يرافق الضوضاء كثيرًا استعمال مفردات لم يقرأ القائلون بها القاموس. فالكونفدرالية التي يهمس بعض خفرا انها اتحاد دولة كاملة السيادة تشكّل مرحلة غايتها حلّ الاتحاد او تحوّله الى دولة فيديرالية. هبوا مثلا أن الموارنة في كسروان وجبّة بشري وعكار وبيروت والجنوب دولة في هذه الكونفدرالية. كيف يستطيعون أن يجتمعوا دولة خارجة عن لبنان لو أرادوا؟ وهبوا أن سنّة جبيل ضمن دولة إسلامية ذات سيادة، كيف تنفصل عن باقي السنة وما الى ذلك؟ عبارة كونفدرالية طوائف عبارة لا معنى لها في الحقوق الدستورية ما لم نجمع كل طائفة من الثماني  عشرة في منطقة، وهذا لا يتم عقليا الا بحرب. نبقى اذًا في النظام الطوائفي كما هو او نتعلمن. ولكن كل هذا اللغو او اللغط يحتاج الى حرب، والناس متمسّكون ببيوتهم وقراهم. بلا قتال استطاع ستالين وحده أن ينقل سكانا في الاتحاد السوفياتي.

                      هنا تحضرني بعض من سورة الناس: «قلْ أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس». والشيطان هو المهرّج الكبير الذي ترى قناعه ولا ترى وجهه اي لا تعرف خلفيّة فكره التي يريد ان تتبناها.

                      ورقصة الشياطين على مسرح لبنان تجعلك تشكّ في أهل الدين الآخر. وأظن أننا على هذا المسرح المتعدّد الشخصيّات لا نزال نشك بوحدة المسلمين والمسيحيين، والشك يعني هنا أن تخشى أن يبتلعك الآخر. أهل العَلمانية أبرياء من الشكوك ولكن ما قدرتهم الآن؟ولا يطمئنني أن اللبنانيين اجتمعوا في الفريقين المتصارعين وتلازمهم خلفيّاتهم لأن كل طائفة تفكّر بسيادتها بدليل تمسّكها بالحقائب الهامّة وانا لست أشك في وسوسات الدول ولكن لو استلهمنا الحق وحده لا نبقى طائفيين في خياراتنا، او متبارعين في موضوع التعديل وآلياته بحيث نبقى رافضين لأي حل ولو رأينا فيه خير البلد. الأزمات الظاهرة التي لا نهاية لها يبطنها تأزمات نضمرها ويحس بها الآخر ولكنا جميعا باطنيون. الباطنية حضارة البلد.

                      لنأخذ مثلا قضيّة التوطين التي كانت تسع سنوات حديث الرئيس العماد لحود واتخذها الدستور. ولكن لم نفصل هذه المسألة عن تساؤلات كثيرة. هذه ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم، فالفلسطينيون يريدون العودة ونحن نريدها لهم. ولماذا يأتي خطر التوطين عنصر إحباط عند المسيحيين. فلم نواجه فكرة التوطين لنقول ان لبنان يمنح الفلسطينيين هوية لبنانية ولهم ان يحملوا جواز سفر فلسطيني حتى يعودوا الى حيث يشاؤون، واذا لعبنا لعبة الخبث من قال ان المسلمين او بعض المسلمين يريدون هذا التوطين؟ كنت أتمنّى أن أسمع من غير جهة أنه يجب رفع الظلم والفقر عن أهل المخيّمات وأن يلحّ المسيحيون على ذلك.

#             #

#

                      لعل جزءًا آخر من الإحباط موضوع العدد. قبل كل بحث كنت أتمنّى على المسيحيين أن يقولوا أنهم مغتبطون بأن عضوية مجلس النواب مناصفة هي تضحية من قبل المسلمين بعد ان قال جميع الناس إن المسلمين أكثر من نصف الأمّة وانا لا أعرف النسبة ولست أظنّ أن مسؤولًا يعرفها بدقّة.

                      هنا نأتي الى موضوع أسلمة الأرض. لست أظن أن أحدا يقول إن المسيحيين يرتدّون عن دينهم. نحن اذًا مع موضوع شراء أرض يبيعها صاحبها بكل خاطره لكونه محتاجا، والمسلم على ما عرفته في صباي يؤثر الملك العقاري على أيّ استثمار آخر. لماذا لا يجتمع أغنياء المسيحيين في جمعيّة او مصرف قليل الفائدة ليدعم فقراء المسيحيين؟ لماذا لا تحول الكنائس وعلى رأسها الكنيسة المارونية المعروفة بكثرة أملاكها لتحل هذه المشكلة. أنا أفهم أن يضطرب المسيحي الفقير إن لم يبقَ له موضع يضع قدميه عليه او يضطرب لانتقال الثروة من طائفة الى طائفة، ولكن هذا كله لا يؤسس لإحباط إن كان أثرياء المسيحيين او رؤساء كنائسهم حريصين على بقاء الثروة في طوائفهم.

                      هناك قضيّة المناصب. هبوا أن مركزا من الفئة الأولى معيّن لطائفة ما قد لا يكون فيها أكثر من اثنين او ثلاثة لائقين بالمنصب، وان طائفة أخرى او أكثر فيها من كان أعظم كفاءة. أنت تكون ضد سلامة المؤسسة إن أصررت على إسناد المركز لطائفة محددة. قلت هنا غير مرة ان الفئة الاولى لا ينبغي ان تكون مسيّسة  ولكونها تقنية بطبيعتها لا علاقة لها بالانتساب الديني. هبوا  مثلا ان اية طائفة فيها مهندس نفط واننا أنشأنا مديريّة للنفط لا نجد من يشغلها الا واحد في كل الشعب. كيف يتم التوزيع؟ ان الحكومة نفسها لا تجد فيها دائما  واحدا من طائفة معينة ذات اهمية كبرى. أنا أفهم أن مجلس النواب ينبثق عن الطوائف كلّها في هذا البلد ما دمنا على هذا النظام  لأن النيابة عمل سياسيّ أصلا يقوم على مشاعر وروابط ولكن يحتاج الى حقوقيين. اما الوزارات ولئن كان بعضها فقط سياسيا، فما من شك ان بعضا منها يغلب عليه الفكر السياسي وكأن الوزير شبيه بالمدير العام. هذا يجب تقريره بعد مجيء الرئيس حتى ننهض بالمؤسسات على أساس علميّ.

#         #

#

                      أنت تهيئ لزوال الطائفيّة السياسيّة منذ الآن تدريجيا بحيث يحس المواطنون أن عظام الفكر اذا باتوا مغلوبين تأتي المؤسسة عرجاء ويبقى الشك في الأذهان ويذهب الناس الى أن أهل السياسة خاضعون لثنائيّة القلب واللسان وان الحكم اللبناني مسرحية كبيرة ولو ذكيّة بذكاء الوسواس الخنّاس.

                      انه لمن العسير جدا أن تعيش في بلد يشك كل الناس بكل الناس. ويكلّمونك عن الموازين ويفسرونها لك على ان كل فريق يتنازل عن شيء وكأن الأمر معادلة بين فريق وفريق وكأنهما هما الكيانان المتقابلان في حين ان طلب كل منهما هو الله او ينبغي ان يكون كذلك. انا لا أستطيع أن أنصح المسلمين فلهم علماؤهم وساسة منهم ويقدر كل مواطن ان ينصح سياسيا لأنه مدني يقوم يمسؤوليّته من أجلك . ولكني في الحديث عن المسيحيين لست أذكر أن أحدًا كلّمهم على غير السياسة وعلى غياب حقوقهم او ضعفها ولم أذكر أن أحدا ذكر لهم اسم المسيح ليروه رجاء في حالة يحسبونها إحباطا.

                      لنذهب على ان المسيحيين بعد عشرين سنة أضحوا فقط ثلث البلد وبعض يقول انهم اليوم على هذه النسبة او اكثر بقليل، هل يكون المسيح قد غاب إن هم خفّت أراضيهم او ابنيتهم ولم يرضَ المسلمون بزوال الطائفيّة السياسيّة او أصروا على انتخاب اي رئيس جمهورية من الشعب. ماذا ينتقص عند ذاك من بهاء المحبين للمسيح؟ هل تنحدر فاعليّتهم الروحية والفكريّة وطهارتهم؟ لا يفهمنّ أهل السياسة هذا القول على ان ما يحتجون به باطل او ان المسألة السياسية غير واردة عندي. انا لا أنفي عن الإكليروس حقه في الدفاع عن المسيحيين، وما يسر الجميع ان كبارهم ولا سيّما في الكنيسة المارونية همهم كل لبنان، ولكني أتمنّى على كل الساسة المسيحيين المؤمنين الا يخافوا لأن المسيح قام. مئة ألف مسيحي يضيئون كالمصابيح في لبنان خير من كل رمل البحر.

                      الخوف قتّال لأنه يلغي الفكر او أقلّه يوحي بفكر مغلوط وعصبيّة. الى هذا أضيف انه عيب ان يخيف احد أحدًا. واذا أتانا رئيس لا بدّ ان تنقلب الموازين وأخشى، اذ ذاك، مواجهات جديدة.

                      ونحن ماضون الى الأضحى اي الى النحر، واذا أجاز لي المفسّرون بالمجاز فهذا نحر خطايانا اذا كنا نشترك جميعا بالأضحى معنويا. كذلك نحن مقبلون  على ميلاد المسيح الذي أحد أسمائه السلام. كنت أتمنّى أن نقدّم لله نحر أحقادنا وسلام قلوبنا بحيث يصير لبنان كله قيامة عنيت بها بساطة الثقة.