حضورك في السياسة شهادة وعمل ومطرحك إذا غبت عنه يملأه الشيطان وهذا يعرف ان يتكلم لأنه «كذاب وأبو الكذب». قد تضع في صندوق الاقتراع ذرة من الحقيقة اذ تقول انك من البلد على رغم ضعفاته وعثراته ولا تقول انك هجرت وتواريت وبعد هذا تتذمر. في دائرتك مرشحون فتختار أحسنهم أو أقلهم سوءا لأن هذا هو الموجود الذي تتعامل واياه. أنا لا انصحك بأحد لكوني غريبًا فعلاً عن المسرح السياسي وأعرف القلة من أولي الأمر فلن أدلك على أحد لكن الطاهر يدل على نفسه والعالم يدل عليه الجميع. أما أنت فاذا ابتغيت ان يصل الطاهرون فقل هذا اسما على ورقة وكذلك إذا اشتهيت العلم في المرشح فبين ذلك بعد ان تكون دعوت الله عشية الأحد الذي يجري فيه الانتخاب في دائرتك وبعد الدعاء محص الذين تقدموا بعدما ظنوا في أنفسهم خيرًا.

الطهر والمعرفة يبدوان المعيار اذ لا نعرف حتى الساعة الاّ عناوين برامج ما خلا انك تعيش العتاق على ماضيهم وتحسب انهم بالأقل يعانقون خياراتهم السابقة كائنًا ما كان تحالف اليوم. قد ترمى أوراق بيضاء كثيرة. هذا حسن يعني ان ثمة ممتعضين أو عاتبين على التركيبة كلها أو مستغربين تحالفات لا منطق سياسيًا فيها. الورقة البيضاء قولة وتحسب ولا تهمل. ضعها أو وضع سواها لئلا تتهرب من قول أنت عنه مسؤول.

الحمد لله اليوم إن التقزز (بالعامية القرف) لم يبق حكرًا على طائفة والقرف دليل على لا طائفية الشعور. لكني أدعو المسيحيين بخاصة الى ان يكثفوا حضورهم حتى لا يهمشوا أنفسهم ولا يعتبروا لأن الهروب من الاقتراع رمز للهروب من الوطن وإذا كان المسيحيون قلة (ودلائل كثيرة احصائية تدل على انهم ليسوا دون النصف بكثير) فحري بهم ان يكثفوا حضورهم الانتخابي لينقذوا أنفسهم من تهمة اللامبالاة ويضربوا بأيديهم التهميش الذي وضعوا فيه.

قلت الطهر والمعرفة معياران، الطهر واضح. أما المعرفة فمعرفة السياسة أولاً وقد لا تتطلب الكثير من التحصيل الجامعي. فالجامعي قد يكون غبيًا في المداولة السياسية. الحنكة في الراهن هي المبتغى واستقلال الذات بما فيه من شجاعة هو الذي يبنى عليه. أفهم ان ثمة حساب أصوات وحساب تضامن في اللائحة الواحدة. ولكن إذا شئت ان تشطب فافعل هذا اذ ليس عندك ولاء لمجموعة وولاؤك لضميرك فقط. فالشطب الكثير قد يحدث اختراقًا أي تغييرًا أي هزة ممكنة أو آمالا معقودة. ولكن اذهب وقل شيئًا بكل ما عندك من اقتناع ولو كنت تتوقع الخيبة فهذا وطن الممكن ولئن بنيته في ما بعد الا انك قد تكون هيأت للبناء غدًا وفي الأسابيع المقبلة اذ ينبغي ان تعطي لقيصر ما هو لقيصر أي لهذا القيصر الموجود عندنا.

النائب بشر فلا تتوقع ان يكون ملاكًا اذ لم نصل بعد الى ملكوت الله. واعلم ان الامبراطور الروماني عندما كان يدخل روما منتصرًا كان واقفًا الى جانبه موظف يقول له: تذكر انك بشر. ربما كان التواضع حليفًا لمن تنتخب وربما كان ثابتًا في الصدق. وان لم يكن هكذا كثيرًا فأعنه على اكتسابه مسديًا اليه النصح بعد نجاحه.

أنت ما استشارك أحد في اختيار المرشحين اذ يبدأ وجودك بالاقتراع. هذه ثغرة في نظامنا. مشكلة الديموقراطية انها تتطلب الكثير من الصبر يرافقه كثير من الحزن. ولكن لا مخرج من الديموقراطية الا بنظام الاستبداد ونأباه في لبنان. لعل تعدد طوائفنا يساعد على غياب التحكم. ولعل الطوائف الصغيرة – ما دام هذا النظام – تحول دون تحكم الطوائف الكبيرة. هذا هو كبر الصغار في عالمنا هذا حتى يأتي يوم تقوى فيه النقاوة عند التائقين الى الحكم ويستقل المواطن في حكمه على الناس والاشياء عن طائفته كما يستقل عن الضاغطين بنفوذهم إلا إذا كان نفوذ الفكر ونفوذ العطاء الانساني.

وليس الوقت وقت الفحص للذكاء اللبناني القائم على تلاقي الكبار ومصالحهم. أيضًا وأيضًا هذا هو الموجود ونحن في عالم الخطيئة. ولكن قبل ان تنتهي الخطيئة فأنت تعالجها ما أمكنك العلاج. وأنت أعجوبة إذا استطعت ان تسبح في بحر التلوث اللبناني ولا تبتل أو لا تغرق.

غير اني لا أريد ان يؤول حزنك وحزني الى كآبة كبيرة. فلا بد من وجوه جديدة فلعل الاستقلال الحقيقي آت من بعد القدماء إذا تابوا ومن الجدد إذا رجوا. المهم ان تكتب اسماء الذين تحسب انهم الاقرب الى العدالة والشفافية وروح الخدمة ولم يهرولوا الى ترشيح أنفسهم ابتغاء الكسب والمجد الباطل. فاعمل لإيمانك بأن الندوة البرلمانية مؤسسة عظيمة وقد تكون الفعل في مؤسساتنا لكونها مقام التشريع والتشريع أول تقويم للبلد الى جانب القضاء. ولكن حديث القضاء سوف نعود اليه بقوة بعد تشكيل المجلس لأن العدل أساس الحكم.
وينبثق من المجلس الحكومة وقيل عن حكومات انها كانت هادرة. لكن الهدر يضعف أو يختفي ان أنت أتيت بمجلس قليل التعرض لتشكيل حكومة هدر أي مجلس مستقيم الرأي والسلوك. فالقلة الطاهرة الحازمة من شأنها ان تصرخ في مقام الصراخ وان تقوم المعوجين إذا اعوجوا. قد يكون بين نواب الغد من لا يسخر ضميره ومن يدرس الشرائع ويراقب الحكم ومهما يكن من أمر فشكل أنت جماعات ظل تضغط على المتحيرين بين الفضيلة والرذيلة حتى يحكم الله هذه الدولة. وهذا ما عناه المسيح: «اعطوا لقيصر ما لقيصر وما لله لله». الله أي الحق هو الحاكم حتى تشتهي الدولة ما يريده الله منها. الشعب العظيم يقتحم الدولة. انا موقن ان أمتنا خير من كل حكم فهي القادرة على ان تجعل الحاكم محبًا للشعب أي خادما له.

أنا واثق من ان شعبنا فيه كثير من الجودة وأقلها انه يريد ان يعيش وانه يعرف ان الخير هو ثروتنا الحقيقية. غير ان عملية التغيير تقوم على تضافر النيات الحسنة والجهود الجبارة. وما من شك عندي ان عندنا نخبًا خلابة. ولعل خطأ بعض النخب انها تتوارى عن العمل السياسي إذا انقطع رجاؤها. لكن قطع الرجاء خطيئة لا تغتفر. فاذا لم ينخرط الصالحون في الحياة الوطنية كما هي متوافرة عندنا يكونون قد جيروا البلد لحكم الأشرار أو الفاسدين. وقبل ان يتولى الأبرار قيادة الوطن فاختر أنت اصلح الموجود عسى نتدرج في المجالس المقبلة الى رؤية وجوه بهية تصنع لنا أفضل الشرائع وتراقب الحكام وتحاسب أهل الادارة فما احتسب مستحيلاً في الممارسة اللبنانية قد لا يكون غدًا مستحيلاً لأن هذه الدنيا قادرة على الا تبقى سجينة ما هو قائم بل تقبل إلى شيء من النور.

قال السيد: «لا تخافوا اني قد غلبت العالم» وهو اراد انه غلب العالم الشرير. هذا ممكن ترجمته في نطاق السياسة التي هي سيادة الحكمة. حاول ان تأتي بمجلس حكماء لا يغرهم شيء ولا يغريهم. لم يكتب على أحد ان يكون غريق السوء. اختر من المرشحين من كان أقرب الى نظافة الكف وشفافية الكيان لئلا تكون قد سقطت مع الساقطين. اختر من تعرف انه على الأقل صمم على ان يخرج من حلبة الخطأة ولا يشتهي ان يخدم نفسه وزبانيته بل ان يخدم الذين لا زبائنية له، من كان قريبًا من الفقراء والمقهورين فهؤلاء هم سادتنا أي اسع إلى الأعفاء ولو ندروا. «فالقلة تخلص العالم». والخلاص يبدأ بالوطن، ذلك لأن الوطن مدعو الى ان يصبح مقامًا لإله والذين دعاهم ربهم الى ان يكونوا له.

لا تيأس من طاقات شعبنا. انها لكثيرة، نحن، بعضنا الى بعض، مؤتمنون عليه لأننا مؤتمنون على أنفسنا وعلى اولادنا وان نحفظهم على ترابه لئلا ينزف عددنا وندعه الى الشجر والبحر والجبال. لبنان أنتم جميعا مجتمعين ومناضلين. الاوطان تبنى ولا تورث. الكمال ليس معطى. انه يأتي من ارادتنا متضافرة، مجمعة على الخير. والوطن في نوعيته لا في حجمه. لقد أعطينا العالم كثيرًا هنا وفي ديار الاغتراب. لبنان هبة الله ولكن لا بد للهبة من اذكائها بالجهد الموصول والمتراكم وذلك كل يوم.

لم يكتب علينا ان نبقى في العالم الثالث، المتخلف اذ لا نكون، اذذاك، مساهمين في ابداع أنفسنا وابداع الدنيا. البلد ليس مكانا لنتغنى به ولكن لنصنعه بالفكر والحب وان نلح على تقويمه ليسر الله والأجيال القادمة. وهذا يعني اقصاء الغش عنه وعن مؤسساته فتصبح هذه آلة لتطويرنا وجعلنا خلائق جديدة.

أنا عالم بأنك لا تستطيع ان تستأصل الخطأ والخطايا بصورة نهائية. ولكن «على المرء ان يسعى» وان يكره الخطأ والخطيئة وان يقيم العدل في كل زاوية من زوايا وجودنا الجماعي. سنقوم ونسقط لكن الانسان السوي من لا يصالح السقوط في ذاته وفي بلده. فكما ان خراب الذات يقود الى خراب الذات يقود الى خراب الجماعة هكذا يقود اهتراء المجتمع السياسي الى حزن الأفراد ويأسهم. أنت أمام عمليتين متوازيتين متكاملتين ان تنقي نفسك وتنقي المؤسسات. «اعزلوا الخبيث من بينكم» على ما قال الكتاب. ولكن لن يعزل الخبيث الا من عزل الخبث في ذاته. هذا نشاط دائم جزء منه ان تأتي بمندوبين يحبون صالحك وليس في رؤيتهم صالح آخر. نوابك لك وليسوا لأنفسهم. الوطن كله لك وأنت له والمسؤولون إذا وعوا رسالتهم يجعلونك حساسًا للبلد فتفرح وترجو فترسوا الوطن معا على الحقيقة وعلى العمل المنتج وتصيرون معًا في الصدق مجد لبنان.

شيء من هذا تممه إذا ذهبت الى صندوق الاقتراع وقلت لهذا نعم ولذاك لا مدركًا ان كلمة قناعتك تكون مشتقة من الكلمة الذي كان من البدء. اذهب بقوة وتكلم.