Author

Aziz Matta

2005, مقالات, نشرة رعيتي

من يدحرج لنا الحجر/ الأحد 15 أيار 2005 / العدد 20

هذا احد حاملات الطيب الذي يدور فيه الحديث عن عملية تطييب جسد يسوع لأن السبت كان قد حل عند دفن السيد ولا يجوز فيه العمل. ذهبت النساء القديسات وعلى رأسهن مريم المجدلية وتساءلن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. يقول الكتاب انهن تطلعنا فرأين الحجر قد دحرج. لا يقول الإنجيل شيئا عن علاقة الحجر المدحرج وقيامة المخلص. هل ازاحته قوة الهية حتى يخرج السيد ام ان القيامة بحد نفسها زلزال يزيل كل العقبات.

          همي انا ان احيا بالقيامة كل حين حسب قول السيد لمرتا: انا القيامة والحياة، ان اذوق قوة القيامة فيّ قبل المجيء الثاني وحدوث القيامة العامة. فانتصار السيد ممدود فيّ وفي المؤمنين او يكون حدثا ولى وقصة نرويها.

          انا اعيش في وسط العقبات، في المرض قليله او كثيره، في خطر نوبة قلبية ورعب السرطان. وذاك يختبر الفقر والعوز واليأس يصعب تجاوزهما ان لم تحدث معجزة اقتصادية في البلد. عقبة الخلافات الزوجية او خلافات العمل او صدمات حياتنا الكنسية بما فيها من تحامل على بعض واضطهاد لبعض.

          ان يعيش الإنسان في اخطار الأمراض المزمنة وتلك الموجعة، ان تحتمل المرأة عنف زوجها، ان يشك احدهما بالآخر. ان اسقط كل يوم في ضعف لا ينتهي، ان يبقى البلد على ما هو من تصدع ابنائه. وفقدان الكفاءة والرشدة كل هذا عقبات قليلها ينتهي.

          اين يسوع من كل هذا او اين من يسوع الظافر اذا بقيت اعاني من كل هذا او من بعض منه واتحجر في خطاياي. هل من يدحرج لي الحجر عن باب القبر الذي قبرت نفسي فيه او قبرتني فيه ظروف معيشتي. احيانا كثيرة لا يبدو لي ان اوجاعي الجسدي او المعنوية آخذة بالانخفاض كثيرا ما احس انا غريق او اني اكسر رأسي على الصخر.

          ان ايماني بالقيامة يجعلني اعتقد ان المسيح معي في عزلتي، في حرماني العاطفة ممن اتوقعها منهم. احس اولا بأن يسوع بديل عن كل انسان، بديل عن زوج يخون او زوجة تخون، عن شخص كبير في الكنيسة او في المجتمع يفتري علي ويكرهني. يسوع بديل عن كل مخلوق.

          السيد لم يعدني انه منقذي من هذا المرض او ذاك وان بعث بالرسل للشفاء ولكن لا يشفى كل واحد ولا الزوج يتوب ولا القامع يبطل القمع. فعندما قال السيد: انا معكم حتى منتهى الدهر لم يرد فقط انه مع الكنيسة جمعاء في عملها التبشيري ولكنه اراد انه مع كل واحد من احبائه في الوضع الذي يكون عليه. في المرض، في العزلة، في الخطيئة وانه سيجعلها انسانيا قياميا مشدودا الى يسوع ولو بقي تحت وطأة اتعابه.

          الدنيا وادي دموع. في اليوم الأخير سيمسح يسوع كل دمعة عن كل عين. الآن نتعزى عن الدمعة بالتعزيات الروحية التي تنزل علينا وتغيرنا من الداخل اي تقيم الفردوس في النفس مع استمرار اتعابها واتعاب الجسد. مع ذلك المسيح قائم ابدا فينا.   

وفي وسط الأمراض والفقر والجفاف العاطفي نقدر ان نكون. المسيح قام.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

الانتخابات / السبت 14 أيار 2005

ناخبًا تنظر إلى المرشحين الذين رشح كل منهم نفسه، أي اعتبر نفسه أهلاً للخدمة وهذا في أفضل افتراض. وعلاقتك بالمرشح تقوم على تقديرك للشخص الذي يلتمس تأييدك بناء على حدسك شخصه وثقتك بما قدم في الماضي ان مضت عليه ولاية ولكن ان كان جديدًا فعلام تبني استحسانك؟ أنت لست في حوار فكري مع الذي تنتخب إلاّ إذا اقترح على الناس برنامجًا وإذا فعل ماذا يضمن انه ينفذه ان لم يكن مرتبطًا بحزب يوفده ويأتي هو من فكره. ليس من ثقة في عالم السياسة تقوم على العاطفة فقط.

الديموقراطية ليست تلاقي أشخاص الا إذا كانوا أبطالاً عرفت بطولاتهم. عالم الشخص هو عالم المزاج وما أمكن من الفضائل في العالم الثالث وهو عالم قائم تحديدًا على المنافع الشخصية ولست أريد بذلك منافع مالية ولكنها دوائر صلات بين النواب يتساندون لاسباب هم يعرفونها وقد لا تكون بالضرورة سيئة ولكنك تحجبها بعاطفتك التي لا مضمون سياسيًا لها.

لذلك تكلمنا مرة عن هيئات ترشيحية تعرف الطامحين وتقدمهم للناخبين. ومألوف الديموقراطية ان هذه الهيئات هي الأحزاب التي لك ان تحاسبها وتنقذها وهي لا تخشى النقد لأن مواقفها موضوعية أو هكذا نحسب. المشهد اللبناني مشهد تكتلات لا نعرف على أي معيار تشكلت وكل شيء يدل على انها انتظمت وفق حساب الأصوات التي يأتي بها كل عضو في الكتلة. أذكر ان ديغول كان يكره الاحزاب ولكنه أسس هو كتلة تجمع الشعب الفرنسي أي انه بدل كلمة حزب بكلمة تجمع. ونحن عندنا تجمعات آنية أو فورية عمرها أربع سنوات تنتظر بعدها مجموعات جديدة لا معيار في نشوئها وما من شيء يدل على انها لا تنفرط اثناء المسيرة.

هذا هو المشهد الذي علينا ان نتحرك فيه غالبًا وفق قانون الألفين الذي له ما له وعليه ما عليه. دع عليك الحزن مهما كان القانون محزنا ويحمل ضغط التاريخ والتفريق ويثبت المنافع والتهميش تاليًا. ولكن علينا ان نسير وان ندرس في فترة قصيرة تاريخ كل مرشح في منطقتنا ان كان له تاريخ اي ان نتفحص صدقه وعلمه ما أمكن الفحص. وهذا يوجب عليك ان تتحرر من تراص اللائحة المقدمة لك فلا محاسب لك إلاّ ضميرك ولست تلعب لعبة التراص التي يلعبها المترافقون في اللائحة. لم يبق من وقت لوضع برامج وإذا وضعت فتأتي مسلوقة لا تقنية فيها ومسبوكة في عبارات انشائية وشعائر لفظية الا إذا شذ فريق عن الأمر وهذا يسعدني.

معنى ذلك ان تلاحق النائب اذ تدينه من فمه كما يقول الكتاب. وتصر عليه على مراعاة برنامجه إذا انت استسغته اذ تبقى أنت موكل النائب وان لم تقل الديموقراطية انه يصغي اليك اصغاء التلميذ لمعلمه أو المريد لشيخه.

أنت دخلت اللعبة الناقصة فالعبها أعرج وطالب وألح واصرخ لأن النائب ليس وليك بل انت وليه لأن الشعب مصدر السلطات وان كتب عليه ان يوكل بعدما زالت الديموقراطية المباشرة التي عرفتها أثينا. فاذا استمررت رشيدًا تكون ضاغطًا ويأتي التشريع، اذذاك، لغة بينك وبين الجالسين في الندوة وذلك على قدر ما فيك وفيهم من اخلاص ومعرفة. فالغيرة بلا معرفة لهب لا يدوم.

هذا يعني انه يتحتم عليك ان تكون حاضرًا يوم الاقتراع لأن التشريع ومحاسبة النواب للحكومة شيء من قوام البلد وهذا بلدك. أما صمتك فمجال لابتزازك والتحكم فيك وفي الوطن فيدور الحكم، عند ذاك، آلة فارغة من ضياء فكرك. أنا أعرف ان كل المواطنين لا يستطيعون الاستنارة بسحر ساحر. فهذا يتطلب تربية أجيال وتطهرًا دائمًا من أجل لبنان. أما المساءلة فهي حول كل شيء: الثقافة أولاً، ثم التربية واقتصاد البلد ودوام استقلاله والتطلع الى توحده وسبل هذا التوحد. وأنا أعلم انك لا تقدر على ان تحيط بكل هذا لكن الجماعات الضاغطة من أحزاب وكتل أخرى مدعوة الى ان تصبح موسوعة سياسية حتى ينتقل البلد من الحلم الى العمل ومن السذاجة الى العلم. وهذا الحضور الجديد فيك وفي أترابك في النضال هو الذي يكبح مزاجية النائب وفورية مواقفه وتحالفاته ليستحق الوكالة التي هي في الاخير وكالة عن كل لبنان.

هذا بسط موجز لما سماه غبطة البطريرك نصرالله صفير الحكمة. هي حكمة هذا الدهر ولكنها لا تخلو من القبس الإلهي. ومن المهم فيها ألا تستسلم للتزوير وان تعترض عليه. ومن التزوير ألا يسمح لمندوبي المرشحين ان يقفوا حول رئيس القلم ليتبينوا ما يسجل. ومن التزوير ألا تتقيد قوى الأمن بالمحافظة على الأمن فتنحاز بالمعاملة الى هذا أو ذاك. ومنه ألا تتمكن من الوقوف في العازل.

غير ان الأهم في كل هذه العملية ألا ترتشي. قد يؤتى بك من مكان بعيد بوسيلة من وسائل النقل. ليس من هذا مانع وان كان الأفضل حفظًا لاستقلال صوتك ان تذهب الى بلدتك بوسائلك الخاصة. فالرشوة هي الدمغة الفصيحة على انك لا تحب لبنان وانك ببغاء أو عبد ولا تستحق عندئذ ان تسمى مواطنًا. المواطنية ليس فيها مال. ومن الرشوة الخوف يخيفونك به أو التهديد. ساعتئذ يجب ان تدعي أمام السلطات لأن قضيتك تتضمن حربًا على الخطيئة. والنائب إذا لم يتسربل بثوب الطهارة يكون قد اشتراك وباع الوطن. والنائب ليس فقط مرآة لك ولكنه مرآة لبنان العظيم الآتي من فجر جديد نغتسل جميعًا به حتى لا ترذلنا الأجيال الطالعة بصدقها والطالعة بآمالها.

فاذا كانت السياسة فنًا عند المبعوثين الى الندوة البرلمانية فهي عندك الى ذلك فضيلة. فان لم تكن قادرا على النسك يوم الاقتراع فلا تتقدم اليه لأنك تلطخ نفسك بقذارة الكذب. وإذا ترددت بين الكذب والصدق فأن تتنحى أفضل لك من القيام بالانتخاب.

وفي الأيام المقبلة وهي قليلة تهيأ بالتوبة فالانتخاب لا يتطلب منك أقل من التوبة، وصلّ عسى يلهمك الله الهامًا مبدعًا لنفسك ونافعًا لمن تنتخب اذ يجيئون من نقاوتك وقد يتنقون بها فيتكلم النائب كل يوم وكأنه في حضرة الله.

هذا عمل مقدس بامتياز. فالسياسة في اطلاق معناها وحكمة ممارستها ليست لعبًا ولا لهوًا ولا تذاكيًا. انها شوق الى انسان جديد يطلع في لبنان ولكن من قلب الله. صحيح ان عمل التشريع ومراقبة الحكومة لا يخلوان من ضعف ولكن لا تساهم انت في هذا الضعف ولا تقل ماذا يقدم صوتي أو يؤخر. فقد يأتي هذا الصوت بنائب جيد أو غير جيد وقد يتغير وجه البرلمان بوجوه انت أرسلتها. وقد يجتمع الصالحون ليخدموا الأمة ويقوموا المسار ويشفوا العقليات وقد ترجو بفضلهم الخير للوطن ولا تيأس منه وقد بتنا على حافة اليأس.

ويتعلم الناس من أولي الأمر أو يحزنون. وكثير من القوم يسقطون إذا الدولة سقطت وينهضون في حياتهم الخاصة إذا الحياة العامة استقامت ويقتنع الناس ان الإخلاص ممكن لانه مجسد في اخلاص القادة. ويدفعون الضرائب إذا لمسوا ان السلطة تقوم بواجبها نحوهم ويحسون ان الوطن لهم وليس للمنتفعين من أهل السلطة. فالأخلاق عظيمة عند قلة ولكنها تسترجع إذا الحكام تخلقوا بها وكانوا أبرياء كالحكماء الذين ارادهم افلاطون وحدهم حكامًا للجمهورية.

ولا تقس الحاضر على الماضي فقد يمضي الماضي وتطل الحكمة من جديد بواسطة المتولين أمور العباد فهم معك بانو الوطن إذا صدقوا وان انت صدقت لما بعثت بهم فلا تبقى دائما مشتكيًا والوطن اليوم يشتكي كله وتغدو عاملاً ومنتجًا في حقلك لضمانك أن أهل السلطة ساهرون على عملك وعلى انتاجك وعلى فهمك اذ يجب ان تتم المصالحة بين الحاكم والمحكوم وعليك أنت ان تصبح حاكمًا ومحكومًا في آن وهذه هي الديموقراطية.

هكذا فقط تبقى حرًا من السلطة لايمانك بأن القانون العادل يحميك من عسف السلطة. وحريتك لا تقوم فقط على عدل الحاكم ولكن على الحاحك عليه بالعدل وعلى رفضك الظلم وعلى ان تقول أنت والحاكم معًا الكلمة الحلال في كل وضع يناقش. ولن يستطيع نائبك ان ينحرف إذا علم بأنك معه على عهد العمل المسؤول. فانت لست معه في زواج غير قابل للطلاق. ويحق له ان يشتهي السلطة بعد كل ولاية إذا عرف ان يرضيك لانه يبرهن، عند ذلك، انه لا يرغب فيها من أجل لذته فيها. ولكن من أجل خدمتك تكون قد أوحيت اليه بالنسك الذي يجرده عن الاشتياق الى منافعه. انت درب نائبك ان يسعى الى منافع الوطن اذ تفيد انت واياه منها. وتكون بذا قد حميته من ان يكون ألعبانًا وحميت نفسك من ان تكون مهرجا.

اعط الوطن حظًا في ان يقوم من محنته ومن تراكمات المعاصي في حياتنا السياسية. اعط لبنان ان يكون لبنان على مدلول اسمه أبيض.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

احد توما / الأحد ٨ أيار 2005 / العدد 19

الفصح غاية وانطلاقة. غاية الجهاد لمن بذل في الصوم جهادا فهو يرى على قدر ما بذل من تضحيات وعلى قدر محبة الله له. وهو انطلاقة وملء للأيام التي نعيشها حتى الصعود اذ نظل في ترتيلنا: المسيح قام وفي الأسبوع الذي يلي العيد يبرز مجد المسيح بكثافة اعظم في ما نحن ننشده وكأننا نقول ان كل حياتنا هي هذا السيد القائم الذي نحوم حوله ويتحرك هو فينا ليجعلنا له.

          ومن اسطع الأنوار لرب المجد احد توما هذا الذي تعرفه العامة بالأحد الجديد لأنه الاول بعد الفصح حيث ظهر المعلم للتلاميذ والأبواب مغلقة من خوفهم اليهود. وكان الخوف في محله اذ كان الخطر في القضاء على الأتباع بعد ان ظن اليهود انهم قضوا على المعلم الذي بقي جسد في حسبانهم مخطوفا ومدفونا في مكان آخر.

          اخترق السيد الحواجز اذ لا يحول حاجز دون جسده المنور وقال للرسل السلام لكم. عبارة سلام عادية في ظاهرها ولكن المخلص أراد ان يبعث في نفوس تلاميذه الطمأنينة. وقد قال بولس فيما بعد ان المسيح هو سلامنا. فأنتم لا خوف عليكم لأني معكم الى منتهى الدهر ولا فرق بين ان تكونوا قلة او كثرة. وكانوا قلة واذا كنتم كذلك في كل اجيالكم في اي بلد فاعلموا اني انا سلامكم وانكم بإيمانكم تغلبون وقد يحاصر اعدائي اجسادكم ويحاولون ان يزرعوا فيكم الشك في قدرتكم على الصمود ولكن اعلموا اني انا سلامتكم الى الأبد ولوخطفوا اجسادكم وعذبوها لأنكم، اذ ذاك، تصبحون في سلامي على نحو اعمق مما كنتم لما كنتم مرتاحين وميسورين واحرارا بالحرية المعروفة في السياسة.

          ثم قال لهم: خذوا الروح القدس. هذه هي العنصرة في تعبير يوحنا. فالروح القدس يؤيدكم في جميع الحق وقد قلت لكم هذا في خطبة الوداع والروح ينطق بكم اذا قادكم الأشرار الى المحاكم وهو الذي يمحو الخطايا بقوة فدائي وانتصاري على الموت وهو الذي يجعلكم تاليا خلائق تتجدد بالمحبة. وانا اتصور به فيكم فلا يبقى احد لنفسه بل اكون انا فيه وهو فيّ.

          كان هذا يوم القيامة مساء ولم يكن توما معهم. في اليوم الثامن اي الأحد الذي نحن فيه اليوم ظهر السيد وتوما كان مع الجماعة وبعد ان اخبروه بأنه رأوا الرب كان يصر على انه يعاون أثر المسامير في يديه ويفتش جنبه المطعون بحربة. فظهر لهم الرب ولام توما على عدم ايمانه.

          لماذا هذا اللوم؟ ان الخطأ الذي ارتكبه توما كان فقط انه لم يصدق التلاميذ. ونحن علينا دائما ان نصدق التلاميذ اي ان تقبل كلمة الله كما هي في الإنجيل وان تقبل التراث الارثوذكسي الذي تكون في الكنيسة جيلا بعد جيل ايضاحا للإنجيل فلا يصنع احد ديانته كما يشاء او تشاء له الرياح العاصفة فيه من جراء خطاياه او من الاراء الفاسدة التي تقدمها البدع الخارجة عن الكنيسة او تأتي بها الفلسفات الضالة التي تبدو لغير العالمين شبيهة بايماننا وهي ليست بشبيهة.

          غير ان توما نفعنا كثيرا بشكه لأنه كشف لنا ان يسوع هذا الذي ظهر انما هو اياه الذي علقه قومه على الصليب وانه ليس بشبح. هذا اقوى إثبات على قيامة المخلص اي على ان المصلوب هو الذي تراءى. شك صار قوة للأجيال اللاحقة.

          فلما تأكد توما الواد التفتيش ان المعلم هو اياه قال ليسوع: ربي وإلهي. ليس الجديد في هذا الكلام ان يدعى المسيح ربا فهذا منتشر في كل العهد الجديد. ولكن الجديد ان يدعى المسيح إلها بالمعنى المطلق. ووردت كلمة الهي بالتعريف بمعنى انك انت الإله. انت الذي عرفوك في العهد القديم باسم يهوه. انت هو الإله الخالق والإله الفادي معا وبهذا نتجدد.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

لبنان الجديد / السبت 6 أيار 2005

إذا عبرنا هذا الزمان الحزين سياسيًا بسلام يبقى على كل منا ان يمتحن قلبه ليرى إذا بقي شيء من أثر الله فيه.وهذا يفترض ان ينزل اللبنانيون من سطح الوجود الى الأعمق. ما ليس عندي فيه شك ان الانسان ليس مستعدًا لتغيير قلبه لأنه يحب ما يظهر، ما يبهر. يجب ان يقال عنه دائما حسنًا أي انه يعيش في رأي الناس فيه ولا يهمه كثيرًا رأي الله فيه. لا يبحث كثيرًا عن الحقيقة التي تشفيه. يرجئ بعضهم الذهاب الى الطبيب خوفًا من اكتشاف مرض مريع. ولعل فلسفة اللبناني الطاغية هي «تسوية أوضاع». هذه كلمة رسمية في ادارة الدولة تنم عن الوجه الذي نريد ان تكون العلاقات عليه بيننا. من العبارات التي اسمعها في عملي: «يا سيدنا، ها الشغلة ما الها دبّار». وكأن ثمة رفضًا فينا لكون الحقيقة تشفي أو الصدق يشفي أو المواجهة من أجل جلاء الأمور التي تنقذ.

أجل، نرجو إصلاحات في الدولة تنشئ فينا سلوكًا جديدًا معها ويحلو لي ان أعتقد ان عندنا في المجتمع المدني مؤسسات خيرية أو فنية وأدبية تسهم في تربيتنا الجماعية. يعزيك كثيرًا الرقي الذي تراه طابعًا هذا المكان أو ذاك من العمل الانساني ما يدل على ان في القلوب رحمة وأنك إذا اخذتنا شريحة شريحة نبدو أحيانًا على كثير من البهاء.

غير اننا أمام سؤال ملح: هل نحن راغبون في تكوين انسان لبناني واحد يشارك الآخر في القيم الأساسية التي تؤلف البلد وتجدده فتصنعه. ايضاحًا للسؤال تشاهد الاوروبي مثلا متعلقاْ بقيمة الحرية واحترام الآخر والتعاون الاجتماعي والتمسك بالتطور الدائم في اكتساب العلوم والتقنيات. وقد يختلف دينيًا عن الآخر أو لا يكون على دين ولكنه تبنى القيم التي يقوم عليها مجتمعه أمن المسيحية جاء إلهاما أم من عصر الأنوار أم من كليهما.

قد نواجه مشكلة كبيرة إذا ألغينا الطائفية السياسية اذ لا بد ان تقترن اللاطائفية بفلسفة ما. ان تغييرًا ضخمًا كهذا سوف يضطرنا الى رؤية جديدة للمجتمع والعلاقة بين الجماعات. هل الأرضية الفكرية لهذا التغيير السياسي تكون العلمانية بالمعنى الذي تعرفه أوروبا ولا سيما منها فرنسا، أم لن يعني هذا شيئا سوى تنظيم آخر للوضع السياسي؟

نعيش في وحدة تركيبة سياسية وإذا تكلمنا على وحدة وطنية نشير الى نوع من الانسجام بين شرائحنا المختلفة تقل فيها التشنجات الحاملة بذار التفسخ الوطني. غير ان الوحدة الوطنية تقوم في نصوص دستورية عندنا منذ 1926 على اننا امة لبنانية أضفنا اليها في الدستور الأخير، بلا توضيح كبير، الانتماء العربي. أي أننا في المصطلح السياسي قبلنا ان نكون دولة – أمة Etat – nation. وهذا لا يمس اعتقاد القائلين بأننا نؤلف مع العرب الآخرين امة. فلما اعتبرنا لبنان وطنا نهائيًا أقررنا – بمعنى من المعاني – اننا أمة لبنانية. هذا أكثر من مصطلح قانوني.

هناك غير دولة مثل بلجيكا وسويسرا مؤلفة من غير امة ومن غير لغة وأوضاعها أعظم تعقيدًا من وضعنا اذ لنا لغة واحدة ولا تفرق بيننا أعراق وقبائل كما في العراق. وانا أنفي نفيًا قاطعًا تعدد الثقافة لأن الثقافة هي اللغة. والثقافة العربية الواحدة منفتحة وليس عندنا تاليًا من كان على حضارة غربية وحضارة شرقية. هذه تسميات لا معنى لها اليوم بعدما أقبل اللبنانيون على اللغات وتساووا بالتعليم الجامعي وانتهجوا في طرق العيش والحياة العامة والمؤسسات نهجًا واحدًا.

وعندنا جميعًا موقف نقدي من الغرب ولو كنا من صميمه حضارة. ولا نختلف في ذا عن كثير من المفكرين الاوروبيين والأميركيين في انتقاد الصراعات الغربية، ولعل الفكر الاوروبي أشد انتقادًا منا لكثير من مظاهر العيش الاوروبي. ان اللبنانيين الذين عندهم شيء من تذوق ما يجري في العالم ولهم مسحة من الروحانية لا يتبنون الغرب في هذا المظهر أو ذاك من سلوكياته. وفي هذا يستوي المسيحيون والمسلمون عندنا.

ولكي نجيء حقًا من الأعماق نحن في حاجة الى نهضة روحية وفكرية في المجتمعين المسيحي والاسلامي بعدما بدونا متفقين على ما يسميه المتحررون من علماء الاسلام في لبنان المجتمع المدني. غير ان هذا يحتاج الى تفصيل الأمور ليس فقط على صعيد التنظيم ولكن على صعيد القناعات الروحية التي تمس الرقي الوجداني والحرية وما يؤول الى ديموقراطية حق في البلد. فلا بد من قراءة متجددة للإسلام والمسيحية على أساس الأصول من جهة وعلى رجاء مستقبل مشرق.

قد تكون كل ملة من الملتين على حدة أو في الحوار في حاجة الى ارساء القواعد الخلقية التي تمس الحياة العامة وارتقاء الإنسان الى كامل انسانيته. ولست هناك معطيًا دروسًا لمن كان على غير ديني الاّ اذا تكاثرت حلقات الحوار في تطلعنا الى إناسة (انتروبولوجيا) اسلامية وإناسة مسيحية وثيقتي الاتصال بالمعاصرة ولست أقول بالحداثة حتى لا نقع في لبس الكلمة. فاذا كانت بلدان كمصر والمملكة العربية السعودية وتونس وسواها تبحث في حقوق المرأة ومكانتها في مجتمع يسعى الى التحرر من الذكورية فمن باب أولى ان نبحث نحن في هذا.

غير ان القضية أعمق وأشمل. وهنا خذوا الكنيسة الكاثوليكية مثلاً. هي شطبت من طقوسها ومن معاملاتها ما يمس اليهود (ولا يعني هذا اني أشاطرها رأيها في كل شيء) فمن باب أولى ان ينظر الكتاب المسيحي الى الإسلام نظرة أكثر ايجابية من الماضي وأكثر انفتاحًا. ومن باب أولى لا بد ان تتطهر الذاكرة المسيحية من كل سلبياتها في ما يتعلق بالتاريخ. تجاهل بعض مصادرنا للاسلام ظلم تاريخي. أجل نحن المسيحيين الشرقيين لم نسئ الى المسلمين ولا علاقة لنا بالحروب الصليبية. ولكن من الناحية النظرية لا نزال في حاجة الى رؤية الجمالات الاسلامية دون مساس بصلب العقيدة.

في المبدأ لا تتعرض المسيحية للإسلام لأنه لاحق. لكن فيه قيما وحقائق دينية نلتقي معها ومن المفيد لتكويننا الروحي وسلامة نفوسنا ان نعترف بها والحقيقة انى وقعت هي من الله. طبعًا هناك دقة في تعليم العقيدة ولكن حيثما وجدنا قربى فلنعترف بها وإذا اختلفنا فلنعبّر عن هذا بسلام وهدأة في النفوس ومن أراد ان يجادل فليجادل بالحسنى كما يعلّم المسلمين كتابهم ان يفعلوا إذا هم جادلوا.

لا أستطيع ان أطلب من المسلمين أقل ما أطلبه من علماء ديانتي. فمنهم من اجتهد ومنهم من أغلق باب الاجتهاد ويريدون بذلك ما يتعلق بالفقه. نحن في هذه الأمة في حاجة الى ما كان أشمل من هذا. لا أريد ان أفرض على المسلمين قراءة تاريخية للقرآن فهم في هذا متنازعون. ولكني أطمح الى قراءة سلامية للمصادر الاسلامية لا تحتمل التحفظ عن كون أهل الكتاب هم أهل كتاب وليس فيها تحفظ تفسيري عن ان المسيحية ديانة سماوية. كيف التعامل مع آيات التكفير والتكفير يشمل النصارى وقد بينا في موضع آخر ان النصارى قد يكونون بدعة أو بدعًا في الجزيرة العربية وليسوا من الكنيسة الرسمية. فهناك تكفير لا نرى اننا به معنيون ونحن نشاطر القرآن في آيات تكفيرية عدة لكوننا لا نقول كل ما قاله نصارى عهد التنزيل القرآني. وانا في ذا لست معطلاً للآيات ولكني معطل لتطبيقها على مسيحيي الكنائس في عهد الرسول وفي عهدنا نحن. لا بد إذًا من أجل الحقيقة العلمية من تضييق الهوة التي تفصل المسيحية الحق والإسلام.

يعني هذا الكلام ومثيله انه لا بد من مواقف جديدة لا يبتعد المؤمن فيها عن جوهر ايمانه. ولكنه يتخذ مسافة من المواقف التفسيرية القديمة. الى هذا يجيء الانسان المعاصر من وسائل الاعلام وبعضها – خارج لبنان – فظ وغير صحيح وغير دقيق بحق المسيحية، خصوصًا ان معظم هذه البلدان ليس فيها مسيحي واحد. المهم ان يعتبر كل منا الآخر أخاه ليس فقط بسبب من تعليم ولكن بسبب من القلب. هذا يعني انه لا بد من معرفته ومن الغيرة عليه وهذا يفوق كل حساب ارضي وكل ترتيب سياسي. هذه هي الأمة الجديدة. هذا يتطلب ان ننشئ مجتمعًا روحيًا واحدًا لا يكبله نص ولا يأسره تاريخ مهما ظلم. المهم ان تصنعنا الرؤية. هي التي ترسم مستقبل علاقاتنا والبلد. بلا هذه الخلفية المشتركة نبقى قائلين بالعيش المشترك. القضية ليست قضية عيش على هذه الأرض بما فيها من توازنات. نحن لا نريد توازنًا بل نريد التحامًا. والقلب الذي نجعله إلهيا أعظم من البلد. اذذاك نتوطن السماء ولكنها سماء على الأرض. والسماوات ليس فيها انفعال ولا غضب ولا ردات فعل وليس فيها ديموغرافيا ولا مناصب اذ ليس فيها خوف. هل يخاف الأخ أخاه؟ السالك في الله يحسب كل السالكين فيه أخوة له. ففي الملكوت لن يبقى من نصوص وتزول الألقاب وليس فيها لأحد درجة على الآخر الا بمقدار ما كان له في هذه الدنيا من تقوى. وأمة الله في الآخرة أمة الذين اصطفاهم ربهم برحمته واستدرجهم على معارج الحب.

أجل لا بد من دولة في الوطن تكون كثيرة الشفافية وكاملة الإخلاص لشعبها. وعلى هذا سنعمل معًا في ما وهبنا الله من صدق. وفي الدولة تحسين للناس ولكن فوق الدولة القلوب، تلك التي لا تتكون الا بالذوق الإلهي فيأتي الناس أعظم من الحكم. الدعوة الى اللبنانيين ألا يظلوا أسرى القانون وان يصبحوا قائمين في الله. هكذا يكون لدينا لبنان جديد.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

القيامة / الأحد أول أيار 2005 / العدد 18

عندنا في سَحرية الآحاد احد عشر مقطعا في الأناجيل الأربعة تتكلم عن قيامة الرب. هل تراءى المخلص احدى عشرة مرة لتلاميذه؟ لسنا نعرف بدقة الجواب عن هذا السؤال. ولكن نستطيع القول ان الإنجيل الاول المقتبس من متى وفيه إطلاق السيد تلاميذه الى العالم ليعمّدوا لا يوازيه مقطع آخر. في الإنجيل الثالث (لصلاة السَحر) رأيناه يظهر لمريم المجدلية ونراه في يوحنا يظهر للمجدلية نفسها ويدور بينهما حديث. ضمن هذا الإنجيل الثالث نقرأ انه تراءى للاحد عشر وهم متكئون. هل هذا هو نفسه الظهور الذي تم في علية صهيون في الأحد الاول الذي يذكره يوحنا؟

          الظهور لتلميذي عمواس يتفرد به لوقا. ثلاث مرات يظهر حسب رواية يوحنا، ظهورات ربما تقاطعت واختلفت الروايات. ليس هذا هو الأمر المهم. المهم ان الأناجيل الأربعة متوافقة على ان الرب لم يبق في القبر. هذا هو الأمر اليقين. كذلك بولس يتكلم على ظهورات. هذا هو إيمان الكنيسة الاولى.

          الإنجيل تكلم عن دفن بعد موت. ولكنه لم يقل ان جسد المعلم انتعش في القبر واخترق الجدار او خرج من باب القبر بعد ان تدحرج الحجر. لم يهتم للكيف. رآه التلاميذ قد مات وعرفوا ان يوسف الرامي قد دفنه وذاع الخبر في اوساط الرسل وعند حاملات الطيب انه مدفون وذهبت النسوة لتطييب جسده. وبعد هذا نراه يتراءى ويأكل ويشرب مع التلاميذ. وشهد هؤلاء انهم رأوه عدة مرات. كذلك رأوه جميعهم انه اختفى عنهم بصعوده الى السماء. عندنا للحادث اذًا شهود كثيرون.

          و “اراهم يديه وجنبه” حسب رواية يوحنا. لم يكونوا اذًا امام شبح اذ تأكدوا بعلامة المسامير والجنب المطعون ان هذا هو الذي عُلّق على خشبة. ماذا اعطتهم القيامة؟ اعطتهم اليقين ان الذي شكّوا فيه لما هربوا هو حي وانه غلب الموت. وتوطد ايمانهم به لما حل الروح القدس عليهم. القيامة اذًا حدث حقيقي شهدوا هم له فانطلقوا بقوة عجيبة يعظون اليهود انه مات ثم قام. هذا اذًا هو الرب الذي لا يعتريه فساد. وتذكروا، اذ ذاك، قول المزامير: “لا تَدَعْ قدوسَكَ يرى فسادا”.

          ثم اعطتهم القيامة ان كل ما قال عن نفسه وعن كونه ابن الله كان حقيقيا. ولا ريب انهم عندما رأوه قد مات شكّوا بأمره وبأمر تعليمه. لم يبق الآن مجال للشك. ان هذا الذي لم ينتن جسده ما كان كبقية الناس ولا سيما ان الانسانية لم تعرف رجلا قام هكذا بقوة نفسه. له اذًا في نفسه سلطان على الموت. اليعازر ما قام بقوة نفسه ولكنه أقيم بنداء المسيح له: “يا لعازر هلم خارجا”. من هو هذا اذًا الذي حافظ على علامات موته في جسده؟ هنا فكروا انه يختلف جذريا عن بقية الناس. انبعاثه يؤكد اذًا صحة تعليمه وصحة عجائبه. فصاروا يستقرئون بقوة قيامته ان ما قاله عن علاقته بالآب كان قولا صحيحا.

          الأجيال اللاحقة التي تألمت واستشهدت فشهدت صارت قادرة ان تقبل الموت بشجاعة. وكانت تُقبل الى الموت بلا خوف فقط بتصديقها القيامة. والشهادة اديناها جيلا بعد جيل في العالم كله. وسيرة الشهداء حافلة بالقدرة العظيمة عند الشهداء لا تعادلها قدرة لأحد. العذابات موصوفة في كتبنا ودُوّنت ولم تر الانسانية قدرة مثل هذه. الاستشهاد الخارق في بطولاتها دل على ان الذين ماتوا حبا بيسوع استمدوا قوتهم من قدرته هو على غلبة الموت.

          والقداس الإلهي لا يقوينا الا لأنه ينقل الينا القوة التي كانت في قيامة المخلّص. ولذلك نصير بالقرابين التي نتناول ناسا قياميين وفق ما قاله السيد لمرتا اخت لعازر: “انا القيامة والحياة”. اي ان المسيحيين يذوقون منذ الآن بطهارة قلوبهم بداية القيامة العامة.

          فالفصح الذي هو ذكرى قيامة المخلّص هو ايضا وعد بأننا نحن نخلص بها من خطايانا. فالقيامة بدأت به واستمرت بقداستنا ولذلك صار الفصح فينا فصحا مقيما الى ان نرث الفصح الأخير في الملكوت. ويكون عندئذ الكون كله قد تجلى وصار كونا من نور.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

في انتظار القيامة / السبت في 30 نيسان 2005

«قم يا الله واحكم في الأرض». هكذا ندعو الله إلى القيام في كنيستي اليوم. قم حرا من الأصنام التي موضعوك فيها. أصنام هي منحوتات شهواتهم وعلى رأسها شهوة البطش بالشعوب. انهم لقد ألّهوا القهر وجعلوه فيك لتدعم القهر الذي يمارسون. قالوا انك «رب القوات» وما أحباؤك الا الضعاف.

كيف تكون حاكما في الأرض؟ الآيات التالية تقول: «إلى متى تقضون بالظلم، احكموا لليتيم والفقير. أنقذوا البائس والفقير وأنصفوا المسكين والبائس». اللهم انت لا تحكم بأقوال تقال وان كان لا بد من الكلام. انت تبدو إذا الكبار أنصفوا اليتيم والعاري الذي عروا والمحروم إذا سحقوه. تبيت عند المستضعفين فتقوم بهم. هذه ايقونتك الأخيرة. ولا نعيد الا مع هؤلاء إذا شبعوا عدلا وقعدوا على آرائك الكرامة.

جعلوك قائد جيوش وهذه تغزو وتسلب فإن غايتها إشاعة الرق. استعملوك سببا للنصر وما أنت بناصر أحد. حبك وحده هو الناصر. لذلك كانت العلاقة بك في القلوب وفيها أنت خفي وفي سكناك فيها تسوس العالم. ولا تسوسها من سماء غير قائمة فوق رؤوسنا فسماؤك فينا بعد ان أخذناك في النفس أو أخذت أنت النفس لتجعلها عرشا لك وعلى هذا تستوي «لم يصعد أحد إلى السماء الا الذي نزل من السماء». والحقيقة اننا بالحب الذي غرسته فينا استرضيناك فرضيت. لا إله يقر خارج الإنسان. لا تضع أبرارك في مقامات فوق. تتربع فيهم هنا. تتنزل الينا وتنبسط في مدانا وتصبح كل المدى. اذ ذاك تفرح بنا وهذا عيدك فينا وعيدنا نحن ان نراك وان نراك في المساكين واذ تنطوي أنت فيهم وننطوي نحن فيك يصيرون وحدهم هم الملوك.

عيدك اليوم هو هذه الثلاثية التي افتتحناها أمس وتنصرم غدا. ينبغي توضيحها كي لا نخطئ عمقها. قلت عيدك أيها الآب لان سر الفصح الذي نحاول اكتناهه هو سر محبتك التي كنت اياها وكانت اياك منذ الأزل لما رأيت الى ابنك حملا ذبيحا قبل انشاء العالم وبعثت بروحك إلى الأنبياء ليقولوا ذلك ورأيته فصحا أي عبورا للإنسانية اليك لما عرفت بمسيحك محبوبيتها وانها مجروحة بجرح العشق لعيسى وانها لن تشفى من هذا العشق إلى الأبد لأنك بدوت لها أبا وان هذه هي طبيعتك. وإذا كان الذي في حضنك هو خبّر فهي أيضا تخبّر انها تذوق دفء هذا الحضن فتهمس أنت في أذنيها ان المتبنى بالانعطاف الإلهي له جمال الابن المولود قبل كل الدهور.

سر الفصح تمتماته في هذا انه «لما حل ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني». واذ شاركنا اللحم والدم ولبس الناسوت نحس ان الله لا يطيق ان ينظر اليه على انه بعيد ولنشعر تاليا بقرباه. هو كان دائما قريبا ولكنه وحده كان يعلم ذلك فأراد ان يكشف لنا علمه وان «يضرب خيمته في حينا» أي ان يقول لنا انه من حينا فيما نحن عليه من لحم ودم.

وما كان يكفي ان يكون رفيقا بنا وهذا عرف قديما اذ اراد لنا معرفة له كاملة فأحب ان يكون رفيقا لنا يوآكلنا ويشاربنا ويذوق في جسده كل أحوالنا ما خلا الخطيئة. وهو يعرف ان لا شيء يخيفنا مثل الموت فما كانت مرافقته ايانا كاملة لو لم يذق الموت وهو غير محكوم عليه به لكون السيد هو البار المطلق فتطوع له حبا ليزيل عنا مخافة الموت وفساده ويقوينا باستمرار نعمته فينهضنا من بعد كبوة ويضمنا إلى صدره فنعي اننا بتنا احبة إلى الأبد.

لذلك لا حسرة على أوجاع المسيح ولا بكاء ولا تعظيم للألم ولكن التعظيم لطوعيته. وإذا سجدنا لآلامه كما نقول في كنيستي فمعنى ذلكم قبولنا لمقاصد الآب وللصليب مطرحا لحريتنا. ليس لأوجاع المسيح أية مكانة الا من حيث هي تعبير عن محبته. ولا معنى لما يقوم به بعض من حمل صلبان ثقيلة أو الاطراح عليها لتعذيب أجسادهم. فالله ليس قاهرا لأبدان طهرتها المعمودية ولا تغفر الخطايا بإيلام كياننا الجسدي الطيب ولكن الخطايا تغفر بالإقلاع عنها وصلبها هي. فالخطيئة عضو دخيل تجب إماتته بالتوبة أي باكتساب الإنسان الجديد الذي يكون على مثال يسوع.

المسيحية ديانة الفرح وليس فيها حزن البتة وما فيها مأساة والمأساة ان تنغلق الأبواب عليك وان تختنق بانغلاقها. فقد شرع المسيح كل النوافذ على «سماء جديدة وأرض جديدة» وباتت الأرض سماء وبات القلب عرش الله الوحيد. ولهذا كان القديس سيرافيم ساروف يحيي كل من التقاه بقوله: «يا فرحي، المسيح قام».

اما انه قام فيعني اولا ان يسوع لما مات على الخشبة لم يدع الموت يتسلط عليه. ففي اللحيظة التي أسلم فيها روحه للآب قام من وطأة الموت وغلبه. ولما قال لتلاميذه بعد العشاء السري: «ثقوا اني قد غلبت العالم» اراد انه انتصر على عالم الخطيئة وعلى قهر الموت فبقي حرا منه على الخشبة وتم النصر هناك. ولما قال إنجيل يوحنا: «انه أمال رأسه وأسلم الروح» قصد انه أطلق الروح القدس الذي كان مستقرا فيه الى العالم كله فبدأ، اذ ذاك، خلاص العالم.

سر الفصح سر الصليب من حيث انه مطرح القيامة من الخطيئة. في المعنى الكينوني قيامتنا هي بالصليب. ذلك ان المسيح كانت فيه الحياة كما قال يوحنا في مطلع إنجيله لأن المسيح كان يحمل حياة الله كلها في جسده. فلما انحدر إلى مملكة الموت تلقى الموت الحياة فانفجر. ظن الموت انه يبتلع يسوع الناصري فابتلعه هو وأمات في ذاته الموت لكي لا يبقى له أثر في الذين يحبون يسوع. وفي هذا قال يوحنا الذهبي الفم في عظة له فصحية: «قد أخمد (المسيح) الموت حين قبض الموت عليه. والذي نزل إلى الجحيم (أي نطاق الموت) سبى الجحيم. واذاقها المر حين ذاقت جسده… تناولت جسدا فألفت إلها. تناولت أرضا فألفت سماء… فأين شوكتك يا موت؟ أين انتصارك يا جحيم… قام المسيح فانبثت الحياة. قام المسيح فليس في القبور من ميت».

كل هذا طبعا على الرجاء ولكن الرجاء نابع من واقعة الصلب. وقبل ان حل موت المخلص سماه في غير موضع مجدا. وقد صلب اليهود رب المجد كما يقول الكتاب. في القديم كان الله إله خوف وارتعاد وغضب. اما الآن فقد صار الحلاوة كلها. كان الإله ينتقم من أعدائه ويميتهم. اما وبعد ان اخذ المسيح كل إنسان والإنسان كله على مسؤوليته فقبل ان يسفك دمه ليحمل عنا الخطايا فلا نموت فيها. وفي هذا المعنى قال باسيليوس عنه انه «يحاكم الخطيئة بجسده» أي بجسده الممحى حتى لا يبقى للخطيئة التي اتخذها على الناس وجود.

ولما قام في اليوم الثالث «طرّق لكل جسد القيامة من بين الأموات». والبشرية التي تؤمن به تتحرر. وأجساد البشر في اليوم الأخير كلها تنعتق من فسادها بفعل قيامته. انه لقد قام ليس ليأتي بخلاص تم نهائيا على الصليب ولكن ليكشف ان البلى لا يعتريه وانه باق إلى الأبد بجسده المنور والمنير في أحضان الآب. القيامة ليست الخلاص. هي انكشافه. وظهر لتلاميذه عدة مرات في أورشليم وفي الجليل ليقول لهم انهم قادرون على الشهادة له حتى أقاصي الأرض وانهم سيلدون بالتعليم وسر القرابين شهداء له في كل العالم على مد الأجيال. وقد اراد لما كان يتراءى لهم ان يوحي إليهم ان الخوف قد زال وان من أحياه يسوع لا يقدر عليه أحد فإنه معنا حتى منتهى الدهر.

هذه المعية الدائمة التي تربطنا به تجعلنا لا نخشى الدهر الحاضر ولا الدهور الآتية. فقد قاومنا الوثنية الرومانية وكل الوثنيات التي تثب علينا في كل جيل بإيمان مذهل. وكلما أماتونا كنا نزداد لأن وقفة الشهادة هي التي كانت تجذب الينا كل من راى فينا بهاء ليس مثله بهاء.

المسيحيون يعيدون لا لأنفسهم ولكن لقوة المسيح. يخطئون مثل كل الناس ولكنهم سرعان ما يتذكرون ان القيامة وضعت فيهم منذ الآن يتحررون من سلطان دنياهم ولا سلطان لها عليهم. عاشوا في الملكوت الإلهي على هذه الأرض مميتين كل شهوة مؤذية ومخطوفين إلى وجه المخلص الدامي والحي أبدا.

القيامة مسيرة. ولكنها كذلك لأنها تحققت في يسوع الناصري. وبعد ذلك صارت إرثا إلى الأبد لكل من استطاع ان يستضيء بنورها. ان الذي ذاق تعزيات القيامة وبهجتها لا يستطيع ان يرتاح إلى شيء آخر على رجاء ان يطرح عن نفسه ترابيتها حتى ينتصب قامة من ضياء. وإذا تبادل المسيحيون التحية بعبارة المسيح قام فإنهم يؤكدون ايمانا ثم رجاء على انهم هم أيضا مدعوون إلى الا يرزحوا تحت أي إغراء في هذا العالم أحياء في اعماق نفوسهم ونقاوة قلوبهم من أجل خلاص الكون.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

دخول يسوع اورشليم/ الأحد 24 نيسان 2005/ العدد 17

أمس كان عندنا سبت لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات صورة مسبقة عن قيامته هو في اليوم الثالث. لعل اهم ما جاء في إنجيل امس هو قول مرتا اخت لعازر للسيد: “لو كنت ههنا لم يمت اخي… فقال لها يسوع سيقوم اخوك”. ظنت انه كان يتكلم على القيامة في اليوم الأخير “قال لها يسوع انا القيامة والحياة”. وكأنه يقول القيامة الأخيرة سوف تحل ما في ذلك ريب. ولكن المهم ان تعيشوا انتم وكأنكم تحققون هذه القيامة كل يوم. وهذه حدث في داخل نفوسكم. انا قيامتكم وحياتكم ان انتم آمنتم بي. فالمهم التصاقكم بي. هنا تبدو المسيحية على انها عشق المؤمنين ليسوع. المسيحية ليست كتابا. هي أنا.

          في اليوم الثاني دخل يسوع الى اورشليم “راكبا على أتان وجحش ابن أتان”. هي دابة الفقراء. يدشن المسيح موته بشكل فاتح متواضع اي انه يدخل قلوب الناس وطراوتهم. يستقبله الأطفال بالدرجة الاولى. يركب بهيمة “ليحل بهيمية الأمم”.

          عشية ذلك اليوم والاثنين والثلاثاء نرتل “ها الخَتَن (وهي كلمة سريانية تعني العريس) في نصف الليل”. يدخل كل نفس في كثافة الظلام لأنه نورها. وكل نفس مؤمنة به تصير عروسا له. صرنا في مرتبة الحب. وتأكيدا لذلك نرتل ايضا: “انني اشاهد خِدْرَكَ مزينا يا مخلّصي”. والخدر هو الغرفة الزوجية اي ان الكنيسة تدعونا الى العرس، اسبوع آلام وليس اسبوع حزن. ذلك ان اوجاع المخلّص تعطينا فرح الخلاص. ومن جديد نستوحي إنجيل مرقس ونقول: “قلتَ لهم (اي لتلاميذك) ألا يماثلوا الأمم بالسيادة على من هم دونهم، فالاول فيكم ليكن خادما للكل والرئيس كالمرؤوس والمتقدم كالأخير”. ايضا هنا التواضع حتى آخر طريقه اي الموت.

          لا نعرف على وجه الضبط كيف قضى المعلم هذه الأيام الاولى في اورشليم، ولكنا نعرف الأقوال التي علّمها في الهيكل واهمها ما يتعلق بالدينونة. انتبهوا وعوا فصليبي يدين العالم، فلا تقعوا تحت الدينونة بمشاركتكم الذين سيقتلوني. أبيدوا شهواتكم المؤذية لئلا أحاكمكم في اليوم الأخير. احبوا موتي الإنقاذي لئلا تموتوا بمعاصيكم.

          بعد هذا، مساء الخميس العظيم، سيقيم العشاء السري مع تلاميذه. “شهوةً اشتهيتُ ان آكل هذا الفصح معكم… ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم فأني اقول لكم اني لا اشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. واخذ خبزا وشكر واعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم… وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي…”. ثم خرج ومضى على عادته الى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه.

          هذا هو القداس الإلهي عندنا. “هذا هو جسدي” اي هذا هو انا، بمعنى انكم اذا تناولتم القربان في كل ذبيحة تأكلونني اي تجعلون ذاتي في ذواتكم. والدم الذي تشربونه -وصورته الخمر- انما هو الحياة (في فلسفة ذلك العصر الدم هو الحياة). فكلما اجتمعتم تتناولون ذاتي وحياتي. القصة ليست اكل لحم وامتصاص دم بالمعنى البيولوجي. الكل فيكم هو أنا لأني انا القيامة والحياة كما قلت لمرتا قبل ايام معدودات. “من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه”. فبالدم يتحد العريس والعروس. وما انا معطيكموه الآن صورة انما سيتم غدا على الصليب اذا طعن اليهود جسدي وأهرقوا دمي. اذ ذاك تنطلق حياتي من هذا الصليب عليكم وعلى العالم. “ثقوا اني غلبت العالم”. سيقول هذا بعد العشاء الأخير فيما كانوا نازلين الى وادي قدرون ليبلغوا جبل الزيتون حيث يسلم الخائن المعلم الى ايدي الخطأة.

          “انتم فيّ وانا فيكم”. عند ذاك آخذكم اليّ. انتم تحسبون اني صرت اليكم، وهذا ما اكدته قبل ذلك في الحديث عن خبز الحياة كما رواه يوحنا في إنجيله الرابع. ولكن ما لا تعرفونه انكم لحظة تأكلون جسدي وتشربون دمي، انا ايضا آكلكم واشربكم وأتناولكم لكي تكونوا معي على عرشي. فاذا نظرتم اليّ مصلوبا تستوون على العرش وتقومون من موتكم الروحي حتى نهاية هذا الوجود الأرضي، ثم تستوون على عرشي في السموات عن يمين الآب اي تكونون على كرامة الآب. انتم في الحب تتألهون وتصيرون ملوكا بملوكية الآب، وهذا هو فصحكم الأبدي.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

القضاء دائرة / السبت في 23 نيسان 2005

هذا رأيي ولست أعبر عن رأي سواي لأن كنيستي لا تتعاطى الشأن السياسي الا عند مظلومية الإنسانية، وسأحاول ان اقترب من العدالة وليس من نظام إلاّ فسدت فيه رؤية أو فسد فيه مراس. غير ان الديموقراطية لانعدام وحي إلهي يحكم الأرض تقول بسيادة الشعب. ولكن ما سيادة الشعب الا اقتراب من إحساس الفرد انه غير مهمش بتراكم المنافع وتلاقيها وتلاعبها في ديموقراطية اسمية تدعي حقوق الأفراد ولكنها تجيرهم إلى كتل متحكمة، إلى أوليغارخية مستترة تحت ثوب طغيان.

والأمثل في التمثيل اذ لا بد منه ان يحس المرء ان له مندوبا ينطق باسمه أي له به صلة وجدان ووحدة تطلعات ومشاركة ألم. وبهذه المشاركة يصير النائب في حصافة فكره وحماسته للوطن نائب الأمة كلها. هناك آلية انتداب في الأنظمة القائمة على حزبين وأكثر أو إذا كان المواطن منحزبًا، إذا كان الحزب ذا عقيدة أو برنامج معلن فلا يضطر الناخب، اذذاك، إلى ان يعرف مندوبه بعد ان يكون تبنى العقيدة أو البرنامج. ان تجريدية العقيدة والبرنامج خير من الصلة الشخصية. لكن هذا غير حاصل عندنا الآن أو قليله حاصل. فنعوض النقصان بالثقة فنعرف ان نائبنا منا واننا منه. لذلك كان الأمثل ان نصوت لشخص واحد يكون فكره السياسي أقرب إلى فكرنا وأخلاقه على صورة ما نراها في الإنسان السوي.

أما إذا كثر المندوبون ويكثرون في المحافظة نفترض ان مرافقي مندوبنا في المعركة يشبهونه فكرًا ومناقب وهذا يستحيل ان يقوم الدليل عليه. هذا نظام لائحة هي تدعي التجانس ولا شيء يثبته وتقوم على ان هذا يأتي بعدد من الأصوات وذاك بعدد وما تشاور الناخبون وليس من آلية شورى بينهم. انها لعملية استرضاء الموفد للموفد وعملية وعود بين الموفدين إذا ما وصلوا لا يعرف أحد أسبابها ولا يؤكد أحد تحقيقها فمّر القوم الجالسون على الأرائك وانقطع الجسر بينهم وبين ناخبيهم وما من مسائل اذ انت تسائل من تريده أن يجلس تحت قبة البرلمان وما أردت فعلاً زملاءه ان يجالسوه.

لما قال الطائف بتقسيمات جديدة تكثر فيها المحافظات اعتبر ان تضييق الدائرة يقرب المواطن ممن يرسل إلى المجلس، ورأى إلى شيء من التعارف بين الفئتين ولو نسبيًا. اما الآن فلا يتيح ضيق الوقت القيام بهذا والتقسيم يقام به في حال الهدوء لا عند اقتراب الاستحقاق. اما وان الأمر عاجل فلا يسوغ لنا ان نختبئ وراء نص الطائف لأن النص جعل المحافظة وتقسيم المحافظات القائمة آنذاك امرين متلازمين. عند هذا لا يحق للقائلين اليوم بالمحافظة ان يدعوا انهم يستندون إلى النص. ليس هذا هو النص.

أعرف النسبية نظريا. ولكنها لم تمارس. ويفصلنا اسبوعان أو أكثر بقليل عن إصدار قانون لها وتفسير تطبيقه ومعرفة الآلية لتنظيم الحصص الطائفية. لكن كل فلسفة النسبية قائمة على توازن الأحزاب وضرورة التلاقي للتيارات السياسية المختلفة والإفادة من التنوع الفكري. وفي أحسن حال عندنا توازن أشخاص وأهواء وانخفضت احزان الأقلية.

وليس الوقت للمعمعة ولا للتأجيل بسبب الدرس والتدريس اذ ينبغي افتداء الوقت لأن الوقت رديء. وسرعة القيام بهذا الواجب الوطني هي الإنجاز لأننا اليوم في حال تربية لأنفسنا وتقوية لعزائمنا قد تجعلنا في مجال السياسة شيئًا من خلق جديد أو هداية مذهلة.

وعندنا مشروع القضاء تقدمت به الحكومة السابقة ونص عليه قانون قديم. وتبدو مساحاته الجغرافية أدنى إلى المحافظات التي وعد الطائف باستحداثها أي يكون أقرب إلى الطائف نصًا وروحًا. وليس هذا حديثا عندي. فقد ناديت به منذ سنوات المرة تلو المرة في هذه الزاوية.

وبين السنة 1960 والسنة 1972 اعتمد القضاء وأنتج استقرارًا سياسيًا. ثم بعد 1972 تمت أربعة انتخابات على أساس القانون ذاته. وهذا كشف تماسكًا في المجلس نتج منه اتفاق الطائف.

في القضاء، أو المحافظة ممكن تبني مشروع النسبية الذي لا يعرفه بخاصة الا علماء الحقوق الدستورية وفيه حسنات في البلدان الخارجة من ازمات أهلية ولكن ليس لنا فيه مراس. وهو يفرض على العموم ان تصوت للائحة كاملة فلا يحق لك فيها التشطيب واللائحة الثانية المعتبرة خاسرة في نظام الاكثرية ينجح فيها اثنان أو ثلاثة أو أكثر بحسب عدد ناخبيها. ولكن من تختار من اللائحة الثانية أو الثالثة وكيف تعامل المرشح المنفرد؟ يسهل الأمر عندما تكون اللائحة حزبية فلا يكون فيها تفضيل اذ يأتي رئيس الحزب أو من يعينه الحزب. وعندنا نحن تعقيد آخر هو المحاصصة الطائفية. انه ميكانيزم صعب ضبطه الآن وصعب تعليمه لموظفي وزارة الداخلية. أما ما قيل عن ان العراق اعتمد أخيرًا هذا النظام فالعراق كان موزعًا على أحزاب أو حركات دينية وليس فيه نظام طائفي ولو ظهرت ميول طائفية.

أما قول بعض ان القضاء يعني نظامًا طوائفيًا فقول يفترض ان كل قضاء هو من لون طائفي أو مذهبي واحد. فالقاء نظرة سريعة على كتاب كمال فغالي عن انتخابات السنة الـ2000 يبين مثلاً ان في دائرة جبل لبنان الأولى عندنا 88,9 في المئة من المسيحيين و10,3 في المئة من المسلمين. المسيحيون من كل المذاهب والمسلمون شيعة وسنة. وفي دائرة جبل لبنان الثانية عندنا 94,1 في المئة من المسيحيين والبقية مسلمة. والدائرة الثالثة مناصفة تقريبًا وعندنا فيها دروز وسنة. وفي الدائرة الرابعة حول 60 في المئة مسلمون وحول 40 في المئة مسيحيون.

في دائرة الشمال الأولى 56,2 مسلمون والباقي مسيحيون. في دائرة الشمال الثانية مناصفة. في دائرة الجنوب الأولى 85,8 في المئة مسلمون و14 في المئة مسيحيون. في دائرة الجنوب الثانية 74,9 في المئة مسلمون والباقي مسيحيون. لا نجد دائرة واحدة – وقد قرأت كل الاحصاءات – هي من لون واحد وان كثرت جدًا هذه الشريحة أو تلك في أقضية قليلة جدًا.

غير ان القضية الحقيقية أمامنا الآن هي اننا في حاجة ماسة إلى ان نمارس الانتخابات في مواعيدها وليس عندنا وقت أو هدوء فكر لنفتش عن أحسن نظام ممكن في دساتير العالم. هذا يستغرق دراسات من شأنها ان تؤخر الانتخابات مع ما في ذلك من محاذير. العمل الانقاذي في الوضع الحاضر هو استعجال العملية الانتخابية بما لديك من نصوص أثبتت صحتها وقوتها.

ردي الأساسي على من يخشى التشددّ الطائفي من اعتماد القضاء هو ان هذا التشدّد يخف بالضبط إذا أحس الناس بالعدل وان طائفتهم غير ذائبة في قوة الزعماء لطائفة أخرى. ايهما أقرب إلى اللاطائفية ان ترى نفسك مذيلاً إلى طوائف أخرى أو ان تحس نفسك محضون طائفتك؟ هذا إذا اعتبرنا ان ثمة اكتساحًا طائفيًا في هذا القضاء أو ذلك. أين التشدد الطائفي في قضاء كسروان الكثير العلم والرقي إذا أتى بنواب موارنة فقط؟ هل إذا اختلط أهل هذه المنطقة بدروز الشوف وأرثوذكس قضاء عاليه والمتن انتخابيًا يضعف تمسكهم بمارونيتهم أو تقوى وطنيتهم؟

إلى هذا فالبلد طوائفي في كل تركيبته حتى يأتي المجلس الجديد وتتشكل الهيئة المكلفة رسم الطريق إلى اللاطائفية السياسية. فيتحرر اللبنانيون خلال عشرات من السنين من الانتساب الطائفي بمعناه السياسي. أنت لا تنشئ المواطنية في الممارسة بمعنى القفز فوق كائنات تاريخية دينية بسرعة.

نحن قوم لم نبلغ هذه التجريدية الغربية التي تجعلنا نتعامل عبر هيكليات عقلية فيها بعض من جفاف. وربما كانت الدولة لا تسير بلا هذه الهيكليات. نحن حضارة مودات وعلاقات وجدانية وعاطفية. ولم ينشئنا ديكارت ولا الشرع الروماني. ويعيش النواب الحاليون هذه العلاقات الشعورية (حضور مآتم واعراس، الخ…). وليس عندي في هذا تخلف عن بلدان العالم الأول. الحياة تعارف وتبادل والناس عندنا يحبون ان يحمل النائب قضاياهم إلى الدولة وليس هذا كله خدمات بل أمور تتعلق بالمجتمعات اليومية.

أنت ترفع إلى مرتبة عليا من تعرفه وفي الدوائر الكبرى تصوت لحليف من تعرفه وحتى الآن لم نسمع ببرنامج انتخابي صريح ومفصل في كل مرافق حياتنا الاقتصادية أو الثقافية. ما العيب في ان “تشخصن” العلاقة إذا كان نائبك موثوقا به ومقدامًا ووطنيًا؟

خارج هذه الرؤية ليس عندك في الدائرة الكبرى الاّ ناس يستقوي بعضهم ببعض آخر ويتبادلون المنافع لدعم رجوعهم إلى السلطة بحيث تصبح الانتخابات وعدًا بدورات انتخابية أخرى لقيام كتل تصبح أحيانًا رمزًا، في حين ان النائب الظاهر من القضاء ليس له الاّ قوة ناخبيه وتعلقهم بما أنجز ويعود ما أنجز. يجب ان ننتهي من آلة قائمة لتجدد لنفسها وتصير غاية لنفسها وتلتف حول الأغنى بين المرشحين. هذا نظام ينتج طفيليين.

ان المجيء بنواب جدد فهماء وصالحين قد يكون خطوة كبيرة على طريق انشاء الدولة الحديثة وظهور مجتمع راقٍ.

Continue reading
2005, مقالات, نشرة رعيتي

مريم المصرية/ الأحد 17 نيسان 2005 / العدد 16

فيما نحن ندنو من الأسبوع العظيم ينتصب أمامنا وجه هذه المرأة الرائعة التي انتقلت من قاع خطاياها إلى ذروة مجدها. تعاطت الفحشاء منذ الثانية عشرة حبا بالفحشاء وليس طمعا بالمال فيما كانت تتقاضاه. مولودة مسيحية في الريف المصري ولكنها انتهت إلى الإسكندرية المدينة المترفة الواسعة حيث كان لها ان تنطلق إلى ملذاتها.

          يوما وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر وفهمت انه مسافر إلى القدس لإحياء عيد رفع الصليب فخطر لها ان تركب البحر ولا تملك أجرة السفينة. هل كان حجها إلى القدس من باب الفضول ام ان شيئا من مسيحيتها استفاق فيها؟ هنا قررت ان تُسلم نفسها لمن شاء من الركاب لتدفع ثمن الرحلة.

          بلغت اورشليم ولكن قوة خفية حالت دون دخولها كنيسة القيامة. تقول سيرتها التي كتبها القديس صفرونيوس بطريرك اورشليم انها رأت من بعد ايقونة  والدة الإله ووعدتها بأنها لن تدنس جسدها فيما بعد فسمعت صوتا من السماء يقول: “إذا عبرتِ الأردن تجدين راحة مجيدة”. سارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان على نهر الأردن ثم وجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الأخرى فلازمت المنطقة سبعا وأربعين سنة تقتات من عشب البرية وتصلي كل الوقت.

          بقيت عواصف الميول السابقة تضربها 17 سنة حتى أدركت الهدوء. في ذلك الوقت كان في برية الأردن راهب يدعى زوسيما، والأديرة كانت كثيرة هناك. وكان يظن انه الأكمل بين البشر. غير ان الله اراد ان يبين له من كان اعظم منه. وكانت عادة الرهبان ان يغادروا اديارهم في اليوم الاول من الصوم ليوغلوا في الصحراء كل منهم على انفراد، ويجتمعون أحد الشعانين. وفيما كان يمشي في البادية رأى طيفًا من بعيد وتبين له انه امرأة عارية. خاطبها طالبا ان تقف، فقالت لا استطيع ان استدير اليك فأنا امرأة عارية فإليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك. فنزع رداءه وألقاه اليها وطرح نفسه على الأرض والتمس بركتها كما التمست هي بركته.

          اعترفت بكل ما جرى في حياتها وقالت له ان يعود اليها السنة المقبلة حاملا القرابين المقدسة وعينت له مكان الموعد. فجاء عند الموعد وناولها. وهذا ما نراه في معظم ايقوناتها. وفي السنة اللاحقة جاء ايضا فوجدها ميتة ويداها مصلبتان على صدرها، ووضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في اول نيسان حيث عيدها الأساسي إلى جانب هذه الذكرى.

          باختصار كلي احببت ان امجد بهذه السطور هذه المرأة العظيمة التي جعلتها الكنيسة في الصوم المقدس نموذجا للتوبة يحتذى به ولتقول لنا ان ما من خطيئة لا تُغفر لان رحمة الله اوسع من كل خطيئة وتذيبها ان اعترفنا بذنوبنا صادقين. ان في الانسان صورة الله كامنة وتتحرك اذا منّ الرب علينا بحنانه. تتحرك عندئذ طاقات الخير فينا وتغمر كمياه الطوفان كل اوساخ المعاصي ولا يبقى فينا الا نور الغفران.

          فاذا ما اخذنا نتوب في هذه الأربعينية المقدسة، يزداد نورنا ونمشي مع كل المؤمنين إلى ضياء القيامة، فلا يبقى فينا الا فاعليتها وتصير حياتنا فصحا ابديا.

Continue reading
2005, جريدة النهار, مقالات

مريم المصرية / السبت في 16 نيسان 2005

غدًا لها ذكرى في كنيستي، خاطئة كبيرة تابت توبة كبيرة. ربما يجذبنا اليها توق إلى الرجوع اليه ولما نتب. هذا الحزن على نفسي في اشتياقي إلى وجه الآب جعلني ادنو من هذه المرأة التي بعد فجور كبير حلّ الروح فيها بصورة مذهلة وهو يحل حيث يشاء ويكسر كل جدار أقامه الإنسان في نفسه دون رؤية الله. حدثنا عنها صفرونيوس بطريرك أورشليم ولكني مسقط من السيرة بعضا من تفاصيل ليست أساسية.

ريفية مصرية شبقة منذ بلوغها أو بعيده تمدينت في الاسكندرية المترفة المسترخية المتساهلة، احدى عواصم الفكر الاغريقي، المشبعة بالعلم والمستطيبة الازياء، كما نتبين ذلك من متحف الاسكندرية اليوم وأعظم مكتبة في العالم القديم كانت لا تزال فيها قائمة. مزاج من الشهوة والعقل. ولعل مريم هذه تزودت، فيما كانت تتعاطى الدعارة، شيئا من هذه المعارف ومنها الغنوصية اي العرفان، وكانت الغنوصية تحتقر المادة وتاليا الجسد. فاذا انت احتقرته يجعلك هذا تقع تحت وطأته أو يجعلك تسوده. وهذا ما عرفته كل الحركات التي كانت تقول بالثنائية الجوهرية بين النفس والجسد أو باستقلالهما أو تصادمهما.

تلك كانت بيئة مريمنا على ما يبدو لي من معرفتي للإسكندرية في القرن السادس للميلاد. ربما اراد صفرونيوس ان يجعل هذه الفتاة موغلة في المعصية اذ قال انها ما تقاضت عن فحشها أجرا. فللبغاء احيانا عذر الفقر. غير ان هذه كانت بلا عذر كأن الذنوب كانت جنينية فيها وكأن هدايتها كانت من العسر يشبه المستحيل.
وكانت مرة عند المرفأ ولعلها كانت ربيبته. وجدت جمهورا يتراكض إلى البحر، وفهمت انه ذاهب إلى القدس لإحياء عيد الصليب فخطر لها ان تركب البحر وهي خالية من اجرة السفينة. كيف استفاقت فيها معموديتها ثم أنى لها ان تدفع ثمن السفر؟ قالت: «اني املك جسدا، وسيستعيضون به عن المال للرحلة». كيف هذا الخليط بين السقطات واشتهاء الحج؟ من يساكن من في قلب الفتاة؟ هل يتبل الدنس والرغبة في دخول كنيسة القيامة؟ قبل التوبة العارمة التي تستأصل منا كل قباحة الماضي نبدو اختلاطا مريعا حتى نكسر الطين المتحجر فينا ونرمي التراب إلى التراب ويبقى الجسد والنفس معا قامة واحدة من نور.

بلغت القدس والكنيسة فأبى الله عليها دخول هيكله. وجدت نفسها في الرواق وحيدة فيما الحجاج يدخلون وحاولت عبثا الولوج. وحدها مقصية من رؤية الصليب الذي رُفع عليه يسوع. في هذا الاقصاء الرهيب واقتلاعها عن السجود كشف الله قلبه لها وقال لها ان ثمة فرحا عظيما ما كنت تعرفينه ولكنك ستعرفين. ووقع نظرها من بعيد على ايقونة مريم المصطفاة وسألتها ان تمكنها من رؤية الصليب ووعدت بانها لن تدنّس نفسها في ما بعد وانها ستذهب إلى حيث الله يريد.

فسجدت وقبلت ايقونة العذراء وسمعت صوتا من السماء يقول: «إذا عبرت الأردن تجدين راحة مجيدة». فسارت في الصحراء حتى بلغت كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي على ضفاف الاردن. وبعد ادائها الصلاة أكلت قليلا ووجدت مركبا صغيرا نقلها إلى الضفة الاخرى ولازمتها سبعا واربعين سنة تقتات من عشب البرية وتوغل في الصلاة.

تهاجمها اهواؤها الماضية المنثنية في كيانها كله وتشتهي طيبات الطعام والشراب وترغب في الاغاني التي كانت تغنيها على شواطئ الاسكندرية. ولكنها ذكرت العهد الذي قطعته على نفسها أمام أيقونة مريم في كنيسة القيامة وبقيت على العهد واستنارت. وسكتت العاصفة فيها بعد سبعة عشر عاما من الجهاد الضاري حتى تنزلت السماء عليها واعطتها السكينة. ونحن أهل الروحانية المسيحية الشرقية نتحرك في السكون أي ننتقل من مجد إلى مجد، على ما يقول الرسول.

هنا يدخل صفرونيوس قصة اخرى اذ يذكر راهبا يدعى زوسيما كان يظن بسبب نسكه العظيم انه أدرك البر. وصحراء الاردن منذ القرن الرابع كانت تعج بالرهابين. غير ان الرب شاء ان يوضح لزوسيما انه لم يبلغ الكمال. وهذا الظن كثيرا ما يدهم الاصلحين وخطيئتهم، اذذاك، فتاكة اذ لا يقتلنا شيء كالكبرياء.
وكانت عادة الرهبان ان يغادروا ديورتهم في اليوم الأول من الصوم بعد اداء الصلاة ويوغلوا في البرية كل على حدة ولا يجتمعوا الا يوم أحد الشعانين. فخرج زوسيما كالبقية. وبعدما مضى عليه قرابة عشرين يوما اتجه نحو الشرق وصلى صلاة الظهر، فلمح على رابية قامة بشرية. واذ حدق في هذا المنظر رأى هيئة بشرية تنحو نحو الجنوب وكانت عارية (اذ لم يبق شيء من ثياب مريم بعد اربعة عقود من الزمن)، داكنة الجلد، شعرها ابيض كالصوف «فجد في أثرها فلاذت بالفرار فلحق بها». خاطبها طالبا ان تقف فأجابته “اني لا استطيع ان استدير اليك واكشف وجهي فأنا امرأة وعارية فاليّ بردائك لاستتر واتمكن من التحدث اليك”. فنزع رداءه وألقاه اليها. اذ ذاك طرح الراهب نفسه على الارض ملتمسا بركتها (أي نسي بره) والتمست بدورها بركته.

اعترفت بكل ما اقترفته وصلبت وجهها وتكلمت عن توبتها وقالت له: في السنة المقبلة إذا حلت ذكرى العشاء السري أي مساء الخميس العظيم ضع القرابين المقدسة في اناء لائق واتني بها وسألقاك عند ضفة النهر المأهولة.

في السنة التالية لما حل الصوم الكبير بقي زوسيما في الدير، اذ اصابته وعكة. ولما حل الخميس العظيم ولقيها في مكان الوعد فأراد ان يسجد لها منعته فناولها. وفي السنة اللاحقة حمل اليها الكأس المقدسة إلى المكان نفسه ورآها ممددة ميتة ويداها مصلبتان إلى صدرها فوضعها في حفرة ورقدت في سلام الرب في أول نيسان من تلك السنة.

لعل الكنيسة وضعت الذكرى قبيل التوبة الكبرى النازلة علينا في أسبوع الآلام لندخله على الرجاء ونميل النفس إلى الاقتناع بالطهارة والتروض لاقتنائها. وهذا يتطلب اعراضا عما يعميك عن رؤية الفرح الالهي الذي ينزل عليك إذا شئت (اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم). ليست قضيتنا مع الله ان نروض الارادة على فعل الخير. انها ان تفتح القلب ليحب الخير. هذا هو الذي يدعوك إلى مكافحة الاهواء أي شروش الخطايا.

ان تؤمن بأن الصدق لا الكذب ينجيك وان ثأر البغض يمزق وحدة كيانك وسلام الغفران يجعلك بلا نتوء ومعليًا الناس عليك وان اخلاصك لزوجتك يجعلك تعيش الفردوس في العائلة. كل هذا قد يجهله ناس كثيرون، والله ان عدت اليه دفعة واحدة هو وحده يؤتيك العلم بالنقاوة.

وإذا مارست رياضة التقرب من الله ترى في لقاءات الوجد به انك بت انسانا جديدا. وإذا بلغت في هذه المسيرة مبلغا كبيرا تحس ان هذا يكفيك ويغذي ليس فقط روحك ولكن جسدك ايضا. تستقيم فيك «صحة النفس والجسد»، كما نقول للأطفال إذا تغذوا بجسد الرب ودمه. وسوف تعلم إذا اعتنقت مراس البر انك قبله كنت حجرا فتيتا وما كنت مرمرا ساحرا.

لذلك كانت دعوتك قبل ولوجك الاسبوع العظيم ان تستأصل منك أصول السوء لئلا تتعطل الرؤية وتبقى سجين الظلام. وإذا قامت مومس رهيبة في الاسكندرية بهذا التحول العظيم، فأنت مثلها قادر بنعمة ربك على ان تستضيء وتصبح وجه الله عندنا.

Continue reading