أحببت اليوم أن أكلّمكم بغض النظر عن إنجيل اليوم، عن كونكم نور العالم حسبما جاء في متى (14:5-16). لم يقل يسوع: فيكم نور او عليكم بعض النور. قال: انتم نور. وأوضح فكره: ” لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل”. والمعنى الواضح لهذا الكلام ان النور من نفسه يظهر. ثم اوضح السيّد ان الأعمال الصالحة تنتج عن النور الإلهي الذي فينا، ذلك لأنها نابعة من الروح القدس الساكن فينا، وبهذا نكون شبيهين بالمسيح الذي قال عن نفسه في موضع آخر:” انا نور العالم”.
هذا الفصل الإنجيلي مأخوذ من العظة على الجبل التي تحوي الشريعة الأخلاقيّة للمسيحيين وذلك حسب بشارة متى.
في هذه العظة كان الرب يسوع يذكر وصايا من العهد القديم ويقابلها بكلامه. على سبيل المثال يقول المخلّص في هذه العظة: “قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل ومـن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم”. وحتى لا يفهم السامعون ان هذا التقابل الذي أقامه السيّد بينه وبين العهد القديم يتضمن تناقضا مهّد له بقوله: “لا تظنّوا اني أتيت لأحلّ الناموس والأنبياء. اني لم آتِ لأحل لكن لأُتمم”. طبعا للمسيحي ان يطرح معنى قول الرب: لم آتِ لأحلّ الناموس. كيف لم يحل القاعدة التي تقول برجم الزاني او الزانية. او كيف لا يكون نقض اذ جعل هيكل سليمان كلا شيء ؟ المفهوم عندنا اننا لم نتمسّك بالفرائض الشرعيّة التي تتحدّث عن الهيكل. ذلك لأنّ يسوع صار هو الهيكل وما بقيت حاجة الى هذا البناء الحجري الذي كانت حضرة الله تتجلّى فيه. صارت كل حضرة الله في الابن المتجسّد. كذلك الحكم المتعلّق بالزنا فلا حاجة الآن الا للرحمة. الإنسان تصلحه المحبّة ولا يصلحه الموت. انتقلنا مما كان شكلا خارجيا في العهد القديم الى العمق الروحي.
كذلك الختان الذي كان يرمز الى العهد الذي أقامه الله بينه وبين ابراهيم استغنى عنه المسيحيون لأن هناك عهدا جديدا مع الله بدم يسوع. تتم هذه الوصايا القديمة الصغيرة اذا تمّت مقاصدها وهي توبة الإنسان وحياته في المسيح.
من هذه الزاوية يجب ان نفهم قوله: “لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يتم الكل”. نحن في العهد الجديد نبينّ مقاصد الشريعة التي نحفظ معناها الحقيقي ولا نحفظ صورتها الشرعيّة التي كانت مرحليّة، حتى اذا جاءت الحكمة الإلهيّة كاملة بيسوع بتنا في شريعة المحبة التي تختصر كل الناموس وتجمع غاياته في ذاتها.
الا ان المقطع الأخير من هذا الفصل يؤكّد مقارنة العمل والتعليم عند الإنسان الواحد. فلا تحلّ وصيّة واحدة بالمعنى الإنجيلي، اي كما وردت في عظة الجبل، ولا تعلّم ان الانسان له ان يستغني عن أيّة وصيّة. اذ ذاك انت صغير اذا جاء ملكوت الله، “اما الذي يعمل ويعلّم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السموات”.
فالشيء الذي لا يقبله يسوع هو ان تكتفي بإعطاء التعليم المسيحي وتكون سلوكيا غير مهتم بحفظ الـوصايا وفـق كلام السيّد: “مَـن أَحبني يحفظ وصاياي”.
عقلك لا يمكن ان يكون مستقلّا عن قلبك المستنير. هما في تداخل او تلاحم، واساسا لا يمكنك ان تفهم كلمات يسوع حق الفهم إن لم تصر جزءًا من سلوكك اليومي.
في هذا الكلام حث ايضا على الفهم. ليس احد منا معذورا ان لم يدرس كلمة الله. هذه قادرة ان تصل الى كل مؤمن وان تقوّم ما اعوج فيه وان تُظهر له جمال الله فيحسّن سلوكه اذا عرف اعماق المعاني الإلهيّة الموجودة في الكتاب المقدّس. الفهم اساسي للعمل. والعمل يقوّي عندنا الفهم وهكذا يصير الإنسان كاملا.
