مع الجماعة المحتاجة. هذه اذا انت اعطيتها تحفظ لك ذلك السماء. ولهذا يقول: اكنزوا لكم كنوزا في السماء. المال الذي تبذله هنا يجيِّر لك وديعة في السماء إلى جانب كل وديعة روحية. انت لا تقدر ان تصوم اذا لم تحبب الآخرين، ولا يسعك ان تحبهم الا اذا شاركتهم اموالك.

          اذًا غفران أولاً حتى ينوجد الآخر أمامك ومعك. ثانيا) الغفران يعطيك فرحا. ثالثا) اذا كنا نصوم كجماعة نقوم بحاجات بعضنا البعض. فاذا اعتبرنا المال كنزنا فقلبنا فيه كما قال السيد. واذا اعتبرنا الآخر كنزنا فقلبنا عليه.

          هذه المدة الطويلة التي نتقشف فيها ونتعب جسديا نفيق فيها روحيا، نعي ضعفاتنا وحاجاتنا واولاها حاجتنا إلى يسوع.

          الإمساك والصلاة فيه سلاحنا الأمضى لنواجه التجارب ونبعدها عنا. اذا كنت ممتنعًا عن الطعام وبعض ألوانه وهاجمتك التجارب تتذكر انك في حالة حرب روحية فكيف تجمع بين كونك محاربا غالبا وبين ان تطيع نداء الشهوات فيك. من عظمة الصوم انه يقيم تناقضا في عقلك بين جاذبية الله وجاذبية الخطيئة.

          مع ذلك انت معرض للسقوط. ليس الإمساك ضمانة للبر. لذلك لا بد لك من التنبه الكبير حتى تعي حالتك كصائم وتعي حالتك كمواجه للتجارب. لا تتحير بين الرب وعدو الرب. انت حليف المسيح في هذا الزمان المبارك إلى ان ترى قيامته.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الحرية / السبت في 12 آذار 2005

كتبت هذه السطور قبل ان أشاهد صورة الحشد الكبير في ساحة رياض الصلح وأرجو قبل دفع المقال إلى الجريدة ان نكون جميعًا اقتربنا من سلامة الرؤية وصدق القلب. «الوفاء لسوريا» يتضمن الشكر لها عندما يستقيم استقلال كل بلد وتتوطد عزته بعد ان يكون قد أعز البلد الآخر في الحرية. من ضد الوفاء؟ الاحتلال الأجنبي من معه؟ من نادى بالاحتلال؟ هل يشتهي أحد بعث 17 أيار وقد اسقطه رئيس جمهورية مسيحي ماروني؟ التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري صرخة مستمرة ايضا في ساحة الشهداء وكأن الخطابين على مسافة مئة متر او ما يزيد تجاوبا وكأن الناس مختلفون لا في ما يقولون ولكن في ما لا يقولون. في قراءتهم للآخر وقراءتهم لأنفسهم.

السؤال الملح على كل الناشطين هو ماذا يؤكدون في الحقيقة. الخطاب السائد ولو اختلف النغم وما تساوت الحرارة ان «الحق الحاضر» هو ان يتكل لبنان على جيشه. وليس معنى هذا عند واحد ان البلد يفقد بذا انتماءه العربي. مبادرة كريمة كانت تأكيد الرئيس بشار الاسد ان الجيش السوري ينسحب إلى البقاع تنفيذا لاتفاق الطائف مع احترام القرار 1559. إذا كانت سوريا تحترم فهل نحن لا نحترم؟ كيف يختلف عن سوريا الأوفياء لسوريا؟ كيف يختلفون عن الحكم اللبناني الذي يؤكد – في هذا المجال – ما قالته سوريا؟ وإذا كان الامر كذلك فأين الفرق، حقيقة، بينهم وبين طرح الرئيس السوري. أين المباينة، أين الـ nuance؟ هل هم أكثر اشتدادا من المراجع الرسمية؟

يبقى ان لبعض الحق في التساؤل عن تحرك الجارة «حتى يواري جارتي مأواها». اللافت في هذا ان الانكفاء إلى ما وراء الحدود ستقرر تاريخه لجنة عسكرية مشتركة. أفهم ان الاجهزة الامنية السورية جزء من الجيش السوري وانها في حكم المنطق متوارية. غير اني استغرب ان يبقى الانطواء الكامل معلقا على مجموعة عسكرية لا على السلطة المدنية في البلدين. هذا يذكرني بكلمة لرئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو في الحرب العالمية الأولى: «الحرب مسألة جدية إلى حد انها لا تترك للعسكر». الجلاء مسألة جدية جدا حتى لا يتخلى عنها كبار المسؤولين في الدولتين. في هذا القرار ترك لبنان في ضبابية كاملة في حين ان سوريا تعرف دائما أوانها.

كيف يترجم البلدان احترامهما الدولي على الأرض؟ المؤسف ان الطائف لم يتحدث عن مهلة لانحسار الجيش السوري عن البقاع. لقد أكد المسؤولون عندنا ان بقاء هذا الجيش أمر موقت. اليس من ترادف بين الموقت والسريع حتى لا نقع في تحذير القولة الفرنسية الشائعة: «ان الموقت وحده يدوم il n y a que le provisoire qui dure». لقد أكدت سوريا على لسان رئيسها الأسبوع الماضي ما مفاده ان حضورها (السياسي، الاقتصادي، الثقافي كما افهم) قائم عندنا ونحن لا ننكر عليها القراءة التاريخية لدورها.

«الحق الحاضر» كما يقول بطرس الرسول هو اننا، نحن اللبنانيين، مجمعون على خمسة. أولا – ان التوطين غير وارد عند أحد وقد نص الدستور على ذلك. ثانيا – ان أحدا ليس مستعدا لأن ينحر البلد ببعث 17 أيار ومعنى هذا اننا لن نوقع سلاما مع اسرائيل قبل سوريا وهذا من مضامين وحدة المسارين. وفي هذا الخط نفسه لا يستجدي أحد حضور قوة أجنبية عندنا وانا اؤيد الصرخات التي سمعتها الان ضد تدخل الأميركي في شؤوننا. ثالثا – اننا جميعا مع المقاومة وان ليس عندنا اليوم ميليشيا في لبنان. رابعا – ان هذا الحي وذاك من شباننا وكهولنا يلح على سرعة التحقيق في الجريمة التي اودت بحياة الرئيس رفيق الحريري (والاصوات كانت هي اياها هنا وهناك). خامسا – اننا نرجو انتخابات نزيهة عادلة ولا يتهم أحد منا بالخيانة.

في ظل الثقة هل تصر جماعة على انسحاب سوريا «كتابا مؤجلا» (سورة آل عمران الآية 145)؟ هل من غضاضة ان نستعجل بالخير اي ان نسود بيتنا الوطني الواحد بعد صبر طال؟ ان اجلا مسمى كما يقول في سورة العنكبوت أفضل في العقل من اجل غير مسمى. إذا قبلنا للانسحاب النهائي بأجل مسمى تكون المسافة بين الموالاة والمعارضة آخذة بالتضيق. يبقى ان نفهم ما قاله سيادة الرئيس بشار الأسد عن «احترام» القرار 1559. فمنذ صدوره لم تتحفظ عنه سوريا جوهريا. السؤال الحقيقي هو هل تعني كلمة «احترام» شيئا على الأرض؟

اللافت ان سوريا تعاملت مع الطائف كأنه كتب السنة الـ 2005 فوعدت بتطبيق مرحلة اعادة الانتشار حتى البقاع وتركت تاريخ الانسحاب الى الشام دون تحديد وقت وبذا كانت امينة لحرفية الطائف. غير ان للطائف نصا وروحا كما قال دائما نوابنا الذين وافقوا عليه. لا يمكن ان تطبق اتفاق الطائف اليوم كأن 15 سنة مرت عليه لم تكن ذات دينامية تدفع سوريا إلى الانسحاب الفوري. ما هي روح الطائف؟ هي انهاء الحرب بعد ترتيب أمسى دستورا تطمئن اليه القلوب ويكون دور سوريا مساعدتنا على تخطي تداعيات الحرب وبسط السيادة اللبنانية على الارض والسهر على تأليف جيش لبناني متماسك يحمي المؤسسات. ان مرور 15 سنة كانت كافية لتمكين ما أمكن من مؤسسات وصدور قوانين وتقوية جيشنا وتوحيده. ومن المفترض ان هذه الفترة الطويلة قد مكنت السوريين من مساعدتنا على حفظ السلام الأهلي الذي في ظله تنبت دولة متجددة. وحتى لا أظلم الطائف قد اقنع نفسي بأن اهمال الذكر لتاريخ الخروج من وادي البقاع ربما عنى اننا لم نرغب في استباق الامور حتى يبقى المجال مفتوحا لفحص تقدمنا العمراني والمؤسسي. خمسة عشر عاما انقضت لا تفسح في المجال الا القول بأن المهمة العسكرية السورية قد انتهت.

ما هذه العبارة التي يطلع بها بعض اركان المعارضة عن الخروج المشرّف؟ إذا كنا دولتين مستقلتين وشقيقتين في آن فالبقاء مشرف في حينه والخروج مشرف في حينه. هذه عمليات بين اخوة. قلنا قبل اليوم ان لبنان لا يملك وسائل ضغط. هل كان الحاح بعض ضغطا أم تعبيرا عن رجاء وذلك تطبيقًا لنص اشرفت عليه العرب؟

بعد استماعي الى كل الخطباء لا أستطيع ان اتبين اليوم فرقا لسانيا بين الفريقين سوى ان أحدهما ينتظر المشيئة السورية للخروج الكامل والاخر يطلب الخروج الفوري. في العمق الوجداني لست المس عداء للشعب السوري او للحكم السوري. الكلام تناول مدة بقاء العسكر والاجهزة الامنية فلم يكتب سطر واحد ضد سوريا من حيث هي شعب او دولة. لست ارى عنصرية عند أحد ولا ارى تباينا في المودة لسوريا. جهة تغازل كثيرا وجهة أكثر تحفظا في الغزل. إذا كانت سوريا تريد حقا ان تخطب ود اللبنانيين لن يكون عليها ان تكون على مسافة واحدة من الاطراف اللبنانيين. تختار الذين يحبونها حقا وفي هذه المرحلة التاريخية الحرجة تدني نفسها من الصالحين في كل معسكر وتعيش من جديد شهر عسل مع الخيرين من مواطنينا.

غير ان الأخبار أتت بتصريحات ديبلوماسيين سوريين بان الانسحاب الكامل لن يتعدى أيار. وعند ذاك يصير الطائف و1559 سقفا واحدا لهذا الانسحاب ونبقى مختلفين مع 1559 في ما يتعلق بحزب الله. بعدما بينت ما تراءى لي من نقاط التفاهم بين اللبنانيين لم يبق الا نقطة التوضيح لتاريخ الانكفاء الكامل للجيش السوري ما عدا قضايانا الداخلية من تأليف حكومة واجراء انتخابات.

الظروف الموضوعية مؤاتية إلى نوع من المشاركة الفكرية أو السجال الحر في موضوعات شتى هذا إذا تحررنا من الظن في الاخر وادانة نياته. ننطلق من مسلّمة منهجية ان ليس عندنا من ارتهن للخارج ونتكلم على ما يؤتي البلد حرية كاملة خصوصا ان البلد غير منقسم طائفيا. صورة هذا التوحد نرى لها رمزا في ساحة الشهداء اذ تلا المسيحي الصلاة الربانية (أبانا الذي في السموات) ومسح وجهه بيديه كالذي يكون قد تلا الفاتحة. ربما فهم المسيحي بوضوح كامل أو ناقص ان المسلم انما لا يمسح وجهه بكفيه ولكن بالكلمات الالهية التي نزلت عليهما.

متى تتنزل علينا الكلمة الالهية لنصبح شعبا واحدا يسعى إلى صالحه بالحسنات والاخلاص والفهم. كل شيء يدل على اننا تقاربنا ولو اختلفت أماكن الحشود واننا في اشياء كثيرة نقول القول الواحد. أجل السياسة فيها أقوال كثيرة ولكن ما يجعلها فنا إنسانيا انك فيها تحترم الاخر وتصغي اليه فأنت تتكون به ومنه وهو كذلك اذا احببتما الحق.

Continue reading