قبل بضعٍ من سنين زرت قانا والدليل الذي كان معي رافقني إلى قبور الشهداء الذين قتلتهم إسرائيل في الحادثة المعروفة. قبور مرصوفة الواحد إلى الآخر لتشهد على الظلم وعلى صمت الشعوب. هذه المرة رأيت صور الأطفال يحملهم مسعفو الصليب الأحمر. رأيتهم مقتولين في طراوتهم وما قيل أين دفنوا وهل تسلّمهم ذووهم الذين قُتل بعض منهم ما في ذلك ريب. لأن إسرائيل الجافة لها عداوة مع الطراوة ومع أن تنمو الحياة عند من تسميهم الأمم.
الذين يذكرون المسيح عند امتحانهم يعودون إليه في هذا الطور أو ذاك من مسيرته على الأرض. لا بد ان يعرف قارئي ان الكتاب يقول الشيء القليل عن طفولة يسوع التي أحب أن أقرأها في لوقا القائل عن السيد في طفولته: “وكان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح ممتلئا حكمة وكانت نعمة الله عليه” (40:2).
أطفال قانا منعتهم إسرائيل “أن ينموا وان يتقووا بالروح لأنهم من الأمم (غوييم بالعبرية) وسيان ان يحيوا وان يموتوا لأنهم ليسوا من أبناء الموعد. كفى أن ينمو أبناء اليهود وان يتقووا بدنا وعقلا ويتعلموا في الجامعة العبرية في أورشليم ـ القدس أو غيرها ويتروّضوا على السلاح يذبحون به من يعرقل فتوحاتهم.
أنت تحب البراعم لشوقك إلى الورود وتخشى عليها الاستئصال لحبك اكتمالها. كل منا يبكي على البراعم إذا قُصفت. إسرائيل لا تبكي إلا على إسرائيل حتى تبقى شاهدة لإلهها الذي في بدء تاريخها كان إله قبيلة، وكان يقهر الآلهة الأخرى. خسارة لأي إله أن يموت أطفال لبنان. وهؤلاء ليس لهم تقنيات يرتقون بها ولن يكون لهم طائرات في بلدهم الصغير.هؤلاء كل وجودهم التصاق بأرض فقيرة. ألم يقل شاعر عبري في العراق قديما: “يا ابنة بابل الصائرة الى الدمار / طوبى لمن يجازيك على ما جازيتنا به / طوبى لمن يمسك أطفالك / ويضرب بهم الصخرة” (مزمور 137: 8 و9).
بعد هذه الحرب اللعينة من يعلّم اليهود أن يحبوا أطفال الأمم كما يحبون أطفالهم؟ من يكرر لهم قول الناصري: “دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات”؟
***
مشكلتنا الكبرى مع الذين اعتدوا علينا ليست فقط سلام لبنان لسنا نعرف متى يحل أو إذا يحلّ. مشكلتهم مع أنفسهم هي القضية. والقضية هي هل يُلهمهم الله يوما على رغم تراث حقد لهم أن يؤمنوا بالطفولة وان يعاملوا البشر جميعا بطراوة؟ أنا لا أنكر على احد منهم محبته لأولاده. هذا شيء من الحشا. ولست أنكر على اليهودي خارج إسرائيل أو غير مؤسرل فكريّا أن يحب أولاد الناس. ولكن ماذا إذا غرست هذه الدولة العسكرية قناعة ان الطفل العربي سوف ينمو وانه يحمل طاقة جندي فتخشاه وتتعامل وإياه على أساس هذه الخشية على طريقة الحرب الاستباقية التي تبناها جورج بوش الابن؟ في هذا المنطق القائم عند بعض من المحافظين الجدد في أميركا القتل الاستباقي للأطفال معقول كثيرًا. وإذا كانت الحرب الاستباقية تحتاج إلى الكذب كما حصل في العراق ففي إبادة الأولاد الغرباء هي تحتاج إلى حقد.
نحن نحب الأفراد اليهود وفق تراثنا وان اختلفنا في تقدير لاهوتهم. إلى هذا ليس للإسلام قضية مع اليهودية ولو كانت له مشكلة مع اليهود في حياة الرسول. ولكن بعامة لم يحظَ اليهود بحرية كتلك التي حظوا بها في دار الإسلام ونحن المسنين نذكر الحرية البالغة التي كانوا يتمتعون بها في مصر والمغرب. ولكن بيننا وبينهم اليوم قانا وهذه مشكلة لا تحل بسهولة إن لم يتوبوا عنها صراحة أي إن لم يعترفوا إن أولادهم وأولادنا سواسية. وكان خيرا لهم ان يخسروا معارك من أن يقتلوا طفلا واحدا في الجنوب. قال هنري برغسون ما مفاده: انه إن قيل لي نقتل طفلا لتنجو الأرض أقول فلتخرب الأرض وينجو الطفل.
لا يمكن لأمة أن تتعسكر كلها كهذه التي تدمرنا الآن ويبقى فيها رقة. لها أن تبني مصانع وتنتج أسلحة ويبقى قلبها ملطخا تداعبه الشياطين. في التراث العبري ليس الأولاد الغرباء وحدهم مقصيين عن المعاملة الحسنة ولكن البالغين أيضًا ليس عليهم رحمة. فقد جاء في سفر تثنية الاشتراع:” وإذا تقدمت إلى مدينة لتقاتلها، فادعها أولاً إلى السلم، فإذا أجابتك بالسلم وفتحت لك أبوابها، فكل الذي فيها يكون لك تحت السخرة ويخدمك. وان لم تسالمك، بل حاربتك فحاصرتها، وأسلمها الرب إلى يدك، فاضرب كل ذكر بحد السيف. وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة، فاغتنمها لنفسك… هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جدا والتي ليست من مدن تلك الأمم هنا. وأمَّا مدن تلك الشعوب التي يعطيك الرب إلهك إيَّاها ميراثا، فلا تستبق منها نسمة بل حرمهم تحريما”(20: 10-17).
كذلك في سفر يشوع بن نون: “استولوا على المدينة. وحرموا كل ما في المدينة من الرجل وحتى المرأة، ومن الشاب حتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحد السيف” (6: 20 و21).
من كان شعب هذه فلسفته ونفذتها في فلسطين عصابة الإيرغون وشترن عصر الانتداب البريطاني يحتاج إلى تبشير أي إلى التنكر للصهيونية تنكرا كاملا وإلاَّ كانت الوداعة عنده مشجوبة والرحمة مرفوضة. كل تحركه العسكري تكون فعلته في قانا هي النموذج.
أمام جريمة قانا لا بد من معاقبة مرتكبيها أي لا مفر من لجنة دولية تحقق في مسؤولية إسرائيل لأن المجزرة كانت ضد حقوق الإنسان وإغفال العقاب يفسح في المجال للمرتكب أن يقوم بمجازر أخرى متى حلا له ذلك. “ولكم في القصاص حياة”. الجرحى وأهل الضحايا لهم ألاَّ يصبحوا فريسة الحقد ولكن يجب شفاء الحاقدين بإدانتهم عسى يتوبون.
بعد هذا -وليس قبل هذا- يأتي السلام الذي لا يشفي وحده القلوب الجريحة. اللبنانيون الذين ذاقوا ما لم يذقه العرب في هذه الآونة آخر من وقع السلام ليأمنوا أنفسهم المرة تلو المرة فظائع القصف والدمار والموت. كيف يقوم البلد ولا تتكرر الفاجعة يفترض ان نصبح في هذا البلد مجتمعا موحّدا لا انقسام فيه حتى لا تقع أية مدينة أو قرية في ما وقعت فيه قانا، حتى لا تموت الطفولة في القلوب. وهذا يتطلّب حسّا عالميا وإحساس الدول بوجود لبنان، هذا البلد الجميل الوديع الذي لا يطلب شيئا إلا أن يجتنب اعتداءات متكررة. إنها لمصيبة على العالم كله إن صرنا بلدا كله مدمّر.
يجب أن يزول فخر إسرائيل حتى لا يحترق بلدنا. لن تجد إسرائيل راحة إن بكينا بكاء الليل كما قال إرمياء. ينبغي ألا يسير أطفالنا مسبيّين ويتامى. ارفعْ يا رب غضبك عن ديارنا وعزّنا بتعزيات روحك فلا يبتلعنا أحد. اشفقْ علينا يا الله، إله خلاصنا.”انطرح على الأرض الفتى والشيخ”. لا تسمحْ يا رب بأن تُهشّم عظام شبابنا والأطفال. مراحمك يا رب لا تنتهي. إحفظْ لنا الكرامة التي بها نحيا لأننا محبوك.”حل بنا الرعب والهلاك والدمار والتحطم” (مراثي ارمياء). “الأطفال طلبوا خبزا ولم يكن من يكسره لهم”. لا تقطع عنا أغانينا فهذا بلد الفرح. لا تصرف وجهك عنا في أيام الضيق هذه. لا تنسنا ربّ وعوّض علينا كل ما خسرناه ونحن نؤمن انك القيامة والحياة. لا تنبذنا إلى النهاية ولا تغضب. تعال يا رب، تعال وتعهّد الأحباء الذين احترقوا في قانا والجنوب والضاحية وأهل كل بقعة منكوبة وأعدْ إلينا طفولتنا واعتبرنا بالتوبة إليك أبرياء كأبناء قانا الحبيبة.
