المسيح سلامنا. هو في ذاته، في رحمته ولطفه. غير أن الرسول في هذه الرسالة الذي كان يواجه العداوة القائمة بين اليهود والأمم قال عن السيّد إنه “جعل الإثنين واحدًا” في الإيمان. فاليهودي لا يحق له أن يستعلي في الكنيسة على من كان قبلًا وثنيًا. واليوم اذا وفد الى إحدى القرى ناسٌ كانوا عنها غرباء فجاؤوها بسبب من التنقل السكاني فهم إخوة للقدماء بعد أن فهمنا ان ما يؤصّلنا ليس الأرض بل جرن المعموديّة والكأس المقدّسة.

فالمسيح “يخلق الإثنين (القديم والجديد) في نفسه إنسانًا جديدًا بإجرائه السلام”. ان هذه المصالحة بين شرائح كانت مختلفة حتى التناقض أتمها المسيح على الصليب بقتله العداوة في نفسه.

لماذا تزول العداوة؟ لأن الروح القدس يوصلكم معا الى الآب الذي هو غاية الوجود. وهنا قبل بلوغ السماء انتم معا “أهل بيت الله” لأنكم راسخون على صخرة الرسل والأنبياء، وهذا تأكيد على أننا -على رغم شك الكثيرين- نقيم العهد القديم كما نقيم العهد الجديد رسالة واحدة هدفها تبيان المسيح. والذي يربط البناء كلّه هو حجر الزاوية المسيح. صمودكم انكم ثابتون به وانكم تاليًا مستندون بعضكم على بعض.

لم يتكلّم هنا الرسول على الوحدة التي يجب أن تقوم بين المؤمن والإنسان الآخر الذي قد لا يعرف انه مسنود الى المسيح. فإن كان أحدهما حاقدًا لا يكون مسنودًا على شيء، فمن تأكّل الحقد قلبه ليس في قلبه مكان لآخر ويبقى منعزلا وبلا تعزية. فالحقد سوس يأكل القلب كلّه.

إن الذي لا مكان في قلبه للآخر ليس في قلبه مكان لله. فإذا شغرت النفس من واحد كانت تحبه إنما تشغر من حضرة الله، والذي أمسى بلا إله يجف وليس فيه فرح.

المرض في هذا اني أحقد على من مسّني ومسّ كرامتي كما يُقال في الدارج. ومن كان عنده هذا الشعور يعتبر نفسه شيئًا ويعتبر ان الآخر قادر أن يجرحه ولا يفهم انه قائم بمحبوبيّته عند الله وأنّ أحدًا لا يستطيع ان ينتزع منه هذه الكرامة التي هي وحدها الكرامة.

الى جانب الحقد الذي يتضمّن البغض هناك القلب المتوجه الى القدح بالآخرين وذمّهم أكان هذا مؤسَسًا على شيء أم غير مؤسَس. منّا مَن يرى البهاء الروحي منتشرًا عند معظم الناس، ومنّا مَن يرى القباحة منتشرة عند معظم الناس. بعضنا يستلذّ رؤية البشاعة، ومنّا مَن يفرح لجمال القلوب. الأصل في التعامل أن تنفتح عند مقابلة إنسان آخر وان تحسب انه حسن ما لم يثبت العكس. انه لشرّ كبير أن تترصّد الآخر وأن تحسب من البداءة انه عدوّك او انه سيّء لأنّ في هذا إنغلاقًا رهيبًا قد يمنعك من تقبّل الخيرات والفكر السليم من الآخر.

انفتح ولا تخشَ شيئًا إذ لا يستطيع أحدٌ أن ينتزع منك شيئًا أو يؤذيك. أنت تؤذي نفسك بسوء الظن الذي يتلوه سوء المعاملة. واعلم أنك اذا أحببت الآخر تقدر أن تشفيه.