المرّة تلو المرّة تسمع من يتمنّى تطورًا  في الدين لملاءمة العصر وفي الحقيقة يريدون بهذه الكلمة ملاءمة الشهوات. وهنا وددت أن أتكلّم على المسيحيّة وحدها فذلك أسهل عليّ. لعلّ تشدّد بعض في حفظ هذه الطقوس وحرفيّة التفسير كان من العناصر التي تدفع بعضا الى فكرة تحديث العبادات والعبارات وربما العقيدة. والمنطق عند هؤلاء اذا صفت النيّات انهم، بوعي او غير وعي، يأخذون التطوّر شاملا لكلّ الوجود ويجدون فيه حقيقة الوجود. معيار الحقيقة عندهم التغيير لأن التغيير نتاج العقل ولأن العقل هو كل شيء.

          يذهلني في كل هؤلاء ان أحدًا منهم لم يحدّد العقل ولم يكشف لنا ثبات العقل واذا كان معرّضًا للعطب واذا ما كان واحدا عند جميع الناس. والعقل عند هؤلاء هو العلم والعلم حقيقته لا يجوز النقاش فيها ثم العلم تحول الى تكنولوجيا واستطاب هؤلاء القوم عظم التكنولوجيا ولم يبحثوا في أضرارها او في حدودها.

          إزاء هذا الاقتناع بالعقل تأتي الديانات التوحيديّة لتقول ان الله تكلّم بالأنبياء ولتقول المسيحية انه تكلّم أخيرا بابنه يسوع المسيح. السؤال الذي يتطارحه بعض المؤمنين المدققين: هل هذا حقا هو كلام الله وما معناه اذا ثبت انه كلام الله وهل يُفهم من خلال التاريخ؟ أليست القراءة التاريخيّة تدخل عنصر النسبيّة في إدراك الحقيقة؟

          هذا كلّه أُشبِع درسًا في المسيحيّة ومنذ عصر الآباء دخل الظرف التاريخي في فهم الكلام الملهم. فالكلام الإلهي عندنا يُنسب الى الحقيقة الأبدية ولو كان فهمه متعلّقًا بظروف التفوّه به بشريا. المطلق لا يخسر شيئا من مطلقيّته اذا لوناه بأوضاع الأزمنة التي تأطر بها.

          هذا موضوع الفهم والمضمون لا يتغيّر لأنه صادر عن فم الله. لا تغيير اذًا في المضمون اذا الله قال. كيف يجب ان تفهم ما قال؟ هنا نستعمل النقد الأدبي والنقد التاريخي وسيلة لنصل الى ما جاء مطلقا. اذ ان الله يكلّم التاريخ كلّه في أسلوب التاريخ الذي نزل فيه الكلام ولا بد تاليا من درس الحضارة التي انكشفت فيها الكلمة ولكن الكلمة بمضمونها هي اياها. يبقى ان مقاصد الله قد لا تنجلي بوضوح كامل للقارئ او المفسّر. ذلك لأن المقاصد هذه مسكوبة بقالب معين.

#                    #

#

          الكلمة الإلهيّة نص ونطبّق عليها قواعد فهم النصوص. والكلمات المنسكبة بما فيها من إطار حضاري وتاريخي تبقى الكلمات الإلهيّة التي لا يناقض الله فيها نفسه والا لما كانت إلهيّة. فالنص ثابت وتكتشفه بالنقد التاريخي للنصوص وعلى رغم هذا التأطير والحدود النقديّة لك ان تصل الى معرفة المعنى الإلهي.

          اعترف ان هناك صعوبات جمّة للفهم اذ ينبغي ان تغرق في القواميس اعني قواميس اللغات الثلاث التي استُعملت في العهدين القديم والجديد لتصل عند خروجك من القواميس الى العمق. مع هذا هناك مشاكل لا تنتهي. كيف يلتتقي الفهم الإلهي والفهم البشري. الى أيّة طاقة فينا مرسلة الكلمة الإلهيّة؟ كيف يتم التلاحم بين العقل الإلهي والعقل البشري؟ كل هذا لا بد له من إدراك لتغوص على العمق الإلهي اللابس كلمات معربة.

          المسيحيون يضيفون الى هذا ان فهم المصادر ليس أسير اللغة. هناك الروح القدس الذي بعدما ألهم الكتبة النص هو إياه الذي يلهم القارئ والكنيسة إدراك النص لأن النص لا يأخذ مداه فيك الا بقوّة الروح. فاذا أخذنا بكل هذا نصل الى الوحي ونحيا به. غير ان محدوديّة الكلمة وتاريخيّتها لا تلغيان الحقيقة الأبديّة التي تحملها الكلمة. معناها ومبناها من حيث هو لباس لها.

          تلك هي النصوص التأسيسيّة الصادرة من الله في روحه القدوس التي لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة لأن الأزمنة لا تأتي بمضمون ولو أتت حسب التنقيب العلمي بتفاسير تلقي الضوء على الأساس الذي الله واضعه. اما اذا كانت النصوص التأسيسيّة لا تتغيّر ففي المسيحيّة ان العبادات قابلة للتغيّر مع المحافظة على الجوهر. فاذا اتخذنا القداس الإلهي مثلا لا يظل يعني شيئا اذا مسست بماهيّته التي هي تحويل القرابين الى جسد المسيح ودمه. تؤطّر هذا بترتيل يختلف وفق التربيّة التي تريد اعطاءها. الأنظمة تتغير في حدود معيّنة. صورة الصوم عندنا مثلا قابلة التعديل فتأتي نسكه او تقشفه في شكل او في شكل آخر مع المحافظة على روحه. بخلاف ذلك لا يمكنك إقامة جماعة بلا أسقف أو قس لأن هذا بنظر الكنائس التراثية فيه كشف إلهي. تغيير الأحكام والنظم من ضمن روح الوحي.

          ولكن ليس من تغيير لتلائم بشكل هذا الدهرا. لا تبطل الأخلاق التي هي جزء من الوحي لتنسجم مع شهوات اهل العصر. لا تبطيل العائلة مثلا لمسرة المنحرفين: لا تقوم باختبارات على الجنين لأنك بذلك تقتله ولو كان في ذلك انفتاح على معالجة بعض الأمراض.

          لا تزول ماهية المعتقد ولو كان ممكنا نظريا ان تغير الصيغ العقدية لتوضحها حسب العقليّة المعاصرة. لا يسعك مثلا ان تلغي الثالوث ولو استعملت تعابير جديدة للتعبير عنه. فقد لا ينفعك هذه الأيام ان تقول ثلاثة أقانيم لأن لفظة أقنوم سريانيّة لا يفهمها احد في العالم العربي ولكن لك ان تستعمل عبارة ثلاثة وجوه متقابلة كلها من جوهر واحد.

          قد لا تقول للمسيح طبيعتان إلهيّة وإنسانيّة فتقول مثلا انه من عنصرين إلهي وإنساني اذا باتت مفردة طبيعة غير مفهومة لأنها آتية من عقل أرسطو ولكن تبقى مستعملا عبارة تجسد الكلمة اذ لا اجد ما يعرف على التقاء الإلهي والبشري في المسيح اليوم لفظة أفضل. ولكن في كل هذا التغيير ليس من انحراف عن مضمون العقيدة.

          الفلسفات تتغيّر ولك ان تدخلها للتعبير على ما بدُفع مرة  للقديسينا. نحن لسنا أسرى للفلسفة اليونانيّة التي جاءت فيها عباداتنا وانا اعرف ان كبارا في العالم الأرثوذكسي يخالفونني هذا الرأي. انا لا استطيع ان أفهم انك مكبل بالفلسفة اليونانيّة. انا ما قلت مع هارناك ولا مع استاذي الكبير جورج فلوروفسكي ان المسيحية التي نعرفها مزيج من الانجيل والعقل اليوناني. حتى مع إصرارنا على عبارات العقيدة المجمعيّة ولا سيّما المجمع النيقاوي الأول ما كنا سجناء الفلسفة اليونانية ولكني اقول ان توضيح العقيدة للعقل المعاصر هو امر قد يكون مفيدًا لتعميم البشارة.

          اما ان يكون عندك مضمون آخر فهذا يعني ان الله لم يتكلّم بصورة نهائية وكاملة وان كل عصر يأتي بمضمون جديد. من قال ذلك يعني في الحقيقة انه يقف من الكلمة الإلهية موقفا انتقائيا وان العصر ينشئ ايمانا جديدا ليس من النصوص التأسيسيّة.

          لا، ليس من تطور معقول للإلهام المسيحي الذي ظهر دفعة واحدة ولئن كانت الكنيسة عندها حرية كبيرة في تطبيق النصوص التأسيسيّة احكاما وأنظمة وعبادات حتى يبقى الله هو الله.