في بركات مريم وصمتها وتواضعها نحن صغار جدا إن أحببنا الظهور. الله لا يُظهر محبيه في هذه الدنيا ولكن في القلوب التي تستطيبهم. من الناس من يفتخر بغناه ويعرضه على الناس لكي يسكروا به. ومنهم من يظهر جماله لكي يؤخذوا به. ومنهم من يعرض ذكاءه لكي يسحرهم. فئة تعتبر ان ثروتها شيء، وفئة أخرى ان حُسْنها (أي جسدها) شيء، والفئة الثالثة ان التماعها شيء.
هذه كلها ليست القلب المفعم بالحضور الإلهي. قد يرى القوم بِرّك، ولكن بِرّك ليس لك. لذلك لا تفتخر به. الله وحده يكشف فضائلك ليتمجد هو فيك. الإنسان الصالح ليس مالكا لصلاحه. انه فيه وديعة، والمودع هو الله.
هذه الفئات الثلاث التي تعتز بما تملك (مالا أو جاها أو حُسْنا أو ثقافة) في العمق لا تؤمن بالرب. «أعطوا مجدا لله». الكتاب، إذ يقول هذا، يحذرنا من المجد الباطل. عندما يستعمل الكتاب هذه العبارة فكأنه يقول ان هذا ليس بمجد. هذا لا يباد فيك الا إذا عرفت مجد المصلوب. لما قال السيد: «مجِّدْني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم» أراد مجد الصليب. كذلك: «الآن تَمجَّد ابن الإنسان (أي على الخشبة) وتَمجَّد الله فيه». ما همَّه ان تظهر قدرة الآب بموت ابنه أي بالمحبة المبذولة من أجل العالم. فإن أنت قبلت آلامك وصبرت استمساكا بيسوع يكون بهاؤه قد نزل عليك. «كل بشر عشب وكل جماله كزهر البرية. العشب ييبس وزهره يذوي… وأما كلمة إلهنا فتبقى إلى الأبد» (إشعياء 40: 6-8).
فإذا كان البشر عشبا فكل ما لهذه البشرة التي فينا (المال والذكاء وسواهما) هو أيضا عشب. يجب إذًا ان نتوارى حتى يعبر بنا جمال الله. وهذا غير ممكن الا إذا اعتبرنا نفسنا لا شيء. هكذا ندخل السر المريمي. العذراء قالت عن ربها: «انه نظر إلى تواضع أَمَته» فرفعها الله إليه وجعلها «أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدا بغير قياس من السيرافيم». لما كانت على الأرض توارت كثيرا ولم ينظر إليها أحد. فلما رفعها الله إليه بتنا ننظر إليها «واقفة على القمر وملتحفة بالشمس».
أجل لا تستطيع ان تُخفي مالك، ولكن لا تعتدّ به ولا تغرِ به أحدا، واهرب من البذخ لأن البذخ يظهرك. أما الحسناء فليس لها ان تتبرج بما يثير الناس، ولتدرك ان القبيحة قد تكون أكثر بهاء في عيني الله. ومن كان وافر العقل فليجعله في خدمة الآخرين ولا يظهر معارفه الا عند الضرورة، عندما تقتضي الخدمة ذلك. يمكن ان تدرك التواضع إذا أحسست ان كل ما في يديك ليس منك وليس لك. كذلك إذا أدركت ان ثقافتك بعضها منك ولكنها ليست لك وانك فقط معْبر. فقد يحلو للناس ما يرونه فيك، ولكن إذا كنت مختفيا وراء جمالاتك تعرف انهم بسببها يمجدون الله فتفرح.
إذا عرفت نفسك موهوبا اشكر الله. هذا مباح ولكن لا تجعل أحدا يشكرك. يحق لهم فقط ان يشكروا لله ما أعطاك. لا يكونون قد وقفوا عندك. فإنك إن استوقفت أحدا لينظر إليك تكون قد حبسته فيك أو في ما تملك، ولكن إن تواضعت تكون قد وجّهته إلى الآب الذي منه «كل عطية صالحة وكل موهبة كاملة»، وتكون قد التقيته في الله. وهذا اللقاء هو كنيسة أهل السماء الذين لا يزالون على الأرض أحياء.
جاهد جهادا مستميتا حتى تشدّ الناس إلى وجه المسيح ليرتسم على وجوههم نوره. أنت هدفك ان يستضيء البشر بضياء الرب. أنت لست بديل الله. يمكنك ان تصير وجهه إذا أخفيت وجهك. أنت تدمر إيمانهم بربهم إذا لفتّهم إليك لأن الإيمان ان يسكنوا في الله. لهم الحق ان يرتاحوا إليك ان كنت آتيا من فوق. إذ ذاك هذه الدنيا تصير سماء.
