من يحمل وزر قطرة دم فالدم سياسي في لبنان؟ غير أن الجديد في البلد ان ليس عندك اصطفاف اسلامي أزاء اصطفاف مسيحي. الأمر الذي يجعلنا للمرة الأولى لاعبين في ساحات دوليّة متنافرة أو لاعبين لها. واللاعبون على ايديولوجيا تحدهم أو تحددهم أو بلا ايديولوجيا لكن أحدًا ليس في فراغ. فقد اختار كل منا فريق لعب ولو لم يدخل اللعبة لكنه صفق لها. اللبناني لا يتفرج على شيء ولو مست قواه ويحسب انه يستطيع ان يحيا بقوى مستعارة، داعمة فيه أو به مصالحها وهو دائما يتصور لنفسه حجمًا ضخمًا ولو كان في ذلك حالمًا.
ما نتمنى جميعًا ان يفهمه اللبنانيون ان ثمة دائمًا دولاً متسلطة تقف وراء اية كتلة قديمة أو جديدة تتشكل ولكن يحسب ان يفعل ذلك خدمة للبنان، الأمر الذي يجعلك في حلف موضوعي مع هذه الدولة أو تلك. منذ أيام قليلة زارني صديق فرنسي عرفته هنا منذ عقود. سألته عن فرنسا فقال انها ليست مستقلة كل الاستقلال عن الاتحاد الاوروبي ولا عن أميركا. قلت في نفسي: من باب أولى ألا نكون مستقلين عن دولة فاعلة تدعمنا وتحفظ سيادتنا. ولكن هذا شيء يختلف عن الزبائنيّة اللبنانيّة التي لا تفتش عن دولة ذات نفوذ ترعانا جميعًا لنتمكن من ان نختلف في ما بيننا وينصرها هذا على الدولة التي ترعى مواطنين لنا من كتلة أخرى.
المصيبة ليست في تحالف دولتنا ودول أخرى ذات وزن حضاري والمشاعر العربيّة تبقى اياها لكن المصيبة ان ننقسم بعضنا على بعض أو نلتمس دعمًا خارجيًا لنوطّد الانقسامات الداخليّة.
أظن اننا نستطيع سعيًا الى وحدتنا ان ننتقل الى معرفتنا وطنًا واحدًا. لنا ان نتخذ قرارًا جديدًا لم يسبق له مثيل واضح في تاريخنا الحديث اللاحق لعصر الإمارة. الغريب ان الإمارة كانت وحدها نظامًا علمانيًا في تاريخ الجبل وان الدول الحامية للبنان عند نشوء المتصرفية جعلت البلد ينتظم في الطائفيّة التي قام عليها مجلس الإدارة ومع تجميلات قليلة فقدنا ما كان يصبو اليه الأمراء أي نشوء بلد واحد ليست له هيكلية طائفيّة هذا ما وجب استعادته.
# #
#
ان تنوعنا السياسي –ولم يبقَ تنوعًا طائفيًا اليوم– يؤهّلنا لأن نفتح نوافذ على كل العالم. ونغلق هذه النافذة أو تلك بتغيير الأزمان. المعيار –في المستوى الأدنى– معرفة قدرة من نحالف وصدقه ومعرفة احترامه لاستقلالنا الذي يبقى نسبيًا الى الأبد لأننا لسنا في مصالح الشعوب الكبرى أو الوسطى بلدًا تافهًا أو بلا نفع استراتيجي لأحد. مشكلتنا مثل عظمتنا. مشكلتنا اننا طريق ومنها تأتي عظمتنا اننا كنا خلال ألوف من السنين بودقة حضارات وكنا على بهاء كبير في حقبات من التاريخ كثيرة. من ذلك كان هذا البلد أوسع بكثير من حجمه ولم يظهر من يوحّده.
ليس من سوء في الاختلاف بما في ذلك السياسة الخارجية. السوء ان نكون زبائن للأجنبي. الخروج من الزبائنيّة يعلن وحده انكشاف لبنان جديد قائم على المواهب وتنظيم اداري، عقلاني، صارم واقتناع الجميع بانهم ممثلون في المجلس التشريعي تمثيلاً فاعلاً. واصطلحنا على نظام حكم برلماني محوره اعتبار مجلس الوزراء مجتمعًا صاحب السلطة الاجرائية. وهذا كله قابل للتطوّر. وملتئمين حول ان القوة ليست قوة طائفة واحدة أو طائفتين متحالفتين أو أكثر ومقتنعين اننا قادرون على ان نختلف على كل شيء الا على العيش المشترك.
العيش المشترك عبارة ابتدعناها لنقول اننا لا ننقسم على أساس طائفي ولا نقول بفائدة هذا الانقسام.
اليوم لسنا منقسمين على هذا الاساس اذ بتنا كتلتين فقط كل واحدة منهما مختلطة الهوية الدينية، في الحقيقة انقسامنا الحالي توتر ضمن الديموقراطية لكنه مهدد بالاختلال عنها لكونها ترفض التذابح وربما لكونها قامت في بلدان ادعت في تاريخها الحديث ان سلامة الأجساد هي منطلق كل تلاق.
أظن اننا في هذا البلد نحتاج الى الاقتناع الحقيقي والصادق ان الآخر موجود وان الحياة تقابل أي تفاسير مختلفة لما يجب ان يكون أو لا يكون اذ الناس مختلفو العقول من جهة ومختلفو المصالح من جهة ومع ذلك ينبغي ان يتعايشوا بسلام.
هناك آلية دقيقة للوصول الى السلام الذي يعني احترام الحياة ولو بقي كل فريق على اقتناعه. هناك الأدب السياسي وغير السياسي وهناك مستوى التهذيب والحضارة في البلد. هناك آداب ديموقراطية في الحياة العادية بحيث تختلف بحدة ولا تشتم ولا تؤذي مصالح الغير. وهذا مقتن كثيرًا عندنا مع بعض تملق أحيانًا اذا تحدثنا في شؤون الوجود. لكنه يختل اذا تحدثنا عن الطوائف الأخرى أو المحاور السياسية الأخرى.
هذا الذي بدا متعذرا حتى الآن ينبغي ان نقتحمه وان نستدخله وعند ذاك لا يخيفك تشنّج مهما بلغ من القسوة. وهذا يتضمّن خيار اللاعنف كما انتهجه غاندي لأن سلامة الأجساد في الوطن أهم من كل نقاش سياسي.
# #
#
الى هذه التأملات لبنان على كف عفريت. هل ينجينا العقلاء اذا عقلوا أم اننا لا نزال في حاجة الى خلاص إلهي أو الى «نصر إلهي» ينصر الله فيه عباده جميعًا بحيث يفتشون معًا عن نصر بسيط، شعبي، ربما على أنفسهم. انه لشأن عظيم جدًا لو عرف أهلنا معنى السلام. ألاّ يموت أحد ذبحًا هو خير انجاز يقدمه من بيده حفظ وحدتنا.
الألم هو المشهد الوحيد في الشرق بين بغداد والقدس. أرقام لا تطاق بين العراق وفلسطين الحبيبين. اليوم ايها الأقوياء ان سمعتم صوت الله لا تجعلونا عراق آخر. لقد قاسى لبنان منذ بدء السبعينات آلاما لا توصف. يا أيها القادرون على ألاّ يُراق دم حافظوا على أهل هذا البلد خارج نطاق الموت. لا تأخذوا مكانة الله بالسيادة على الحياة والموت. بعد ذلك كل معضلة الى حل. اذا كان هذا قراركم يرضى الله عنكم ويبارككم تبريكاّ كثيرًا.
