يعطي اللهُ نفسَه إيانا بالنعمة. فكما أَوجدَنا بالخلْق الأول، يوجدُنا بالخلْق الثاني أي بالخلاص الذي تمّمه بابنه ويحمله إلينا الروح القدس في الكنيسة. ويعبر بولس الرسول عن نزول هذه النعمة علينا بقوله: «لما صعد الى العُلى سبى سبيا وأَعطى الناس عطايا”. المعنى انه عند صعوده الى السماء بالجسد بعث إلينا بالروح القدس الذي يوزّع علينا كل عطايا الثالوث القدوس. ويؤكد الرسول هذا المعنى بقوله ان المسيح نزل الى أسافل الأرض بموته ودفنه، وبعد هذا جاء الروح القدس بالعنصرة.
ان الرب يسوع بعد صعوده يملأ كل شيء من نعمته التي هي عطاء القداسة وتوزيع مسؤولياتنا في الكنيسة، فقد جعل “البعضَ رسلا”، وهم الإثنا عشر أولا، وهم كذلك مَن يُرسلهم الى الكنيسة المحلّية التي هم فيها ليُذكّروها بمتطلبات الله منها ويُثيروا فيها التوبة. والآخرون “أنبياء” في العهد الجديد بحيث يحثّون الكنيسة لتزداد محبة ليسوع المسيح وليرشدوها اليه. “والبعض مبشّرين” يقولون كلمة الله ويفسرونها مستندين الى الكلمة الكتاب المقدس.
و”البعض رعاة” أي كهنة او أساقفة، ويرعون المؤمنين بكلمة الله وليس بكلمات من مزاجهم. يقولون فقط كلمة الله. واما “المعلّمون” فهُم الذين يعرفون العقيدة بشكل منسّق وموحّد، وعلى العقيدة تستند لتتمكّن من التبشير والحثّ على التوبة.
غايةُ كل هذا “تكميل القديسين” وهم المؤمنون المسمّون كذلك لأنهم تقدّسوا بالمعمودية والميرون وتناول جسد الرب وفهم الكلمة. كلهم معا يقومون بخدمة واحدة ذات هذا الشكل او ذاك. مجموعة هؤلاء المؤمنين يبنون جسد المسيح. إنهم هم جسد المسيح اي حضور المسيح كاملا في الكنيسة والمجتمع.
قوله: “الى أن ننتهي جميعا الى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله” بحيث لا ننقسم ولا نُدخل الى الجماعة أفكارا ضد الإنجيل وهي البدَع التي دحضتها الكنيسة. وإذا صرنا مستقيمي الرأي نؤمن بما ورد في دستور الإيمان وتعليم آبائنا، نصل الى “إنسان كامل الى مقدار قامة ملء المسيح”. المعنى أننا نصبو الى الكمال الروحيّ الذي يجعلنا نامين مثل قامة المسيح اي نصبح واحدا فيه وعلى قدّه، نتماهى مع السيد المبارَك بحيث إنّ من رآنا يكون قد رأى المسيح.
يُقرأ هذا النص بعلاقته مع الظهور الإلهي (الغطاس) لنقول ان المعمودية هي بدء الحياة الجديدة في المسيح، وانها وعد الكمال وظهور الإنسان الجديد على مثال ظهور المسيح اذ نلبس المسيح في المعمودية لنصير على شبهه، ونفهم أن العماد لم يكن طقسا عابرًا ولكنه استمرار المواهب التي نزلت علينا بالروح القدس لمّا مُسحنا بالميرون.
