لا يوْلي يسوع أهمية كبرى للعلاقات العائلية من حيث انها ترتيب اجتماعي. العائلة في العهد الجديد مطرح نعيش فيه المحبة التي من المسيح. انت َتحِنُّ على الذين هم حولك وتخدمهم. انهم الميدان الذي تمارس فيه العطاء اولا. اما العواطف الجيّاشة، المحتدمة فليست لها عند المسيح أهمية. وفي كل حال انتسابنا الى الحقيقة يجعلنا نتحرر من وطأة هذه العلاقات علينا. فقد يكون أخوك بعيدا عن المسيح. اذ ذاك تشعر بقربى اقوى مع آخر. الرابط الروحي اقوى من الرباط الدموي.

          لهذا قال السيد: «لا تظنوا اني جئت لأحمل السلام الى الأرض، ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا: جئت لأفرّق بين المرء وأبيه والبنت وامها، والكنّة وحماتها». تكلم على اكثر من ثنائي. فالانسان وابوه ثنائي اوّل، الابن خاضع فيه لأبيه حسب التقاليد اليهودية. كذلك العلاقة بين الكنّة وحماتها علاقة خضوع. جاء السيد ليقول: هذه الهيكلية العشائرية لا وجود لها وليس من خضوع. العلاقة يجب ان تكون في المسيح للتخلص من تسلّط الحماة على كنّتها او تسلّط الكنّة على حماتها.

          لماذا هذا التسلط من جهة هذه او جهة تلك وارد؟ هذا كان يحدث كثيرا لأن العائلات المتفرّعة من جدٍّ واحد كانت تعيش في بيت واحد. وكما ان الجدّ كان يشعر انه ابو العشيرة، كذلك كانت زوجته تشعر بذلك وتأتي الزوجات الصبايا تحت اجنحتها لتبقى الجدّة السيدة الوحيدة في البيت المشترك.

          والأمر الذي كان يزيد الوضع تعقيدا ان الشاب اما ان يكون متعلقا بزوجته حتى العمى ويساعدها على أمه، او كان متعلقا بأمه بصورة مَرَضِيّة ويساعدها على زوجته، وتعيش هذه القبيلة قاهرة من جهة ومقهورة من جهة. العقلية القديمة السائدة هي ان الكنة تدخل ليس فقط بيت زوجها ولكن بيت ابيه. ولذلك سُمّيت بالعربية كنّة اي مكنونة كما اللؤلؤة في الصَدَفة. ولهذا اخذت تخسر اسم عائلتها في اوربا وتتبنى كنية زوجها.

          ما قد يُسَهل العلاقة بين الحماة والكنة اليوم او يجعلها اقرب الى السلامة ان العائلة الناشئة تعيش في شقة مستقلة. والأفضل الا تكون في بناية واحدة فكأنها لم تستقل كل الاستقلال. مع ذلك لا يعني هذا انها لا تريد ان تبسط هذه السيطرة ذاتها على امرأته. اي لا تكون قد اعترفت بقول الله: «ويترك الانسان أباه وامه ويلتصق بامرأته». هذه المرأة لم تفطم وليدها فطما نهائيا وتريد أن تكتسب لها ابنة بالإضافة الى بقية بناتها. تريد ان توسع عائلتها لكونها لا تقبل سلطة غير سلطتها.

          بالمقابل قد تكون الكنّة عطشى الى السلطة وتريد الاّ يشاركها فيها احد ولو على سبيل النصيحة. تكون متعلقة بزوجها بصورة غير سليمة. نحن لم نتعلم بعد ان نحترم حرية الآخر وان يقرر أموره بلا الرجوع الينا. قد نرى انه يخطئ او ان الخطأ ينتظره. هذا جزء من حزننا ولكنه جزء من حياتنا. الحماة يجب ان تتعلم ان تختفي، والكنة لا بد لها ان تعترف بأن زوجها عليه حتى آخر حياته ان يُكرِمَ أباه وامه.

          هذا التوازن ممكن بالمسيح فقط. «يجب ان ينمو هذا وانا ان أنقص». الجيل الجديد يجب ان يضطلع بحريته ولو اخطأ. المسِنّون يعلّمونه قليلا. المسيح في الأجيال كلها يعلمنا كل شيء.