الأحد الواقع غدًا تسميه الكنيسة الأرثوذكسية أحد الأجداد وتعني بهم الذين أسسوا للمسيح منذ اول الخليقة. عندنا في الإنجيل نسبان للمسيح أحدهما منذ مطلع متى، يبدأ بابراهيم. والآخر ينطلق من يسوع الناصري ليصل الى آدم. والواضح في قراءة مستنيرة ان متى لما وضع كتابه حول السنة الثمانين في انطاكية يهودي المولد والمنشأ في فلسطين وبقي عبري اللاهوت لما وضع انجيله الأول في عاصمة سوريا وكان مصمما ان يقول للجالية المسيحية اليهودية الأصل في انطاكية ان هذا الرجل الذي آمنوا به كان من نسل ابراهيم وان صلته الحقيقية ليست بموسى الذي لم يذكر في النسب ولكن بأول مؤمن بالله ابراهيم والذي على أساس ايمانه كان قد أتى بولس ليقول ان البشرية ستصبح بارة على صورة برارة ابراهيم وليس على صورة بر الناموس. ولعل متى أراد ايضا ان يطمئن كهنة الهيكل المهتدين وافتقروا بسبب خسارة راتبهم من الهيكل، ان يطمئنهم انهم كسبوا المسيح في فقرهم لأنه منتهى انبيائهم وتحقيق رؤاهم. فالتوراة تصبح به صورة للآتي، ممثولة للمثال الذي هو يسوع الناصري.
هذا نسب متى. اليه نسب السيّد عند لوقا الطبيب السوري الذي تتلمذ على بولس وكتب انجيله بعد التتلمذ في رومية عاصمة العالم التي كان فيها رجاء المخلص. كان لا بد للوقا ان يقيم صلة ليسوع ليس بابراهيم فقط ولكن بآدم ليجعل اجداد يسوع ليس فقط من العنصر اليهودي ولكن من البشرية جمعاء فيكون مسجلا في كيانه المريمي وفي خطة الله الأزلي انه من ثمرة البشرية القديمة ومنشئها بآن.
مخلص اليهود ومخلص الأمم هذا ما أتاح لبولس ان يكتب « ليس يهودي ولا يوناني» اذ انهار حائط السياج، المتوسط الذي كان بفصل بين اهل الله الواحد وهم بلافلسفة وبين اهل الفلسفة وليس لهم إله واحد. سينهار به هذا الجدار الذي كان يفصل بين العقل والوحي حتى اذا انشدّ العقل الى المحبة يصبح هو مهبط الوحي.
متى يحمل الحركة الروحية البحتة المنطلقة من ابراهيم. لوقا يمدّها الى الآدمية ومنها الى الطاقات الفكرية الإنسانية التطلعات في الفلسفة القديمة. ولعلّ الناس الذين هم على بعض الاستنارة يتموجون بين هذين القطبين ليجمعهما الى واحد في المسيح يسوع.
ينهد اليه حسب متى كل الأبرار المنحدرين من ابراهيم والى جانبهم ثلاث عاهرات ليبيّن الانجيلي ان جسد المسيح ينقذ الأبرار وينقذ الخاطئين والخاطئات معا وليقول ان الطبيعة التي اتخذها الابن في تجسّده هي طبيعة خاضعة للفساد ولكن المسيح عصمها من الفساد. هذه نظرية قائمة عند بعض الآباء وليس عندهم جميعا. نسب متى يقول ضمنا ان المسيح يحمل الخطايا وانه مخلص من سلفه ومن خلفه ليكون هو «الكل في الكل».
حسب لوقا يرث المسيح جميع الأمم اولا اليونانيين ليقول ان كل بهاء الإغريق منذ ما قبل سقراط انما لا يصل الى جلاله الا بالعطاء الكامل الذي أهداه يسوع الناصري بموته الى البشرية.
# #
#
اذا كان المخلّص متصلا بكل نسل ادم هل له علاقة بديانات شرقي آسيا. بعض من لاهوتيي الغرب في شقيه البروتستنتي والكاثوليكي قالوا ذلك اي انهم رأوا في هذه الديانات عناصر قريبة من الإنجيل ليس لأنها اخترقته او أثرت في تكوينه ولكن من حيث ان بينها وبين مضمونه قربى. ومنهم من انتهج الهندوقية طريقة تصوف مع يقلئه على المسيحية عقيدة. ما وددت أن أستخلصه من هذا الموقف ان اتباع يسوع يرونه في بعض الأشياء التي سبقته دون ان يكون هناك تواصل نصوص. يسوع لم يأخذ شيئا عن البوذية ما في ذلك ريب ولا سيما اننا لا نعرف شيئا على وجه التدقيق عن تاريخ ظهوره. النسك في دايانات الهند والتقشف محببان للمسيحيين.
منذ اربعين سنة ونيّف كنت أدرس الهندوقية مع قسس انجيلين في سويسرا على أستاذ هندي الجنس والعقيدة بعد ايام سألني لماذا تفهمني اكثر من رفاقك وما اراد بذلك الذكاء ولكن الحس الروحي. أجبته: هناك قرابة بين الكنيسة الشرقية معكم على طرق النسك والروحانية والقلب.
# #
#
اذا كان ثمة قربى بين المسيح وما قبله فما العلاقة بينه وبين جنباته؟ اليوم ومنذ بضعة عقود دعوات دينية جديدة هي بعث لتيارات الغنوصية او العرفان (ليس بمعناه الإسلامي) وتيارات تلامسها الهندوسية بصورة تهدم تراثنا الروحي وتحاول التعويض عنه بنكران الوحي وبين كل هذه ما يتصل بنيتشه وغيره وبقايا الوجودية الملحدة والمسيحية المتصهينة في اميركا. اي ان هناك وثنيات كثيرة على أشكال مختلفة. وموقفنا منها نقدي او رافض او مغربل كما كان من الوثنية القديمة ومن بعض جوانب من أفلاطون والأفلاطونية الحديثة.
هناك انحراف اساسي طبعا في باطن الحضارة الغربية وفي ظواهرها. هناك ابتعاد عن المسيح واضح، هذا اذا نظرنا الى الفكر وحده ولن ننظر الى الأخلاق المنحدرة المتهورة التي هي بحدّ نفسها تجريح لطهارة المسيح.
نحن كان عندنا في البدء موقف شرس من الخطأ وموقف لين تجاه الفلسفات او الحركات التي تحمل ما يهيء لحقيقة المسيح. بمعنى آخر ليس عندنا تلفيق Syncrétisme اي نظام يجمع اعتقادات من هنا ومن هناك ويبني تقاربا كاذبا. نحن نرفض النسبوية في النظام الديني ولا نقول اننا بعض من حقائق متناثرة. ولكنا نقول اننا نرحب بالقربى ان وجدناها ونقيم جسورا إن أمكن مدها. لا نخاصم ولا نتجانس مجانا. «افحصوا كل شيء وتمسكوتا بالأفضل». (1 تسالونيكي 21:5).
يبقى اننا نسعى الى رؤية العناصر الصالحة عند الآخرين. ولكوننا نرى الحقيقة كلها في مسيح الأناجيل نرحب بقربي متصلة ببشرة السيد أكان هذا عن طريق التواصل المباشرة ام التوافق العقلي غير المباشر.
خط المسيح ليس فقط النازل من ابراهيم حسب متى او الصاعد من المسيح الي آدم وهو ايضا الخط المشع منه الى من جاء بعده او المتلاقي واياه بلا صلة مباشرة، نحن لا نلتقط فقط آثار المسيح التاريخي ولكنا وراء المسيح الكوني الساطع هنا وهناك بوسائل نعرفها ووسائل لا نعرفها.
امتداد المسيح من جهة وانصباب الفكر فيه هما وجهان لقراءة لنا جديدة لأحد الأجداد الذي سنكون فيه غدًا. نحتاح الى دقة كبيرة اي الى استقامة الرأي لنميّز بين ما هو لربنا يسوع المسيح وما هو لروح العالم المتدهور او المجنون. ان جدران الكنيسة ليست حدودا بيننا وبين الآخرين. الكنيسة مكان تطهر لكي ندعو من كل جلال وطهر وحق. الجدران القائمة فيها أبواب يدخل منها ملك المجد وتدخل معه جحافل الطاهرين في الأرض بما يحملون من وعي ووداعة وبر.
الأحد القادم يزداد تلاصقنا بالمسيح انطلاقا من نسبة تلاصقنا انطلاقا من نسبه الى ابراهيم حتى نترك كل شيء يوم العيد امام انسحاقه الكبير ومجده الكبير.
