أنّى لي أن أدنو الى سرّ مريم في عيد رقادها غدا وهذه لا يتحدّث عنها الا المطهّرون وانا عي امام بهائها مع أنها أخذتني أخذًا فريدًا قبل بضع من سنين. إن اجترأتُ على الكلام يسحرني صمتها وهي الماكثة في صمت مذهل لأنها كانت تؤثر أن «تحفظ كلام الله في قلبها» اي أن تنتظر إلهها يُكلّمها حتى تتكوّن هي بالكلمة.

من المعروف أن العهد الجديد لم يذكر موتها لأن الإنجيل ليس سيرة مريم، والقليل الذي ذكره عنها له علاقة بسيرة السيد، والإنجيليون همّهم أن يكشفوا قوة المسيح وجلاله. لم يظهر حديث عن هذا الموت الذي نسمّيه في الشرق رقادًا اذ المؤمن لا يفنى. لم يظهر حديث عنه قبل القرن الخامس وبدا هذا في كنائس الشرق عيدًا اي تقوى في أناشيد وتلاوات غير مسكوبة في عقيدة. مريم لها أثر قبر في القدس الى يومنا في الجثسمانية في حمى دير راهبات روسيات. بعض الآباء على رأسهم يوحنا الدمشقي كتبوا عمّا حدث بعد موتها فتكلّموا عن انتقال جسدها الى السماء. تحديد الانتقال الجسديّ جاء فقط عند الكنيسة الكاثوليكية في اواسط القرن العشرين. الأرثوذكسيون متروكون لأناشيدهم التي تبدو قائلة بالانتقال الجسدي. هذا نسمّيه في اللاهوت رأيا ولا نسمّيه عقيدة.

ولكن تفحّص هذه النصوص يدلّ على أن مريم ساكنة المجد الإلهي بحيث تكون غير خاضعة للدينونة، وتراها الكنيسة البيزنطية أكرم من الملائكة، وقد يعني هذا فيما أرى أنها تتمتع بكمال الرؤية الإلهية اي بكمال الغبطة التي ليست بعد من حصّة القديسين. ربما جاز لي أن أَستند في هذا على ما قالته لنسيبتها أليصابات: «ها منذ الآن تُطوّبني جميع الأجيال». هذا أقرأه قراءة بسيطة على أنه يعني تقديرك لها تقديرا عظيما ولكنك تعترف أنها نالت الطوبى التي لا يحظى عليها الا المقرّبون من العرش الإلهي. وهذا في فهمي يعني أنك تخاطبها وتقبل أن يجعل الله صلة بينك وبينها تتجاوز التقدير العقلي الى حالة حبّ مريميّ لا أعرف حتى الآن كل جماله وكأنها تحملني كما حملت المسيح. واذا أَكرمتني بهذا أُصبح رائيا لوجهها.

# #

#

سأتوقف عند ثلاثة أحداث. أولهما البشارة كما وردت عند لوقا. الفتاة كانت عذراء ومخطوبة ليوسف اي انها كانت «مزوّجة» شرعا ليوسف ولم تكن بينهما مُساكنة. يأتيها جبرائيل ويبشّرها بأنها ستحمل وتلد ابنا ويطلب اليها أن تسمّيه يسوع. فقالت له مريم: «كيف يكون هذا ولا أَعرف رجلا». ماذا أرادت بهذا الكلام وهي متزوجة شرعًا اي مقبلة على زواج فعليّ بالمساكنة؟

زواج بلا اتصال لا يعني شيئًا عند اليهود وهم لا يُمارسونه. جوابها لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا أنها فهمت أن الملاك يقول لها بأنها ستحمل فورا قبل المساكنة. فهم الملاك أنها فهمت هكذا. لذلك قال لها: «إن الروح القدس يحلّ عليكِ وقدرة العليّ تظلّك» الى آخر الكلام. كشف لها جبرائيل أنها ستكون مطرح معجزة ليس لها سابق ولن يكون.

عند ذاك، قالت: «أنا أَمَةٌ للرب، فليكن لي حسب قولك» أي اني أتقبّل هذه المعجزة لإيماني بالله. كانت هذه طاعة لم يكن للعقل فيها دور. هذا إيمان غير مبنيّ على تأمل لاهوتي ولا على آية من العهد القديم. كان هذا ايمانا مطلقًا.

الحادثة الثانية الهامّة في حياة مريم هي عرس قانا الجليل الذي كانت فيه أُمّ يسوع. ولما نفدت الخمر قالت ليسوع: «ليس عندهم خمر». فقال لها يسوع: «ما لي ولكِ يا امرأة». رأى يوحنا الذهبي الفم أن هذا القول يتضمّن لومًا للسيدة العذراء. أقرأ هذا النص كبعض من قارئيه أن وجود الخمر وغيابهما أمر لا يعنيني. لماذا انتِ مهتمّة بأمر تافه؟ لم ترفض مريم قوله ولكنها آمنت أنه لن يترك المدعوّين الى العرس بلا فرح. لهذا قالت للخدّام: «مهما قال لكم فافعلوه». ثم كانت أُعجوبة تحويل الماء الى خمر.

تجاوز الكاتب الحديث عن الحوار الذي جرى بين يسوع وأمه. كان همّه أن يقول: »هذه أُولى آيات يسوع أتى بها في قانا الجليل فآمنَ به تلاميذه«. الأمر أعظم من أن نقول ان السيد قبل أُمنية والدته. ما كان همّ الإنجيلي أن يُظهر أهميّة هذه المرأة المتواضعة. كان هاجسه أن يكشف مجد يسوع وأن يربط بين المعجزة والعشاء السري. قانا كانت محطّة أولى في ذهن يوحنا الى آخر الطريق الذي هو موت المخلّص بعد مناولة التلاميذ كأس الخلاص. اختفت مريم لإظهار مجد يسوع. إنها دائما متسربلة بالخفر ليتمجّد ابنها. هذا دور كبير.

# #

#

ما يختم المريمية في الإنجيل هو وجود مريم والى جانبها التلميذ الحبيب عند صليب يسوع. «فرأى يسوع انه التلميذ الحبيب فقال لأمه: «ايتها المرأة هذا ابنكِ» ثم قال للتلميذ: «هذه أُمك» ». هذا تعليم وليس مجرد حادثة. يقول التراث ان التلميذ الحبيب الوارد ذكره هنا في إنجيل يوحنا هو يوحنا نفسه. ولكنه خفرا او تواضعًا او بأسلوب خفاء أدبي لم يذكر اسمه. قراءتي تتجاوز هذا لأتمسّك بالنص لأقول أن يسوع لم يكتفِ بأن يجعل مريم أُمّا ليوحنا. هذا صار ولكنه دون عظمة إنجيل يوحنا وقوته. لقد جعل يسوع مريم أُمّا لكل تلميذ حبيب.

ماذا تعني هذه الأمومة؟ أحسب أننا لن ندرك ذلك إلا اذا جعلنا هذه العظيمة حاضنة لكل قلب اشتهى أن يرتمي على حضن المسيح. تكون هي الى هذا القلب بحنان لا نعرف كل مداه قبل أن نُعاينها بعد القيامة لصيقة العرش الإلهي.

لذلك كله، نحن نُعيّد غدًا لرقادها العجيب.