هذه الكلمة تعني العصبية العائلية اعني التناصر المرضي بين افراد العائلة الصغرى المكونة من الوالدين واولادهم او بين البيوت المؤلفة لعائلة كبرى يجمعها جد واحد حي او جد قديم. هناك تلاحم صحي بين افراد البيت الواحد او الأنسباء لا يقوم على التناصر في الظلم والبغضاء لعائلات اخرى ولكنه يقوم على التعاضد البناء ونصرة الضعيف والفقير بين الأقارب.

         هذا التناصر لا يؤلف هوية. وقد وضع امين معلوف كتابا اسماه “الهويات القاتلة” اذ الهوية تقوم ضد الهويات الأخرى. واوضح الكاتب العظيم ادوار سعيد انه لا يؤمن بالهويات مع كونه كان يؤمن بوطنيته الفلسطينية ويناضل من اجلها ومع كونه كان يعتز باكتسابه الجنسية الأميركية. ولكن كان يرى ان هذه الانتسابات لا تعرف شخصيته. الإنسان ينتسب الى الإنسانية، وكل إنسان قريب له، والإنسان ينوجد بقدر محبته للآخرين ويتسع صدره اذا عطف على الآخرين وخدمهم.

         وتزول عندنا نحن المؤمنين الهوية العائلية اذا فهمنا اننا بالمعمودية ننتسب الى المسيح وتاليا إلى كل من يحبه. وكذلك ننتسب ببشريتنا الى كل بشر ولا ننتسب الى عائلة الا اذا احببناها بالخدمة وقويناها بالعطاء وعرفنا اننا محبوبون فيها. ولكن كل انسان يمكن ان يحبنا وان نحبه. عائلتنا واحدة هي عائلة المحبين والمحبوبين. نحن عائلة الله وهو وحده أبونا. وما والدنا بأب لنا الا اذا تصرف كالله الآب الذي يلدنا دائما برحمته. نحن لم نولد من لحم ودم – وهذا زائل – ولكنا نولد من مشيئة الله. نحن احرار من ضغط الأعصاب علينا، ونتحرر بالمسيح من كل وطأة العصب.

         ولست ارى سببا لتعلقنا المفرط بالعائلة الا لننال منها نفوذا ومجدا. ومن طلب المجد ليس عنده مجد في ذاته اي لا يكتفي بأن الله يمجده بالعمل الصالح. فقد يكون المرء تافها فيفتش عن فخر يأتيه من آخر. ونحن قيل لنا: “مَنِ افتخرَ فليفتخرْ بالرب” اي بجمال الرب وحنانه، وهذا الحنان يجعل كلا منا بشرا سويا ويكفيه ليكون بشرا سويا.

         واذا كان المال لا يزيدنا شرفًا فالنفوذ لا يزيدنا شرفا. ومن تمتع بنفوذ عظيم في ذاته فلكي يجعله في خدمة الذين لا نفوذ لهم. ومن كان غنيا فليحسن، ومن كان ذكيا فلكي يعلم الذين كانوا دونه ذكاء. والمال والنفوذ والذكاء تموت جميعا بموت الإنسان. وبالموت ننفك عن العائلة. والعائلة لا وجود لها في السماء لأن الإنسان يموت وحيدا ويصير قريب الله بالملكوت. اما عائلة الله المؤلفة من الأبرار والطاهرين فهذه تبقى في الملكوت. لذلك لا ينبغي ان نشتهي الملك ولا السلطة ولا الزعامة وألاّ نفاضل بيننا وبين الآخرين فالله وحده يفاضل ويجعل بعضا عن يمينه وبعضا عن يساره في ملكه. وقد لا يكون والدك او والدتك او جدك معك في الملكوت. واذا كنت مع الله هنا وما كان ابوك او اخوك معه فهما ليسا بشيء في عينيك، ويكون ما تسميه “غريبا” عظيما في عيني الله. فالغريب المحب للرب هو اخوك وامك وابوك. تذكرون ان بعضا قال ليسوع: “ان امك وإخوتك واقفون خارج الدار يريدون ان يكلموك”. فأجاب الذي قال له ذلك: “من امي ومن إخوتي؟”، ثم اشار بيده الى تلاميذه وقال: “هؤلاء هم امي وإخوتي. لأن من يعمل مشيئة ابي الذي في السموات هو اخي واختي وامي” (متى 12: 47-5.).

         في الكنيسة هذا واضح. فبخلاف ما يقوله بعض، الكنيسة ليست مؤلفة من بيوت. انها مؤلفة من أفراد فقط. وعلاقتك بالكنيسة مباشرة بالمعمودية. فأنت لا تعبر بعائلتك لتصل الى الكنيسة. فقد يكون بعض من اهلك بعيدين عن المسيح وليس لك اذًا معهم رباط. انت تبشرهم باعتبارهم غرباء. الكتاب لم يتكلم عن العائلة الا في حديثه عن الزواج. وفي الزوجية انت مرتبط بزوجتك باعتبارها واحدة معك في المسيح. لذلك لا تقوم زوجية بين مؤمن وغير مؤمنة. وحدتك مع زوجتك قائمة على ان يسوع فيك وفيها معا. هنا الرباط ايضا ليس باللحم والدم بل بالمخلّص. وكل لحم يموت واما المسيح فهو وحده لا يموت.

         كثير من مشاكلنا اننا اهملنا انتسابنا الى عائلة الآب واخترعنا لأنفسنا عائلة من لحم ودم اي أبدلنا المسيح غير الفاني بالفاني. لا وجود لنا كنسيا فاعلاً ان لم نُلغِ الهوية العائلية لندرك اننا واحد مع المؤمنين فيتجلى الله هكذا بأحبائه.