خرج يسوع من المنطقة اليهودية الى منطقة وثنية سماها الانجيل “نواحي صور وصيدا”. يلتقي امرأة كنعانية والكتاب يتكلم عن قومها بشيء من اللوم. سمّته ابن داود وهو لقب من ألقاب المسيح.

         طلبت شفاء ابنتها. لم يجبها المعلم. هذا يبدو قسوة. التلاميذ ارادوا استبعادها عنه. اذ ذاك، قال لهم: “لم أُرسَل الا الى الخراف الضالة من بيت اسرائيل”. يبدو المعنى اني اثناء قيامي برسالتي على الأرض تنحصر هذه الرسالة باليهود حتى اذا جاء الروح القدس بعد موت المعلم وقيامته تمتد الرسالة الى الأمم. وهذا ما يؤكده قوله في آخر متى: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس”.

         يمكن ان نفهم ان الرسالة ولو كانت عالمية بمضمونها الا ان مقاصد الآب ان تكون مهمة السيد على مرحلتين: الاولى عندما كان الرب لا يزال في البشرة، والثانية اذا انطلق عنا الى الآب.

         هل سمعت ما قال للرسل؟ ربما، ولكنها، في أية حال، أصرت ان يشفي المعلم ابنتها. عند ذاك، جاءت كلمته صداعة: “ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب”. نجد في تعليم بعض الربانيين اي علماء الدين اليهودي ان الوثنيين مدعوون احيانا كلابًا.

         الظاهر ان يسوع يؤكد نجاسة الوثنيين فالكلب كان حيوانا نجسا. والمؤمن ليس كغير المؤمن. ليس ان يسوع يشتم المرأة. انه يستعمل اللغة التي كان اليهود يستعملونها.

         عند هذه القسوة المستغربة تجيبه المرأة بتواضع كبير: “نعم يا رب، فإن الكلاب ايضا تأكل من الفتات الذي يسقط من موائد اربابها”. وكأنها تقول: انتم تعتبرون انفسكم شعبا مميزا بإيمانه بالله. واذا اجاز لكم هذا الموقف استعلاء عقائديا فأنا اقبل دونية الوثنيين. فعلى رغم هذه الدونية انا اريد شفاء ابنتي. عندئذ قال لها المعلم: “يا امرأة عظيم ايمانك”.

         يعترف هنا المسيح ان الإيمان ينزل برحمة الرب على اليهود وعلى الأمم. وكأنه يقول: انا اخترق من اجلك القواعد الموضوعة وألبي طلبك.

         فالإيمان كان قبل موسى وقبل الشريعة حسب قول الكتاب قديما: “آمن ابراهيم بالله فحُسب له ذلك برًا”. هذا ما سيردده بولس الرسول في رسالتيه الى اهل رومية والى اهل غلاطية.

         انتم الوثنيين ستصيرون ايضا ابناء الله بالإيمان وسيبرركم الإيمان ولن تُفرض عليكم أعمال الناموس الموسوي. وهذا ما سيقرره فيما بعد مجمع اورشليم.

         فالطريق الذي سلكه منطق يسوع يبدو كالآتي: يا امرأة انتم ما كنتم في عهد مع الله. انتم لستم على شيء ما دمتم في دنس الوثنية. فاذا دخلتم العهد الجديد الذي انا احمله للعالم تجدون الخلاص وينهار “حائط العداوة الفاصل” بين اليهود والأمم لأني انا اكون لحمتكم واكون وحدتكم.