نُسب الى أحد كبار المستشرقين قوله إنّ الشعب اللبناني شعب سلبي un peuple negative. كان يحب العرب كثيرا وتردد قبل إبداء رأيه في شعبنا. ربما كان هذا رأيًا غالى فيه او كان تعميما ظالما. وسأحاول دون أن أتبنّاه أن أرى فيه بعض الحق.
أن نكون سلبيين هو الا نكون بنّائين بالقدر الكافي، ان نعفي أنفسنا من مسألة الفكر أو مسألة العمل، أن نخاف من الالتزام ومن تكوين أنفسنا فرديا او جماعيا. هل نحن محبون للجهد او كسالى او متكاسلون؟ ربما لم يكن في البلد إمكان جهد كبير لقلّة الموارد الثابتة او لا تزال الذاكرة الجماعيّة عندنا مثقلة بكارثة الجوع التي قصد جمال باشا السفّاح ان يحلّها بنا. على ذلك نسعى الا تخشى طائفة طائفة وان نتفاهم في سبيل وحدة نعيش في ظلّها بلا تسلّط للواحد على الآخر.
يبدو حتى الآن اننا نريد اجتماعنا كما هو في هذا التنوع المذهل الذي يكاد ان يكون تبعثرًا. انه شبيه بالتعدّد في الهند. ولكن الهنود الذين تعددهم أعظم مما عندنا يعيشون في التزامهم بلدهم وقبل كل شيء في ديموقراطيّة ثابتة. الدولة عندهم ترعى تراكمهم ان لم تستطع ان ترعى التحامهم. فاذا كان الالتحام عندنا صعبا لا داعي ان نبقى سلبيين تجاه الدولة التي هي حظنا الوحيد في التلاقي. غير ان الدولة لا تجمع ان رفضنا التلاقي الوجداني الذي يفترض حدا أدنى من ذبح المصالح الدنيويّة. فالتسابق على المناصب ان غابت طائفة عنها يعني في الحد الأدنى اننا نأبى الإنسان الكفوء في مكانة ما ظنّا منا ان هذا المنصب مسجّل لنا الى أبد الآبدين وان قوتنا هي فيه واحترامنا به حين لا تعظم جماعة بواحد منها ينال منصبا ولا يتدهور البلد من غياب هذا المنصب عنها. الاقتتال المعنوي على وظيفة مؤذٍ لوحدتنا. وهذا يهم القليل من الناس. من قال انه لا يقتتل يخفي الحقيقة ومن اقتتل له فكر المتسلّطين وجموحهم . كلا الطرفين رافض للبلد او هو سلبي كما قال ذلك العالم الأجنبي.
# #
#
غير ان عقلاء كبارا: مهندسين، أطباء، محامين، أساتذة جامعات يتقن كل منهم مهنته. غير ان قسما من كبار المثقفين لا يشتركون في توجيه الأمّة وبعضهم منحصر في مجاله المهني فلا تنصب المعرفة في تكوين الدولة. هناك إهمال للشأن العام وما تهمله يهلك. الانكفاء سلبيّة ان أيقنت أنك على هدى.
لعل الإهمال على كل صعيد هو السلبيّة. في اختباري القضاء المذهبي عندنا مدة أربعة عشر عاما لاحظت ان رفض الرجل لزوجته وأولاده أكثر شيوعا مما كنت أظنّ. ليس أنه يخون بالضرورة ولكنه يهمل حضوره وقد لا يقوم بأية عناية. كسل لست أعرف سببه أحيانا. ان ترمي انسانا في جوعه الى خبزه اليومي والى حضورك هو ان تلغيه وبجانب ما انت ملغٍ نفسك. لماذا أهملت نفسك في عجز رؤيته وعجز حبه ومن المؤكّد انه مهما كان مستواك الاقتصادي انت قادر ان تحضر.
مرة شكت لي امرأة زوجها وهما ميسورا الحال. استدعيته وسألته عن الأمر فأخذ يحكي لي كم يغدق عليها من أموال ومما يتيح لها فرص السفر. فاتحتها في ذلك فقالت انه لا يحرمني من شيء ولكنه يحرمني ذاته.
أعرف أن ثمّة ناسا منهمكين في الواجب المهني وان الوقت الذي يبذلونه لرعاية اولادهم قليل وأحيانا يساوي الغياب. المشكلة ان الولد لا ينمو وحده ولا يفهم وحده ولا يتهذّب وحده. اعرف ان الظروف تختلف وانك احيانا لا تستطيع ان تعيل ذويك ما لم تغب عنهم ولست هنا لأعرض عليك حلولا ولكنك تواجه مسؤوليّة رهيبة بجعلك هذه الزهور المحيطة بك تنمو بلا سقاية.
# #
#
شؤون وشجون أخرى تفضح شعبنا وكل شيء يتطلّب ان نصبح شعبا مجددا بالحضور في المجالات التي نحن عنها مسؤولون.
للمسيحيين من قرّائي أقول ان علاقاتنا بعضنا ببعض ضعيفة أحيانا اولا في الغياب عن العبادة وفي عدم الإبداء للرأي القويم اذا كان اهلنا متعبين روحيا او مهمَلين. فنترك الأمور تمشي او لا تمشي. نتشكّى ولا نقدم على الإصلاح، نتذمّر ونيأس احيانا ولا نقول للمسؤول المخطئ انه اخطأ ولا نقدّم حلولا ان كان في استطاعتنا تقديمها ونثرثر في المجالس ليقوى حزننا وحزن السامعين والثرثرة غياب.
لماذا ننتقد ولا نواجه او لا نتكتّل للمواجهة؟ لماذا لا ندعو الى الخير بلا انتقاد هدام؟ في الحقيقة في اي مجال من التي ذكرت انا موقن ان السلبيّة في معاملتك أهلك ومواطنيك والدولة والناس بعامة مستحيلة ما لم تكن على صلة بالله لأنه هو الذي يدير وجهك الى الوجوه ونفسك الى الهيكليات التي انت عنها مسؤول. والواضح انه اذا سكن قلبك يتحرّك قلبك وإهمالك لذويك والدنيا والساهرين على الأمّة وكنيسة الله انما يصير فيك لأنك حجبت وجهك عن رؤية الله لك. الإنسان ليس كائنا من مجتمع فقط وما هو بجسد محدود او منغلق دون بقيّة الناس. كل إنسان زرع الله في بستان الإنسانيّة. فإن لم تصبح هذا الزرع يجف بستان الإنسانية وتمسي أنت في قفر والذين لم تحبهم يموتون عطشا وبعد هذا تسأل لماذا الدولة عاجزة والكنيسة مشلولة والإبداع غير قائم؟ هل صدق المستشرق برؤيتنا شعبا سلبيّا؟ لست أعلم على وجه الدقة وقد لا ينفع السؤال. سلْ نفسك وحدك في فحص قلبك ان كنت انت سلبيا، ان كنت غائبا، ان حجبك سبات عميق عن حركة الوجود. هل رجوت الرب ان يتحرّك فيك، ان يجعلك في خدمة دائمة، معطاء؟ المهم ان تزيل عنك اسباب الغياب حيث ينبغي ان توجد اذا أردت ان يوجد الله فيك.
