الأحد السابق لعيد الميلاد يسمى احد النسبة. والأحد السابق له – هذا الذي نحن فيه – يسمى احد الأجداد. فاذا كنا في احد النسبة نتكلم على اتصال المسيح بمن سبقه منذ ابراهيم، ففي هذا الأحد نتكلم على اتصاله ايضا بالذين سبقوه منذ آدم، اي ليس فقط في الشعب العبري ولكن في كل الشعوب. لذلك تبدأ الطروبارية اليوم هكذا: “لقد زكيت بالإيمان الآباء القدماء وبهم سبقت فخطبت البيعة (اي الكنيسة) التي من الأمم (اي الوثنية). ذلك ان المسيح تهيأت له الشعوب كلها وليس فقط الشعب العبراني بالأنبياء. فالشعب اليوناني استعد للمخلص بالفلسفة وبالجمال وهكذا قال آباؤنا ولاسيما القديس يوستينس الشهيد الفيلسوف في القرن الثاني واكليمنضس الاسكندري في القرن الثالث. قالوا اشياء فيها خير وفيها حقيقة. وكما كان السيد قائما في النبوءات، هكذا كان قائما في حقائق الأديان القديمة ولو مجتزأة.

          الأساطير نفسها التي ظهرت حول البحر الأبيض المتوسط في سومر مثلا او عبادة الإله الواحد عند اخناتون في مصر او النسك البوذي على خطره او الإله تموز على الشاطئ الفينيقي كانت تؤلف نسيجا فكريا جعل العقول اكثر تقبلا للمسيح. نحن ما ألغينا كل شيء قديم. عمّدناه اي نقضنا الجانب السلبي او المائت في الحضارات القديمة وذقنا ما هو متهيئ منها لاستقبال الإنجيل.

          القراءة الإنجيلية اليوم هي مَثَل انسان صنع عشاء عظيما ودعا اليه الكثيرين فأخذوا يستعفون الواحد تلو الآخر “فغضب رب البيت وقال لعبده اخرج سريعا الى شوارع المدينة وأزقتها وأَدخِل المساكين والجدع والعميان والعرج الى ههنا”.

          ان اتخاذ الكنيسة هذا الفصل في احد الأجداد يؤيد تفسيرا جاء به علماء التفسير الذين قالوا ان “شوارع المدينة وأزقتها” والمعوقين الذين ذكرهم لوقا انما تدل جميعا على الأمم الوثنية التي قصدها الرسل بعد خيانة اسرائيل. “يبقى ايضا محل” وليس الملكوت محلا فقط لليهود. وتشكلت الكنيسة فعليًا في غالبيتها من الأمم والقليل من اعضائها جاء من اليهود.

          اما اليوم فالمسيح قد يجيء الى اذهاننا من الفلسفات والآداب والفنون التي دخل اليها من حضارة الشعوب المسيحية. فقد لا نكون آمنّا ايمانا عميقا لكوننا لم نختبر حياة الكنيسة، ونكون قد اقبلنا الى الشعر والأدب او تأثرنا بمطالعات غريبة ليست بالضرورة ضد الإيمان، او قد يأتي الينا انسان معاصر من ديانته، مما يهجئ فيها حضور المسيح. يجب ان نعمّد الفكر الحديث والمواقف الحديثة بحيث يسقط الفاسد فيها ويبقى الصالح دون ان نقيم اختلاطا بين ما هو للمسيح وما كان ضد المسيح. ونرى اليوم من يقتبس من الفكر الهندي بخاصة في حركات تأملية على المذهب الهندي. مثل ذلك “التأمل التجاوزي” وحركة الايزوتريك. قد يكون في بعض هذه التنظيمات ذكر للمسيح ولكنه ذكر خاطئ.

          امام الوثنية الهاجمة في شتى صورها يتوجه الينا بولس في رسالة اليوم قائلا: “متى ظهر المسيح الذي هو حياتنا فأنتم ايضا تظهرون حينئذ معه في المجد”. اجل يتكلم الرسول على المجيء الثاني، ولكن، بوضع الكنيسة هذه القراءة اليوم، يحق لنا ان نفهم هذا الكلام على انه يعني عيد الظهور بمعناه الشامل اي في الميلاد والغطاس. ما ينتظرنا في العيد ان نتحرر من الوثنية الكامنة في النفس التي يذكر منها بولس بعض الرذائل ويقول عن رذيلة منها انها “عبادة وثن”.

          فعند ظهور المسيح الذي نعيّد له بعد قليل كونوا لابسين “الانسان الجديد”. فعندما ترون المسيح كل شيء فيكم، يكون قد ظهر فعليا، ويأتي العيد رمزا لظهوره.