الوطن رقعة من الارض صنعها التاريخ واصطلحتم على قبولها والناس عليها. قلت صنعها التاريخ إذ ليس من وطن منزل من عند الله. حوادث الزمان الأخير سلّمته إليك. ولذلك كل النقاش لنعته بما هو غير نفسه نقاش باطل يخفي نزاعات أخرى. هو يرث كل شيء قبله بمقدار. فأهل مذهب الفينيقيين كانوا على حق لأن الكثير من الشاطئ الفينيقي ورثناه مواهب، وان تقول إنه عربي صحيح أيضا بعد أن تعرب لساننا وأحسسنا بمشاعر العرب في طلبهم الاستقلال. أما الآن فهو ما هو وقد قبله أبناؤه في الآن الذي هم فيه. ولكن يجب أن تقنع الآخرين بـذلك اذا قدرت أن تبيّن لهم أنك قادر أن تعيش بقواك أي أن تقتنع وجوديا بذلك.
قل اذًا الوطن رقعة مع ناسها. قل أيضا ان هذه الكتلة البشرية منظورا إليها واحدة لا إقصائية فيها ولا استعلاء ولا تمييز بالمعاملة هي الاساسية في الانتماء الوطني. الوحدة والتوحد والتلاقي ليست في نقاش.أما أولية كل طائفة أو قدرتها النوعية أو سيادتها فتحت النقاش لأن هذا جزئية تهدد الوحدة وباطل تنكر به الحقيقة. هنا وعلى سبيل المثال المرجو أن يفهم الموارنة أنهم ولو كان لهم الفضل الاكبر في تكوين لبنان الحديث فليس ليجعلوه في حضنهم ولكن ليورثوه الآخرين لأن الآخرين إن لم يرثوا يرتمون في حضن آخر ويكون التاريخ التأسيسي ضد النمو التاريخي. وهنا يجب أن يفهم المسلمون أنهم مدنيا ليسوا خير أمّة أُخرجت للناس ولكن غيرهم أيضا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، كما ينبغي أن يفهم العروبيون ان العروبة ذوق وميراث ولكنها لا تذيب قطرا في ذاتها. نحن على هذه الرقعة والرقعة بنا، لذلك لا تخترعوا سجالات أكاديميّة بينكم اذ الدعوة الى التاريخ في حقيقتها قتال حول الحاضر.
# #
#
الرؤية هي الى لبنان لا الى أجزائه ومناطقه وجماعاته الدينيّة. انت لبنانيّ اذا قادك شعورك التلقائي الى خدمة البلد لا الى التميز فيه. الطائفيّة اذًا حالة قبل ان تكون سياسة. ومن حيث هي حالة صافية طاهرة وفهيمة فهي غنى. لا احد يحق له مثلا ان يقول ان الكنيسة الأرثوذكسيّة ليست شيئا عظيمًا في المسيحيّة كلّها. يبدأ الفساد من الكراهيّة والرؤية الدونيّة الى ميراث الغير. ولا معنى او فائدة من اللامذهبيّة في حياة الجماعة لأن المسيحيين والمسلمين اذا لم يقدّموا للبلد كله ما عندهم من خيرات يرتمي البلد في هزالة الفكر. الانتساب الى تراث روحيّ عظيم غنى للناس جميعا. فاذا أزلت حبك لله ولكلمته ماذا يبقى لك؟ ما مضمون الوطنيّة او القوميّة عند ذاك؟
المصيبة عندنا ليست في الطوائف بل في تحويلك اياها الى مجموعات تستفيد انت منها دنيويا، واذا استفدت انت تجيّر ذلك كلاميا الى طائفتك. عندما أرى هذه المجموعة الدينيّة تتحسّر لفقدانها منصب مديريّة عامة اتساءل عما تدور حسرتها، والنتيجة عندي ان عائلة واحدة من هذه المجموعة لم تكسب. الطائفة تكون في خسارة خيالية. الا تنتفع الطائفة المحتجة من مدير عام يعمل في التساوي لخدمة الجميع فتخسر الطائفة معنويا وتربح في الحقيقة. الطائفة بمعناها الروحي والوجداني كمحركة للنفس الى الله والناس هي تاليا ربح.
الصراع ليس بين الطوائف. انه بين استعلاء واستعلاد او بين انتفاخ وانتفاخ، وهو التعامي عن الوحدة الانسانية التي تربط بيننا. تعقيد آخر، اضافي ظهر في الحرب هو الميليشيات التي كوّنت وحدات اخرى غير متطابقة كليا بالطوائف بدليل تنكّر الكثيرين في كل طائفة للميليشيا التي كانت تدّعي تمثيلها. الجزئية اللبنانية ولدت جزئيات أخرى.
ما يؤذي لبنان ان الكثيرين من ابنائه لا ينظرون اليه في وحدته العضوية. التحزب بهذا المعنى نغطّيه بالبلاغة الخطابية التي نتقنها. من هنا السؤال كيف نشفى، كيف نقوم من هذا الموت. استعمل مؤخرا احد الفرنسيين عبارة الديموقراطية من تحت بالتقابل مع ديموقراطية النواب والوزراء. انا وددت ان أقول ببساطة ان الحياة الروحيّة او الأخلاق تنجّي المواطن من الربح الطوائفي اي المجزئ لكيان الوطن. هذه الحياة الروحية هي وحدها منطلق الإنقاذ. الوطن في ناسه والناس في سموّهم والسياسة تركب هذا.
الا ترتشي مثلا يعني ان تؤمن بأن ضميرك يملي عليك انتخاب هذا او ذاك لأن ضميرك سكنى الله فيك. هذا لا يعني آليا ان المجلس سيؤلفه عظام ولكنه يعني على الأقل ان يستبعد المدموغين بالسوء.
عندنا اليوم نوع جديد من الرشوة تحت ستار العمل الخيري. هذه الكنيسة او تلك من رعيتي قبضت بدون استشارتي مبلغا من المال لإكمال بنائها. هذا لا يعني انها تنتخب الجهة التي تحديدا عملت خيرا ولكن في ذلك إضعافا للضمائر. اعترف ان هذا الأسلوب ليس سمجا كالقديم ولعله لا يخلو من بعض حب للخير ولكن لماذا لم يقم به قبل هذه الفترة؟
طبعا لا تكفي الأخلاق للقيام بالبلد. نحتاج الى علم بشؤون الوطن وهذا يقتضي تعليما موجها لهذا الشأن وتأسيس حلقات فكر وجماعات ضاغطة تحمل هذا الفكر. واذا سلكنا هذا السلوك وصرنا بلدا عظيما (في حجمنا) نكون قد قبضنا على وسائل الحرية والازدهار في كل مجالاتها.
للمرة العاشرة ربما أردد ان مشكلتنا الحقيقيّة مشكلة العدالة والاهتمام بالفقراء والمرضى وتعليم الأطفال وهدفنا التنمية الاقتصادية التي نوزع فوائدها على المناطق بعدل. هذه هي الرقعة التي ورثناها بعطف من الله وانه لتكفيل شرعي (اذا سمح لي فقهاء الإسلام باستعمالها)، تكفيل شرعي ان نحب بعضنا بعضا الى درجة اعتبار ان الآخر أفضل منا. متى يتجنّد المميزون من المسيحيين لخدمة المسلمين؟ للمسلمين ان يقولوا هم قولهم في ما يشبه هذا.
نحن اللبنانيين -اذا سُمح لي بالاستشهاد بالقرآن واعتماده في سياق آخر- لنا ان نصبح خير أمّة أخرجت للناس في تعاوننا المرتضى لنعطي المشرق وربما العالم في تواضع أمثولة من أمثولات العطاء.
