أهمل التأمّل قليلاً في أحوال البلد لأرى الى يسوع الناصري المولود في فلسطين الجريحة والذي نقيم ذكرى ظهوره بيننا بعد يومين وبين يديّ كتاب طريف الخالدي عن “الانجيل برواية المسلمين” وكنت قد قرأته في ترجمته العربيّة لاعرف ما قاله الزهّاد والمتصوّفون المسلمون عن عيسى، هذا الذي أحبوه وأتى كلامهم عن عشقهم له كأن قلوبهم كانت تدمي وجاء كلامهم أحر من جمر حبّهم. ورأيت أنهم لا يختلفون عني في العيسويّة ورأوا المخلّص في بشريّته. أظن ان الشيخ عبدالله العلايلي قال مرة عن عيسى إنه المخلّص كائنا ما كان مدلول اللغة. ما هو الحب سوى الخلاص. ان يتطهّر قلبك حتى البلوريّة فيرى الله مَن فيه ويضمّهم الى قلبه هو فيصبحون أمّته.
أمة الله التي يؤلفها الأتقياء الموحدون تعيش في هذا السلام الذي أنشدته الملائكة عند مولد السيّد اذ قالت: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام”. معنى ذلك أنك تجيء الى السلام الحقيقي اذا مجدت الله. وان تمجده تتضمّن انك لا تمجّد نفسك ولا المحازبين بحيث تعترف انه ملك السموات والأرض هو الله. واذذاك يحل سلام الله فيك وفي الناس الذين وضع الله مسرته فيهم. هذه الذكرى التي نقيمها بعد يومين نلتمس فيها السلام لكل منا وللبلد على ان نكون في ذلك صادقين ولا يطغى أحدنا فيها على الآخر لأن هذا من مجد الدنيا وهو زائل بزوالها. ومع ان محبيّ الله لا يؤمنون في العمق الا بهذا السلام الذي يحله ربهم في قلوبهم الا ان الفكر السياسي المجسّد بشرعة الانسان يريد ألا يكون بين البشر احتراب يأتي لهذه الفئة أو تلك بمنافع دنيويّة. لذلك كانت حياة كل امرىْ وحياة الجماعات أمرًا جميلاً وعلى الانسان ان يبذل كل مسعاه تحقيقًا لقول التنزيل القرآني: “من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”. وفي فهمنا نحن أتباع المسيح انه مات لكي يحيا كل انسان على رجاء الديمومة لمحبّته للبشر جميعًا. فلو كان محبو السلام من غير عشيرتك فهم أقرب اليك من أهل عشيرتك اذا كانوا يهوون إراقة الدم. لذلك نصلّي مع صاحب المزامير: “نجني من الدماء يا الله”. نجنّي أيضًا من التشنّجات التي من شأنها ان تعرض سواك للخطر. وأقول أكثر من ذلك. لا تترصدهم ولا تبعدهم عن داخلك خشية ان يتحوّل هذا الى غضب.
طبعًا المسيح الذي هو في كلام إشعياء رئيس السلام كان عارفًا بأن الشر قائم في الدنيا حتى يرث الله الأرض وما عليها. ولكن اذا عرفنا – بطريقة أو بأخرى – ان السلام قيمة أبديّة ومطهر للنفس نحاول ان نزيل من النفوس ما يجعلها قاتلة. والكلمة المفصليّة في هذا ان نتغذى من المحبّة ليس فقط للعشيرة ولكن لكل العشائر. ذلك ان المحبّة رفق وانها الوحدة بالرفق حتى ينشأ في قلوبنا اننا معًا أمة الله في لبنان والعالم.
• • •
الى هذا ولد يسوع فقيرًا وعاش زاهدًا. لم يسعَ الى أيّة حاجة من حاجات الجسد ولكنه سهر على الحاجة الوحيدة ان يغذي البشر من الله وجعل الفقراء أهله. والكلمة البليغة في هذا انه شارك البشر في كل أحوالهم ما خلا الخطيئة واستطاع لطهارته ان يغفر للعشارين والزواني اذ كانوا روحيًا فقراء وجعلهم لا يستغنون عن الله.
وما كان يسوع يتقرب من أهل السلطة ولو اعترف بوجودهم ولو تحداهم بكلمات ذهبيّة أسقطت غطرستهم جيلاً بعد جيل ولكونه ما كان يحتاج اليهم ولا الى سلطانهم مكّننا نحن المؤمنين به من ان نراهم لا شيء حتى فهم الانسان به انه يصير شيئًا بالتواضع حتى درجة الانسحاق وكان فقره ضروريا لإتمام رسالته اذ مكّنه فقره من ان يقول لكل انسان كلمات يحيا بها فيدخل ملكوت الله النفوس فيوهَبون سلاما من فوق. وأدرك بعضنا انهم يبرزون أمام وجه الله اذا صاروا مساكين بالروح أي عارفين انهم ينالون الغنى الحقيقي الذي يأتيهم اذا عاشوا من كل كلمة تخرج من فم الله. فاذا كان الله فيك كل شيء كما يقول بولس فأنت حر من المخلوق فتلازمه بالعطاء المجاني الذي يزكيك ويرفعه الى السموات فيصير على هذه الأرض مقرًا للكلمة.
واذا علمنا ذلك لنا ان نترجم سلام الله فينا سلامًا في دنيا السياسة. واذا لم نعلم فالعلاقات بيننا تسوية أي استرضاء للآخر بما هو دغدغة لشهواته فنكذب بعضنا بعضًا ونتراكم ولكن لا نتلاحم. وهذا من شأنه ان يقيم مجتمعًا ظاهره هادىء وحقيقته استعداد لإلغاء الآخر. هذه هي الأنا المقيت الجاحدة لأهميّة الآخر التي تعيش بتوترات التعصب أي التي تعيش حقيقة في البغضاء مكتفية بعزلتها والبغضاء والصائرة في داخلها والتعامل الى التهلكة. وأما من تبنى الناس جميعًا فيحييهم ويحيا بما أعطي.
الإنسان هو المشارك أي الباذل نفسه في سبيل الآخرين والذين يؤلف معهم شعب الله وهذه هي الهويّة الحق. انت لا هوية لك اذا اعتصمت بنفسك وتكتسب هوية الحب اذا قررت ان تكون مبذولاً وتاليًا راعيًا مشاعر الآخرين وعاملاً على تنميتهم بما أمدهم الله به من مواهب. انت تقوم بالآخرين أي انهم قيامك وقيامتك من بين الأموات. وما قدر الناصري ان يقوم من الموت الا بعد ان اقتبله راضيًا ومحبا. فاذا أمتّ أنت نفسك المشتهية تنهض وتُنهض الآخرين معك اذ يحسّون انك بهم وانهم بك.
• • •
وهذا في عالمنا يعني ترفّعك عن كل ما فيك من شهوة ليصير النور مشتهاك الوحيد فيغدو كل امرىء فوق رأسك لأنك بذا فقط قد اعترفت بالله انه رأسك الوحيد وانه يمدّك بالفرح.
وهذا يعني محدوديّة السياسة ومحدوديّة الفرديّة وصغر التحزّب الذي تظن انك تنوجد به ولا تنوجد. لم يكن المسيح رجل سياسة فلو كان ذلك لما مات. كان الرومان وأحبار اليهود يظنّون انه كان سياسيًا بامتياز لعلمهم بأن كلمته كان وضوحها أنه يغلب عروشهم. لذلك قال عظيم الأحبار آنذاك: “لا بد ان يموت رجل عن الأمّة” اذ كان مدركًا انه اذا توطد نفوذ يسوع الناصري فلا مكانة لشعب مختار ولا لأمّة منغلقة.
كان لا بد له ان يموت لتحيا البشريّة حرّة من البغض ومن امتيازات اصطنعتها لنفسها. كان لا بد له ان يموت لكي يصير العطاء وحده شعار الإنسانيّة. لكن أعداءه ما كانوا مؤمنين انه جاء ليحب. الذين لا يعرفون الحب يفسرون كل شيء سياسيًا. أنا لست أقول إن السياسة ليست شيئًا جميلاً ويمكن عند الكبار ان تكون طاهرة ولكن لها أسلوبها ولها حدودها وتقوم على حسابات الأرض. السؤال الذي يطرحه على نفسه رجل السياسة هو هل أبقى وتبقى جماعتي في السلطة أي قادرة على الأمر والنهي وعلى الغلبة؟
أجل لا بد من تدبير هذا العالم حسب مقاييسه. ولكن الذي تبتل للمحبّة لا يسعى الى سلطان ولا يستعمل وسائل الحكم بما فيها من شدّة ولا يأمر ولكنه يدعو. “فذكر انّما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر” أو “مملكتي ليست من هذا العالم”. هذا ما عنى به السيد ان ليس في هذه الدنيا ممالك. ولكنه عزل نفسه عن منطق الممالك وأساليبها وعزل نفسه عن الانحياز الى فريق ولو كان أصلح من فريق آخر. كان يعرف سلطان الحب وكفاه ان يقيم على هذا السلطان وان يغير البشريُة به.
وقوله: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض” نفهمه انه يقترح على أحبائه كنوز السماء وعرف ان الفقراء الى هذا الكنز قادرون ان يغيروا العالم. انت تستطيع ان تكون عظيمًا في الأرض واذا اعتبرت هذا مجدًا حقيقيًا تلغي في نفسك ما يمكن الكبير في قومه ان يذوق أي التواضع.
جاذبيّة يسوع الناصري انه كان دائمًا على فقره الى الآب. وهو القائل: “اعمل في كل حين ما يرضيه” ولم تغره ذرة من هذه الدنيا وعلم تلاميذه ان يتركوا كل شيء ويتبعوه لأنه ما كان يأخذهم الا الى الله واذا مشوا معه على ضفاف بحيرة طبريّة كانوا عالمين انهم في الحقيقة سائرون الى كل كلمة تخرج من فمه ليعيشوا بها. وهكذا ساد الأعظمون ممن تقدمنا على معارج القداسة والشهادة ودبرت الدنيا نفسها.
وستدبّر الدنيا نفسها ولكنها لن تحيا إلاّ بوجهه واذا فعلت هذا لا تختلط فيها الأشياء اذ “اية شركة للنور مع الظلمة” ما يقوله الانجيل انك بالله تستغني عن كل شيء ويبقى دائمًا أذكياء هذا العالم والمتذاكون ليحكموا في الأرض وأنا لا أنكر هذا. لكن قلة تقبل ان تموت حبًا. هذه لا يهمّها المجد ولا الجمال ولا تطلبهما.
انت تصير انسانًا سويًا اذا كنت قادرًا على ان تدخل بعد يومين الى هذا الطفل المضجع في مذود البهائم فترى الى مريم التي كانت تعتبر نفسها فقط أمة للرب قابلة كلامه في كل حين وترى الى بساطة الناصري والى كل الفضائل الكامنة فيه لتأخذها اليك وتقيم العيد في قلبك الى ان يستدعيك ربك الى مراحمه يوم يشتاق اليك عند آخر مطافك على الأرض.
